الجزء الثالث من أحداث سنة احدى وعشرين ومائتين والف

    شاطر
    avatar
    الإدارة
    Admin

    عدد المساهمات : 1283
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    الجزء الثالث من أحداث سنة احدى وعشرين ومائتين والف

    مُساهمة من طرف الإدارة في الجمعة أبريل 20, 2018 1:37 pm


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة التاريخ
    عجائب الآثار
    الجزء الأول

    { الفصل الثاني }
    في ذكر حوادث مصر وولاتها واعيانها ووفيات
    فى سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة
    { تابع أحداث سنة احدى وعشرين ومائتين والف }

    ومات الامير الكبير والضرغام الشهير محمد بك الألفي المرادي جلبه بعض التجار الى مصر في سنة تسع وثمانين ومائة والف فاشتراه احمد جاويش المعروف بالمجنون فأقام في بيته اياما فلم تعجبه اوضاعه لكونه كان مماجنا سفيها ممازجا فطلب منه بيع نفسه فباعه لسليم أغا الغزاوي المعروف بتمرلنك فأقام عنده شهورا ثم اهداه الى مراد بك فاعطاه نظيره ألف اردب من الغلال فلذلك سمي الألفي وكان جميل الصورة فاحبه مراد بك وجعله جوخداره ثم اعتقه وجعله كاشفا بالشرقية وعمر دارا بناحية الخطة المعروفة بالشيخ ضلام وانشأ هناك حماما بتلك الخطة عرفت به وكان صعب المراس قوي الشكيمة وكان بجواره علي أغا المعروف بالتوكلي فدخل عليه وتشفع عنده في امر فقبل رجاءه ثم نكث فحنق منه واحتد ودخل عليه في داره يغادره ويعاتبه فرد عليه بغلظة فأمر الخدم بضربه فبطحوه وضربوه بالعصي المعروفة بالنبابيت فتألم لذلك ومات بعد يومين فشكوه الى استاذه مراد بك فنفاه الى بحري فعسف بالبلاد مثل فوة ومطوبس وبارنبال ورشيد واخذ منهم ارزا واموالا فتشكوا منه الى استاذه وكان يعجبه ذلك وفي اثناء ذلك وقع الخلاف بمصر بين الامراء ونفوا سليمان بك الأغا واخاه ابراهيم بك ومصطفى بك كما ذكر ذلك فى محله وارسل اليه مراد بك وامره ان يتعين على مصطفى بك ويذهب به الى الاسكندرية منفيا ثم يعود هو الى مصر ففعل ورجع المتجرم الى مصر فعند ذلك قلدوه الصنجقية وذلك في سنة اثنتين وتسعين ومائة والف واشتهر بالفجور فخافته الناس وتحاموا شدته وسكن أيضا بدار بناحية قيصون وذلك عندما اتسعت دائرته وهدم داره القديمة أيضا ووسعها وانشأها انشاء جديدا واشترى المماليك الكثيرة وامر منهم امراء وكشافا فنشؤا على طبيعة استاذهم في التعدي والعسف والفجور ويخافون من تجبره عليهم والتزم باقطاع فرشوط وغيرها من البلاد القبلية ومن البلاد البحرية محلة دمنة ومليج وزوبر وغيرها وتقلد كشوفية شرقية بلبيس ونزل اليها وكان يغير على ما بتلك الناحية من اقطاعات وغيرها واخاف جميع عربان تلك الجهة وجميع قبائل الناحية ومنعهم من التعدى والجور على الفلاحين بتلك النواحي حتى خافه الكثير من العربان والقبائل وكانوا يخشونه وصادهم باشراك منهم وقبض على الكثير من كبرائهم وسحبهم في الجنازير وصادروهم في اموالهم ومواشيهم وفرض عليهم المغارم والجمال ولم يزل على حالته وسطوته الى أن حضر حسن باشا الجزايرلي الى مصر فخرج المترجم مع عشيرته الى ناحية قبلي
