خاتمة الكتاب

    شاطر
    avatar
    بص وطل
    Admin

    عدد المساهمات : 1284
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    خاتمة الكتاب

    مُساهمة من طرف بص وطل في السبت فبراير 17, 2018 3:20 pm


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة التاريخ
    حوادث الدهور

    { التراجم }

    كان الخليفة المعتضد بالله داود مجتهدا في السير مع ندمائه وأصحابه على قاعدة الخلفاء فيضعف موجوده عن إدراك مقصده ولذلك تحمل جملة ديون ومحاسنه شتى أعرفه قديما وحديثا تزوج بزوجة.
    الوالد بعد موته الست قمر بنت الأمير دمرداش وكان بينها وبين الوالدة محبة مستمرة إلى الممات رحمهم الله.
    وكان الشيخ محمد ابن الزين من الشعراء المعدودة وشعره كثير بالأيدي مع استحضار القراءات السبع وله كرامة فإنه به صمم عظيم بحيث لا يكاد يسمع الطبول العظيمة وإذا قري عليه القرآن يرد الغلط رحمه الله.
    وتوفي القاضي زين الدين عبد الرحمان الحنفي أحد نواب الحكم في يوم السبت الحادي والعشرين من رجب وكان مشكور السيرة.
    سمع المقريزي على البرهان الشامي والحراوي والبران الآمدي والسراج البلقيني والزين العراقي والهيتمي وبمكة من ابن سكر والنشاور وغيرهما وأجاز له الشهاب الاذرعي والبهاء أبو البقاء السبكي والجمال الاسنوي وغيرهم.
    وكان منقطعا عن الناس مع الدين المتين وكثرة الاوراد والتجهد والصيام حلو المحاضرة فكه المنادمة خصوصا في التاريخ وأيام السلف من القرون لماضية فإنه كان أعجوبة في ذلك وكان معظما في الدولة مبجلا عند الأكابر إلى الغاية حتى كان إذا خدم على الوزير ابن نصر الله ناظر الخاص يجلس بينه وبين ولده الصلاح محمد الاستادار على تيم فيهم أفعى عمره في كتابه التاريخ والتصانيف المفيدة النافعة التي هي في عدة فنون ويضيق المحل عن ذكرها استوعبناها في المنهل الصافي وكانت بيني وبينه صحب أكيدة ومحبة زائدة وقد قرأت عليه كثيرا من مصنفاته وبه انتفعت ومنه استفدت وهو الذي حببني في هذا الشأن وسمعت عليه فضل الخيل للدمياطي بكماله وغيره وأجاز لي جميع مروياته ومؤلفاته وقد تولى الحسبة غير مرة وكانت أول ولايته لها من قبل الظاهر برقوق في رجب سنة أحد ى وثمانمائة وعزل عنها بالبدر العيني في ذي الحجة منها وهي أول ولايات البدر لها أيضاً وسئل بقضاء مستوفي الدولة الناصرية فرج فامتنع.
    وصار الزرزاوي أمام وقته ووحيد دهره في المنقول والمعقول مع الصلابة في الدين والورع المتين انتهت إليه رئاسة العلم بالقاهرة في زمانه وكان قد طلب الحدي في ابتداء أمره وسمع الكثير وترجمته مستوفاة في المنهل الصافي لاقتصاره على التراجم وكان رحمه الله لازما لطريق السلف في التقشف وعدم التردد للناس وصحب الشيخ مدينة في آخر عمره فزاد تقشفه وورعه وكان قد رحل إلى مكة واليمن في شبيبة وتولى عدة تداريس بالديار المصرة وتصدى للاشتغال سنين.
    كان ناصر الدين بك في أول أمره من جملة أمراء حلب لما كان الوالد نائبها ثم ترقى حتى صار نائب الابلستين على عادة آبائه وأجداده فلما وليها طغى وتجبر وخرج عن طاعة ملوك مصر إلى أن أباده الاشرف وحصل له محن من كثرة من تجرد إليه من قبله ولم تزل العداوة بينهما حتى توفي في سنة ثلاث أربعين فلس خلعته وأكرمه السلطان غاية الإكرام وتزوج بابنته التي كان الاتابك جانبك الصوفي تزوجها لما كان هاربا عنده ثم عاد إلى بلاده بعد أن أنعم عليه بأشياء كثيرة واستمر بابلستين حتى مات وأراح الله المسلمين منه فقد كان ظالما جبارا مسرفا على نفسه وكان كثير الشر والفتن ووقعت في أيامه حروب كثيرة بتلك البلاد عامله الله بما يستحقه.
    وكان محمد بن حسن الشيخ الحنفي في ابتدائه يقري المماليك بأطباق القلعة ثم فتح له حانوتا يبيع فيه الكتب ثم ترك ذلك كله وانقطع عن الناس بالكلية وعرف بالخير والديانة وصارت الأكابر تتردد إليه وكانت بينه وبين الوالد صحبة في حل الاتابكية وصحب بعده جماعة وتأكدت صحبته بطرر وكان له فيه اعتقاد عظيم حتى إنه لما تسلطن أنعم عليه باقطاع هائل وحبسه رزقه على زاويته وأعطاه مبلغا كبيرا من الذهب مع قصر مدته وكان سمحا يبذل ما بيديه للفقراء في إطعام طعام وإيصال معروف إليهم ولذلك كانت زاويته مشحونة بالفقهاء والفقراء ودام على ذلك سنين إلى أن توفي وقد اجتمعت به غير مرة وكانت له محاضرة حسنة ومذاكرة حلوة إلا إنه كان لا يقوم لأحد من الناس القادمين إليه كائنا من كان حتى ولا قضاة القضاء وعيب عليه ذلك وكان مليح الشكل منور الشيبة بشوشا فصيحا.
    وتوفي الأمير تمراز بن عبد الله النوروزي أحد أمراء العشرات ورأس نوبة من جرح أصابه في حصار رودس فحمل إلى أن مات بالقرب من ثغر دمياط فدفن به في أواخر جمادى الآخرة وكان يعرف بتعريض وهو من مماليك نوروز الحافظي نائب الشام وتأمر في الدولة الظاهرية جقمق وكان في ملبسه ومركبه وعند كرم وحشم وكان كبير اللحية حسن رحمه الله.
