بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الضحك والبكاء وحياة البخلاء
مقدمة كتاب البخلاء للجاحظ

رب أنعمت فزد
تولاك الله بحفظه، وأعانك على شكره، ووفقك لطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته ذكرت - حفظك الله أنك قرأت كتابي في تصنيف حيل لصوص النهار، وفي تفصيل حيل سراق الليل، وأنك سددت به كل خلل ،وحصنت به كل عورة،وتقدمت بما أفادك من لطائف الخدع ،ونبهك عليه من غرائب الحيل، فيما عسى ألا يبلغه كيد، ولا يحوزه مكر وذكرت أن موقع نفعه عظيم، وأن التقدم في درسه واجب وقلت: اذكر لي نوادر البخلاء، واحتجاج الأشحاء، وما يجوز من ذلك في باب الهزل، وما يجوز منه في باب الجد،لأجعل الهزل مستراحا،والراحة جماما؛ فإن للجد كدا يمنع من معاودته، ولا بد لمن التمس نفعه من مراجعته.
وذكرت ملح الحزامي، واحتجاج الكندي، ورسالة سهل بن هارون،وكلام ابن غزوان، وخطبة الحارثي، وكل ما حضرني من أعاجيبهم، ولم سموا البخل صلاحاً، والشح اقتصاداً، ولم حاموا على المنع، ونسبوه إلى الحزم، ولم نصبوا للمواساة، وقرنوها بالتضييع، ولم جعلوا الجود سرفاً، والأثرة جهلاً، ولم زهدوا في الحمد، وقل احتفالهم بالذم، ولم استضعفوا من هش للذكر، وارتاح للبذل، ولم حكموا بالقوة لمن لا يميل إلى ثناء، ولا ينحرف عن هجاء؛ ولم احتجوا بظلف العيش على لينه، وبحلوه على مره؛ ولم لم يستحيوا من رفض الطيبات في رحالهم، مع استهتارهم بها في رحال غيرهم، ولم تتايعوا في البخل؛ ولم اختاروا ما يوجب ذلك الاسم، مع أنفتهم من ذلك الاسم؛ ولم رغبوا في الكسب، مع زهدهم في الإنفاق؛ ولم عملوا في الغنى، عمل الخائف من زوال الغنى، ولم يفعلوا في الغنى، عمل الراجي لدوام الغنى، ولم وفروا نصيب الخوف، وبخسوا نصيب الرجاء، مع طول السلامة وشمول العافية، والمعافى أكثر من المبتلى، وليست الحوائج أقل من الفوائد.
فكيف يدعوا إلى السعادة من خص نفسه بالشقوة، بل كيف ينتحل نصيحة العامة من بدأ بغش الخاصة، ولم احتجوا مع شدة عقولهم بما أجمعت الأمة على تقبيحه، ولم فخروا مع اتساع معرفتهم بما أطبقوا على تهجينه، وكيف يفطن عند الاعتلال له، ويتغلغل عند الاحتجاج عنه إلى الغابات البعيدة، والمعاني اللطيفة، ولا يفطن لظاهر قبحه، وشناعة اسمه، وخمول ذكره، وسوء أثره على أهله، وكيف وهو الذي يجمع له بين الكد وقلة المرفق، وبين السهر وخشونة المضجع، وبين طول الاغتراب وطول قلة الانتفاع، ومع علمه لأن وارثه أعدى له من عدوه، وأنه أحق بما له من وليه، أو ليس لو أظهر الجهل والغباوة، وانتحل الغفلة والحماقة، ثم احتج بتلك المعاني الشداد، وبالألفاظ الحسان، وجودة الاختصار، وبتقريب المعنى، وبسهولة المخرج، وإصابة الموضع، لكان ما ظهر من معانيه وبيانه، مكذباً لما ظهر من جهله ونقصانه، ولم جاز أن يبصر بعقله البعيد الغامض، ويعيا عن القريب الجليل، وقلت: فبين لي ما الشيء الذي خبل عقولهم، وأفسد أذهانهم، وأغشى تلك الأبصار، ونقض ذلك الاعتدال، وما الشيء الذي له عاندوا الحق، وخالفوا الأمم، وما هذا التركيب المتضاد، والمزاج المتنافي، وما هذا الغباء الشديد الذي إلى جنبه فطنة عجيبة، وما هذا السبب الذي خفي به الجليل الواضح، وأدرك به الدقيق الغامض، وقلت: وليس عجبي ممن خلع عذاره في البخل، وأبدى صفحته للذم، ولم يرض من القول إلا بمقارعة الخصم، ولا من الاحتجاج إلا بما رسم في الكتب؛ ولا عجبي من مغلوب على عقله، مسخر لإظهار عيبه، كعجبي ممن قد فطن لبخله، وعرف إفراط شحه، وهو في ذلك يجاهد نفسه، ويغلب طبعه. ولربما ظن أن قد فطن له، وعرف ما عنده، فموه شيئاً لا يقبل التمويه، ورقع خرقاً لا يقبل الرقع.