    ثم رجع معهم في اواخر سنة خمس ومائتين بعد الالف بعد الطاعون الذي مات فيه اسمعيل بك وذلك بعد اقامتهم بالصعيد زيادة عن اربع سنوات ففى تلك المدة ترزن عقله وانهضمت نفسه وتعلق قلبه بمطالعة الكتب والنظر في جزيئات العلوم والفلكيات والهندسيات واشكال الرمل والزايرجات والاحكام النجومية والتقاويم ومنازل القمر وانوائها ويسأل عمن له المام بذلك فيطلبه ليستفيد منه واقتنى كتبا في انواع العلوم والتواريخ واعتكف بداره القديمة ورغب في الانفراد وترك الحالة الي كان عليها قبل ذلك واقتصر على مماليكة والاقطاعات التي بيده واستمر على ذلك مدة من الزمان فثقل هذا الامر على اهل دائرته وبدا يصغر في اعين خشداشينه ويضعف جانبه وطفقوا يباكتونه وتجاسروا عليه وطمعوا فيما لديه وتطلع ادونهم للترفع عليه فلم يسهل به ذلك واستعمل الامر الاوسط وسكن بدار احمد جاويش المجنون يدرب سعادة وعمر القصر الكبير بمصر القديمة بشاطئ النيل تجاه المقياس وانشأ أيضا قصرا فيما بين باب النصر والدمرداش وجعل غالب اقامته فيهما واكثر من شراء المماليك وصار يدفع فيهم الاموال الكثيرة للجلابين ويدفع لهم اموالا مقدما يشترونها بها وكذلك الجواري حتى اجتمع عنده نحو الالف مملوك خلاف الذي عند كشافه وهم نحو الاربعين كاشفا الواحد منهم دائرته قدر دائرة صنجق من الامراء السابقين وكل مدة قليلة يزوج من يختاره من مماليكه لمن تصلح له من الجواري ويجهزهم بالجهاز الفاخر ويسكنهم الدور الواسعة ويعطيهم الفائظ والمناصب وقلد كشوفية الشرقية لبعض مماليكه ترفعا لنفسه عن ذلك وينزل هو اليهم أيضا على سبيل التروح وبنى له قصرا خارج بلبيس وآخر بالدمامين واخمد شوكة عربان الشرق وجبى منهم الاموال والجمال واخمد ناموسهم الذي كان يغشى ابدان الفلاحين وارواحهم واضعف شوكتهم واخفى صولتهم وكان يقيم بناحية الشرق شهورا ثلاثة او اربعة ثم يعود الى مصر واصطنع قصرا من خشب مفصلا قطعا ويركب بشناكل واغربة متينة قوية يحمل على عدة جمال فإذا اراد النزول في محطة تقدم الفراشون وركبوه خارج الصيوان فيصير مجلسا لطيفا يصعد اليه بثلاث درج مفروش بالطنافس والوسائد يسع ثمانية اشخاص وهو مسقوف وله شبابيك من الاربع جهات تفتح وتغلق بحسب الاختيار وحوله الاسرة من كل جانب وكل ذلك من داخل دهليز الصيوان
    وكان له داران بالازبكية احدهما كانت لرضوان بك بلغيا والاخرى للسيد احمد بن عبد السلام فبدا له في سنة اثنتي عشرة ومائتين والف أن ينشئ دارا عظيمة خلاف ذلك بالازبكية فاشترى قصر ابن السيد سعودي الذي بخطة الساكن فيما بينه وبين قنطرة الدكة من احمد أغا شويكار وهدمه واوقف في شيادته على العمارة كتخدا ذا الفقار ارسله قبل مجيئه من ناحية الشرقية ورسم له صورة وضعه في كاغد كبير فأقام جدرانه وحيطانه وحضر هو في اثناء ذلك فوجده قد اخطأ الرسم فاغتاظ وهدم غالب ذلك وهندسه على مقتضى عقله واجتهد في بنائه واوقف اربعة من كبار امرائه على تلك العمارة كل امير في جهة من جهاته الاربع يحثون الصناع ومعهم اكثر