    وتوفي المقام الناصري محمد بن السلطان الملك الظاهر جقمق في ليلة السبت قاني عشرين ذي الحجة بقلعة الجبل وحضر والده الصلاة عليه ودفن بتربة عمه جاركس القاسمي المصارع تجاه القلعة وأمه الست قراجا بنت ارغون شاه أمير مجلس الملك الظاهر برقوق وكان عاقلا سيوسا عارفا مدبراً حريصا متجملاً في مماليكه وحشمه يسير على قاعدة السلاطين في ركوبه وجلوسه ويخاطبه في ركوبه للصيد أمير شكار وغيره بالسلطان ولقبه جماعة من الشعراء بالناصر في مخلص قصائدهم وكان أهلا للسلطنة بلا مدافعة ولو تسلطن ما اختلف عليه اثنان لما كنت أعرفه من همته ومعرفته وكان يحب اللهو والطرب على قاعدة العقلاء والرؤساء من الملوك مع إقامة الناموس والحرمة لشهامة كانت فيه وكانت غالب الأمراء وأعيان الخاصكية تترقب سلطنته يوما بيوم ولو ملك لسار على قاعدة عظماء الملوك لا كنت أعلمه منه وأنا أخبر حاله من غيري لصحبة كانت بيننا قديمة ثم صارت بيننا صهارة لما تزوج ابنة كريمتي بنت الاتابك اقبغا التمرازي نائب دمشق وكنت أنا المتولي تربيتها وعمل شوارعا بعد موت والدها فتأكدت الصحبة ذلك وفي الجملة كان أجل أولاد السلاطين وأولاد الناس الذين أدركناهم رحمه الله.
    وكان السبب في غضبه - يعني الملك الأشرف - عليه - يعني فيروزا الرومي الزمام - هذه النوب أن الاشرف كان قوي عنده إنه دس عليه السم وأن الأطباء لا ينصحونه في العلاج وبينما هو في بعض الأيام إذ دخل عليه فيروز بمغلي ليشربه فقال له الأشرف اشرب منه الششني فامتنع لكونه كان صائما فلما رأى الاشرف ذلك تحقق ما كان ظنه واتهمه فيمن اتهمه ولو لا أجله لكان أمر بتوسيطه أيضاً مع الأطباء.
    وأخذ محمد الونائي عن الشيخ سراج الدين الدموشي وهو أحد مشايخه والشمس البرماوي والشمس الشطنوفي والبدر الدماميني المالكي وحضر دروس النظام يحيى السيرامي الحنفي وقرأ على الشمس البساطي ثم على العلاء البخاري ولازمه كثيرا وبه انتفع واشتهر ودأب في طلب العلم.
    وطالت أيامه - يعني أيام يشبك السودني - وصارت كلمته نافذة وشفاعته مقبولة عند السلطان وسار على طريق السلف في الحزمة وكثرة المماليك بحسب الوقت واستمر سنين إلى أن مرض في أوائل سنة سبع وأربعين وطال مرضه واختلفت الأقاويل في سببه وقيل إنه اغتيل بالسم فإنه كان قد حصل له استرخاء في أعصابه وصار لا يطيق حركة بيديه ولا رجليه ثم عوفي قليلا وصار يمشي وركب إلى الخدمة غي مرة ثم انتكس ولزم الفراش حتى مات وهو في حدود الخمسين تقريبا وكان أشقر إلى الطول اقرب ساكتا قليل الكلام وفي لسانه لكنة مع عجمة وقلة معرفة فإنه كان مهملا عاريا من كل فن مع ظلم وشح وسوء خلق وطمع زائد علمت ذلك لما أخذ اقطاع الاتابك اقبغا التمرازي وكنت أنا متحدثا على تركة اقبغا فكنت إذا كلمته في أمر المستحق من الاقطاع للأيتام يكاد يخرج من حال إلى حال هذا مع الثروة الزائدة والمكنة العظيمة ومات ولم يتخلص منه ولم يستوف استحقاق الأيتام إلا من تركته عفا الله عنه ومع تمكنه الزائد لم يفعل ما يذكر به من سبل ومساجد على عادة عظماء الملوك بل أنشأ تربة بالصحراء بجوار قربة الأشرف برسباي لم تكمل إلى الآن ودفن فيها قبل إكماله رحمه الله.
    وأخذ محمد القاياني عن البدر الطنبذي والشمس الغراقي والتقي ابن العز الحنبلي وقنبر العجمي والنور الادمي والقطب الابرقوهي والهمام الخوارزمي والعز ابن جماعة في العلوم العقلية وغيرها والبرهان البجوري والمولي العراقي والشمس البساطي والعلاء البخاري ولازمه كثيرا وبه انتفع وعرف بين فقهاء الديار المصرية.
    وصلى عليه - يعني على يوسف البحيري - البدر العيني مع عداوة كانت بينهما من سنين وكان غالب إقامته بالأزهر مستقبل القبلة دينار خيرا أمرا بالمعروف متعصبا لمن يقصده من أراب الحوائج مقبول الشفاعة عند أرباب الشوكة.
    وأعطاه - يعني سودون المحمدي الأشرف - إمرة عشرة مرة أمتنع واستمر على اقطاعه إلى أن مات الأشرف ووقع بين الاتابك جقمق والعزيز ما وقع فانضم هذا للعزيز فعظم ذلك على جقمق لصهارة كانت بينهما فلما تسلطن نفاه ثم شفع فيه بعد مدة فأعاده وأنعم عليه بإمرة عشرة.
    وتوفيت سورباي الجاركسية موطوءة السلطان وحظيته بعد مرض طويل في بولاق يوم الجمعة سادس عشري ربيع الآخر ووجد السلطان عليها وجدا عظيما رحمها الله.
    وتوفيت خوند ست الملوك ابنة الظاهر ططر وزوجة الاتابك يشبك السودوني في يوم السبت ثالث عشري جمادى الآخرة ودفنت من الغد وكانت من خيار الخوندات وأمها خوند ابنة سودون الفقيه أم الصالح محمد بن الظاهر ططر وهم من بيت دين وعفة.
    وكان ابن وفاء إماما عالما واعظا فيها شاعرا أديبا مفننا من بيت فضل وعلم وصلاح ودين ونظم ووعظ وله شعر رائق ونظم فائق رحمه الله ومن شعره (الوافر)

