ختام الحديث الأول

    شاطر
    avatar
    بص وطل
    Admin

    عدد المساهمات : 1391
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    ختام الحديث الأول

    مُساهمة من طرف بص وطل في الخميس ديسمبر 06, 2018 3:11 pm


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة الحديث الشريف
    جامع العلوم والحكم

    ● [ ختام الحديث الأول ] ●

    عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - ، قال : سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -يقولُ : ( إنَّمَا الأعمَال بالنِّيَّاتِ وإِنَّما لِكُلِّ امريءٍ ما نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ فهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُوْلِهِ ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُها أو امرأةٍ يَنْكِحُهَا فهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليهِ ).
    رواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ.

    ختام الشرح
    ● [ فصل ] ●
    وأمَّا النِّيَّةُ بالمعنى الذي يذكره الفُقهاءُ ، وهو أنَّ تمييزَ العباداتِ من العاداتِ ، وتمييز العباداتِ بعضها مِنْ بعضٍ ، فإنَّ الإمساكَ عنِ الأكلِ والشُّربِ يقعُ تارةً حميةً ، وتارةً لعدمِ القُدرةِ على الأكل(3) ، وتارةً تركاً للشَّهواتِ للهِ - عز وجل - ، فيحتاجُ في الصِّيامِ إلى نيَّةٍ ليتميَّزَ بذلك عَنْ تركِ الطَّعامِ على غير هذا الوجه .
    وكذلك العباداتُ ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ ، منها فرضٌ ، ومنها نفلٌ .
    والفرضُ يتنوَّعُ أنواعاً ، فإنَّ الصَّلواتِ المفروضاتِ خمسُ صلواتِ كلَّ يومٍ وليلةٍ ، والصَّومُ الواجبُ تارةً يكونُ صيامَ رمضان ، وتارةً (4) صيامَ كفارةٍ ، أو عن نذرٍ ، ولا يتميَّزُ هذا كلُّه إلاَّ بالنِّيَّةِ ، وكذلك الصدقةُ ، تكونُ نفلاً ، وتكونُ فرضاً ، والفرضُ منه زكاةٌ ، ومنه كفَّارةٌ ، ولا يتميَّزُ ذلكَ إلاَّ بالنِّيَّةِ ، فيدخلُ ذلك في عمومِ قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( وإنَّما لكل امرىءٍ (5) ما نَوى ) .
    -------------------------
    (3) عبارة : ( وتارة لعدم القدرة على الأكل ) لم ترد في ( ص ) .
    (4) زاد بعدها في ( ص ) : ( يكون ) .
    (5) في ( ج ) : ( لامريءٍ ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وفي بعضِ ذلك اختلافٌ مشهورٌ بينَ العُلماءِ ، فإنَّ منهم مَنْ لا يُوجِبُ تعيينَ
    النِّيَّةِ للصَّلاةِ المفروضةِ ، بل يكفي عندَه أنْ ينويَ فرضَ الوقتِ ، وإنْ لم يستحضِرْ
    تسميتَه في الحال ، وهي روايةٌ عن الإمامِ(1) أحمدَ (2) .
    -------------------------
    (1) لم ترد في ( ص ) .
    (2) قال ابن قدامة الحنبلي في " المغني " 1/544-545 : ( لا نعلم خلافاً بين الأئمة في وجوب النية للصلاة ، فإن كانت الصلاة مكتوبة لزمته نية الصلاة بعينها ظهراً أو عصراً أو غيرهما فيحتاج إلى نية شيئين : الفعل والتعيين . =
    = ... واختلف أصحابنا في نية الفريضة ، فقال بعضهم : لا يحتاج إليها ؛ لأنَّ التعيين يغني عنها لكون الظهر مثلاً لا يكون إلا فرضاً من المكلف ، وقال ابن حامد : لا بُدَّ من نية الفريضة ؛ لأنَّ المعينة قد تكون نفلاً كظهر الصبي والمعادة فيفتقر إلى ثلاثة أشياء الفعل والتعيين والفريضة ويحتمل هذا كلام الخرقي لقوله : ينوي بها المكتوبة . وقال القاضي : ظاهر كلام الخرقي أنَّه لا يفتقر إلى التعيين ؛ لأنَّه إذا نوى المفروضة انصرفت النية إلى الحاضرة ، والصحيح أنَّه لا بد من التعيين ، بدليل : أنَّه لم يغن عن نية المكتوبة وقد يكره عليه صلوات فلا تعيين إحداهن بدون التعيين ) .
    انظر : الواضح في شرح مختصر الخرقي 1/211-212 ، والمبدع 1/358 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ويُبنى على هذا القولِ : أنَّ منْ فاتَته صلاةٌ مِنْ يومٍ وليلةٍ ، ونسيَ عينَها ، أنّ عليه أنْ يقضي ثلاثَ صلواتٍ : الفجرَ والمغربَ ورُباعيَّةً واحدة (1) .
    -------------------------
    (1) قال ابن قدامة الحنبلي : ( أما الفائتة فإنْ عينها بقلبه أنَّها ظهر اليوم لم يحتج إلى نية القضاء ولا الأداء بل لو نواها أداء فبان أنَّ وقتها قد خرج وقعت قضاء من غير نية ، ولو ظن أنَّ الوقت قد خرج فنواها قضاءً فبان أنَّها في وقتها أداء من غير نية كالأسير إذا تحرى وصام شهراً يريد به شهر رمضان فوافقه أو ما بعده أجزأه ، وإنْ ظن أنَّ عليه ظهراً فائتة فقضاها في وقت ظهر اليوم ثم تبين أنَّه لا قضاء عليه فهل يجزئه عن ظهر اليوم ؟ يحتمل وجهين :
    أحدهما : يجزئه ؛ لأنَّ الصلاة معينة ، وإنَّما أخطأ في نية الوقت فلم يؤثر كما إذا اعتقد أنَّ الوقت قد خرج فبان أنَّه لم يخرج ، أو كما لو نوى ظهر أمس وعليه ظهر يوم قبله .