اتباعهم ومماليكهم وعملوا عدة قمن لحرق الاحجار وعمل النورة وكذلك ركب طواحين الجبس لطحنه وكل ذلك بجانب العمارة وقطعوا الاحجار الكبار ونقلوها في المراكب من طرا الى جنب العمارة بالازبكية ثم نشروها بالمناشير وألواحا كبارا لتبليط الارض وعمل الدرج والفسحات واحضروا لها الاخشاب المتنوعة من بولاق واسكندرية ورشيد ودمياط واشترى بيت حسن كتخدا الشعراوي المطل على بركة الرطلي من عتقائه وهدمه ونقل اخشابه وانقاضه الى العمارة وكذا نقلوا اليه انواع الرخام والاعمدة ولم يزل الاجتهاد في العمل تم على المنوال الذي اراده ولم يجعل له خرجات ولا حرمدانات بارزة عن اصل البناء ولا رواشن بل جعل ساذجا حرصا على المتانة وطول البقاء ثم ركبوا على فرجاتة المطلة على البركة والبستان والرجبة والشبابيك الخرط المصنعة وركبوا عليها شرائح الزجاج ووضع به النجف والاشياء والتحف العظيمة التي اهداها اليه الافرنج وعملوا بقاعة الجلوس السفلى فسقية عظيمة بسلسبيل من الرخام قطعة واحدة ونوفرة كبيرة حولها نوفرات من الصفر يخرج الماء من افواهما وجعل بها حمامين علويا وسفليا وبنوا بدائر حوشه عدة كبيرة من الطباق السكني المماليك وجعله دوارا واحدا لما تم البناء والبياض والدهان فرشه بأنواع الفرش والوسائد والمساند والستائر المقصبات وجعل خلفه بستانا عظيما وانشأ به جملونا مستطيلا متسعا به دكك واعمدة وهو من الجهة البحرية ينتهي اخره الى الدور المتصلة بقنطرة الدكة واهدى اليه أيضا الافرنج فسقية رخام في غاية العظم فيها صورة اسماك مصورة يخرج من افواهها الماء جعلها بالبستان ونجز البناء والعمل وسكن بها هو وعياله وحريمه في اخر شهر شعبان من سنة اثنتي عشرة واستهل شهر رمضان فأوقدوا فيها الوقدات والاحمال الممتلئة بالقناديل بدائرة الحوش والرحبة الخارجة وكذلك بقاعة الجلوس احمال النجف والشموع والصحب والفنيارات الزجاج وازدحمت خيول الامراء ببابه فأقام على ذلك الى منتصف شهر رمضان وبداله السفر الى الشرقية فأبطلوا الوقدة واطفؤا السرج والشموع فكان ذلك فألا فكانت مدة سكناه به ستة عشر يوما بلياليها وانما اطنبنا في ذكر ذلك ليعتبر اولو الألباب ولايجتهد العاقل في تعمير الخراب وفي اثناء غيبته بالشرقية وصلت الفرنساوية الى الاسكندرية ثم الى مصر وجرى ما جرى سبق ذكره وذهب مع عشيرته الى قبلي وعند وصول الفرنساوية الى بر انبابة بالبر الغربي وتحاربوا مع المصريين ابلى المترجم وجنده في تلك الواقعة ويعمل معهم مكايد ويصطاد منهم بالمصايد ولما وصل عرضي الوزير الى وعدة اسرى واسد عظيم اصطاده في سروحه فشكره الوزير وخلع عليه الخلع السنية واقام بعرضية اياما ثم رجع الى ناحية مصر وذهب الى الصعيد ثم رجع الى الشام والفرنساوية يأخذون خبره ويرصدونه في الطرق ناحية الشام ذهب اليه وقابله وانعم عليه وكان معه رؤساء من الفرنساوية