    تَوَجَّهَ نَحْوَكُمْ سِرِي وَجَهْرِي ● وَجِئْتُ حِمَاكُمُ أسْعَى وَأسْرِي
    وَألقَيْتُ الفُؤادَ لَكُم جَمِيعْا ● وَغَيْرَ العشْقِ فِيكُمْ لَسْتُ أدْرِا
    وَقَفْتُ بِبَابكُمْ عَبْدا فَقيراً ● أرجى فَضْلَكُم لغَنَاء فَقْري
    فَمُنُّوا سَادَتي كَرْماً وَجُوداً ● فَحُسْنُ صَنيعكُم كَنْزِي وَذُخْرِي
    وَمَنُّونِي فَلَمْ أعرِفْ سوَاكُمْ ● عَلَى حُبي لَكُمْ حَشْري ونَشْري
    عَرَفْتُ اللهَ حينَ عَرَفْتُُمْ يَا ● حَيَاةَ الحَيِ عُرْفًا دُونَ نُكرِي

    ومن شعره أيضاً (البسيط)

    يَا مَنْ لَهُمْ بالوَفَا يُشَارُ ● بِأنْسكُمْ تُعْمَرُ الدَيَارُ
    لِخَوْفنَا أنْتُمُ أمَانْ ● لِقَلْبِنا أنْتُمُ قَرَارُ
    بِوَبْلكُمْ جَدْبُنَا خَصيب ● بِوَجْهِكمْ لَيْلُنَا نَهَارُ
    لَكُمْ تُشَدُّ الرِحَالُ شَوْقاً ● وَبَيْتُكُمْ حَقَّةً يُزَارُ

    ومنها

    لوْ جِئْتُ أسْعَى عَلَى عُيُونِي ● كَانَ لِيَ السَّعْدُ وَالفَخَارُ
    لاَ تَنْسُبُونِي إلى سُلُوٍ ● قَلْبِي عَلَيُهِ السُّلوُّ عَارُ
    لكِنَّ لَمَّا رَأي الأعادي ● عُلُوَّ قَدْري في الحب غاروا

    وقال أيضاً (البسيط)

    شَرِبْتُ مِنْ حُبّكُمْ كَأسْا حَلاَ وَصَفَا ● مَعْنى تَحَيَّر فيهِ كُلُّ مَنْ وَصَفَا
    فَأسْتَغْرَقَ الوْجْدُ أجْزَائي وَقَدْ مَلئَتْ ● مِنْ نَورْ مَعْنَاكُمُ الأوفَى هدي وَشفَا
    لَو جئْتُ جَيْكُمُ أسْعَى عَلَى بَصَري ● لَكَانَ لِي غَايَةُ التَّعْظيم وَالشَّرَفَا
    تَالله مَا نَظَرَتْ عَيْني لِوَجْهكمُ ● إلا امْتَلأتُ سُروُراً واكْتَسَيْتُ صَفَا
    ولاَ تَذَكَّرْتُ أنْي عنْدَ جَيْئكُمُ ● إلا طَرَبْتُ وَأهْدَى الوَجْدُ لي تُحفا
    روحِي لكُم لَمْ تَزَل بالغَيْب شَاهِدَة ● وَالقَلْب عَنْ حُبكُمْ وَالله مَا انَصَرفَا
    سَيَّرتُ عَزْمي وَحَالُ الشَّوق يَصْحَبُني ● حَتَّى أنْتَهَي بي إلى أبوابكم وقفا
    ثُمَّ تَقَرَّيتُ في أكنافِ حَضْرَتكُمْ ● قَرير عَيْنِ بِوصْل بَعْدَ طولِ جَفَا

    وله أيضاً (البسيط)

    لَمْ يَلْقَ في حُبّكُمْ هَمُّا وَلا فَرقَا ● عَبْدُ تَرَقَّي إلى عَليَائكُمْ فَرقَا
    أشْهَدْتُمُوهُ جَمَالا جَلَّ عَنْ شَبَهٍ ● فَهَامَ وَجْداً وَعشْقا فيهِ مُذ عَشقَا
    فَقلْبُهُ لَمْ يَملْ يَوْماً لغيركُمُ ● وطَرْفُهُ لسوَاكُمْ قطُّ مَا رَمَقَا
    والله يَا سَادَتي يَا مُنْتهَى أمَلي ● مَا زَالَ حُبُّكم ديني وَلي خُلُقَا
    وَمُذْ تَحَقَّقَ قَلْبي بالوَدَاد لَكُمْ ● مَا حَلَّ سَاحَتَهُ غَمَّ ولا طَرَقَ
    قَدْ طَاَف قَلْبي بهَدء الحَي مُسْتَلماً ● ركْنَ الأمانِ وَفي عَهْد الوَفَا صَدَقا
    وَبالصَّفَا وَالوَفَا يَسْعَى لِبيْتكُمُ ● يَرومُ طَولا عَلَى تَقْصيرِه غَدَقَا

    وهي أطول من هذه وله غير هذه القصيدة القَصَائِدِ كثير ومن غزر قصائده
    وتوفي الشهابي أحمد الكاشف منفيا بدمشق في رمضان وكان اصله من العوام وتنقل في الخدم حتى ولي كشف التراب بالغريبة ثم حدثته نفسه لما اثري وكثر ماله بالاستادارية فعمل عليه الزيني الاستادار حتى أخرجه إلى دمشق فكانت منيته بها رحمه الله.
    وتنقل طوغان العثماني بعده - يعني بعد موت الطنبغا العثماني - حتى صار خاصكيا ثم ولي نيابة القدس سنين وقمع أهل الفساد ومهد البلاد وأضيف إليه نظر الحرمين في بعض الأحيان ثم عزل بعد سنين وتولى حجوبية الحجاب بحلب بعد موت قاتباي الجكمي في حدود سنة خمسين ثم نقل إلى نيابة غزة فباشرها إلى أن توفي بها.
    وتوفي المعلم محمد بن حسين ابن الطولوني مهندس السلطان في ليلته الأحد أول ذي الحجة ودفن من الغد وحضر السلطان الصلاة عليه بمصلي المؤمني وكان شابا يتدين وفيه لين مع طيش وخفة رحمه الله.
    وتوفي السيد الشريف شهاب الدين أحمد النعماني المقيم بمصر القديمة في يوم الثلاثاء ثالث ذي الحجة وكان متدينا صالحا رحمه الله.
    وتفقه ابن حجر بعلماء عصره وبرع في الحديث حتى صار أمام وقته ووحيد دهره وفريد عصره وقال الشعر المليح الرائق وأفتى ودرس وولي عدة وظائف دينية ثم ولي ضاء الديار المصرية غير مرة أولها بعد عزل العلم البلقيني في سابع عشري المحرم سنة سبع وعشرين وآخر ما عزل العلم المذكور في خامس عشري جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين.
    وله - يعني ابن حجر - في وقاد (الكامل)

