ختام الحديث الثاني

    شاطر
    avatar
    بص وطل
    Admin

    عدد المساهمات : 1391
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    ختام الحديث الثاني

    مُساهمة من طرف بص وطل في الخميس ديسمبر 06, 2018 3:34 pm


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة الحديث الشريف
    جامع العلوم والحكم

    ● [ ختام الحديث الثاني ] ●

    عَنْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ - رضي الله عنه -، قال : بَينَمَا نَحْنُ جلوس عندَ رَسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يومٍ ، إذْ طَلَعَ علينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بياضِ الثِّيابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ ، لا يُرى عليهِ أثَرُ السَّفَر ، ولا يَعرِفُهُ مِنّا أحدٌ ، حتَّى جَلَسَ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فأسنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ ، ووضع كَفَّيه على فَخِذيه ، وقالَ : يا مُحَمَّدُ ، أخبِرني عَنِ الإسلامِ .
    فقال رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( الإسلامُ : أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله ، وأنَّ محمَّداً رسولُ اللهِ ، وتُقيمَ الصَّلاةَ ، وتُؤتِي الزَّكاةَ ، وتصومَ رمضَانَ ، وتَحُجَّ البَيتَ إن استَطَعتَ إليه سبيلاً ) . قال : صَدَقتَ، قال : فَعَجِبنا لَهُ يسأَلُهُ ويصدِّقُهُ .
    قال: فأخْبِرني عَنِ الإيمان . قال : ( أنْ تُؤْمِنَ باللهِ وملائِكَته وكُتُبِه، ورُسُله، واليَومِ الآخِرِ ، وتُؤْمِنَ بالقَدرِ خَيرِهِ وشَرِّهِ ) . قالَ : صَدَقتَ.
    قالَ : فأخْبِرنِي عنِ الإحْسَانِ ، قال : ( أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَراهُ ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإنَّهُ يراكَ ).
    قال : فأخبِرني عَنِ السَّاعةِ ؟
    قال : ( مَا المَسؤُولُ عَنْهَا بأعلَمَ مِنَ السَّائِل ) .
    قال : فأخبِرني عنْ أَمارَتِها ؟
    قال : ( أنْ تَلِد الأمَةُ رَبَّتَها، وأنْ تَرى الحُفاة العُراة العَالةَ رعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلونَ في البُنيانِ ).
    ثُمَّ انْطَلَقَ ، فلبثْتُ مَليّاً ، ثمَّ قال لي : ( يا عُمَرُ ، أتَدرِي مَنِ السَّائل ؟ )
    قلتُ : الله ورسولُهُ أعلَمُ .
    قال : ( فإنَّهُ جِبريلُ أتاكُم يُعَلِّمُكُم دِينَكُم ).
    رواه مسلم.

    ختام الشرح
    وقال ابن عبَّاس : أحِب في الله، وأبغِض في اللهِ ، ووالِ في اللهِ ، وعادِ في اللهِ ، فإنّما تُنالُ ولايةُ اللهِ بذلك ، ولن يَجِدَ (1) عبدٌ طعمَ الإيمانِ - وإن كثُرَتْ صلاتُه وصومُه - حتّى يكونَ كذلك ، وقد صارَت عامَّةُ مُؤاخاة الناسِ على أمرِ الدُّنيا ، وذلك لا يُجدي على أهله شيئاً . خرَّجه محمد (2) بنُ جريرٍ الطَّبريُّ(3) ، ومحمّدُ بنُ نصرٍ المروزي(4) .
    ● [ فصل ] ●
    وأمَّا الإحسّانُ ، فقد جاءَ ذكرُه(5) في القُرآنِ في مواضعَ : تارةً مقروناً بالإيمانِ ، وتارةً مقروناً بالإسلامِ ، وتارةً مقروناً بالتَّقوى ، أو بالعمل (6).
    فالمقرونُ بالإيمانِ : كقولِه تعالى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (7) ، وكقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } (8) .
    -------------------------
    (1) في ( ص ) : ( يذق ) .
    (2) لم ترد في ( ج ) .
    (3) في " تفسيره " ( 23951 ) .
    (4) في " تعظيم قدر الصلاة " ( 396 ) .
    وأخرجه : الطبراني في " الكبير " ( 11537 ) ، والبغوي ( 3468 ) من حديث عبد الله بن عباس ، مرفوعاً .
    وأخرجه : أحمد 5/146 ، وأبو داود ( 4599 ) من حديث أبي ذر ، مرفوعاً.
    (5) زاد بعدها في ( ص ) : ( مقروناً ) .
    (6) في ( ص ) : ( وتارة بالإسلام وتارة بالتقوى ) .
    (7) المائدة : 93 .
    (8) الكهف : 30 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    والمقرونُ بالإسلام : كقوله تعالى : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ } (1) ، وكقوله تعالى : { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } (2) .
    والمقرون بالتقوى : كقوله تعالى : { إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } (3) ، وقد يذكر مفرداً كقوله تعالى : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى
    وَزِيَادَةٌ } (4) ، وقد ثبت في " صحيح مسلم " (5) عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تفسيرُ الزِّيادةِ بالنّظرِ إلى وجهِ الله - عز وجل - في الجنة ، وهذا مناسبٌ لجعلِه جزاءً (6) لأهلِ الإحسّانِ ؛ لأنَّ الإحسانَ هو أنْ يَعبُدَ المؤمنُ ربّه في الدُّنيا(7) على وجهِ الحُضورِ والمُراقبةِ ، كأنّه يراهُ بقلبِهِ وينظرُ إليه في حال عبادتِهِ(8) ، فكانَ جزاءُ ذلك النَّظرَ إلى(9) الله عياناً في الآخرة(10) .