فلوا أنه كما فطن لعيبه، وفطن لمن فطن لعيبه، فطن لضعفه عن علاج نفسه، وعن تقويم أخلاطه، وعن استرجاع ما سلف من عاداته، وعن قلبه أخلاقه المدخولة إلى أن تعود سليمة، لترك تكلف ما لا يستطيعه، ولربح الإنفاق على من يذمه، ولما وضع على نفسه الرقباء، ولا أحضر مائدته الشعراء، ولا خالط برد الآفاق، ولا لابس الموكلين بالأخبار، ولا استراح من كد الكلفة، ودخل في غمار الأمة.
وبعد فما باله يفطن لعيوب الناس إذا أطعموه، ولا يفطن لعيب نفسه إذا أطعمهم، وإن كان عيبه مكشوفاً، وعيب من أطعمه مستوراً، ولم سخت نفس أحدهم بالكثير من التبر، وشحت بالقليل من الطعم، وقد علم أن الذي منع يسير في جنب ما بذل، وأنه لو شاء أن يحصل بالقليل مما جاد به أضعاف ما بخل به، كان ذلك عتيداً، ويسيرا موجوداً، وقلت: ولا بد من أن تعرفني الهنات التي نمت على المتكلفين، ودلت على حقائق المتموهين، وهتكت عن أستار الأدعياء، وفرقت بين الحقيقة والرياء، وفصلت بين البهرج المتزخرف، والمطبوع المبتهل؛ لتقف - زعمت - عندها، ولتعرض نفسك عليها، ولتتوهم مواقعها وعواقبها.فإن نبهك التصفح لها على عيب قد أغفلته، عرفت مكانه فاجتنبته. فإن كان عتيداً ظاهراً معروفاً عندك نظرت: فأن كان احتمالك فاضلاً على بخلك، دمت على إطعامهم، وعلى اكتساب المحبة بمؤاكلتهم، وإن كان اكترائك غامر الاجتهاد سترت نفسك، وانفردت يطيب زادك، ودخلت مع الغمار، وعشت عيش المستورين. وإن كانت الحروب بينك وبين طباعك سجالاً، وكانت أسبابكما أمثالاً وأشكالاً، أجبت الحزم إلى ترك التعرض، وأجبت الاحتياط إلى رفض التكلف، ورأيت أن من حصل السلامة من الذم فقد غنم، وأن من آثر الثقة على التغرير فقد حزم.
وذكرت أنك إلى معرفة هذا الباب أحوج، وأن ذا المروءة إلى هذا العلم أفقر، وأنى إن حصنت من الذم عرضك، بعد أن حصنت من اللصوص مالك، فقد بلغت لك ما لم يبلغه أب بار، ولا أم رءوم.
وسألت أن أكتب لك علة أن الرجل أحق ببيته من الغريب، وأولى بأخيه من البعيد، وأن البعيد أحق بالغيرة، والقريب أولى بالأنفة، وأن الاستزادة في النسل كالاستزادة في الحرث، إلا أن العادة هي التي أوحشت منه، والديانة هي التي حرمته، ولأن الناس يتزيدن أيضاً في استعظامه، وينتحلون أكثر مما عندهم في استشناعه.