    أحْبَبْتُ وَقَّادُاً كَنَجْم طَالعِ ● أنْزَلتُهُ برضَي الغَرَامِ فُوَّادِي
    وَأنَا الشّهَابُ فَلا يُعَانِدْ عَاذليِ ● أنْ ملْتُ نَحْوَ الكَوْكبِ الوَقَّادِ

    وقوله (الطويل)

    وَأهْيفَ حَيَّاتي يُطيبُ وَصالهُ ● وَمنْ رِيقهِ الخَمْرُ الحَلالُ حَلاَلي
    أدَارَ ليَ الكَأسَين خَمْراً وَريقةً ● وَنَزَّهَني عَنْ جَفْوةٍ وَمَلاَليِ

    وله أيضاً قصيدة نبوية غاية في معناها اولها (البسيط)

    إنْ كُنْتَ تُنْكرُ شَوْقاً زادني كَلفا ● حَسبي الَّذي قَدْ جَرَى مِنْ مَدْمعي وكَفَا
    وَانْ تَشَكَّكْتَ فَاسْألْ عَاذلي شَجَني ● هَلْ بِتُّ أشْكُو الأسَى وَالبَثَّ والأسَفَا
    أحْبَابَنَا وَيَدُ الأسْقَام قَدْ عَبَثَتْ ● بالْجِسْمِ هَلْ ليَ منْكمْ بالْوصَال شِفاَ
    كَرَّرتُ عَيْشا تَقَضَّي في بعَادكُمُ ● وَرَاقَ مِنّي نَسيبْ فيكُمُ وَصَفَا
    سرْتُمْ وَخَلَّفتُموني الحَي مَيت هوىْ ● لوْلا رَجَاء تَلاَقيكَم زَمَنا
    وَكَنتُ أكتم حُبي بَعْدَكم زَمَنْا ● حَتى تكلم دَمْعُ العَيْنِ فانكَشَفَا

    وهي مطولة جداً اضربنا عن باقيها حشية الإطالة ولقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم بعدة قصائد ومصنفاته كثيرة استوعبنا غالبها في ترجمته في المنهل الصافي وغيره رحمه الله وإيانا.
    وتوفي سيدي أحمد ابن السلطان في يوم الأربعاء مستهل صفر وهو في السابعة وأمه خوند شاه زادة ابنة ابن عثمان متملك الروم ومات لأبيه في هذا الطاعون ثلاثة ذكور أخر وشقيقة لأحمد هذا وابنة أخرى ذكرناهم في أماكنهم من الحوادث.
    وتوفي الشريف حسن ب علي المعزول عن نقابة الأشراف في يوم الاثنين سادس صفر وكان من بيت رئاسة وشرف رحمه الله وعفا عنه.
    وكان تمراز القرمشي ساكتا ريما جوادا قليل الكلام فيما لا يعنيه نادرة في أبناء جنسه سمعت الاتابك اقبغا التمرازي يقول عنه لولا إنه مسف على نفسه لكنت أقول إنه من الأبدال الصالحين لاشتماله على محاسن لا تعرف من مثله رحمه الله.
    ومما يقارب هذا المعنى قول الفخر ابن مكانس (الوافر)

    بحَقَ اللهِ دَعْ ظُلْمَ الْمُعَنَّي ● وَمَتّعْهُ كَمَا يَهْوي بأنسكْ
    وَكَف اللَّوْم يا مَحبوبُ عَمَّنْ ● بيْومكَ رُحْتَ تَهْجُرُه وَأمْسك

    وتنقل اينال اليشبكي في الخدم من بعده حتى أر خاصكيا في الدولة الاشرفية ورأس نوبة الجمدارية ثم امتحن بسبب تربة أستاذه ثم تأمر في الدولة الظاهرية جقمق عشرة واستمر حتى مات.
    وتوفي الأمير إسماعيل بن عمر الهواري أمير هوارة ببلاد الصعيد وكانت وفاته بالقاهرة في يوم الجمعة سابع عشر صفر.
    وحضر السلطان الصلاة عليها - يعني نفسية بنت ناصر الدين بك ابن دلغادر - وكانت قد تزوجها الاتابك جانبك الصوفي لما قدم على ابيها ببلاده ووافقه أبوها على مخالفة الاشرف برسباي واستولدها بنتا واستمرت عند ابيها حتى طلبها الظاهر فقدمت القاهرة مع والدها بعد سنة ثلاث وأربعين ومعها ابنتها من جانبك المذكور فتزوجها السلطان ودامت في عصمته إلى أن ماتت بالطاعون رحمها الله.
    وتوفي الزيني عبد الرحمان بن عبد الرحيم المعروف بابن الحاجب في يوم الثلاثاء سادس ربيع الأول وهو من بيت رئاسة وأصالة وهو آخر رؤساء بني الحاجب رحمه الله.
    وتوفي الشهابي أحمد بن البدر محمد بن مزهر في يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول ودفن من الغد بتربة والده بالصحراء في عنفوان شبيبة وكل هؤلاء ماتوا بالطاعون رحمهم الله.
    وتوفي الأمير سيف الدين خشقدم السيفي سودون من عبد الرحمان نائب القدس في ربع الأول وتولى نيابة القدس من بعده مبارك شاه خشداشه وكان خشقدم من أطراف الناس المهملين لا تعرف أحواله فتشر أو تذم عفا الله عنه.
    وتوفي شمس الدين محمد الحموي ناظر القدس به في رمضان وكان من صغار أهل حماة حتى اتصل بخدمة الكمال ابن البارزي فباشر توقيعه واثري وعرف بين الناس ثم طلبت نفسه الزيادة فسعى في نظر القدس حتى وليها فلم تطل مدته ومات حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة.
    ومن شعر - يعني شعر ابن العطار والبحر من البحر الطويل -