    وعكس هذا ما أخبرَ الله تعالى به عَنْ جَزاءِ الكُفَّار في الآخرةِ : { إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } (11) ، وجعلَ ذلك جزاءً لحالهم في الدُّنيا ، وهو تراكُم الرَّانِ على قُلوبِهم ، حتّى حُجِبَتْ عن معرفتِهِ ومُراقبته في الدُّنيا ، فكان جزاؤُهم على ذلك أنْ حُجِبوا عن رُؤيته في الآخرة(12) .
    -------------------------
    (1) البقرة : 112 ، والآية لم ترد في ( ص ) .
    (2) لقمان : 22 .
    (3) النحل : 128 .
    (4) يونس : 26 .
    (5) الصحيح 1/112 ( 181 ) ( 297 ) و( 298 ) .
    (6) في ( ص ) : ( جعله الله - عز وجل - ) .
    (7) في الدنيا ) سقطت من ( ص ) .
    (8) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 1/146 .
    (9) زاد بعدها في ( ص ) : ( وجه ) .
    (10) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 2/15 .
    (11) المطففين : 15 .
    (12) انظر : تفسير البغوي 5/225 ، وزاد المسير 9/57 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    فقوله - صلى الله عليه وسلم - في تفسير الإحسّان : ( أنْ تعبدَ الله كأنّكَ تراهُ … ) إلخ يشير إلى أنَّ العبدَ يعبُدُ الله تعالى على هذه الصِّفة ، وهو استحضارُ قُربِهِ ، وأنَّه بينَ يديه كأنَّه يراهُ ، وذلك يُوجبُ الخشيةَ والخوفَ والهيبةَ والتَّعظيمَ(1) ، كما جاء في رواية أبي هريرة : ( أنْ تخشى الله كأنَّكَ تراهُ ) .
    ويُوجِبُ أيضاً النُّصحَ في العبادة ، وبذل الجُهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها .
    وقد وصَّى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جماعةً من أصحابِهِ بهذه الوصيَّةِ ، كما روى إبراهيمُ الهجريُّ ، عن أبي الأحوصِ ، عن أبي ذرٍّ ، قال : أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - أنْ أخشى الله كأنِّي أراهُ ، فإنْ لم أكن أراه ، فإنَّهُ يراني .
    ورُوي عن ابنِ عمرَ ، قال : أخذَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ببعض جسدي ، فقال : ( اعبُدِ الله كأنَّكَ تراهُ ) ، خرَّجه النَّسائيُّ(2) ، ويُروى من حديث زيد بن أرقم مرفوعاً وموقوفاً : ( كُنْ كأنَّكَ ترى الله ، فإنْ لم تكن تراه ، فإنَّهُ يراكَ )(3) .
    وخرَّج الطبراني(4)
    -------------------------
    (1) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 1/146 .
    (2) في " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " 5/278 .
    وأخرجه : أحمد 2/132 ، والآجري في " الغرباء " ( 21 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 6/115 من حديث عبد الله بن عمر ، به . وهو حديث صحيح .
    (3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/202 موقوفاً ومرفوعاً ، والمرفوع ضعيف لضعف محمد بن حنيفة أبي حنيفة الواسطي . انظر : لسان الميزان 7/109 .
    (4) في " الأوسط " ( 4427 ) من حديث عبد الله بن عمر ، به .
    وهنا قد وهم الحافظ ابن رجب رحمه الله فنسب الحديث إلى أنس ، وبعد تتبع طرق الحديث وجدناه من طريق عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وفي إسناد الحديث ضعف لجهالة بعض رواته ، قال الهيثمي في " المجمع " 10/232 : ( وفيه من لم أعرفهم ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    من حديث أنس : أنّ رجلاً قال : يا رسول الله ، حدثني بحديثٍ(1)، واجعله موجزاً ، فقال : ( صلِّ صلاةَ مودِّعٍ ؛ فإنَّكَ إنْ كنتَ لا تراهُ ، فإنَّه يراكَ ) .
    وفي حديث حارثة المشهور - وقد رُويَ من وجوهٍ مرسلةٍ(2)، ورُوي متصلاً ، والمرسل أصحُّ - أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( كيف أصبحت يا حارثة ؟ ) قال : أصبحتُ مؤمناً حقاً ، قال : ( انظر ما تقولُ ، فإنَّ لكلِّ قولٍ حقيقةً ) ، قال :
    يا رسول الله ، عزفَتْ نفسي عن الدُّنيا ، فأسهرتُ ليلي ، وأظمأتُ نهاري ، وكأنِّي أنظرُ إلى عرشِ ربِّي بارزاً (3) ، وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ الجنَّةِ في الجَنَّةِ كيف يتزاورونَ(4) فيها ، وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ النَّارِ كيفَ (5) يتعاوَوْنَ فيها . قال : ( أبصرتَ فالزمْ ، عبدٌ نوَّرَ الله الإيمانَ في قلبه )(6) .
    ويُروى من حديث أبي أمامة : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وصَّى رجلاً ، فقال له : ( استحي مِنَ اللهِ استحياءك مِنْ رجلين من صالحي عشيرتِك لا يفارقانك ) (7). ويُروى من وجهٍ آخرَ مرسلاً(8) .
