بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الضحك والبكاء وحياة البخلاء
وصف الفضلاء مواعيد البخلاء

مواعيد البخلاء
قال الأصمعي : قال أعرابي: عدة الكريم نقد وتعجيل ، وعده اللئيم تسويف وتعليل.
O عرقوب بن صخر " أو ابن معبد بن أسد " رجل من العماليق بالمدينة تضرب به العرب المثل في إخلاف المواعيد بعرقوب وكان من خبره انه ساله رجل من العرب عذقا ، فقال: نعم ، فلما صار بلحا قال: دعها تكون زهوا ، فلما بلغت قال: دعها حتى تشقح ، فلما اشقحت قال: دعها حتى تحلقم ، فلما حلقمت ، قال: دعها حتى ترطب ، فلما أرطبت قالك دعها حتى تكون تمرا ، فلما صارت تمرا ، جذها بالليل وهرب فصار مثلا وهو الذي ذكره كعب بن زهير في شعره:
كأنت مواعيد عرقوب لها مثلا * وما مواعيدها إلا الأباطيل
O وقال القاضي أبو الطيب الطبري: كان عرقوب رجلا من الأوس فجاءه أخ له فقال: إذا أطلعت هذة النخلة فهي لك ، فلما أطلعت ، قال: دعها تصير بلحا ، فلما صارت بلحا ، قال: دعها حتى تشقح ، فلما أشقحت ، قال: دعها حتى تصير رطبا ، فلما صارت رطبا ، قال: دعها تصير تمرا ، فلما صارت تمرا ، جاء ليلا فجذها ، فضربته العرب مثلا في إخلاف العدات ، وقد ذكره كعب بن زهير في كلمته التي قالها في النبي صلى الله عليه وسلم ومدحه فيها واعتذر إليه وأظهر توبته من سالف كفره ورغب في عفوه عنه وإعفائه أياه مما توعده به فقال في ذلك:
نبئت أن رسول الله أوعدني * والعفو عند رسول الله مأمول
وبيته الذي ذكر فيه عرقوبا في هذه الكلمة قوله:
كأنت مواعيد عرقوب لها مثلا * وما مواعيدها إلا الأباطيل

من مدح بخيلا عطائه ثم اعقب مديحه بذمه وهجائه
O لقي أبو العتاهية العباس بن محمد فقال: جعلني الله فداك، تسمع مني، قال: هات ، فأنشده:
إن المكارم لم تزل معقولة * حتى حللت براحتيك عقالها
لو قيل للعباس يا ابن محمد * قل لا وأنت مخلد ما قالها
فدخل ووجه إليه بدينارين، فقال أبو العتاهية للخادم: أنتظر حتى أكتب جواب ما جئت به فأخذ رقعة وكتب فيها:
مدحتك مدحة السيف المحلى * لتجري في الكرام كما جـريت
فهبها مدحة ذهبت ضياعا * كذبـت عـلـيك فـيهـا واعـتــديت
ورد الدينارين فغضب العباس بن محمد من ذلك وطلبه ليقلته فلم يقدر عليه.
O قال الأصمعي عن المعتمر قال: مدح أعرابي رجلا فلم يعطه شيئا فقال: إن فلانا يكاد يعدي بلؤمه من يسمى باسمه ولرب قافيه قد ضاعت في طلب رجل كريم.
O قال عمرو بن بحر الجاحظ قال: أخبرني سعيد بن سلم الباهلي قال: دخل علي بشار بن برد يوما فقال: إني قد امتدحتك أعزك الله بقصيدة لم يقل مثلها عربي ولا أعجمي وإني فيها لأشعر الناس قال: قلت: هاتها، قال: فأنشدني:
حييا صاحبي أم العلاء * واحذرا طرف عينها الحوارء
عذبتني بالحب عذبها الله * بما تشـتـهـي مـن الأهـواء
إنما همة الجواد ابن سلم * في عطاء ومركب للقـاء
ليس يعطيك للرياء وللخو * ف ولكن يلتذ طعم العطاء
يسقط الطير حيث ينتثر الحب * ب وتغشى منازل الكرماء
قال: فقلت: يا بشار أراك تبجح في شعرك وقد جاءني أعرابي منذ مدة فمدحني ببيتين لم أسمع أجود منهما فأغفلت ثوابه فهجاني ببيتين لم أسمع أوجع منهما، قال: فقلت: فما البيتان اللذان امتدحك بهما قال: قوله:
فيا سائرا في الليل لاتخش ضلة * سعـيد بن سلم ظل كل بلاد
لنا سيد أربى عـلى كل سيد * جواد حثا في وجه كل جـــواد
قال: قلت: فما البيتان اللذان هجاك بهما، قال: قوله:
لكل أخي مدح ثواب يعده * وليس لمدح الباهلـي ثـواب
مدحت سعيدا والمديح مهزة * فكان كصفوان عليه تراب
قال: فقال بشار: وهذا أشعر مني ومن أبي وامي.
O كان رجل يوصف باللؤم فأتاه رجل من الشعراء فأمتدحه فوعده عدة لم يف بها فقال:
قد صرت في مدحكم شهـرة * يقال لي أطمع من أشعب
هذا الـذي جـاء إلـي صـخرة * ينزع ما فيها بلا مخلب
يا سوءتي من طلبي سيبكم * أطلب شـيئا قط لم يطلب
قد كان في ما مضى عـبرة * لو أن عـقلا لي لم يعـزب
O قال محمد بن بشير: كان وآل بفارس قد أحتجب بجهده إذ نجم شاعر بين يديه فأنشده شعرا مدحه فيه فلما فرغ قال: قد أحسنت ثم أقبل على كاتبه فقال: أعطه عشرة الاف درهم، قال: ففرح الشاعر فرحا كاد أن يستطير به فلما رأى حاله قال: وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع " يا فلان " اجعلها عشرين ألف درهم ، قال: فكاد الشاعر أن يخرج من جلده قال: فلما رأى فرحه قد أضعف قال: وإن فرحك ليتضاعف على تضاعف القول " يا فلان " أعطه أربعين ألف درهم، قال: فكاد الفرح أن يقتله، قال: فلما رجعت نفسه إليه قال: جعلت فداك كلما رأيتني قد أزددت فرحا تزيدني في الجائزة، قال: ثم دعا وخرج، قال: فأقبل عليه كاتبه فقال: سبحان الله هذا يرضى منك بأربعين درهما تأمر له بأربعين ألف درهم، قال: وتريد أن تعطيه شيئا، إنما هذا رجل سرنا بكلام وسررناه بمثله فهو حين يزعم أني أحسن من القمر وأشد من الأسد وأن لساني أقطع من السيف جعل في يدي من هذا شيئا أرجع به، أليس يعلم أنه قد كذب ولكن قد سرنا حين كذب علينا فنحن أيضا نسره بالقول وإن كان كذبا فيكون كذبا بكذب.