    لأمر أرى هذَا العذَار تَبَسَّما ● وَأطْلعَ فِي ليْل الشَّبيبة انْجُمَا
    وَأرشَدَ لمَّا أن دَجَا غَيْهَبُ الصَبَا ● عَسَى أهْتَدي بالنَّجْمِ فيه وَعَلَّما
    فأهْدي الهُدَي لكنَّهُ قَدْ نَهَي النُّهي ● وَدَاوي لعمري كُلُّ مَا الجَهْلُ كَلَّما
    فَكَمْ عِنْدَ مَا أبْصَرتُ فَوْدي أبيض ● جَرَتْ عَنْ دَم حُمرُ المَدَامع عَنْدَمَا
    وَكَمْ قَدْ هَمي جَفْني كَمَا تَمطْر السَّما ● بدمَع نَمَي لكنْ بمَا يُشْبهُ الدَمَا
    وَمَا أنَا بَاكٍ للشَّباب الذي مَضَى ● وَلكنْ لعُمْرِ في التَّصَابي تَضَرَّما
    ألفتُ البُكا لمَّا أنفْتُ مِنَ البُغَا ● وَعبْتُ الهَوَى كَاساً فعفتُ المُحَرَّما
    وَكَمْ قَدْ طَمَا بَحْر بَعْيني قَطُّ مَا ● عَهدْنَاهُ في عَصْر الصبا منْهُما هَما
    وأعَرضَت عَنْ شمسي وَبَدْري وَكَوكبي ● وَوَجَّهْتُ وَجْهي للَّذي فَطرَ السَّمَا
    فَعَوَّضني بالمَدْحِ في صَاحبِ اللوى ● عَنِ النظم والتَّشْبيبِ في ربة اللما
    وَلَسْتُ مُوَف بالمدائح حَقَّهُ ● وَلَوْ أن لي في كُل جَارحَةٍ فُما

    وله موشحة كل قرينة من كلام شاعر لم يسبق لمثله وهي (البسيط)
    أجَابَ دَمْعي وَمَا الدَّاعي سوىَ طَلَل
    وَظَل يَسْفح بَيْنَ العَدْل والعَذَلِ
    يَا سَاكني السَّفح كَمْ عَيْن بكُم سَفَحت
    مِلْء الزَّمَان ومَلء السَّهل وَالجَبلِ
    قَلْبْ مُعَنَّى وَمَدْمَعْ صَبُّ
    يَجُرُّ أذيَالَهُ وَيَسْحبُ
    لَمَر عَيْنا غَذَتْ بالدَّمع في لَحَج
    وكلُّ طَرْفِ عَنِ الإغْفاء لَمْ يَعُج
    وَمُهَجة لَهُ للأشْجانِ قَدْ صَلحَتْ
    لاَ خَيْرَ في الحَب أن أبْقي عَلَى المُهَجِ
    لَمْ يُبقِ لي في الهَوَى مَلاَذا
    يَا ليْتَني مُتُّ قَبْلَ لهذا
    تَركْتني أصْحَب الدُّنْيا بلا أمل
    فلا أقُولُ لشَيء لَيْتَ ذلك ليِ
    مَا جَالَ بَعْدَكَ طرْفي في سَنَا القَمَر
    فإن ذلك ذنَب غَيْرُ مُغْتَفر
    لي همَّة قَطُّ مَا طَمَحَتْ
    لمَّا تَوَاضَعَ أقْوَامْ عَلَى غَرر
    وأيَن مَا كُنْت كُنْت عَبْدَكْ
    لأن قَلبي أقَامَ عِندك
    عَلَى بَقَاء دعاوى للْهَوَى قِبَلي
    وَأنت تَعْلمُ أني بالغَرامِ مَلي
    بِماَ بِعطْفيْك مِنْ لينِ وَمنْ صَلَفِ
    تَلاَف مُضْنَاكَ قَدْ أشْفى عَلَى التَّلف
    فالمَوْتُ أن عُضَّتِ الأجْفَانُ أوْ فُتِحَتْ
    يا أكْحَلَ الطَّرف أوْ يَا أزْرقَ الطَّرفِ
    لِسَائلِ الدَّمْع صرتَ نَاهرْ
    وَسِرتُ وَالقَلب مِنْكَ خَاطرْ
    بَردْي الطَّعينُ وَحَدُّ الرمُّمْحِ لمْ يَصَل
    مَا خَاب مَنْ سألَ الحَاجَاتِ بالأسل
    وَغَادَة أشْرقَتْ كَالبَدْر في الظلم
    وَقَبَّلتْني عَلى خَوْف فَمَا لفَمي
    لاَ بَلْ هيَ الشَّمس زَالتْ بَعْدَ مَا جَنَحَتْ
    فَلَمْ تَدُمْ لي وَعَيْنُ الله لمْ تَدُم
    كَم اختلسنا مِنَ العنَاق
    وَنَحْنُ بالأنْس بالتَّلاقي
    وَكَمْ سَرقْنَا عَلَى الأيُّام مِنْ قُبَلِ
    بلاَ رَقيبٍ كَشَربِ الطَّائرِ الوَجَل
    ومن شعره ما كتبه لقاضي كمال الدين البارزي كاتب السر لما كان بدمشق (البسيط)

    يَا سيدُا جَدَّ بالنَّوى ليِ ● وَطَالَ مَا جَادَ بِالنَّوَالِ
    مِنْ يَومِ سَافَرتَ زادَ نَقْصِي ● يَا صُول شَوقي إلى الكَمَالِ