    -------------------------
    (1) سقطت من ( ص ) .
    (2) أخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 314 ) مرسلاً .
    (3) في ( ص ) : ( وكأني بعرش الرحمان بارزاً ) .
    (4) في ( ص ) : ( وكأني بأهل الجنة يتزاورون ) .
    (5) سقطت من ( ص ) .
    (6) أخرجه : الطبراني في " الكبير " ( 3367 ) ، والبيهقي في " شُعب الإيمان " ( 10591 ) ، من حديث الحارث بن مالك ، به مرفوعاً ، وهو ضعيف .
    وأخرجه : البزار ( 32 ) ، والبيهقي في " شُعب الإيمان " ( 10590 ) من حديث أنس بن مالك ، به مرفوعاً . وهو ضعيف .
    (7) أخرجه : الطبراني في " الكبير " ( 7897 ) من حديث أبي أمامة به ، وهو جزء من حديث طويل ، وإسناده ضعيف ؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان .
    (8) أخرجه : أحمد في " الزهد " (248 ) من طريق سعيد بن يزيد ، مُرسلاً .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ويُروى عن معاذٍ أنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وصَّاه لمَّا بعثه إلى اليمن ، فقال : ( استحي مِنَ اللهِ كما تستحي رجلاً ذا هيبةٍ من أهلك )(1) .
    وسئلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن كشف العورة خالياً ، فقال : ( الله أحقُّ أن يُستحيا
    منه )(2).
    ووصَّى أبو الدَّرداء رجلاً ، فقال له : اعبُدِ الله كأنَّكَ تَراه(3) .
    وخطب عروة بنُ الزُّبير إلى ابنِ عمرَ ابنته وهما في الطَّواف ، فلم يُجبه ، ثم لقيَهُ بعد ذلك ، فاعتذر إليه ، وقال : كنَّا في الطَّوافِ نتخايلُ الله بين أعيننا . أخرجه أبو نعيم(4) وغيره .
    قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإنْ لم تكن تراه فإنَّه يراك ) .
    -------------------------
    (1) أخرجه : البزار ( 2642 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 825 ) من حديث معاذ ابن جبل ، به ، وإسناده ضعيف ؛ لضعف ابن لهيعة ، ولعنعنة أبي الزبير .
    وأخرجه : مالك في " الموطأ " ( 2626 ) برواية يحيى الليثي بلفظ : أنَّ معاذ بن جبل قال آخر ما أوصاني به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين وضعت رجلي في الغرز أنْ قال : ( أحسن خلقك للناس مُعاذ بن جَبل ) ، وهو منقطع .
    (2) أخرجه : عبد الرزاق ( 1106 ) ، وأحمد 5/3 و4 ، وأبو داود ( 4017 ) ، وابن ماجه ( 1920 ) ، والترمذي ( 2769 ) و( 2794 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 8972 ) ، والحاكم 4/179-180 ، وأبو نعيم في " الحلية " 7/121-122 ، والبيهقي 1/199 و2/225 و7/94 وفي " شُعب الإيمان " ، له ( 7753 ) وفي " الآداب " ، له ( 716 ) ، والخطيب في " تاريخه " 3/261-262 من حديث معاوية بن حيدة ، به ، وهو جزء من حديث طويل ، وهو حديث حسن .
    (3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 1/211-212 .
    (4) في " الحلية " 1/309 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    قيل (1): إنّه تعليلٌ للأوَّل ، فإنَّ العبدَ إذا أُمر بمراقبة الله في العبادة ، واستحضارِ قُربِهِ مِنْ عبده ، حتى(2) كأنَّ العبدَ يراه ، فإنَّه قد يشقُّ ذلك عليه ، فيستعين على ذلك بإيمانه بأنّ الله يراه ، ويطَّلعُ على سرِّه وعلانيته وباطنه وظاهره ، ولا يخفى عليه شيءٌ من أمره ، فإذا حقَّق هذا المقامَ ، سهُل عليه الانتقالُ إلى المقام الثاني ، وهو دوامُ التَّحديق بالبصيرة إلى قُربِ الله من عبدِه ومعيَّته (3) ، حَتّى كأنَّه يراه .
    وقيل : بل هو إشارةٌ (4) إلى أنّ مَنْ شقَّ عليه أنْ يعبُد الله كأنَّه يراه(5) ، فليعْبُدِ الله على أنَّ الله يراه ويطّلع عليه ، فليستحي مِنْ نظره إليه ، كما قال بعضُ العارفين: اتَّقِ الله أنْ يكونَ أهونَ النَّاظرين إليك .
    وقال بعضُهم : خَفِ الله على قدر قُدرته عليك ، واستحي من الله على قدر قُربه منك .
    قالت بعضُ العارفات من السَّلف : مَنْ عملَ للهِ على المُشاهدة ، فهو عارفٌ ، ومن عمل على مشاهدة الله إيَّاهُ ، فهو مخلص . فأشارت إلى المقامين اللَّذين تقدَّم ذكرُهما:
    أحدهما : مقام الإخلاص ، وهو أنْ يعملَ العبدُ على استحضارِ(6) مُشاهدةِ الله إياه ، واطِّلاعه عليه ، وقُربه منه ، فإذا استحضرَ العبدُ هذا في عمله ، وعَمِلَ عليه ، فهو مخلصٌ لله ؛ لأنَّ استحضارَهُ ذلك في عمله يمنعُهُ من الالتفاتِ إلى غيرِ الله وإرادته بالعمل .