    والثاني : لا يجزئه ؛ لأنَّه لو لم ينو عين الصلاة فأشبه ما لو نوى قضاء عصر لم يجزه عن الظهر ولو نوى ظهر اليوم في وقتها وعليه فائتة لم يجزه عنها ويتخرج فيها كالتي قبلها . فأما إنْ كانت عليه فوائت فنوى صلاة غير معينة لم يجزه عن واحدة منها لعدم التعيين ولو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها لزمه خمس صلوات ليعلم أنه أدى الفائتة ، ولو نسي صلاة لا يدري أظهر هي أم عصر لزمه صلاتان ، فإن صلى واحدة ينوي أنها الفائتة لم يجزه لعدم التعيين ) .
    انظر : المغني 1/545 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وكذلك ذهبَ طائفةٌ مِنَ العُلماءِ إلى أنَّ صيامَ رمضانَ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ تعينية
    أيضاً، بل تُجزىءُ بنيَّة الصيامِ مُطلقاً؛ لأنَّ وقتَه غيرُ قابلٍ لصيامٍ آخر، وهو أيضاً روايةٌ عنِ الإمام(1) أحمدَ (2) . وربَّما حُكِي عن بعضِهم أنَّ صيامَ رمضانَ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ بالكُلِّيَّةِ (3) ؛ لتعيينه بنفسه ، فهو كردِّ الودائعِ ، وحُكِي عن الأوزاعيِّ أنَّ الزَّكاةَ كذلك(4). وتأوَّلَ بعضُهم قولَه على أنَّه أرادَ أنَّها تُجزىءُ بنيَّةِ الصَّدقةِ المُطلَقَةِ كالحجِّ. وكذلك قال أبو حنيفة : لو تصدَّق بالنِّصاب كلِّه مِنْ غيرِ نيَّةٍ أجزأه عن زكاته(5).
    وقد رُوي عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّه سَمع رجُلاً يُلبِّي بالحّجِّ عَنْ رجُلٍ، فقال له : ( أحَجَجْت عن نَفسك ؟ ) قالَ: لا، قالَ: ( هذه عَنْ نفسِك، ثمَّ حُجَّ عن الرَّجُلِ ).
    وقد تُكُلِّم في صحَّةِ هذا الحديث ، ولكنَّه صحيحٌ عن ابنِ عباسٍ وغيره(6)
    -------------------------
    (1) لم ترد في ( ص ) .
    (2) انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 1/253 ، والمغني 3/23
    (3) انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 1/254 ، والمغني 3/27 ، والشرح الكبير 3/29-30 .
    (4) انظر : فقه الإمام الأوزاعي 1/355 ، والمغني 2/502 ، وفقه الزكاة 2/280
    (5) انظر : فقه الزكاة 2/284 .
    (6) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 13368 ) ، وأبو داود ( 1811 ) ، وابن ماجه ( 2903 ) ، وأبو يعلى ( 2440 ) ، وابن الجارود ( 499 ) ، وابن خزيمة ( 3039 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 2547 ) و( 2549 ) ، وابن حبان ( 3988 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 12419 ) وفي " الصغير " ، له ( 630 ) ، والدارقطني 2/267-270 ، والبيهقي 4/336-337 من طرق عن ابن عباس ، به مرفوعاً .
    وأخرجه: الشافعي في " مسنده " ( 925 ) و( 926 ) بتحقيقي، وابن أبي شيبة ( 13370 )، والدارقطني 2/271 ، والبيهقي 4/337 و5/179-180 ، والبغوي ( 1856 ) من طرق عن ابن عباس ، به موقوفاً .
    وللحافظ ابن حجر كلام موسع في صحة هذا الحديث أورده في "التلخيص الحبير" 2/488-489.
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وأخذ بذلك الشَّافعيُّ(1) وأحمدُ(2) في المشهور عنه وغيرُهما ، في أنَّ حَجَّة الإسلامِ تسقُطُ بنيَّةِ الحجِّ مطلقاً، سواءً نوى التَّطوُّعَ أو غيرَه ، ولا يُشتَرطُ للحجِّ تعيينُ النِّيَّةِ ، فمنْ حجَّ عن غيرِه ، ولم يحجَّ عن نفسِهِ ، وقع عنْ نفسه ، وكذا لو حجَّ عنْ نذرهِ ، أو نفلاً ، ولم يكن حجَّ حجَّةَ الإسلام ، فإنه ينقلِبُ عنها ، وقد ثبتَ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أمرَ أصحابَهُ في حجَّةِ الوداعِ بعدَ ما دخلُوا معه ، وطافوا ، وسعَوا أنْ يَفسَخُوا حجَّهم ، ويجعلوها عمرةً ، وكانَ منهم القارنُ والمفرِدُ(3)
    -------------------------
    (1) انظر : الأم 3/306 ، والمجموع 7/67 .
    (2) انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 1/273 ، والمغني 3/185 .
    (3) روي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهم - ، قال : أهَلَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه بالحج ، وليس مع أحد منهم هديٌ غير النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وطلحة ، وقدم عليٌ من اليمن ومعه هديٌ ، فقال : أهللت بما أهل به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أنْ يجعلوها عمرة ويطوفوا ، ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي ، فقالوا : ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أنَّ معي الهدي لأحللت … ) .
    أخرجه : الحميدي ( 1293 ) ، وأحمد 3/302 و305 و317 و362 و366 ، والبخاري 2/176 ( 1568 ) و2/195 ( 1651 ) و3/4 ( 1785 ) و3/185 ( 2505 ) و( 2506 ) و9/103 ( 7230 ) و9/137 ( 7367 ) ، ومسلم 4/36 ( 1216 ) ( 141 ) و4/37 ( 1216 ) ( 142 ) و( 143 ) و4/38 ( 1216 ) ( 144 ) ، وأبو داود ( 1787 ) و( 1788 ) و( 1789 ) ، والنسائي 5/178 و202 و248 وفي " الكبرى "، له ( 3787 ) و( 3855 ) و( 3985 ) و( 4171 ) ، وابن خزيمة ( 957 ) و( 2785 ) و( 2786 ) من طرق عن جابر ، به .