    وتوفي الأمير زين الدين قاسم كاشف الوجه القبلي وغريم السفطي المعروف بالموذي في أول المحرم وحمل إلى القاهرة ميتا فدفن بها.
    وتوفي الطواشي كافور الهندي رأس نوبة الجمدارية كان ساقيا في يوم السبت تاسع عشري المحرم ودفن من الغد في تربة معتقته خوند هاجر ابنة الاتابك منكلي بغا الشمسي وزوجة الظاهر برقوق المتوفية في طاعون سنة ثلاث وثلاثين المعروفة بخوند الكعكين لكونها كانت ساكنة بخط الكعكين رحمه الله.
    وتوفي الطواشي عبد اللطيف الرومي الاينالي في يوم الثلاثاء سادس عشر صفر عن نحو المائة وورثة أحفاد معتقه وهما الشهابي أحمد ومحمد ولدا أمير علي بن اينال رحمه الله.
    وتوفي سيدي محمد ابن السلطان في يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأخر ولم يكمل عشرة اشهر ودفن بالبرقوقية بين القصرين لكون أمه خوند ابنة جرباش الكريمي أمير سلاح والدتها زوجه جرباش ابنة قاتباي قريب الظاهر برقوق ودخل بنعشه من بابي زويلة خلافا لقاعدة المصريين حيث يتشاءمون بدخول النعش من الباب المذكور ونحوه من أبواب القاهرة.
    وتوفي العلائي علي بن الخواجا عبد الله الدمشقي الأصل الزردكاش أحد من رقاه السلطان حتى جعله خاصكيا ثم من جملة الزردكاشية إلى أن توفي بعد أن عظم وأثرى وضخم في الدولة في يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول وحضر السلطان لصلاة عليه بباب الوزير وكان شاباً حسنا كريما رحمه الله وعفا عنه.
    وتوفيت زوجة قاتباي الجاركسي أمير آخور كبير في يوم الجمعة رابع عشري ربيع الآخر ودفنت بتربة زوجها التي جددها عند دار الضيافة بالقرب وهي أم ولد لأستاذ زوجها جاركس القاسمي المصارع عفا الله عنها.
    وتوفي القاضي شرف الدين محمد بن قاضي الحنابلة البدر محمد ابن عبد المنعم البغدادي الأصل الحنبلي في يوم الخميس حادي عشر رجب وعظم مصابه على والده بل وعلى كل أحد فإنه مات في عنفوان شبابه مع ما كان احتوى عليه من المحاسن والعقل والسؤدد وكان مولده في حدود سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة رحمه الله وعفا عنه.
    وتوفي أبو الفتح محمد الطيبي مضروب الرقبة بدمشق بحكم قاضيها المالكي في ليلة الأربعاء رابع عشر رمضان وكان النحاس في أول أمره يتكسب بتحمل الشهادة بحوانيت الشهود ويصحب النحاس في أيام خموله وخدمه فأثرى وضخم وركب الخيول صار له خدم وحشم فلم يرض بذلك ورام الدرجة العليا فتولى وكالة بيت مال دمشق ونظر جواليها بسفارة صاحبه المذكور واتجه إلى دمشق فظلم وعسف ولم تحمد سيرته وقدم البلاطنسي إلى القاهرة فشكا عليه إلى السلطان ورماه بعظائم وصادف ذلك انحطاط أستاذه فنال منه مضي ذكرها وآل أمره إلى أن ضربت عنقه بسيف الشرع والعجب أن أهل دمشق كانوا هم القائمين عليه حتى قتل فلما قتل بكوا عليه وشهدوا جنازته وصاروا يقولون هذا الشهيد هذا المظلوم هذا المقهور.
    وتوفي الشيخ كمال الدين المجذوب في يوم الاثنين سادس عشر شوال ودفن بالقرافة وكانت جنازته مشهودة وكان لبعض الناس فيه اعتقاد حسن ومات وهو في عشر السبعين تقريبا رحمه الله.
    وتوفي جانبك بن عبد الله الجكمي الأمير سيف الدين أحد أمراء العشرات ورأس نوبة في يوم السبت تاسع عشري شوال وكان متوسطه السيرة مهملا واصله من مماليك جكم من عوض المتغلب على حلب وهو أيضاً ممن تأمر في الدولة الظاهرية جقمق ولم يكن ممن له ذكر في الدولة حتى تشكر أفعاله أو تذم عفا الله عنه.
    وتوفي الشريف حسن أحد التجار بثغر الإسكندرية بها في ذي القعدة وخلف مالا كثيرا وكان غير مشكور السيرة في دينه عفا الله عنه.
    فعند ما تم أمره - يعني أمر محمد السفطي - ولت عنه الدنيا واخذ أمره في انحطاط ولله در القائل

    إذا تمَّ أمر بدأ نقصه ● توقً زوالا إذا قيل تم

    ولما ولي القضاء ساء سيرته فوجد عدوة أو الخير النحاس بذلك سبيلا للتكلم فيه عند السلطان فتكلم وأمعن ولا زال به حتى أخرج عنه جميع وظائفه شيئا بعد شيء حسبما تقدم في وقته مياومة إلى أن عزله عن القضاء في سنة اثنتين وخمسين فعند ذلك انحط قدره إلى البهموت ونال منه أعداءه ما أملوه ثم التفت السلطان لأخذ ماله ومال عليه حتى حبسه بالمقشرة مع أرباب الجرائم ورسم بتوجهه إلى بيت قاضي الشافعية ماشيا غير مرة كما ذكرناه في اصل هذا الكتاب في محلة وقاسي أهوالا وشدائد وذلا وبهدله إلى أن اختفي نحو ثمانية أشهر ولم يظهر حتى نكب أبو الخير النحاس ولله در القائل (البسيط)

    لوْ أنْصَفْوا أنْصِفْوا لكِنْ بَغَوا فَبغي ● عَليْهمِ فَكَأنَّ العزَّ لمْ تَكْن
    جَادَ الزَّمانُ بِصَفْو ثُمَّ كَدَّرَه ● هذا بِذَاكَ ولاَ عَتْب عَلَى الزَّمن