    والثاني : مقام المشاهدة ، وهو أنْ يعملَ العبدُ على مقتضى مشاهدته لله تعالى
    بقلبه ، وهو أنْ يتنوَّرَ القلبُ بالإيمانِ ، وتنفُذ البصيرةُ في العِرفان ، حتّى يصيرَ الغيبُ كالعيانِ .
    -------------------------
    (1) سقطت من ( ص ) .
    (2) في ( ص ) : ( يعني ) .
    (3) في ( ص ) : ( وهيبته ) .
    (4) سقطت من ( ص ) .
    (5) عبارة : ( أن يعبد الله كأنه يراه ) لم ترد في ( ص ) .
    (6) زاد في ( ص ) : ( الله لأن الاستحضار ذلك ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وهذا هو حقيقةُ مقامِ الإحسّان المشار إليه في حديث جبريلَ - عليه السلام - ، ويتفاوت أهلُ هذا المقام فيه بحسب قوَّة نفوذ البصائرِ .
    وقد فسَّر طائفةٌ من العُلماءِ المثل الأعلى المذكورَ في قوله - عز وجل - : { وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض } (1) بهذا المعنى ، ومثلُهُ قولُه تعالى :
    { اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } (2) ، والمراد : مثل نورِه في قلبِ المؤمن ، كذا قال أبيُّ بنُ كعبٍ(3) وغيرُه مِنَ السَّلَف .
    وقد سبق حديث : ( أفضلُ الإيمانِ أنْ تعلمَ أنَّ الله معك حيثُ كنت ) ، وحديث : ما تزكيةُ المرءِ نفسه ؟ ، قال : ( أنْ يعلمَ أنَّ الله معه حيثُ كانَ ) .
    وخرَّج الطبراني(4) من حديث أبي أُمامةَ ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ثلاثةٌ في ظلِّ الله يومَ القيامةِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه : رجلٌ حيثُ توجه عَلِمَ أنَّ الله معه … ) ، وذكر الحديث .
    -------------------------
    (1) الروم : 27 .
    (2) النور : 35 .
    (3) اخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 19757 ) ، وطبعة التركي 17/298 ، وابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 2593 ) و( 2594 ) ، وممن قال بهذا المعنى سعيد بن جبير والضحاك .
    (4) في " الكبير " ( 7935 ) ، وإسناده ضعيف جداً ، فيه بشير بن نمير متروك . انظر : مجمع الزوائد 10/279 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقد دلّ القرآنُ على هذا المعنى في مواضِعَ متعدِّدةٍ ، كقوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } (1) ، وقوله تعالى : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } (2) ، وقوله : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا } (3) ، وقوله : { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا
    تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيه } (4) ، وقوله : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } (5) ، وقوله : { وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ
    مَعَهُمْ } (6) .
    -------------------------
    (1) البقرة : 186 .
    (2) الحديد : 4 .
    (3) المجادلة : 7 .
    (4) يونس : 61 .
    (5) ق : 16 .
    (6) النساء : 108 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقد وردت الأحاديثُ الصَّحيحةُ بالنَّدب إلى استحضار هذا القُربِ في
    حال العباداتِ ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ أحدَكم إذا قامَ يُصلِّي ، فإنَّما يُناجِي ربَّه ، أو ربَّه بينه وبينَ القبلةِ ) (1) ، وقوله : ( إنّ الله قِبَلَ وجهه إذا
    صلّى ) (2)، وقوله : ( إنّ الله ينصب وجهه لوجهِ عبدِه في صلاتِهِ ما لم يلتفِت ) (3).
    -------------------------
    (1) أخرجه : الحميدي ( 1219 ) ، وأحمد 3/176 و273 و278 و291 ، والبخاري 1/112 ( 413 ) و1/140 ( 531 ) و2/82 ( 1214 ) ، ومسلم 2/76 ( 551 ) ( 54 ) ، وأبو عوانة 1/338 ، وابن حبان ( 2267 ) ، والبيهقي 1/255 و2/292 ، والبغوي ( 491 ) من حديث أنس بن مالك ، به .
    (2) أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 522 ) برواية يحيى الليثي ، وأحمد 2/66 ، والبخاري 1/112 ( 406 )، ومسلم 2/75 ( 547 ) ( 50 )، وأبو داود ( 479 ) والنسائي 2/51 ، وأبو عوانة 1/336 و337 ، والبيهقي 2/293 ، والبغوي ( 494 ) من حديث عبد الله بن عمر ، به .
    (3) أخرجه : معمر في " جامعه " (20709 ) ، وأحمد 4/130 و202 و344 ، والترمذي ( 2863 ) و( 2864 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 8866 ) و( 11349 ) ، وأبو يعلى ( 1571 ) ، وابن خزيمة ( 483 ) و( 930 ) و(1895 ) وفي التوحيد ، له : 15 ، وابن حبان ( 6233 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 3427 ) و( 3428 ) و( 3430 ) وفي " مسند الشاميين " ، له ( 2870 ) ، والآجري في "الشريعة" : 8 ، وابن منده في "الإيمان" ( 212 ) ، والحاكم 1/117-118 و236 و421-422 من حديث الحارث الأشعري ، به . والروايات مطولة ومختصرة ، وقال الترمذي : ( حسن صحيح غريب ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذِّكرِ : ( إنَّكم لا تَدعُونَ أصمَّ(1) ولا غائباً ، إنَّكُم تدعُون سميعاً(2) قريباً )(3) ، وفي رواية (4) : ( وهو أقربُ إلى أحدكم من عُنُقِ راحلتِهِ ) (5) ، وفي رواية : ( هو أقربُ إلى أحدكم من حبل الوريد ) .