    فيزوغ منهم ويكبسهم في غفلاتهم وينال منهم ولما وصل الوزير وحصل انتقاص الصلح وانحصر المصريون والعثمانيون بداخل المدينة وقع له مع الفرنساوية الوقائع الهائلة فكان يكر ويفر هو وحسن بك الجداوي ويعمل الحيل والمكايد وقتل من كشافه في تلك الحروب رجال معدودة منهم اسمعيل كاشف المعروف بأبي قطية احترق هو وجنده ببيت احمد أغا شويكار الذي كان انشأه برصيف الخشاب وكانت الفرنساوية قد عملوا تحته لغم بارود في اسفل جدرانه ولم يعلم به احد فلما تترس فيه اسمعيل كاشف ومن معه ارسلوا من الهمه النار فالتهب على من فيه واحترقوا بأجمعهم وتطايروا في الهواء ولما اصطلح مراد بك مع الفرنساوية لم يوافقه على ذلك واعتزله ولما اشتد الامر بين الفريقين وشاطت طبخة العثمانيين ومن تبعهم طفق يسعى بين الفريقين في الصلح ويمشي مع رسل الفرنساوية في دخولهم بين العسكر وخروجهم ليمنع من يتعدى عليهم من اوباش العسكر خوفا من ازدياد الشر الى أن تم الصلح وخرج المترجم بلاء حسنا وقتل من كشافة ومماليكه عدة وافرة ولم يزل مدة اقامة الفرنساوية بمصر ينتقل في الجهات القبلية والبحرية والشرقية والغربية مع العثمانية الى نواحي الشام ثم رجع الى جهة الشرقية فيحارب من يصادفه من الفرنسيس ويقتل منهم فإذا جمعوا جيشهم واتوا لحربه لم يجدوه ويمر من خلف الجبل ويمر بالحاجز الى الصعيد فلا يعلم اين ذهب ثم يظهر بالبر الغربي ثم يسير مشرقا ويعود الى الشام وهكذا كان دأبه بطول السنة التي تخللت بين الصلحين الى أن نظم العثمانية امرهم وتاونوا بالانكليز ورجع الوزير على طريق البر وقبطان باشا بصحبة الانكليز من البحر فحضر المترجم وباقي الامراء واستقر الجميع بداخل مصر والانكليز ببر الجيزة وارتحلت الفرنساوية وخلت منهم مصر فعند ذلك قلق المترجم وداخله وسواس وفكر لانه كان صحيح النظر في عواقب الامور فكان لا يستقر له قرار ولم يدخل الى الحريم ولم يبت بداره الا ليلتين على سجادة ومخدة في القاعة السفلى ولم يكن بها حريم
    يقول الفقير ذهبت اليه مرة في ظرف اليومين فوجدته جالسا على السجادة فجلست معه ساعة فدخل عليه بعض امرائه يستأذنه في زواج احدى زوجات من مات من خشداشينة فنتر فيه وشتمه وطرده وقال لي انظر الى عقول هؤلاء المغفلين يظنون انهم استقروا بمصر ويتزوجوا ويتأهلوا مع أن جميع ما تقدم من حوادث الفرنسيس وغيرها اهون من الورطة التي نحن فيها الآن ولما اطلق الوزير لابراهيم بك الكبير التصرف والبسه خلعة وجعله شيخ البلد كعادته وان اوراق التصرفات في الاقطاعات والاطيان وغيرها تكون بختمه وعلامتة اغتر هو وباقي الامراء بذلك وازدحم الديوان ببيت ابراهيم بك المرادي وعثمان بك حسن والبرديسي وتناقلوا في الحديث فذكروا ملاطفة الوزير ومحبته لهم واقامته لناموسهم فقال المترجم لا تغتروا بذلك فإنما هي حيل ومكايد وكأنها تروج عليكم فانظروا في امركم وتفطنوا لما عساه يحصل فان سوء الظن من الحزم فقالوا له وما الذي يكون قال أن هؤلاء العثمانيين لهم السنين العديدة والازمان المديدة يتمنون نفوذ احكامهم وتملكهم لهذا الاقليم ومضت الاحقاب وامراء مصر قاهرون لهم وغالبون عليهم ليس لهم معهم الا مجرد الطاعة الظاهرة وخصوصا دولتنا الاخيرة وما كنا نفعله معهم من الاهانة ومنع الخزينة وعدم الامتثال لاوامرهم وكل ذلك مكمون في