    وروي أيضاً عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال : كانوا يرون أنَّ العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفراً ، ويقولون : إذا برا الدبر وعفا الأثر ، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر ، قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم ، فقالوا : يا رسول الله أي الحِل ؟ قال : ( حلٌ كله ) .
    أخرجه : أحمد 1/252 و370 ، والبخاري 2/54 ( 1085 ) و2/175 ( 1564 ) و3/185 ( 2505 ) و( 2506 ) و5/51 ( 3832 )، ومسلم 4/56 ( 1240 ) ( 198 ) و( 199 ) و4/57 ( 1240 ) ( 201 ) ، والنسائي 5/180 و201 وفي " الكبرى " ، له ( 3795 ) و( 3853 ) و( 3854 ) من طرق عن ابن عباس ، به.
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وإنَّما كانَ طوافُهم عندَ قُدومهم طوافَ القُدومِ وليسَ بفرضٍ ، وقد أمرهم أنْ يجعلُوه طوافَ عمرةٍ(1) وهو فرضٌ ، وقد أخذَ بذلكَ الإمامُ أحمدُ في فسخِ الحجِّ (2) ، وعملَ به ، وهو مشكلٌ على أصلهِ ، فإنَّه يُوجِبُ تعيينَ الطَّوافِ الواجب للحجِّ والعمرة بالنيَّةِ ، وخالفَهُ في ذلك أكثرُ الفُقهاءِ ، كمالكٍ والشَّافعيِّ وأبي حنيفةَ(3) .
    وقد يفرِّقُ الإمامُ أحمدُ بينَ أنْ يكونَ طوافُهُ في إحرامٍ انقلبَ ، كالإحرامِ الذي يفسخُه ، ويجعلهُ عمرةً ، فينقلبُ الطَّوافُ فيه تبعاً لانقلابِ الإحرامِ ، كما ينقلبُ الطَّوافُ في الإحرامِ الذي نوى به التَّطوُّعَ إذا كان عليه حَجَّةُ الإسلام ، تبعاً لانقلابِ إحرامِهِ مِنْ أصلهِ ، ووقوعِه عن فَرضِه ، بخلاف ما إذا طافَ للزيارةِ بنيَّةِ الوَداعِ ، أو التَّطوُّعِ (4)، فإنّ هذا لا يُجزئه لأنّه (5) لم ينوِ به الفَرضَ ، ولم ينقلبْ فرضاً تبعاً لانقلابِ إحرامهِ ، والله أعلمُ(6) .
    وممَّا يدخُلُ في هذا الباب : أنَّ رجلاً في عهد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ قد وضعَ صدقتَه عندَ رجُلٍ ، فجاءَ ابنُ صاحبِ الصدقةِ ، فأخذها ممَّن هي عنده ، فعلم بذلكَ أبوهُ ، فخاصمه إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ما إيَّاكَ أردتُ ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للمتصدِّقِ : ( لكَ ما نويتَ ) ، وقال للآخِذِ : ( لَك ما أخذْتَ ) خرَّجه(7) البخاري(8)
    -------------------------
    (1) من قوله : ( وكان منهم القارن والمفرد ... ) إلى هنا لم يرد في ( ص ) .
    (2) عبارة : ( في فسخ الحج ) لم يرد في ( ص ) .
    (3) انظر : المدونة الكبرى 2/467، والمغني 3/202، والمجموع 7/92-93 ، والمبسوط 4/25 ، وإرشاد الساري : 284 .
    (4) أو التطوع ) لم ترد في ( ص ) .
    (5) سقطت من ( ص ) .
    (6) انظر : المغنى 3/202-203 .
    (7) في ( ص ) : ( رواه ) .
    (8) في صحيحه 2/138 ( 1422 ) .
    وأخرجه : أحمد 3/470 و4/259 ، وحميد بن زنجويه في " الأموال " ( 2296 ) ، والدارمي ( 1645 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 4533 ) ، والطبراني في " الكبير " 19/( 1070 ) ، والبيهقي 7/34 من حديث معن بن يزيد السلمي ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقد أخذَ الإمامُ (1) أحمدُ بهذا الحديثِ ، وعملَ به في المنصوصِ عنه ، وإنْ كان أكثرُ أصحابِهِ على خلافِه ، فإنَّ الرَّجُلَ إنَّما يُمنعُ من دفعِ الصَّدقةِ إلى ولده خشيةَ أن يكونَ محاباةً ، فإذا وصلتْ إلى ولده من حيثُ لا يشعر ، فالمحاباةُ منتفيَةٌ ، وهو مِنْ(2) أهلِ استحقاقِ الصَّدقةِ في نفسِ الأمرِ(3) ، ولهذا لو دفعَ صدقَته إلى مَنْ يظنُّه فقيراً ، وكان غنيّاً في نفسِ الأمرِ ، أجزأتهُ على الصَّحيحِ ؛ لأنَّه إنَّما دفَعَ إلى مَنْ يعتقدُ استحقاقَه ، والفقرُ أمرٌ خفيٌّ ، لا يكادُ يُطَّلعُ على حقيقته (4) .
    وأمَّا الطَّهارةُ ، فالخلافُ في اشتراط النِّيَّة لها مشهورٌ ، وهو يرجعُ إلى أنَّ
    الطَّهارةَ للصَّلاةِ هل هي عبادةٌ مستقلةٌ ، أم هي شرطٌ من شروطِ الصَّلاةِ ، كإزالةِ
    النَّجاسةِ ، وسَترِ العورةِ ؟ فمن لم يشترط لها النِّيَّةَ ، جعلها كسائرِ شُروطِ الصَّلاةِ ،
    ومَنِ اشترطَ لها النِّيَّةَ ، جعلها عبادةً مُستقلَّةً ، فإذا كانت عبادةً في نفسها ، لم تصحَّ
    بدونِ نيّةٍ ، وهذا قولُ جمهور العلماءِ(5)
    -------------------------
    (1) لم ترد في ( ص ) .
    (2) سقطت من ( ص ) .
    (3) انظر : مسائل الإمام أحمد بن حنبل برواية ابنه عبد الله ( 551 ) ، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 1/246 ، ونيل المأرب 2/408 .