    وقوله : ( يقولُ الله - عز وجل - : أنا مع عبدي إذا ذكرني ، وتحرَّكت بي
    شفتاه ) (6) .
    -------------------------
    (1) زاد بعدها في ( ص ) : ( ولا أبكم ) .
    (2) زاد بعدها في ( ص ) : ( بصيراً ) .
    (3) أخرجه : البخاري 4/69 ( 2992 ) و5/169 ( 4202 ) و8/101 ( 6384 ) ، ومسلم 8/73 ( 2704 ) ( 44 ) من حديث أبي موسى الأشعري ، به.
    (4) في ( ص ) : ( حديث ) .
    (5) أخرجه : مسلم 8/74 ( 2704 ) ( 46 ) ، وأبو داود ( 1526 ) و( 1527 )
    و( 1528 ) ، والترمذي ( 3374 ) و( 3461 ) من حديث أبي موسى الأشعري ، به .
    (6) أخرجه : أحمد 2/540 ، والبخاري في " خلق أفعال العباد " ( 57 ) ، وابن ماجه ( 3792 ) ، وابن حبان ( 815 ) ، والبيهقي ( 509 ) و( 510 ) ، والبغوي في ( 1242 ) من حديث أبي هريرة ، به .
    وأخرجه : الحاكم 1/496 من حديث أبي الدرداء ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقوله : ( يقولُ الله - عز وجل - : أنا مع ظنِّ عبدي بي ، وأنا معه حيث ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ، ذكرتُهُ في نفسي ، وإنْ ذكرني في ملأ ، ذكرته في ملأ خيرٍ منه ، وإنْ تقرّبَ منِّي شبراً ، تقرَّبتُ منه ذراعاً ، وإن تقرَّبَ منِّي ذراعاً ، تقرَّبتُ منه
    باعاً ، وإن أتاني يمشي ، أتيته هرولةً )(1) .
    ومن فهم من شيءٍ من هذه النصوص تشبيهاً أو حُلولاً أو اتِّحاداً ، فإنّما أُتِيَ من جهله(2)، وسُوء فهمه عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، والله ورسولُه بريئانِ من ذلك كلِّه ، فسبحانَ مَنْ ليسَ كمثله شيءٌ ، وهو السَّميعُ البصيرُ .
    قال بكرٌ المزنيُّ : مَن مثلُك يا ابنَ آدم : خُلِّي بينَك وبينَ المحراب والماء ، كلّما شئتَ دخلتَ على اللهِ - عز وجل - (3)، ليس بينَكَ وبينَه ترجُمان(4) .
    ومن وصل إلى استحضارِ هذا في حال ذكره الله وعبادته استأنسَ بالله ، واستوحش مِنْ خلقه ضرورةً .
    قال ثور بن يزيد : قرأتُ في بعضِ الكُتب : أنَّ عيسى - عليه السلام - قال : يا معشر الحواريِّين ، كلِّموا الله كثيراً ، وكلِّموا الناسَ قليلاً ، قالوا : كيف نكلِّمُ الله كثيراً ؟ قال : اخلُوا بمناجاته ، اخلوا بدُعائه . خرَّجه أبو نعيم(5) .
    -------------------------
    (1) أخرجه : الطيالسي ( 2387 ) ، وأحمد 2/251 و316 و354 و405 و413 و435 ، والبخاري 9/147 ( 7405 ) و9/192 ( 7537 ) وفي "خلق أفعال العباد" ، له ( 55 ) ، ومسلم 8/62-63 ( 2675 ) ( 2 ) و( 3 ) و8/66-67 ( 2675 ) ( 19 ) و( 20 ) و( 21 ) و8/91 ( 2675 ) ( 1 ) ، وابن ماجه ( 3822 ) ، والترمذي ( 3603 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 7730 ) من حديث أبي هريرة ، به . والروايات مطولة ومختصرة .
    (2) في ( ص ) : ( فإنه من جهله ) .
    (3) زاد بعدها في ( ص ) : ( فإنه ) .
    (4) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 2/229 .
    (5) في " الحلية " 6/195 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وخرَّج أيضاً(1) بإسناده عن رياح ، قال : كان عندنا رجلٌ يصلِّي كلَّ يومٍ وليلةٍ ألفَ ركعة ، حتى أُقعِدَ من رجليه ، فكان يصلِّي جالساً ألف ركعة ، فإذا صلى العصر ، احتبى ، فاستقبل القبلةَ ، ويقول : عجبتُ للخليقةِ كيف أَنِسَتْ بسواك ، بل عجبتُ للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواكَ .
    وقال أبو أسامة : دخلت على محمد بن النَّضر الحارثيِّ ، فرأيتُه كأنَّه منقبضٌ ، فقلت : كأنَّك تكره أنْ تُؤتى ؟ قال : أجل (2) ، فقلت : أوَما تستوحشُ ؟ فقال : كيف أستوحشُ وهو يقولُ : أنا جليسُ مَنْ ذكرني(3) .
    وقيل لمالك بنِ مِغْول وهو جالسٌ في بيته وحده : ألا تستوحشُ ؟ فقال : ويستوحشُ مع الله أحدٌ ؟
    وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ، ويقولُ : من لم تَقَرَّ عينُه بكَ ، فلا قرَّت
    عينُه ، ومن لم يأنس بكَ ، فلا أنِسَ (4) .