نفوسهم زيادة على ما جبلوا عليه من الطمع والخيانة والشره وقد ولجوا البلاد الان وملكوها على هذه الصورة وتأمروا علينا فلا يهون بهم أن يتركوها لنا كما كانت بأيدينا ويرجعوا الى بلادهم بعدما ذاقوا حلاوتها فدبروا رايكم وتيقظوا من غفلتكم فلما سمعوا منه ذلك صادق عليه بعضهم وقال بعضهم هذا من وساوسك وقال اخر هذا لايكون بعد ما كنا نقاتل معهم ثلاث سنوات واشهرا بأموالنا وانفسنا وهم لايعرفون طرائق البلاد ولاسياستها فلا غنى لهم عنا وقال آخر غير ذلك ثم قالوا له مارأيك الذي تراه فقال الرأي عندي أن قبلتموه ان نعدي بأجمعنا الى بر الجيزة وننصب خيامنا هناك ونجعل الانكليز واسطة بيننا وبين الوزير والقبطان وتتمم الشروط التي نرتاح نحن وهم عليها بكفالة الانكليز ولا نرجع الى البر الشرقي ولا ندخل مصر حتى يخرجوا منها ويرجعوا الى بلادهم ويبقى منهم من يبقى مثل من يقلدونه الولاية والدفتردارية ونحو ذلك وكان ذلك هو الرأي ووافق عليه البعض ولم يوافق البعض الآخر وقال كيف ننابذهم ولم يظهر لنا منهم خيانة ونذهب الى الانكليز وهم اعداء الدين فيحكم العلماء بردتنا وخيانتنا لدولة الاسلام على انهم أن قصدوا بنا شيئا قمنا باجمعنا عليهم وفينا ولله الحمد الكفاية وعند ذلك تتوسط بيننا وبينهم الانكليز فنكون لنا المندوحة والعذر فقال المترجم اما الاستنكاف من الالتجاء للانكليز فان القوم لم يستنكفوا من ذلك واستعانوا بهم ولولا مساعدتهم لما ادركوا هذا المحصول ولا قدروا على اخراج الفرنساوية من البلاد وقد شاهدنا ما حصل في العام الماضي لما حضروا بدون الانكليز على أن هذا قياس مع الفارق فإن تلك مساعدة حرب واما هذه فهي وساطة مصلحة لاغير واما انتظار حصول المنابذة فقد لايمكن التدارك بعد الوقوع لامور والرأي لكم فسكتوا وتفرقوا على كتمان ما دار بينهم ولما لم يوافقوا المترجم على ما اشار به عليهم اخذ يدبر في خلاص نفسه فانضم الى محمود افندي رئيس الكتاب لقربه من الوزير وقبوله عنده واوهمه النصيحة للوزير بتحصيل مقادير عظيمة من الاموال من جهة الصعيد أن قلده الوزير امارة الصعيد فإنه يجمع له اموالا جمة من تركات الاغنياء الذين ماتوا بالطاعون في العام الماضي وخلافة ولم يكن لهم ورثة وغير ذلك من الجهات التي لا يحيط بها خلافه والمال والغلال الميرية فلما عرف الرئيس الوزير بذلك لم يكن بأسرع من اجابته لوجهين الاول طمعا في تحصيل المال والثاني لتفريق جمعهم فانهم كانوا يحسبون حسابه دون باقي الجماعة لكثرة جيشه وشدة احترازه فإنه كان اذا ذهب عند الوزير لايذهب في الغالب الا وحوله جميع جنوده ومماليكه
    وعندما اجاب الوزير الى سفره كتب له فرمانا بإمارة الجهة القبلية واطلق له الاذن ورخص له في جميع ما يؤدي اليه اجتهاده من غير معارض وتمم الرئيس القصد وفي الوقت حضر المترجم فأخذ المرسوم ولبس الخلعة بنفسه وودع الوزير والرئيس وركب في الوقت والساعة وخرج مسافرا وجعل رئيس افندي وكيلا عنه وسفيرا بينه وبين الوزير بعدما اسكنه في داره ولم يشعر بذلك احد ولم ير للوزير وجها بعد ذلك وعندما اشيع ذلك حضر الى