    (4) انظر : رؤوس المسائل في الخلاف على مذهب أحمد بن حنبل 1/312 .
    (5) الفقهاء في هذه المسألة على مذهبين :
    المذهب الأول : النية سنة في الوضوء ، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه .
    المذهب الثاني : النية فرض ، وبذلك قال جمهور العلماء ، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والظاهرية والزيدية والإمامية ، وهو الصواب .
    انظر : الحاوي الكبير 1/87 ، واللباب في شرح الكتاب 1/10 ، والمغني 1/122-123 ، والمجموع 1/170 ، وإعلام الموقعين 2/216 ، ومنتهى الإرادات 1/18 ، والسيل الجرار 1/75 و80 ، ومفتاح الكرامة 1/203 ، ومسائل من الفقه المقارن 1/66 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ويدلُّ على صحَّةِ ذلك تكاثرُ النُّصوصِ الصَّحيحةِ عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : بأنَّ الوُضوءَ يكفِّر الذُّنوبَ والخطايا ، وأنَّ(1) مَنْ توضَّأ كما أُمِرَ ، كان كفَّارةً لذُنوبه(2) .
    -------------------------
    (1) سقطت من ( ص ) .
    (2) من ذلك ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن عثمان بن عفان دعا بإناءٍ فأفرغ على كفيه ثلاث مِرارٍ ، فغسلهما ، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ، ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه إلى المرفقين ثلاث مرارٍ ثم مسح برأسه ، ثم غسل رجليه ثلاث مرارٍ إلى الكعبين ، ثم قال : قال رسول الله : ( من توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم صلى ركعتين لا يُحدّثُ فيهما نفسه غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه ) .
    أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 65 ) برواية يحيى الليثي ، وعبد الرزاق ( 141 ) ، والحميدي ( 35 ) ، وأحمد 1/57 و59 و60 و61 و64 و67 و68 و71 ، والدارمي ( 699 ) ، والبخاري 1/51 ( 159 ) و1/52 ( 164 ) و3/40 ( 1934 ) ، و8/114 ( 6433 ) ، ومسلم 1/141 ( 226 ) ( 3 ) و1/142 ( 228 ) ( 7 ) و1/143 ( 231 ) ( 10 ) و1/149 ( 245 ) ( 33 ) ، وأبو داود ( 106 ) ( 107 ) و( 109 ) ، وابن ماجه ( 285 ) و( 459 ) ، وعبد الله بن أحمد في " زياداته " 1/74 ، والنسائي 1/64 و65 و80 و91 و111 وفي " الكبرى " ، له ( 91 ) و(103) و( 171 ) و( 172 ) و( 840 ) ، وابن خزيمة ( 2 ) و( 3 ) و( 158 ) ، وابن حبان (1041) ، والبيهقي 1/225 ، والبغوي ( 152 ) و( 153 ) من حديث عثمان بن عفان ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وهذا يدلُّ على أنَّ الوُضوءَ المأمورَ به في القرآنِ عبادةٌ مستقلَّةٌ(1) بنفسها ، حيث رتَّب عليه تكفيرَ الذنوبِ ، والوضوءُ الخالي عن النِّيَّةِ لا يُكفِّرُ شيئاً من الذُّنوبِ
    بالاتِّفاقِ(2) ، فلا يكونُ مأموراً به ، ولا تصحُّ به الصَّلاةُ ، ولهذا لم يَرِد في شيءٍ من بقيَّةِ شرائطِ الصلاةِ ، كإزالةِ النَّجاسةِ ، وسترِ العورةِ ما ورد في الوُضوءِ مِنَ الثَّوابِ(3) ، ولو شَرَكَ بينَ نيَّةِ الوُضوءِ ، وبينَ قصدِ التَّبرُّد ، أو إزالةِ النَّجاسةِ ، أو الوسخِ ، أجزأه في المنصوصِ عن الشَّافعيِّ(4) ، وهذا(5) قولُ أكثرِ أصحابِ أحمدَ(6) ؛ لأنَّ هذا القصدَ(7) ليسَ بمحرَّمٍ ، ولا مَكروهٍ ، ولهذا لو قصدَ مع رفعِ الحدثِ تعليمَ الوضوءِ ، لم يضرَّهُ ذلك . وقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقصِدُ أحياناً(8) بالصلاةِ تعليمَها للنَّاس، وكذلك الحجُّ ، كما قال : ( خذوا عنِّي مناسِكَكُم(9) ) .
    وممَّا تدخُلُ النيةُ فيه مِنْ أبوابِ العلمِ : مسائلُ الأيمان .
    -------------------------
    (1) سقطت من ( ص ) .
    (2) انظر : الأم 2/62-63 ، والواضح في شرح مختصر الخرقي 1/39 .
    (3) انظر : الواضح في شرح مختصر الخرقي 1/39 ، ونيل المآرب 1/50 .
    (4) انظر : الحاوي الكبير 1/96 ، والوسيط 1/78 ، والمجموع 1/177 .
    (5) سقطت من ( ص ) .
    (6) انظر : المغني 1/123 .
    (7) في ( ص ) : ( الفعل ) .
    (8) سقطت من ( ص ) .
    (9) أخرجه : أحمد 3/301 و318 و332 و337 و367 و378 ، والدارمي ( 1899 ) ، ومسلم 4/79 ( 1297 ) ( 310 ) ، وأبو داود ( 1970 ) ، والنسائي 5/270 وفي
    " الكبرى " ، له ( 4068 ) ، وابن خزيمة ( 2877 ) ، والبيهقي 5/116 و130 ، والبغوي ( 1946 ) من حديث جابر بن عبد الله ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    فلغوُ اليمينِ لا كفَّارةَ فيه، وهو ماجرى على اللِّسان من غيرِ قصدٍ بالقلبِ إليه، كقوله : لا والله ، وبلى والله في أثناءِ الكلامِ(1) ، قال تعالى : { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } (2) .