وعلة الجهجاه في تحسين الكذب بمرتبة الصدق في مواضع، وفي تقبيح الصدق في مواضع، وفي إلحاق الكذب بمرتبة الصدق، وفي حط الصدق إلى موضع الكذب؛ وأن الناس يظلمون الكذب بتناسي مناقبه، وتذكر مثالبه، ويحابون الصدق بتذكر منافعه، وبتناسي مضاره، وإنهم لو وازنوا بين مرافقهما، وعدلوا بين خصالهما، لما فرقوا بينهما هذا التفريق، ولما رأوهما بهذه العيون. ومذهب صحصح في تفضيل النسيان على كثير من الذكر، وأن الغباء في الجملة أنفع من الفطنة في الجملة، وأن عيش البهائم أحسن موقعاً من النفوس من عيش العقلاء، وإنك لو أسمنت بهيمة ورجلاً ذا مروءةً، أو امرأةً ذات عقل وهمة، وأخرى ذات غباء وغفلة، لكان الشحم إلى البهيمة أسرع، وعن ذات العقل والهمة أبطأ. ولأن العقل مقرون بالحذر والاهتمام، ولأن الغباء مقرون بفراغ البال والأمن، فلذلك البهيمة تقنو شحماً في الأيام اليسيرة. ولا تجد ذلك لذي الهمة البعيدة. ومتوقع البلاء في البلاء وإن سلم منه. والعاقل في الرجاء إلى أن يدركه البلاء.
ولولا أنك تجد هذه الأبواب وأكثر منها مصورة في كتابي الذي سمي كتاب المسائل، لأتيت على كثير منه في هذا الكتاب.
فأما ما سألت من احتجاج الأشحاء، ونوادر أحاديث البخلاء، فسأوجدك ذلك في قصصهم - إن شاء الله تعالى - مفرقاً، وفي احتجاجاتهم مجملاً، فهو أجمع لهذا الباب من وصف ما عندي، دون ما انتهى إلى من أخبارهم على وجهها؛ وعلى أن الكتاب أيضاً يصير أقصر، ويصير العار فيه أقل.
ونبتدئ برسالة سهل بن هارون، ثم بطرف أهل خراسان، لإكثار الناس في أهل خراسان.
ولك في هذا الكتاب ثلاثة أشياء: تبين حجة طريفة، أو تعرف حيلة لطيفة، أو استفادة نادرة عجيبة. وأنت في ضحك منه إذا شئت، وفي لهو إذا مللت الجد.
وأنا أزعم أن البكاء صالح للطبائع، ومحمود المغبة، إذا وافق الموضع، ولم يجاوز المقدار، ولم يعدل عن الجهة، ودليل على الرقة والبعد من القسوة. وربما عد من الوفاة، وشدة الوجد على الأولياء. وهو من أعظم ما تقرب به العابدون، واسترحم به الخائفون.
وقال بعض الحكماء لرجل اشتد جزعه من بكاء صبي له: لا تجزع، فإنه أفتح لجرمه ، وأصح لبصره. وضرب عامر بن قيس بيده على عينه، فقال: جامدة شاخصة لا تندى، وقيل لصفوان بن محرز، عند طول بكائه وتذكر أحزانه: إن طول البكاء يورث العمى. فقال: ذلك لها شهادة. فبكى حتى عمى.
وقد مدح بالبكاء ناس كثير: منهم يحيى البكاء، وهيثم البكاء. وكان صفوان بن محرز يسمى البكاء.
وإذا كان البكاء الذي ما دام صاحبه فيه فإنه في بلاء - وربما أعمى البصر، وأفسد الدماغ، ودل على السخف، وقضى على صاحبه بالهلع، وشبه بالأمة اللكعاء، وبالحدث الضرع - كذلك، فما ظنك بالضحك الذي لا يزال صاحبه في غاية السرور، إلى أن ينقطع عنه سببه، ولو كان الضحك قبيحاً من الضاحك، وقبيحاً من المضحك، لما قيل للزهرة والحبرة والحلي والقصر المبنى: كأنه يضحك ضحكاً. وقد قال الله جل ذكره: ( وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحياً ). فوضع الضحك بحذاء الموت. وإنه لا يضيف الله إلى نفسه القبيح، ولا يمن على خلقه بالنقص.
