بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الضحك والبكاء وحياة البخلاء
أخبار مستظرفة لجماعة من البخلاء

قالوا عن البخلاء
قال القاضي أبو القاسم التنوخي : أخبرني أبي أن أبا عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد أن العسكري حدثه قال: كنت أكتب لأبي أحمد ابن ماذويه الأهوازي وهو يومئذ عامل خوي أرذك والأنهار وكان من أبخل من رأيت على شيء من الماكولات وكان يحتبسني للأكل فأجلس معه على الطعام ولا أكل كثير شيء فأحتبسني يوما وعنده جماعة فأكلوا وأكل وجريت على عادتي في التنقير وكان الطعام أرزة جدي مشوي ولونين من أطرافه وسقطه فلما فرغنا من ذلك أقبل غلامه وعلى يده طيفورية فيها الجدي فأقبل هو علينا فقال: أما أنا فقد شبعت فلم يبق في فضل فما تقولون أنتم، فقلت: أما أنا فقد شبعت فقالت الجماعة كقولي قال: فنجعل الجدي لغد ونأكله مبردا فقلت: هذا هو الصواب، فقال: ما أظنكم إلا وفيكم فضلة للأكل وإنما قلتم قد شبعتم مساعدة لي فقلت: لا والله يا سيدي ما في فضل فقال للذي يليني: ما تقول، فقال: مافي فضل، فقال: لوكنت شبعان لحلفت كما حلف أبو عبد الله فحلف الرجل أنه شبعان ، فقال الأخر الذي إلى جانبه فحلف فلم يزل يستقري واحد واحد ويحلف أنه شبعان ومن لم يحلف قال له: لو كنت شبعان لحلفت فيحلف الرجل فلما أستوثق من جماعتنا بالأيمان وثلج صدره أنه لا حيلة لأحد منا في الأكل قال: أما أنا فقد تتبعت نفسي أكل شحم كلاه حارا فقلنا له : كل هناك الله، فقال: يا غلام ضع الطيفورية فتركت بين يديه فأكل أكثر الجدي وحده وأمر برفع باقيه وحفظه.

قال التنوخي حدثنا أبي قال: أخبرني غير واحد أن أسد ابن جهور العامل كان بخيلا سواديا وكان مكاشفا بالبخل على الطعام جدا فكان نداماؤه يلقون لذلك جهدا وكان يحضرهم ويطالبهم بالجلوس ويحضر كل لذيذ شهي من الطعام فإن ذاقه منهم ذاق أستحل دمه وعجل عقوبته وكأنت علامته معهم إذا شيلت المائدة أن يمسحوا أيديهم بلحاهم ليعلم أنهم ما شعثوا شيئا يزهمها وكان له ابن أخت يتجرى عليه ولا يفكر فيه ويهتك ستره إذا وأكله فقدمت يوما إليه دجاجة هندية فائقة سرية فحين أهوى ابن أخته إليها بيده قبض أسد عليها وقال: يا غث يا بارد يا سيء العشرة يا قبيح الأدب أفي الدنيا أحد استحسن إفساد هذه ، فقال له ابن أخته يا بخيل يالئيم يا سيء الأختيار فلأي تصلح، عقدة على وجه الدهر كنزا للأعقاب صنما للعبادة أوسطة للمخانق سرية يتمتع بالنظر إليها، شهد الله أنني ما أدعها فتصابرا عليها إلى أن قال له الفتى فافتدها مني قال: قد بمإذا تحب حتى افعل ، قال: ببغلتك الفلانية. قال: قد فقلت قال: بسرجها ولجامها المحلي الفلاني ؛ قال: قد فعلت . قال :ما ارفع يدي عنها أو تحضر ذلك قال: يا غلمان، أحضروه، فأحضرت البغلة والمركب, فسلمها الفتى إلى غلامه, وأخرجها, ورفع يده عن الدجاجة, وانقضى الطعام, وشيلت المائدة, وقام أسد لينام, فخرج ابن أخته, وقال للطباخ: علي بالفائقة الساعة وبجميع ما شلتموه من المائدة؛ فأحضره إليه, ورد الندماء وقعدوا, فأكلوا ذلك, وانصرفوا وقد أكل الدجاجة والطعام أجمع وحصلت له البغلة والمركب، قال: وإنما كان أسد لا يطيق أن يرى ذلك يؤكل فأما إذا نحي من بين يديه لم يسأل عنه ولم يطالب برده.