    وكذلك يُرجَعُ في الأيمان إلى نيَّةِ الحالِف وما قصدَ بيمينه، فإنْ حَلَفَ بطلاقٍ ، أو عَتاقٍ ، ثم ادَّعى أنَّه نوى ما يُخالِفُ ظاهرَ لفظه ، فإنَّه يُدَيَّنُ فيما بينه وبينَ الله - عز وجل - (3) .
    -------------------------
    (1) انظر : الأم 8/54-55 ، واللباب في شرح الكتاب 4/4 ، وبداية المجتهد 1/500-501 .
    وقد وردت أحاديث في اللغو في اليمين ، روي عن إبراهيم الصائغ قال : سألت عطاء عن اللغو في اليمين ، فقال : قالت عائشة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( هو كلام الرجل في بيته ، كلا والله وبلى والله ) .
    أخرجه : عبد الرزاق ( 15951 ) ، وأبو داود ( 3254 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 3501 ) ، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 2155 ) ، وابن حبان ( 4333 ) ، والبيهقي 10/49 .
    وروى موقوفاً عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لغو اليمين قول الإنسانِ : لا والله وبلى والله .
    أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 1366 ) برواية الليثي ، والشافعي في " مسنده " ( 1723 ) و( 1724 ) بتحقيقي ، وعبد الرزاق ( 15952 ) وفي " التفسير " ، له ( 268 ) ، والبخاري 8/168 ( 6663 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 11149 ) ، وابن الجارود ( 925 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 3500 ) و( 3507 ) ، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 2152 ) و( 6701 ) و( 6702 ) ، والبيهقي 10/48 و49 .
    (2) البقرة : 225 .
    (3) انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 2/143-147 ، والواضح في شرح مختصر الخرقي 5/150 ، والهداية 2/130 بتحقيقي .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وهل يُقبل منه في ظاهرِ الحُكم ؟ فيهِ قولانِ للعُلماءِ (1) مشهوران ، وهما روايتانِ عَنْ أحمَدَ(2)، وقد رُوي عَنْ عمرَ أنّه رُفعَ إليه رجلٌ قالتْ لهُ امرأته : شبِّهني ، قالَ : كأنَّكِ ظبيةٌ ، كأنَّك حمامةٌ ، فقالت (3): لا أرضى حتّى تقولَ : أنت خلِيَّةٌ (4) طالِقٌ ، فقالَ ذَلِكَ ، فقالَ عمر : خذ بيدها فهي امرأتُك . خرَّجه أبو عبيد(5)
    -------------------------
    (1) سقطت من ( ص ) .
    (2) قال القاضي أبو يعلى : ( إذا أتى بصريح الطلاق ونوى به شيئاً يخالف الظاهر هل يصدق في الحكم أم لا ؟ على روايتين :
    إحداهما : يصدق لأنه لا خلاف أنَّه لو قال لمدخول بها : أنت طالق طالق ، وقال أردت بالثانية إفهامها إنْ قد وقع بها طلقة قبل منه ذلك ، كذلك هاهنا ؛ ولأنَّها يمين يصدق فيها في الباطن فصدق فيها في الظاهر .
    والرواية الثانية : لا يصدق في الحكم لأنَّ ما قاله خِلاف الظاهر فلم يصدق في حقها كما لو أقر بألف درهم ، ثم رجع وقال : كذبت في إقراري وليس له قبلي شيء فإنَّه يحتمل ما قال ، ولكن لا يصدق في الحكم لأنه خِلاف الظاهر ، كذلك هاهنا ، وقد نص على هذه الرواية في مواضع ) . انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 2/147-148 .
    (3) زاد بعدها في ( ص ) : ( له ) .
    (4) زاد بعدها في ( ص ) : ( أنت ) .
    (5) في غريب الحديث 3/379-380 .
    وأخرجه : سعيد بن منصور في " سننه " ( 1192 ) و( 1193 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقال : أراد النَّاقَةَ تكون معقولةً ، ثُمَّ تُطْلَقُ من عِقالها ويُخلَّى عنها ، فهي خَليَّةٌ مِنَ العِقالِ ، وهي طالقٌ ؛ لأنَّها قد طَلَقَت منه ، فأراد الرَّجُلُ ذلك ، فأسقطَ عنه عمرُ الطَّلاق لنيَّته. قال: وهذا أصلٌ لكلِّ(1) مَنْ تكلَّم بشيءٍ يُشبه لفظَ الطَّلاق(2) والعَتاق، وهو ينوي غيرَه أنَّ القولَ فيه قولُه فيما بينَه وبينَ الله ، في الحُكمِ على تأويلِ مذهب(3) عمر - رضي الله عنه - .
    ويُروى عن سُمَيطٍ السَّدوسيِّ ، قال : خطبتُ امرأةً ، فقالوا : لا نزوِّجُكَ حتى تُطلِّق امرأتَك ، فقلت : إنِّي قد طلَّقتُها ثلاثاً ، فزوَّجوني ، ثم نظروا ، فإذا امرأتي عندي ، فقالوا : أليسَ قد طلَّقتها ثلاثاً ؟ فقلتُ : كانَ عندي فلانةٌ فطلَّقتُها ، وفلانةٌ فطلَّقتُها ، وفلانة فطلقتها (4) ، فأما هذه ، فلم أطلِّقْها ، فأتيتُ شقيقَ بن ثورٍ وهو يريدُ الخروجَ إلى عثمانَ وافداً ، فقلتُ لهُ : سل أميرَ المؤمنين عَنْ هذه ، فخرج فسأله ، فقالَ : نيَّتُه . خرَّجه أبو عبيد في " كتاب الطلاق " ، وحكى إجماعَ العُلماءِ على مِثلِ(5) ذلكَ .
    وقال إسحاقُ بنُ منصورٍ : قلتُ لأحمدَ : حديثُ السُّمَيطِ تَعرفُهُ (6)؟ قال : نعم، السَّدوسيّ، إنّما جعلَ نيَّته بذلك ، فذكر ذلك شقيق لعثمان ، فجعلها نيته(7).
    فإن كانَ الحالِفُ ظالماً ، ونوى خِلافَ ما حلَّفه عليه غريمُه ، لم تنفَعْه
    نيَّتُه ، وفي " صحيح مسلم "(8)
    -------------------------
    (1) سقطت من ( ص ) .