    ولما نكب النحاس تراجع أمر السفطي قليلا بعد ظهور من الاختفاء وولي مشيخة الجمالية فلم تطل مدة ومات وكان ذا أوراد هائلة وصلاة وخشوع وصوم وعبادة مع بذاءة لسان وفحش في لفظة وبطش وجبروت وبخل زائد حتى على نفسه عاملة الله ما يستحق.
    وكان محمد الحنفي الرومي الكاتب ممن نال حظا في الدنيا اتصل بصحبة الظاهر ططر وحظي عنده بحيث إنه لما تسلطن انعم عليه بعشرة آلاف دينار دفعة ثم صار في الدولة الاشرفية متوسط الحال معظما عند غالب أرباب الدولة لا سيما عند أعيان الأمراء من حواشي ططر ثم اتصل بالظاهر وحظي عنده إلى الغاية بحيث صار هو المشار إليه في الدولة والمقصد لأرباب الحوائج ونالته السعادة فأثري وحصل الكتب النفسية والأملاك وهو مع ذلك لا يبرح عن ركوب الحمار عند طلوعه القلعة استكراء لا ملكا ودام على ذلك سنين إلى أن استفحل أمر أبي الخير النحاس فلا زال به حتى نكبة السلطان وصادره بعد سجنه بالديلم وتعزيزه وتوجهه إلى السجن ماشيا حسما تقدم في حوادث سنة اثنتين وخمسين وقطع السلطان معاليمه من الجوالي وكان يزيد على الدينارين في كل يوم وغيرها ثم اخرج عنه من السجن ورسم بلزوم داره فلزمها وار أحيانا يطلع للسلطان كآحاد الناس واستمر على ذلك حتى مات رحمه الله وكان يكتب الخط المنسوب ويذاكر ببعض مسائل وله إلمام بالأدب والتاريخ بحسب الحال.
    وتوفي الأمير بردبك العجمي الجكمي نائب حماة كان ثم أحد مقدمي الألوف بدمشق في أوائل رجب وكان غير مشكور السيرة كان اصله من مماليك جكم من عوض المتغلب على حلب ثم تنقل في الخدم بعده حتى ولي عدة ولايات في دول عديدة ثم ولي حجوبية حجاب حلب في الدولة الاشرفية ودام حت نقله الظاهر إلى نيابة حماة بعد عصيان تغرى برمش نائب حلب في سنة اثنتين وأربعين فأستمر في نيابة حماة إلى أن عزل عنها بعد أن وقع بينه وبين أهلها وقعة هائلة قتل فيها جماعة وخرج يردبك عن طاعة السلطان مدة ثم عاد إلى حماة وقدم الديار المصرية فقبض عليه السلطان وحبسه بسجن الإسكندرية في حدود سنة سبع وأربعين إلى أن افرج عنه في سنة ثلاث وخمسين ونقله إلى دمياط فدام بالثغر بطالا مدة ثم طلب إلى القاهرة وأنعم عليه بإمرة مائة وتقدمة ألف بدمشق عوضا عن يشبك النوروزي حاجب دمشق المنتقل إلى نيابة طرابلس في سنة ثلاث وخمسين ورسم له أيضاً بان يتوجه أمير حاج محمل دمشق فيها فتوجه إلى دمشق وحج منها وعاد إليها ودام بها حتى مات رحمه الله.
    وأصله - يعني تمراز البكتمري - من مماليك المؤيد شيخ ثم صار بعده في خدمة تنبك ميق نائب الشام ثم صار بعد موته خاصكيا في الدول الاشرفية ثم بقي من الدوادارية في الأيام العزيزية إلى أن ندبه الظاهر إلى شد بندر جدة بالبلاد الحجازية مرة ثم أخرى وفيها أنعم عليه بإمرة عشرة بعد موت اقبردي المظفري بمكة ثم قدم القاهرة ودام بها سنين إلى أن ولي نيابة القدس بسعي فلم ينتج أمره وعزل ونفي إلى دمشق ثم قدم القاهرة وولي القدس ثانيا وعزل أيضاً بعد يسير وأخرج اقطاعه بالقاهرة وصار بطالا بلا اقطاع مدة إلى أن ندبه السلطان إلى شد بندر جدة ثالثا في سنة ثلاث وخمسين فتوجه إليه وباشر إلى أن انتهى أمره فبدا له أن يأخذ ما تحصل له مع ما تحصل للسلطان ويتوجه به إلى اليمن أو حيث شاء فابتاع مركبا وشحنها بالأزودة وآلات الحرب على إنه يركب فيها إلى جهة الديار المصرية وأخفى ذلك عن الناس حتى حول جميع ما معه إلى المركب ثم نزل فيها وسافر إلى جهة اليمن ثم بدت له بعد ذلك أمور وتوجه إلى الهند ووقعت له محن وقاسى أهوالا وآل أمره إلى أن جاء إلى اليمن فنزل بالحديدة وأكرمه شيخها وأنزله واستفحل أمر كل منهما بالآخر وأرسل إلى السلطان بنحو خمسمائة تكرة البهار ووعده بإرسال ما بقي عنده من مال السلطان وطلب منه خلعة بولاية اليمن فوعده بذلك أن قدم الدار المصرية أو بندر جدة وبينما هو بالحديدة إذ تحرك شيخها على أعدائه بيوت حسن وقاتلهم فركب معه تمراز بمن معه واقتتل الفريقان اشد قتال فقتل تمراز هذا في المعركة وكذا شيخ الحديدة مع نحو خمسين من عسكرهما فعشرة من أصحاب تمراز والباقون من الأعراب وأخذ ما معه وحمل إلى بندر جدة فسر السلطان بقتله وقد حكينا أمره وشراءه المركب المروس وكيف كان في ركوبه البحر إلى أن عاد وقتل كل ذلك في حوادث هذه السنة وكان أشقر ضخما للطول اقرب رأسا في الصراع مع شجاعة وإقدام وحدة وبطش وخفة وسوء خلق رحمه الله.
    وتفقه القلقشندي بالسراج البلقيني وابنه وابن جماعة والسراج ابن الملقن وغيرهم وأخذ علم الحديث عن العراقي والهيتمي وسمع على جماعة كالتنوحي ابن أبي المجد والحلاوي والعراقي والهيتمي وبرع في الفقه والأصول والعربية والمعاني والبيان والقراءات وشارك في علوم وتصدى للإفتاء والتدريس والأشغال سنين وانتفع به الطلبة وتفقه به جماعة من الأعيان وولي تدريس الشافعي عوضا عن التلواني وطلب لقضاء دمشق فامتنع ورشح لقضاء مصر غير مرة وكان سنة حين تصدر للتدريس دون العشرين سنة وولي تدريس الفقه بالشيخونية عوضا عن القاياني والقراءات بالحسنية بالرملة تجاه القلعة وتدريس الحديث بجامع ابن طولون عوضا عن الحافظ ابن حجر رحمه الله ومشيخة المدرسة التي أنشأها تغرى بردي المؤذي الدوادار الكبير بخط صليبة ابن طولون وتدريسها أيضاً ولما توفي تولاها من بعده ولده البرهان إبراهيم ولازم الحضور من بعده وتصدر للتدريس.
    وتوفي شهاب الدين أحمد بن يعقوب نقيب القاضي الشافعي في يوم الأحد حادي عشر ربيع الأول وكان مشكور السيرة محببا للناس رحمه الله وعفا عنه.
    وتوفي السيفي قانصوه الاشرفي برسباي المصارع في يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول وهو في أوائل الكهولة وكان أحد من أدركناه من الأفراد في القوة وفن الصراع مع الشجاعة والإقدام وحسن الشكالة وتمام الخلقة رحمه الله وعفا عنه.
    وتوفي بدر الدين محمد بن فتح الدين صدقة المحرقي والمحرقة قرية بالجيزية من أعمال القاهرة في يوم الأربعاء رابع عشر ربيع الأول وان من بياض الناس رحمه الله.
    وتوفي أبو بكر المصارع المعروف بابن الأمام وهو أحد الاوباش الذين أنشأهم الظاهر في يوم الأحد ثامن عشر ربيع الأول وكان والده إمام الأمير جاركس القاسمي المصارع ونشأ أبو بكر هذا على هيئة الأجناد وكان يقرأ في المحافل بالجوف بحسب الحال بغير أجرة وكان عارفا بفن الصراع وله فيه اليد الطولي وكان من جملة المماليك السلطانية أرباب الجوامك إلى أن تسلطن الظاهر فتحرك له بعض السعد وتولى خدمة الليث والشافعي وعدة زوايا بالقراقتين الكبرى والصغرى فباشر ذلك بعسف واثري من ذلك وحسابه على الله وتولى ذلك من بعده يوسف شاه اليشبكي معلم السلطان وكبير المعمارية رحمه الله.
    وتوفي الشيخ المعتقد المعروف بالشيخ ولي الرومي الحنفي نزيل الجامع الأزهر في يوم السبت مستهل ربيع الآخر وهو في أوائل الكهولية وكان على قدم جيد من العبادة والانقطاع بالجامع المذكور وكان يكتب الخط المنسوب وفيه محاسن رحمه الله.
    وتوفي الرئيس سعد الدين أبو غالب القبطي الحنفي المعروف بابن عويض السراج في يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر ودفن من الغد وكانت لديه فضيلة ومشاركة جيد ومحاضرة حسنة مع محبة طلبة العلم وجمع للكتب وتجنب القبط والنصارى وبالجملة فكان خير أبناء جنسه رحمه الله.
    وهلك بطريق النصارى ابو الفرج اليعقوبي النصراني في ليلة الجمعة رابع عشر ربيع الأخر ودفن من الغد في سقر وبئس المصير.
    وتوفي الشريف شرف الدين محمد الحسني المعروف بصهر نور الدين السفطي في يوم الأحد ثامن عشر شعبان وان أولاً تاجرا ببعض الحوانيت ثم تعالى الخدم الديوانية بعد موت صهره المذكور وتولى عوضه عدة وظائف رحمه الله.
    وتوفي الملك الناصر صاحب الحصن قتيلا في ثامن رمضان كما تقدم في ترجمة والده من هذه السنة واستقر عوضه أخوه أحمد ولله در أبي العلاء المعري حين يقول (الطويل)