قال القاضي أبا الطيب طاهر بن عبدالله الطبري أو حدثت عنه أن بعض الأكابر كان يشتهي أن يحضر الناس مائدته ويأكلوا طعامه غير أنه كان لا يستطيع أن يرى فما يمضغ شيئا فشكا ذلك إلى صديق له يأنس به فقال له : صديقه: لو أتخذت لهم طعاما يتنأولونه من غيرأن يمضغوه فقال: وهل يمكن ذلك، قال: نعم أصنع لهم سرطراطة وهي فالوذجة لم تنضجها النار فتنعقد فإنهم يبلعونها ولا يحتاجون إلى أن يمضغوها فقال : الرجل لصديقه: فرجت عني وهذا أسهل الاشياء عندي وليس بصعب علي إلا دوية المضغ حسب فأمر بالفلوذجة فصنعت وجعلت في صحن واسع وأحضر من يريد أن يدعوه فجلس الناس في صحن الدار وجلس الرجل في غرفة مشرفة عليهم لينظر كيف يأكلون فلما كان بعد زمان صعد صديقه الذي كان يأنس به إليه فوجده مغشيا عليه فأنتظره حتى أفاق ثم قال له: أيش حالك يا سيدي، وما الذي أصابك، فقال: ياحبيبي البلع والله أشد علي من المضغ.

مر أعرابي برجل قد وضع بين يديه غداءه وهو يأكل فقال: لو تعرضت له لعله يدعوني إلى الغداء فقال: السلام عليكم، فقال: سلام ثم طأطأ رأسه يأكل ، فقال له الأعرابي: أما أني مررت بأهلك ، قال: عليهم كان طريقك، قال: وهم صالحون، قال: كذلك خلفتهم، قال: إن أمراتك حبلى، قال: كذلك عهدتها، قال: إنها ولدت غلامين، قال: كذلك كأنت أمها، قال: مات أحدهما، قال: ماكنت لتقوى على رضاع اثنين، قال: ثم مات الآخر، قال: ماكن ليبقى بعد أخيه، قال: ثم ماتت الأم، قال: ما كأنت لتبقى بعد ولديها، قال: ما أطيب طعامك، قال: نفعه لغيرك، قال: أف لك، قال: اللئيم سباب.

قال الأصمعي : قدم أعرابي على غير حيه فقدم على رجل من حيه فنزل عليه فقال: كيف تركت كلبي بليقا، قال: قد ملأ الحي نباحا قال طاب خبرك فكيف تركت بعيري الأحمر، قال: قد ملأ الحي ماء قال طاب خبرك، قال: فكيف تركت ابني عمرا، قال:صالحا قد ملأ الحي أنسا، قال: طاب خبرك، قال: فما فعلت الدار، قال عامرة بأهلها، قال: طاب خبرك، ثم قال: يا جارية هات العشاء، فجعل الأعرابي يأكل أكل الهيم، قال: فغاظ الرجل ذلك فأرد أن يشغله بالحديث عن الأكل فقال له: عد في حديثك، قال: سل عما بدا لك، قال: ما فعل كلبي بليق، قال: صالح لو كان حيا، قال: وقد مات، قال: نعم، قال: من أي شيء، قال :أكل من لحم الجمل الأحمر، قال: ومات الجمل الأحمر، قال: نعم، قال: من أي شيء، قال: مات من نقله الماء إلى قبر أم عمرو، قال: وماتت أم عمرو، قال : نعم، قال: ومن أي شيء كان موتهان قال: من جزعها على عمرو، قال: ومات عمرو، قال: نعم، قال: وما أماته، قال: سقطت الدار عليه، قال: وسقطت الدار، قال: نعم، قال: ياجارية أرفع العشاء وهات العصا، قال: فرفع الأعرابي رجليه ولم يلحقه.