    (2) في ( ص ) : ( من تكلم بشبهة الطلاق ) .
    (3) سقطت من ( ص ) .
    (4) عبارة : ( وفلانة فطلقها ) سقطت من ( ج ) .
    (5) سقطت من ( ص ) .
    (6) سقطت من ( ص ) .
    (7) عبارة : (فذكر ذلك شقيق لعثمان ، فجعلها نيته ) سقطت من ( ص ) .
    (8) 5/87 ( 1653 ) ( 20 ) .
    وأخرجه : أحمد 2/228 و331 ، والدارمي ( 2354 ) ، وأبو داود ( 3255 ) ، وابن ماجه ( 2121 ) ، والترمذي ( 1354 ) ، والعقيلي في " الضعفاء " 2/251 ، والدارقطني 4/157 و158 ، والحاكم 4/303، وأبو نعيم في " الحلية " 9/225 و10/127، والبيهقي 10/65، والبغوي ( 2514 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    عن أبي هُريرة ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( يمينُكَ على ما يُصدِّقُك عليه صاحبُك ) . وفي رواية له(1) : ( اليمينُ على نيةِ
    المُستحْلِفِ(2) ) ، وهذا محمولٌ على الظَّالم ، فأمَّا المظلومُ ، فينفعهُ ذلك . وقد خرَّج الإمام أحمدُ ، وابنُ ماجه مِنْ حديثِ سُويدِ بنِ حنظلةَ، قال: خرجنا نُريدُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومعنا وائلُ بنُ حُجْرٍ ، فأخذه عدوٌّ له ، فتحرَّجَ الناسُ أنْ يحلِفوا ، فحلفتُ أنا إنّه أخي ، فخلى سبيلَه ، فأتينا النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبرتُهُ أنَّ القومَ تحرَّجُوا أنْ يحلفوا ، وحلفتُ أنا (3) إنَّه أخي ، فقال : ( صدقتَ ، المسلمُ أخو المسلم(4) ) .
    وكذلك تدخلُ النيَّةُ في الطَّلاق والعتاقِ ، فإذا أتى بلفظٍ مِنْ ألفاظ الكناياتِ المحتملَةِ للطَّلاقِ أو العتاقِ ، فلا بُدَّ له من النيَّةِ(5) .
    -------------------------
    (1) سقطت من ( ص ) .
    (2) 5/87 ( 1653 ) ( 21 ) .
    وأخرجه : ابن ماجه ( 2120 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 259 ) والبيهقي 10/65 ، والبغوي ( 2515 ) .
    (3) سقطت من ( ص ) .
    (4) أخرجه : أحمد 4/79 ، وأبو داود ( 3256 ) ، وابن ماجه ( 2119 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 1874 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 6464 ) و( 6465 ) ، والحاكم 4/299 ، والبيهقي 10/65 وإسناده ضعيف لجهالة جد إبراهيم بن عبد الأعلى .
    (5) قال ابن قدامة في " المغني " 8/285 : ( فأما غير الصريح فلا يقع الطلاق به إلا بنية أو دلالة حال ) .
    ونقل الأثرم إذا قال : ( الحقي بأهلك وقال : لم أنو به طلاقاً ليس بشيء ظاهر هذا اعتبار النية ) المسائل الفقهية 2/143 .
    وانظر : رؤوس المسائل في الخلاف على مذهب أحمد بن حنبل 2/804، والمجموع 18/172، ومنتهى الإرادات 2/260 ، ونيل المآرب 4/439 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وهل يقومُ مقامَ النِّيَّةِ دَلالةُ الحالِ مِنْ غضبٍ أو سُؤالِ الطَّلاقِ ونحوِه أم لا ؟
    فيه خلافٌ مشهورٌ بينَ العلماءِ(1)
    -------------------------
    (1) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في " رؤوس المسائل في الخلاف " 2/804 : ( إذا انضم إلى الكنايات دلالة حال لم يحتج إلى نية ، وقال الشافعي : يحتاج إلى نية وإلا لم يقع ، وعن أحمد نحوه دليلنا : أنَّ دلالة الحال تؤثر في الكلام والأفعال ، أما الكلام فإنَّ اللفظة الواحدة تستعمل في المدح والذم ، وليس ذلك إلا لدلالة الحال ) .
    وقال أيضاً في 2/805 : ( ولا فرق بين أنْ يكون دلالة الحال سؤالاً أو غضباً ، وقال أبو حنيفة كمذهبنا في السؤال وفي الغضب يحتاج إلى نية إلا في ثلاث ألفاظ : اختاري ، واعتدي ، وأمرك بيدك ، دليلنا : أنَّ هذه كناية فوقع بها الطلاق في حال الغضب بغير نية كالألفاظ الثلاث ) .
    انظر : المسائل الفقهية 2/143-144 ، والمغني 8/269-270 ، ومنتهى الإرادات 2/260 ، ونيل المآرب 4/439 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وهل يقعُ بذلك الطَّلاق في الباطن كما لو نواهُ ، أم يلزمُ به في ظاهر الحُكم فقط ؟ فيه خلافٌ مشهورٌ أيضاً(1) ، ولو أوقعَ الطَّلاقَ بكنايةٍ ظاهرةٍ، كالبَتَّةِ ونحوها ، فهل يقعُ به الثلاثُ أو واحدةٌ ؟ فيه قولان مشهوران، وظاهرُ مذهبِ أحمدَ أنَّه يقعُ به الثَّلاثُ مع إطلاقِ النِّيَّةِ، فإن نوى به ما دُونَ الثَّلاثِ، وقعَ به ما نواه ، وحُكِي عنه رواية أنَّه يلزمه الثَّلاثُ أيضاً(2) .
    -------------------------
    (1) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في " رؤوس المسائل في الخلاف " 2/806 : ( إذا نوى بالكنايات الخفية عدداً من الطلاق ثبت قل أو كثر ، وبه قال أكثرهم ، وقال أبو حنيفة : لاثبت بها إلاّ واحدة بائن ، أو ثلاث ، فأما طلقتان فَلا ، دليلنا : إنّ من ملك إيقاع طلقة بكناية ملك إيقاع طلقتين بكناية كالعبد ) .