    فَوَا عَجَبَا كَمْ يُظْهرُ الفَصْلَ نَاقْص ● ووَا أسَفى كَمْ يَدَّعي النَّقْص فَاضلُ
    وَكَيف تَنَامُ الطَّيرُ في وكُنَاتهَا ● إذا نُصِبَتْ للْفَرْقَدَيْنِ الحَبائلُ

    ثم صار طوغان السيفي اقبردي من جملة المماليك السلطانية سنين إلى أن جعله الظاهر خاصكيا ثم ولاه نيابة دمياط ثم نقله إلى البلاد الشامية على أمره ثم صار بعد مدة طويلة أمير طبلخاناة بدمشق ودوادار السلطان بها وحج أمير حاج الشامي غير مرة ثم نقل إلى نيابة الكرك في سنة ست وخمسين عوضا عن الحاج اينال اليشبكي بحكم انتقاله إلى نيابة حماة فتوجه إليها فبعد أيام يسيرة ركب بمماليكه وكبس بعض الأعراب الطائعين وقاتلهم وظفر منهم بجماعة فأسرف في قتلهم ثم نزل بمكان هناك فكر عليه العرب من وقته فقاتلهم ثانيا فكسروه وقتلوه اشر قتلة وان مهملا وضيعا أهج ظالما سيئ الحلق إلا إنه كان مشهورا بالشجاعة مع طيش وخفة رحمه الله.
    وتوفي القاضي أمين الدين عبد الرحمان بن قاضي القضاة الشمس محمد ابن الدبري أخو شيخ الإسلام سعد الدين الحنفي بالقدس في يوم السبت رابع ذي الحجة وهو على ولاية نظر القدس والخليل سألته عن مولده فقال بالقدس في شعبان سنة سبع عشر وثماني مائة وأمه أم ولد وكانت لديه فضيلة وله نظم جيد ويكتب الخط المنسوب وعنده مكارم مع طيش وخفة وإظهار النعمة على ديون كان يتحملها رحمه الله.
    ومولده - يعني يوسف ابن الكركي - بالكرك في حدود السبعين وسبعمائة تقريبا وقدم القاهرة فقيرا مملقا قبل سنة ثمانين وسبعمائة ثم عاد إلى بلده ثم قدمها ثانيا في سنة اثنتين وتسعين في خدمة قاضي القضاة عماد الدين الكركي واستوطنها ثم اتصل بخدمة البرهان المحلي التاجر فحسنت حاله عنده ثم خدم بالطالع والنازل إلى أن ولي الوظائف الجليلة بالبلاد الشامية ثم قدم القارة فولي بكتابة السر بعد موت العلم داود ابن الكويز في سنة ست وعشرين فلم تطل مدة وعزل ولزم داره إلى أن ولي نظر جيش دمشق بعد موت البدر حسين في سنة أحد ى وثلاثين ثم أضيف إليه في بعض الأحيان كتابه سر دمشق ثم استعفى عن ذلك كله لكبر سنة ولزم داره بدمشق إلى أن مات عن نحو التسعين سنة وخلف مالا جزيلا ورثه ابنه موسى ناظر جيش طرابلس وكان عاريا من الفضيلة عارفا بقلم الديونة على عادة الأقباط عفا الله عنا وعنه.

    ● [ بحمد الله تعالى تم الكتاب ] ●


    حوادث الدهور في مدى الأيام و الشهور
    المؤلف : ابن تغري بردي
    مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس سبتمبر 20, 2018 12:29 pm