الوزير اعتراض عليه في هذه الغفلة واشار عليه بنقض ذلك فأرسل يستدعيه لامر تذكره على ظن تأخره فلم يدركوه الا وقد قطع مسافة بعيدة ورجعوا على غير طائل وذهب هو الى اسيوط وشرع في جبي الاموال وارسل للوزير دفعة من المال واغناما وعبيدا طواشية وغلالا ثم لم يمض على ذلك الا نحو ثلاثة شهور وسافر طائفة من الانكليز الى سكندرية وكذلك حسين باشا القبطان ونصبوا للمصريين الفخاخ وارسل القبطان يطلب طائفة منهم فأوقع بهم ما اوقع وقبض الوزير على من بمصر من الامراء وحبسهم وجرى ما هو مسطور في محله وعينوا على المترجم طاهر باشا بعساكر وحصلت المفاقمة وقتل من قتل والتجأ من بقي الى الانكليز ولم يندمل الجرح بعد تقريحه وذهب الجميع الى الناحية القبلية وارسلوا لهم التجاريد وتصدى المترجم لحروبهم ثم حضر الى ناحية بحرى ونزل بظاهر الجيزة وسار الى ناحية البحيرة بعد حروب ووقائع فاجتهد محمد باشا خسرو في اخراج تجريدة عظيمة وسارى عسكرها كتخدا وهو يوسف كتخدا بك وهي التجريدة التي سماها العوام تجريدة الحمير لانهم جمعوا من جملة ذلك حمير الحمارة والتراسين وحمير اللكاف والسقائين وعملوا على اهل بولاق ألف حمار وكذلك مصر ومصر القديمة وطفقوا يخطفون حمير الناس ويكبسون البيوت ويأخذون ما يجدونه وكان يأتي بعض معاكيس العسكر عند الدور ويضع احدهم فمه عند الباب ويقول زر فينهق الحمار فياخذونه فلما تم مرادهم من جمع الحمير اللازمة لهم سافروا الى ناحية البحيرة فكانت بينهم واقعة عظيمة بمرأى من الانكليز وكانت الغلبة له على العسكر واخذ منهم جملة اسرى وانهزم الباقون شر هزيمة وحضروا الى مصر في اسوأ حال وهذه الكسرة كانت سببا لحصول الوحشة بين الباشا والعسكر فإنه غضب عليهم وامرهم بالخروج من مصر فطلبوا علائفهم فقال باي شئ تستحقون العلائف ولم يخرج من ايديكم شئ فامتنعوا من الخروج وكان المشار اليه فيهم محمد علي سرششمة فأراد الباشا اصطياده فلم يتمكن منه لشدة احتراسه فحاربه فدفع له ما ذكر في محله وخرج الباشا هاربا الى دمياط ومن ذلك الوقت ظهر اسم محمد علي ولم يزل ينموا ذكره بعد ذلك واما المترجم فإنه بعد كسرته للعسكر ذهب ناحية دمنهور وذهبت كشافه وامراؤه الى المنوفية والغربية والدقهلية وطلبوا منهم المال والكلف ثم رجعوا الى البحيرة ثم بعد هذه الوقائع سافر المترجم مع الانكليز الى بلادهم واختار من مماليكه خمسة عشر شخصا اخذهم صحبته واقام عوضه احد مماليكه المسمى بشتك بك وسمى الألفي الصغير وامره على مماليكه وامرائه وامرهم بطاعته واوصاه وصايا وسافر وغاب سنة وشهرا وبعض ايام لانه سافر في منتصف شهر شوال سنة سبع عشرة وحضر في اول شهر القعدة سنة ثمان عشرة وجرى في مدة غيابه من الحوادث التي تقدم من ذكرها ما يغني عن اعادتها من خروج محمد باشا خسرو وتولية طاهر باشا ثم قتله ودخول الامراء المصريين وتحكمهم بمصر سنة ثمان عشرة وتأمير صناجق من اتباع المترجم وما جرى بها من الوقائع بتقدير الله تعالى