    وقال غزوان : إنِّي أصبتُ راحةَ قلبي في مُجالسةِ مَنْ لديه حاجتي .
    وقال مسلم بنُ يسار : ما تلذَّذ المتلذِّذونَ بمثلِ الخَلْوةِ بمناجاةِ اللهِ - عز وجل - (5) .
    وقال مسلم العابد : لولا الجماعة ، ما خرجتُ من بابي أبداً حتّى أموت ، وقال : ما يجدُ المطيعونَ لله لذَّةً في الدُّنيا أحلى من الخلوة بمناجاة سيِّدهم(6) ، ولا أحسب لهم في الآخرة مِنْ عظيم الثَّواب أكبرَ في صدورهم وألذَّ في قلوبهم مِن النَّظر إليه ، ثم غُشي عليه .
    -------------------------
    (1) أبو نعيم في " الحلية " 6/195 .
    (2) في ( ص ) : ( نعم ) .
    (3) أخرجه : البيهقي في " شُعب الإيمان " ( 709 ) .
    (4) زاد بعدها في ( ص ) : ( الله به ) .
    (5) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 2/294 .
    (6) في ( ص ) : ( الله - عز وجل - ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وعن إبراهيم بن أدهم ، قال : أعلى الدَّرجات أنْ تنقطعَ إلى ربِّك ، وتستأنِسَ إليه بقلبِك ، وعقلك (1)، وجميع جوارحك حتى لا ترجُو إلاَّ ربَّك ، ولا تخاف إلاَّ ذنبكَ ، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تُؤْثِرَ عليها شيئاً ، فإذا كنت كذلك لم تُبالِ في بَرٍّ كنت ، أو في بحرٍ ، أو في سَهْلٍ ، أو في جبلٍ ، وكان شوقُك إلى لقاء الحبيب شوقَ الظمآن إلى الماء البارد ، وشوقَ الجائعِ إلى الطَّعام الطيب ، ويكونُ ذكر الله عندكَ(2) أحلى مِنَ العسل ، وأحلى من المَاء (3) العذبِ الصَّافي عند العطشان في اليوم الصَّائف .
    وقال الفضيل : طُوبى لمن استوحش مِنَ النَّاسِ ، وكان الله جليسَه(4) .
    وقال أبو سليمان : لا آنسني الله إلاَّ به أبداً .
    وقال معروف لرجلٍ : توكَّل على الله حتّى يكونَ جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواكَ(5) .
    وقال ذو النون : مِنْ علامات المحبِّين لله أنْ لا يأنَسُوا بسواه ، ولا يستوحشُوا معه ، ثم قال : إذا سكنَ القلبَ حبُّ اللهِ تعالى ، أنِسَ بالله ؛ لأنَّ الله أجلُّ في صُدورِ العارفين أنْ يُحبُّوا سواه .
    وكلامُ القوم في هذا الباب يطولُ ذكرُه جداً، وفيما ذكرنا كفايةٌ إنْ شاء الله تعالى .
    -------------------------
    (1) في ( ص ) : ( وعينك ) .
    (2) سقطت من ( ص ) .
    (3) سقطت من ( ص ) .
    (4) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/108 .
    (5) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/360 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    فمن تأمَّل ما أشرنا إليه ممَّا دلَّ عليه هذا الحديثُ العظيم ، علم أنَّ جميعَ العُلوم والمعارف ترجعُ إلى هذا الحديث وتدخل تحته ، وأنَّ جميع العلماء من فِرَقِ هذه الأمَّة لا تخرجُ علومهم التي يتكلَّمون فيها عن هذا الحديث، وما دلَّ عليه مجمَلاً ومفصَّلاً ، فإنَّ الفُقهاءَ إنَّما يتكلَّمون في العبادات التي هي من جملة خصال الإسلام ، ويضيفون إلى ذلك الكلامَ في أحكامِ الأموالِ والأبضاعِ والدِّماءِ ، وكلُّ ذلك من علمِ الإسلامِ كما سبق التنبيه عليه ، ويبقى كثيرٌ من علم الإسلامِ مِنَ الآدابِ والأخلاقِ وغير ذلك لا يَتَكلَّمُ عليه إلاَّ القليلُ منهم ، ولا يتكلَّمون على معنى الشهادتين ، وهما أصلُ الإسلام كلِّه .
    والذين يتكلمون في أصول الدِّيانات ، يتكلَّمون على الشَّهادتين ، وعلى الإيمان باللهِ ، وملائكته ، وكتبه ، ورسُله ، واليومِ الآخرِ ، والإيمان بالقدر(1) .
    والذين يتكلَّمون على علم المعارف والمعاملات يتكلَّمون على مقام الإحسان ، وعلى الأعمال الباطنة التي تدخلُ في الإيمان أيضاً(2) ، كالخشية ، والمحبَّة ، والتوكُّلِ ، والرِّضا ، والصَّبر ، ونحو ذلك ، فانحصرتِ العلومُ الشَّرعية التي يتكلَّمُ عليها فِرَقُ المسلمين في هذا الحديث ، ورجعت كلُّها إليه ، ففي هذا الحديث وحدَه كفايةٌ ، وللهِ الحمدُ والمنَّةُ (3).
    وبقي الكلام على ذكر السَّاعةِ مِنَ الحَديث .
    -------------------------
    (1) انظر : الإيمان لابن تيمية : 244-245 .
    (2) انظر : مختصر معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في علم التوحيد : 180 .