    (2) قال أبو جعفر الهاشمي الحنبلي في " رؤوس المسائل في الخلاف " 2/804 -805: ( الكنايات الظاهرة لا يقع بها الطلاق إذا لم ينضم إليها دلالة حال أو نية، وبه قال أكثرهم، وقال مالك : يقع الطلاق ، ومن أصحابه من يسمي ذلك صريحاً . دليلنا : أنه لفظ لم يرد به القُرآن للفرقة بين الزوجين ، فلم يكن صريحاً كالكنايات الخفية .
    والكنايات الظاهرة إذا نوى بها الطلاق كانت ثلاثاً ، فأمّا الخفية فيرجع في العدد إلى ما نواه ، وقال أبو حنيفة : جميع الكنايات يقع بها واحدة بائن إلا قوله : اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة فإنها رجعية ، وقال مالك : الكنايات الظاهرة يقع بها ثلاثاً في حق المدخول بها ، وواحدة في حق غير المدخول بها ، وقال الشافعي : جميع ذلك يقع به واحدة رجعية إلاّ أن ينوي الثلاث فيكون ثلاثاً ) .
    وانظر : المغني 8/272-273 ، ونيل المآرب 4/439 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ولو رأى امرأةً ، فظنَّها امرأتهُ ، فطلَّقها ، ثم بانت(1) أجنبيَّة ، طلقت امرأتُهُ ؛ لأنَّه إنّما قصدَ طلاقَ امرأتِهِ . نصَّ على ذلك أحمدُ(2) ، وحُكِي عنه رواية أخرى : أنَّها لا تطلق(3) ، وهو قول الشَّافعيّ(4) ، ولو كان العكس ، بأنْ رأى امرأةً ظنَّها أجنبيّةً ، فطلَّقها ، فبانت امرأتُه ، فهل تطلُق ؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد(5) ، والمشهور مِنْ مذهب الشَّافعيِّ وغيره أنَّها تطلق(6) .
    ولو كان له امرأتان ، فنهى إحداهما عَنِ الخُروج ، ثم رأى امرأةً قد خرجَتْ ، فظنَّها المنهيَّةَ(7) ، فقال لها : فلانةُ خرجْتِ (8)، أنت طالقٌ ، فقد اختلفَ العُلماء فيها ، فقالَ الحسن : تطلُقُ المنهيَّةُ ؛ لأنَّها هي التي نواها(9) .
    وقال إبراهيمُ : تطلقان(10) ، وقال عطاءٌ : لا تطلُق واحدةٌ منهما ، ومذهبُ أحمد : أنَّه تطلُقُ المنهيَّةُ روايةً(11) واحدةً ؛ لأنَّه نوى طلاقَها . وهل تطلق المواجهة على روايتين عنه ، واختلف الأصحاب على القولِ بأنّها(12) تطلُق : هل تطلق في الحُكم فقط ، أم في الباطن أيضاً ؟ على طريقتين لهم .
    -------------------------
    (1) في ( ص ) : ( فبانت ) .
    (2) انظر : المغني 8/284 .
    (3) انظر : المغني 8/284-285 .
    (4) انظر : الحاوي الكبير 10/295 .
    (5) انظر المغني 8/284-285 .
    (6) ينظر في هذه المسألة : الحاوي الكبير 10/295 .
    (7) عبارة : ( فظنها المنهية ) سقطت من ( ص ) .
    (8) عبارة : ( فلانة خرجت ) سقطت من ( ص ) .
    (9) أخرجه : عبد الرزاق ( 11303 ) ، وسعيد بن منصور في " سننه " ( 1176 ) .
    (10) أخرجه : عبد الرزاق ( 11303 ) ، وسعيد بن منصور في " سننه " ( 1177 ) .
    (11) سقطت من ( ص )
    (12) زاد بعدها في ( ص ) : ( لا ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقد استدلَّ بقولِهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( الأعمال بالنيَّاتِ ، وإنَّما لامرىءٍ ما نوى ) على أنَّ العُقودَ التي يُقصَدُ بها في الباطنِ التَّوصُّلُ إلى ما هو محرَّمٌ غيرُ صحيحةٍ ، كعقودِ البُيوعِ التي يُقصدُ بها معنى الرِّبا ونحوها ، كما هو مذهبُ مالكٍ وأحمدَ وغيرهما ، فإنَّ هذا العقدَ إنَّما نوي به الرِّبا ، لا البيعَ(1) ، ( وإنَّما لامرىءٍ ما نوى ) .
    ومسائلُ النِّيَّةِ المتعلِّقَةُ بالفقه كثيرةٌ جداً ، وفيما ذكرناه كفايةٌ .
    وقد تقدَّم عنِ الشَّافعيِّ أنَّه قال في هذا الحديث : إنَّه يدخلُ في سبعينَ باباً من
    الفقهِ ، والله أعلمُ(2) .
    والنِّيَّةُ : هي قصدُ القلبِ(3) ، ولا يجبُ التَّلفُّظ بما في القَلب في شيءٍ مِنَ العِباداتِ ، وخرَّج بعضُ أصحابِ الشَّافعيِّ له قولاً باشتراطِ التَّلفُّظ بالنِّيَّة للصَّلاة ، وغلَّطه المحقِّقونَ منهم ، واختلفَ المتأخِّرون من الفُقهاء في التَّلفُّظ بالنِّيَّة في الصَّلاة
    وغيرها ، فمنهم مَنِ استحبَّه ، ومنهم مَنْ كرهه(4)
    -------------------------
    (1) انظر : الإشراف على نكت مسائل الخِلاف 2/527 .
    (2) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 6/534 ، والمجموع 1/169 ، وفتح الباري 1/14 .
    (3) انظر : كتاب العين : 996 ، والصحاح 6/2516 ، ولسان العرب 14/343 .