    البارز بتدبير محمد علي ونفاقه وحيله فإنه سعى اولا في نقض دولة مخدومه محمد باشا خسرو بتواطئه مع طاهر باشا وخازنداره محمد باشا المحافظ للقلعة ثم الاغراء على طاهر باشا حتى قتل ثم معاونته للأمراء المصريين ودخولهم وتملكهم واظهار المساعدة الكلية لهم ومصادقتهم وخدمتهم ومعاونتهم والرمح في غفلتهم وخصوصا عثمان بك البرديسي فإنه كان ممخرقا غشوما يحب الترؤس فأظهر له الصداقة والمؤاخاة والمصافاة حتى قضى منهم اغراضه من قتل الدفتردار والكتخدا وعلي باشا الطرابلسي ومحاربة محمد باشا واخذه اسيرا من دمياط واخيه السيد علي القبطان برشيد ونسبة جميع هذه الافعال والقبائح اليهم فلما انقضى ذلك كله لم يبق الا الألفي وجماعته والبرديسي الذي هو خشداشة يحقد عليه ويغار منه ويعلم انه اذا حضر لا يبقى له معه ذكر وتخمد انفاسه فيتناجيا ويتسارا في امر المترجم ويتذاكرا تعاظم وكيله وخشداشينة ونقضهم عليه ما يبرمونه مع غياب استاذهم فكيف بهم اذا حضر ويوهمة المساعدة والمعاضدة ويكون خادما له وعساكره جنده الى أن حضر المترجم فأوقعا به ما تقدم ذكره ونجا بنفسه واختفى عند عشيبة البدوي بالوادي فلما خلا الجو من الألفي وجماعته فأوقع محمد علي عند ذلك بالبرديسي وعشيرته ما اوقع وظهر بعد ذلك المترجم من اختفائه وذهب الى ناحية قبلي هو ومملوكه صالح بك واجتمعت عليه امراؤه واجناده واستفحل امره واصطلح مع عشيرته والبرديسي على مافي نفوسهما وما زال منجمعا عن مخالطتهم وجرى ما جرى من مجيئهم حوالي مصر وحروبهم مع العساكر في ايام خورشيد احمد باشا وانفصالهم عنها بدون طائل لتفاشلهم واختلاف آرائهم وفساد تدبيرهم ورجعوا الى ناحية قبلي ثم عادوا الى ناحية بحري بعد حروب ووقائع مع حسن باشا ومحمد علي وعساكرهم ثم لما حصلت المفاقمة بينهما وبين خورشيد احمد باشا وانتصر محمد علي بالسيد عمر مكرم النقيب والمشايخ والقاضي واهل البلدة والرعايا وهاجت الحروب بين الباشا واهل البلدة كما هو مذكور كانت الامراء المصريون بناحية التبين والمترجم منعزل عنهم بناحية الطرانة والسيد عمر يراسله ويعده ويذكر له بأن هذا القيام من اجلك واخراج هذه الاوباش ويعود الامر اليكم كما كان وانت المعني بذلك لظننا فيك الخير والصلاح والعدل فيصدق هذا القول ويساعده بارسال المال ليصرفه في مصالح المقاتلين والمحاربين ومحمد علي يداهن السيد عمر سرا ويتملق اليه ويأتيه ويراسله ويأتي اليه في اواخر الليل وفي أواساطه مترددا عليه في غالب اوقاته حتى تم له الامر بعد المعاهدة والمعاقدة والايمان الكاذبة على سيره بالعدل واقامة الاحكام والشرائع والاقلاع عن المظالم ولايفعل امرا الا بمشورته شورة العلماء وانه متى خالف الشروط عزلوه واخرجوه وهم قادرون على ذلك كما يفعلون الآن فيتورط المخاطب بذلك القول ويظن صحته وان كل الوقائع زلابية وكل ذلك سرا لم يشعر به خلافهم الى أن عقد السيد عمر مجلسا عند محمد علي واحضر المشايخ والاعيان وذكرلهم أن هذا الامر وهذه الحروب ما دامت على هذه الحالة لاتزداد الا فشلا ولا بد من تعيين شخص من جنس القوم للولاية فانظروا من تجدونه وتختارونه لهذا الامر ليكون قائم مقام حتى يتعين من طرف الدولة من يتعين فقال الجميع الرأي ما تراه فاشار الى محمد علي فأظهر التمنع وقال انا لا اصلح لذلك ولست من الوزراء ولا من الامراء ولا من اكابر الدولة فقالوا جميعا قد اخترناك لذلك براي الجميع والكافة والعبرة ورضا اهل البلاد