    (3) في ( ص ) : ( الحمد ) فقط .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    فقول جبريل عليه السَّلام أخبرني عن السَّاعة ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( ما المسئول عنها بأعلمَ من السَّائل )(1) يعني : أنَّ علم الخلق كلِّهم في وقتِ السَّاعة سواءٌ ، وهذه إشارةٌ إلى أنَّ الله تعالى استأثر بعلمها(2) ، ولهذا في حديث أبي هريرة(3) : قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في خمسٍ لا يعلمهُنَّ إلاَّ الله تعالى (4)، ثم تلا : { إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (5) ، وقال الله - عز وجل - : { يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } (6) .
    وفي " صحيح البخاري " (7) عن ابن عمر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( مفاتيحُ الغيبِ خمسٌ لا يعلمها إلاَّ الله ) ثم قرأ هذه الآية : { إنَّ الله عِندَهُ عِلمُ السَّاعةِ } الآية .
    -------------------------
    (1) تقدم تخريجه .
    (2) انظر : مختصر معارج بشرح سلم الوصول إلى علم الوصول في علم التوحيد : 197 .
    (3) أخرجه : البخاري 1/19 ( 50 ) ، ومسلم 1/30-31 ( 9 ) ( 5 ) و( 6 ) و( 7 ) من حديث أبي هريرة ، به . وهو جزء من حديث طويل .
    (4) من قوله : ( استأثر بعلمها ولهذا ... ) إلى هنا لم يرد في ( ص ) .
    (5) لقمان : 34 .
    (6) الأعراف : 187 .
    (7) الصحيح2/41 ( 1039 ) و6/71 ( 4627 ) و6/99 ( 4697 ) و6/144 ( 4778 ) و9/142 ( 7379 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وخرَّجه الإمام أحمد(1) ، ولفظه : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أوتيتُ مفاتيحَ كلِّ شيءٍ إلاَّ الخمسِ : { إنَّ الله عِنده عِلمُ السَّاعةِ } الآية .
    وخرَّج أيضاً(2) بإسناده عن ابن مسعود ، قال : أوتي نبيُّكم - صلى الله عليه وسلم - مفاتيح كلِّ شيءٍ غير خمسٍ : { إنَّ الله عِندهُ عِلمُ السَّاعةِ } الآية .
    قوله : فأخبرني عن أماراتها . يعني : عن علاماتها(3) التي تدلُّ على اقترابها ، وفي حديث أبي هريرة : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( سأحدِّثُك عن أشراطها ) (4) ، وهي علاماتها(5) أيضاً .
    وقد ذكر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للسَّاعة علامتين :
    الأولى : ( أنْ تلد الأمة ربَّتها(6) ) ، والمراد بربَّتها سيِّدتُها ومالكتها ،
    وفي حديث أبي هريرة ( ربها ) ، وهذه إشارةٌ إلى فتح البلاد ، وكثرة جلبِ
    الرَّقيق حتى تكثر السَّراري ، ويكثر أولادهن ، فتكون الأُم رقيقةً لسيِّدها ،
    وأولاده منه بمنْزلته ، فإنَّ ولدَ السيد بمنْزلة السيد ، فيصير ولد الأمة بمنْزلة ربها وسيدها(7) .
    -------------------------
    (1) في " مسنده " 2/85 .
    (2) " في مسنده " 2/85-86 .
    وأخرجه البخاري 6/144 ( 4778 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 13344 ) و( 13346 ) من حديث ابن عمر مرفوعاً .
    (3) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 1/147 .
    (4) تقدم تخريجه .
    (5) زاد بعدها في ( ص ) : ( التي تدل على اقترابها ) .
    (6) زاد بعدها في ( ص ) : ( فكأن ولدها هو الذي أعتقها ) .
    (7) انظر : شرح السنة للبغوي 1/11 ، وشرح النووي لصحيح مسلم 1/147 ، وقد تقدم التعليق على ذلك أول الحديث .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وذكر الخطابي(1) أنَّه استدلَّ بذلك من يقول : إنَّ أمَّ الولدِ إنَّما تعتق على ولدها من نصيبه من ميراث والده ، وإنَّها تنتقل إلى أولادها بالميراث ، فتعتق عليهم ، وإنَّها قبل موت سيدها تُباع ، قال : وفي هذا الاستدلال نظر .
    قلت : قد استدل به بعضُهم على عكس ذلك ، وعلى أنَّ أمَّ الولد لا تُباع ، وأنَّها تعتق بموتِ سيِّدها بكل حال ؛ لأنَّه جعل ولد الأمَة ربها ، فكأن ولدها هو الذي أعتقها فصار عتقها منسوباً إليه ؛ لأنَّه سببُ عتقها(2) ، فصار كأنَّه مولاها(3) . وهذا كما روي عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال في أمِّ ولده ماريَّةَ لمَّا ولدت إبراهيمَ - عليه السلام - : ( أعتقها ولدُها )(4) .
    وقد استدلّ بهذا الإمام أحمد ، فإنَّه قال في رواية محمد بن الحكم عنه : تلد الأمةُ ربتها : تكثُر أمَّهاتُ الأولاد ، يقول : إذا ولدت ، فقد عتقت لولدها ، وقال : فيه حجة أنَّ أمهات الأولاد لا يُبَعْنَ(5) .
    وقد فسر قوله : ( تلدُ الأمةُ ربَّتها ) بأنَّه يكثرُ جلبُ الرَّقيق ، حتّى تجلب البنت ، فتعتق ، ثم تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها جاهلة بأنَّها أمها ، وقد وقع هذا في الإسلام(6) .