أخبرني علي بن أبي علي البصري, أخبرني أبي , قال: سمعت أبا عبد الله ابن أبي موسى الهاشمي يقول: كنت بحضرة ناصر الدولة ببغداد فاستدعى شيئا يأكله فجاؤوه بدجاجة مشوية ورغيف واحد وسكرجتين وخل وملح وقليل بقل فجعل يأكل وأنا أحادثه إذ دخل الحاجب فأخبره بحضور قوم لابد من وصولهم بحشمهم فأمر برفع الدجاجة فرفعت بسرعة ومسح يده ودخل القوم فخاطبهم بما أراد وانصرفوا فقال ردوا الطبق فأحضر فتامل الدجاجة ساعة ثم جرد وقال فأين تلك الدجاجة، فقالو هي هذه، فقال: لا وحق أبي، علي بالطباخ ، فحضر، فقال: هذه هي تلك الدجاجة، فسكت، فقال: اصدقني ويلك، قال: فما فعلت بتلك، قال: لما شيلت لم نعلم أنك تردها فأخذها بعض الغلمان الصغار فأكلها فلما طلبتها أخذنا هذه فكسرنا منها وشعثنا مثل ما كنت كسرت من تلك وشعثت طمعا في أنك لاتعلم بذلك وقدمناها، فقال: يا حمار، تلك كنت كسرت منها الفخذ اليمنى، وأكلت جانب الصدر الأيسر، وهذه ماكوله الصدر الأيمن مكسوره الفخذ اليسرى، لاتعأود بعد هذا لمثل هذا، فقال: السمع والطاعة وانصرف الطباخ، فجعلت أعجب من تفقده وهو ملك لمثل هذا ونظره فيه.

وقف أعرابي بأبي الأسود الدؤلي وهو على دكان له على باب داره يأكل تمرا فقال له: أصلحك الله، شيخ هم غابر ماضين، ووافد محتاجين، أكله الدهر وأذله الفقر، فنأوله أبو الأسود تمرة، فرمى بها الأعرابي في وجهه ثم قال له: جعلها الله حظك من حظك عنده، وألجأك إلي كما ألجأني إليك، ليبلوك بي كما بلاني بك
وسلم أعرابي على أبي الأسود، فقال ابو الأسود: كلمة مقولة، قال الأعرابى: أتاذن في الدخول، قال: وراءك أوسع عليك، قال: هل عندك شيء يؤكل، قال: نعم، قال: أطعمني، قال: عيالي أحق به، قال: ما رأيت الأم منك، قال: نسيت نفسك
وقال: أبو الأسود لرجل معه ثوب: بكم هو، قال: خذه حتى أقاربك، قال: إن لم تقاربني ما عدتك فبكم هو، قال: أعطيت به كذا، قال: أنت تخبر عما فاتك.
وباع أبو الأسود بعيرا من رجل فقال له: اتقضيني حتى أكفائك، قال: أهنأ الخير أعجله.

قال أحمد بن محمد البغدادي : كنا في بيت أبي إسحاق نلعب بالشطرنج إذا تعالى النهار وجعنا قال: فتركنا اللعب وجعلنا ننظر إلى جدار البيت فإذا في ناحية الجدار مكتوب:
نعم الصديق صديقا لايكلفنا * ذبح الفراخ ولاذبح الفراريج
يرضى بلونين من كشك ومن عدس * وإن تشهى فـبأقلى بطسوج
قال: فقلنا: ماكان ولو بقلى، فإنا قد رضينا، فإنا جياع، قال: فعدنا في اللعب حتى ضجرنا، قال: فرفعنا رؤوسنا وتركنا اللعب، فإذا في ناحية أخرى مكتوب:
اشرب على الخيري والريق * فنحن في بعد من السـوق
لاترجون الخبز في بيتنا * مالك إلا النفخ في الـبـوق
قال: فقمنا وتركناه.

مختصر: البخلاء تأليف أبي بكر الخطيب البغدادي