من استضاف رجلا فساء قراه فحمله ذلك على ان ذمه وهجاه
O قال خالد بن سعيد: نزل جرير بعميرة: حي من بني عامر بن كلب فلم يقروه ولم يرفعوا به رأسا حتى رحل عنه فأنشا يقول:
وما لمنا عميرة غير أنا * نزلنا بالعذيب فما قرينا
فبتنا موحشين بليل سوء * وقد لقى المطي كما لقينا
O وقال الغلابي: نزل أبو مالك الخصاصي وهو حي من أسد بخالد بن قطن الحارثي بقرية على نهر صرصر فأساء قراه فأنشأ يقول:
تضيفت ابن ملكة في قراه * فكان قراه لما أن أتاني
رغيفا خف منقشر الأعالي * شديد اليبس ليس لذك ثاني
أكل المهرجان كلما رأينا * بقرية خالد في المـهـرجـان
فلما أن مددت يدي إليه * تقـشـر من خـشـونـته بـناني
O نزل بلال بن جرير برجل يقال له: مسعود بن طعمة أحد بيدعة من بني عدي فلم يحسن قراه وقد كان قال له: أنزل علي إذا مررت فقال بلال:
أمسعود أنت الدنيء اللئيم * كأنك قـنفذة في ضعه
سمعنا له إذا نزلنا به * كلاما كما تنطق الضفدعـه
فأي اللئيمين أشبهـته * أطعمه أم أمك الـكـوتــعــه
عددنا عديا وأباءهم * فشـر عـدي بـنـو بـــيدعــــه
فما أعطش الضيف لما غدا * من البيدعات وما أجوعه
O قال عن عبد الله بن المعتز قال: قال بعضهم:
عوذ لما بت ضيفا له * أقـراصه بخلا بـياسين
فبت والأرض فراشي وقد * غنت قفا نبك مصاريني
O فال سهل ابن أحمد الديباجي : أنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد المديني لنفسه بمصر:
فتى لرغيفه صوت فصـيح * ينادي بالـضـيوف الأ حـــذار
يفر من الضيوف إذا رأهم * فرار الصقر من ذرق الحباري
O وقال أبو نصر منصور بن مشكان الخراساني الكاتب:
ظلمناك لما طلبنا قراك * وما للقرى والفتى الباخل
وسمناك مالم تكن تستطـيع * وتأبى الطباع على الناقل

مختصر: البخلاء تأليف أبي بكر الخطيب البغدادي