وكيف لا يكون موقعه من سرور النفس عظيماً، ومن مصلحة الطباع كبيراً، وهو شيء في أصل الطباع، وفي أساس التركيب. لأن الضحك أول خير يظهر من الصبي. وقد تطيب نفسه، وعليه ينبت شحمه، ويكثر دمه الذي هو علة سروره، ومادة قوته. ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمى أولادها بالضحاك وببسام وبطلق وبطليق. وقد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم ومزح. وضحك الصالحون ومزحوا. وإذا مدحوا قالوا: هو ضحوك السن، وبسام العشيات، وهش إلى الضيف، وذو أريحية واهتزاز.
وإذا قالوا: هو عبوس، وهو كالح، وهو قطوب، وهو شتيم المحيا، وهو مكفهر أبداً، وهو كريه، ومقبض الوجه، وحامض الوجه؛ وكأنما وجهه بالخل منضوح، وللمزح موضع، وله مقدار، متى جازها أحد، وقصر عنهما أحد، صار الفاضل خطلاً، والتقصير نقصاً. فالناس لم يعيبوا الضحك إلا بقدر، ولم يعيبوا المزح إلا بقدر.
ومتى أريد بالمزح النفع، وبالضحك الشيء الذي له جعل الضحك، صار المزح جداً، والضحك وقاراً.
وهذا كتاب لا أغرك منه، ولا أستر عنك عيبه. لأنه لا يجوز أن يكمل لما تريده، ولا يجوز أن يوفى حقه كما ينبغي له: لأن هاهنا أحاديث كثيرة متى أطلعنا منها حرفاً عرف أصحابها، وإن لم نسمهم، ولم نرد ذلك بهم. وسواء سميناهم أو ذكرنا ما يدل على أسمائهم. منهم الصديق والولي والمستور والمتجمل. وليس يفي حسن الفائدة لكم بقبح الجناية عليهم. فهذا باب يسقط البتة، ويختل به الكتاب لا محالة. وهو أكثرها باباً، وأعجبها منك موقعاً - وأحاديث أخر ليس لها شهرة؛ ولو شهرت لما كان فيها دليل على أربابها، ولا هي مفيدة أصحابها.
وليس يتوفر أبداً حسنها إلا بأن تعرف أهلها، وحتى تتصل بمستحقها، وبمعادنها واللائقين بها. وفي قطع ما بينها وبين عناصرها ومعانيها سقوط نصف الملحة، وذهاب شطر النادرة.
ولو أن رجلاً ألزق نادرة بأبي الحارث جمين، والهيثم بن مطهر، وبمزيد، وابن الأحمر، ثم كانت باردة، لجرت على أحسن ما يكون. ولو ولد نادرة حارة في نفسها، مليحة في معناها، ثم أضافها إلى صالح بن حنين، وإلى ابن النواء، وإلى بعض البغضاء، لعادت باردة، ولصارت فاترة، فإن الفاتر شر من البارد.
وكما أنك لو ولدت كلاماً في الزهد، وموعظة للناس، ثم قلت: هذا من كلام بكر بن عبد الله المزني، وعامر بن عبد قيس العنبري، ومورق العجلي، ويزيد الرقاشي، لتضاعف حسنه، ولأحدث له ذلك النسب نضارة ورفعة لم تكن له. ولو قلت: قالها أبو كعب الصوفي، أو عبد المؤمن، أو أبي نواس الشاعر، أو حسين الخليع، لما كان لها إلا مالها في نفسها. وبالحرى أن تغلط في مقدارها، فتبخس من حقها.
وقد كتبنا لك أحاديث كثيرة مضافة إلى أربابها، وأحاديث كثيرة غير مضافة إلى أربابها؛ إما بالخوف منهم، وإما بالإكرام لهم. ولو لا أنك سألتني هذا الكتاب لما تكلفته، ولما وضعت كلامي موضع الضيم والنقمة. فإن كانت لائمة أو عجز فعليك، وإن عذر فلي دونك.

مختصر: كتاب البخلاء للجاحظ