    وفي الحال احضروا فروة البسوها له وباركوا له وهنؤه وجهروا يخلع خورشيد احمد باشا من الولاية واقامة المذكور في النيابة حتى يأتي المتولي او يأتي له تقرير بالولاية ونودي في المدينة بعزل الباشا واقامة محمد علي في النيابة الى أن كان ما هو مسطور قبل ذلك في محله فلما بلغ المترجم ذلك وكان ببر الجيزة ويراسل السيد عمر مكرم والمشايخ فانقبض خاطره ورجع الى البحيرة واراد دمنهور فامتنع عليه اهلها وحاربوه وحاربهم ولم ينل منهم غرضا والسيد عمر يقويهم ويمدهم ويرسل اليهم البارود وغيره من الاحتياجات وظهر للمترجم تلاعب السيد عمر مكرم معه وكأنه كان يقويه على نفسه فقبض على السفير الذي كان بينهما وحبسه وضربه واراد قتله ثم اطلقه ثم عاد الى بر الجيزة وسكنت الفتنة واستقر الامر لمحمد علي باشا وحضر قبطان باشا الى ساحل أبي قير ووصل سلحداره الى مصر وانزل احمد باشا المخلوع عن الولاية من القلعة الى بولاق ليسافر ومنع محمد علي من الذهاب والمجئ الى المصريين واوقف أشخاصا برا وبحرا يرصدون من يأتي من قبلهم او يذهب اليهم بشئ من متاع وملبوس وسلاح وغير ذلك ومن عثروا عليه بشئ قبضوا عليه واخذوا ما معه وعاقبوه فامتنع الباعة والمتسببون وغيرهم من الذهاب اليه بشئ مطلقا فضاق خناق المترجم فاحتال بان ارسل محمد كتخداه يطلب الصلح مع الباشا فانسر لذلك وفرح واعتقد صحة ذلك وانعم على الكتخدا وعبي هدية جليلة لمخدومه من ملابس وفراوي واسلحة وخيام ونقود وغير ذلك وعندها قضى الكتخدا اشغاله من مطلوبات مخدومه واحتياجاته له ولأتباعة وامرائه ووسق مراكب وذهب بها جهارا من غير أن يتعرض له احد وذهب صحبته السلحدار وموسى البارودي وذكروا انه يطلب كشوفية الفيوم وبني سويف والجيزة والبحيرة ومائتي بلد من الغربية والمنوفية والدقهلية يستغل فائظها ويجعل اقامته بالجيزة ويكون تحت الطاعة فلم يرض الباشا بذلك وقال اننا صالحنا باقي الامراء واعطيناهم من حدود جرجا بالشروط التي شرطناها عليهم وهو داخل في ضمنهم فرجع محمد كتخدا له بالجواب بعد أن قضى اشغاله واحتياجاته ولوازمه من امتعة وخيام وسروج وغير ذلك وتمت حيلته وقضى اغراضه وذهب الى الفيوم وتحارب جنده مع جند ياسين بك وانخدل فيها ياسين بك ثم عاد شاهين بك الالفي بجند كثير بعد شهور الى بر الجيزة وخرج محمد علي باشا لمحاربته بنفسه فكانت له الغلبة وقتل في هذه الواقعة على كاشف الذي كان تزوج بزوجة حسن بك الجداوي وهي بنت حسن بك شنن رآه الاخصام منجملا فظنوه الباشا فأحاطوا به واخذوه اسيرا ثم قتلوه ورجع الباشا الى بر مصر واجتهد في تشهيل تجريدة اخرى وكل ذلك مع طول المدى


    عجائب الآثار في التراجم والأخبار
    المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
    مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء يوليو 17, 2018 6:22 pm