    (4) قال أبو الحسن الماوردي الشافعي : ( محل النية وهو القلب ، ولذلك سميت به لانَّها تفعل بأنأى عضو في الجسد ، وهو القلب ، وإذا كان ذلك كذلك فله ثلاثة أحوال
    أحدها : أنْ ينوي بقلبه ، ويلفظ بلسانه فهذا يجزئه ، وهو أكمل أحواله .
    والحال الثانية : أنْ يلفظ بلسانه ولا ينوي بقلبه فهذا لا يجزئه .
    والحال الثالثة : أنْ ينوي بقلبه ولا يتلفظ بلسانه فمذهب الشافعي يجزئه ، وقال أبو عبد الله الزبيدي - من أصحابنا - لا يجزئه حتى يتلفظ بلسانه تعلقاً بأنَّ الشافعيَّ قال في كتاب " المناسك " ولا يلزمه إذا أحرم بقلبه أنْ يذكره بلسانه وليس كالصلاة التي لا تصح إلاّ بالنطق فتأول ذلك على وجوب النطق في النية ، وهذا فاسد ، وإنَّما إراد وجوب النطق بالتكبير ثم مما يوضح فساد هذا القول حجاجاً : أنَّ النية من أعمال القلب فلم تفتقر إلى غيره من الجوارح كما أنَّ القراءة لما كانت من أعمال اللسان لم تفتقر إلى غيره من الجوارح ) .
    الحاوي الكبير 2/91 - 92 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ولا يُعلمُ في هذه المسائل نقلٌ خاصٌّ عنِ السَّلفِ ، ولا عن الأئمَّةِ إلاَّ في الحَجِّ وحدَهُ ، فإنَّ مُجاهداً قال : إذا أراد الحجَّ ، يُسمِّي ما يُهلُّ به ، ورُوي عنه أنَّه قال : يسمِّيه في التَّلبيةِ ، وهذا ليس مِمَّا نحنُ فيه ، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يذكرُ نُسُكَه في تلبيته ، فيقول : ( لَبَّيكَ عُمْرةً وحَجّاً )(1) ، وإنَّما كلامُنا أنّه يقولُ عندَ إرادةِ عقدِ الإحرامِ : اللَّهُمَّ إنِّي أُريدُ الحجَّ أو العمرةَ ، كما استَحَبَّ ذلك كثيرٌ من الفُقهاءِ(2)
    -------------------------
    (1) أخرجه : الحميدي ( 1215 ) ، وأحمد 3/111 و182 و282 ، والدارمي ( 193 ) ، ومسلم 4/52 ( 1232 ) ( 185 ) و( 186 ) و4/59 ( 1251 ) ( 214 ) و( 215 ) ، وأبو داود ( 1795 ) ، وابن ماجه ( 2969 ) ، والنسائي 5/150 وفي " الكبرى " ، له ( 3709 ) و( 3711 ) ، وأبو يعلى ( 4154 ) و( 4155 ) ، وابن الجارود ( 430 ) ، وابن خزيمة ( 2618 ) و( 2619 ) ، والطحاوي في " شرح المعاني " 2/152 و153 وفي " شرح المشكل " ، له ( 2441 ) و( 2442 ) ، والدارقطني 2/288 ، والحاكم 1/472 ، والبيهقي 5/9 و40 ، والبغوي ( 1881 ) و( 1882 ) من حديث أنس بن مالك .
    (2) انظر : الأم 3/312 ، واللُّباب في شرح الكتاب 1/181 ، وبداية المجتهد 1/412 ، وإرشاد الساري : 113 ، والمغني 3/246 ، ومنتهى الإرادات 1/243 ، والهداية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل 1/217 بتحقيقنا .
    واختلف الفقهاء : هل تجزيء النية فيه من غير التلبية ؟ فقال مالك والشافعي : تجزيء النية من غير التلبية ، وقال أبو حنيفة : التلبية في الحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة .
    انظر : بداية المجتهد 1/412 - 413 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وكلامُ مجاهدٍ ليس صريحاً في ذلك . وقال أكثر السَّلفِ ، منهم عطاءٌ وطاووسٌ والقاسمُ بنُ محمدٍ والنَّخعيُّ : تجزئه النِّيَّةُ عندَ الإهلالِ ، وصحَّ عَنِ ابنِ عمرَ أنَّه سمعَ رجُلاً عندَ إحرامِهِ يقولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أريدُ الحجَّ أو العمرةَ ، فقال له : أتعلمُ النَّاس ؟ أو ليسَ الله يعلمُ ما في نَفسكَ ؟(1)
    ونصَّ مالكٌ على مِثلِ هذا، وأنَّه لا يستحبُّ لهُ أنْ يُسمِّيَ ما أحرمَ به . حكاه صاحب كتاب " تهذيب المدونة " مِنْ أصحابه(2) ، وقال أبو داود : قلتُ لأحمدَ : أتقولُ قبلَ التَّكبير –يعني : في الصَّلاة- شيئاً ؟ قال : لا ، وهذا قد يدخُلُ فيه أنّه لا يتلَّفظُ بالنِّيَّةِ ، والله أعلم(3) .
    -------------------------
    (1) أخرجه : البيهقي 5/40 .
    (2) التهذيب في اختصار المدونة 1/493 لأبي سعيد البراذعي خلف بن أبي القاسم القيرواني ، وقال القَرافي المالِكي في " الذخيرة " 3/148 : ( قال ابن القاسم : قال لي مالك : النية تكفي في الإحرام ولا يُسمي . قال سند : الإحرام ينعقد بتجرد النية ، وكره مالك التسمية ، واستحبها ابن حنبل ) .
    انظر : المدونة الكبرى 2/467 ، والإشراف على نكت مسائل الخلاف 1/471 .
    (3) في " مسائل الإمام أحمد لأبي داود " : 30 .
    وانظر : المغني 1/544 - 445 ، والواضح في شرح مختصر الخرقي 1/211 - 213 ، ورؤوس المسائل في الخِلاف 1/121 ، ونيل المآرب 1/140.
    ● [ تم شرح الحديث الأول ] ●


    جامع العلوم والحكم
    لإبن رجب الحنبلي
    منتدى ميراث الرسول . البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 15, 2018 4:12 am