    -------------------------
    (1) في " معالم السنن " 4/68 .
    (2) من قوله : ( ربها فكأن ولدها ... ) ، إلى هنا لم يرد في ( ص ) .
    (3) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 1/147 ، والواضح في شرح مختصر الخرقي5/397-398 .
    (4) أخرجه : ابن سعد في " الطبقات " 1/108، وابن ماجه ( 2516 ) ، والدارقطني 4/131 ، والحاكم 2/19 ، والبيهقي 10/346 من حديث عبد الله بن عباس ، به . وإسناده ضعيف لضعف الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس .
    (5) انظر : المغني 12/492 .
    (6) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 1/147 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقيل : معناه أنَّ الإماء يَلِدنَ الملوكَ ، وقال وكيع(1): معناه تلدُ العجمُ العربَ، والعرب ملوك العجم وأربابٌ لهم(2) .
    والعلامة الثانية : ( أنْ ترى الحُفاة العُراة العالة )(3) .
    والمراد بالعالة : الفُقراء(4) ، كقوله تعالى : { وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى } (5) .
    وقوله : ( رعاء الشاء يتطاولون في البُنيان ) . هكذا في حديث عمر(6) ، والمراد أنَّ أسافلَ الناس يصيرون رؤساءهم ، وتكثر أموالهم حتّى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه(7) .
    وفي حديث أبي هريرة ذكر ثلاثَ علامات : منها : أنْ تكون الحُفاة العراة رؤوسَ الناس ، ومنها : أنْ يتطاول رِعاءُ البَهم في البنيان(8) .
    وروى هذا الحديث عبدُ الله بن عطاء ، عن عبد الله بن بُريدة ، فقال فيه :
    ( وأنْ تَرى الصمَّ البُكمَ العُمي(9) الحفاةَ رعاءَ الشاء يتطاولون في البنيان ملوك
    الناس ) ، قال : فقام الرَّجُلُ ، فانطلق ، فقلنا : يا رسولَ الله ، مَنْ هؤلاء الذين
    نعتَّ ؟ قال : ( هم العُريب )(10) . وكذا روى هذه اللفظة الأخيرة عليُّ بنُ زيد ، عن يحيى بن يعمر ، عن ابن عمر(11) .
    وأمَّا الألفاظ الأُوَلُ ، فهي في الصحيح من حديث أبي هريرة بمعناها(12) .
    وقوله : ( الصمّ البكم العمي ) إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم .
    -------------------------
    (1) لم ترد في ( ص ) .
    (2) أخرجه : ابن ماجه عقب ( 63 ) .
    (3) تقدم تخريجه .
    (4) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 1/148 .
    (5) الضحى : 8 .
    (6) تقدم تخريجه .
    (7) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 1/148 .
    (8) تقدم تخريجه .
    (9) سقطت من ( ص ) .
    (10) أخرجه : المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 367 ) وعنده كلمة ( العَرب ) بدل ( العُريب ) .
    (11) رواية علي بن زيد بن جدعان عند الإمام أحمد في " المسند " 2/107 ، وعند المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 371 ) ، وليس فيها هذه اللفظة .
    (12) تقدم تخريجه .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وفي هذا المعنى أحاديث متعددة ، فخرَّج الإمام أحمد(1) والترمذي(2) من حديث حذيفة ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا تقومُ السَّاعة حَتّى يكونَ أسعدُ النَّاسِ بالدُّنيا لكع بن لكع ) .
    وفي " صحيح ابن حبان " (3) عن أنس ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ( لا تنقضي الدنيا حتّى تكونَ عندَ لكع بنِ لكعٍ ) .
    وخرّج الطبراني(4) من حديث أبي ذرٍّ ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا تقومُ الساعةُ حتى يغلبَ على الدُّنيا لكعُ بنُ لكع ) .
    وخرّج الإمام أحمد(5) والطبراني(6) من حديث أنس ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال: ( بينَ يدي الساعةِ سنُونَ خدَّاعةٌ ، يُتَّهمُ فيها الأمينُ ، ويُؤْتَمنُ فيها المتَّهمُ ، وينطق فيها الرُّويبضةُ ) . قالوا : وما الرويبضَةُ ؟ قال : ( السَّفيه ينطق في أمرِ العامَّة ) . وفي رواية : ( الفاسقُ يتكلَّمُ في أمر العامة )(7) . وفي رواية الإمام أحمد(8) : ( إنَّ بين يدي الدجال سنينَ خداعةٌ ، يُصدّقُ فيها الكاذبُ ، ويكذّبُ فيها الصادقُ ، ويخوَّن فيها الأمينُ ويؤتمنُ فيها الخائنُ ) ، وذكر باقيه .
    -------------------------
    (1) في " مسنده " 5/389 .
    وأخرجه : البيهقي في " دلائل النبوة " 6/392 ، والبغوي ( 4154 ) من حديث حذيفة بن اليمان ، به .
    (2) في " الجامع الكبير " ( 2209 ) ، وقال الترمذي : ( هذا حديث حسن ) .
    (3) برقم ( 6721 ) ، وهو حديث صحيح .
    (4) في "الأوسط" ( 3098 ) ، والطبعة العلمية ( 3076 ) ، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة .
    (5) في " مسنده " 3/220 .
    وأخرجه : أبو يعلى ( 3715 ) ، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " ( 465 ) و( 466 ) من حديث أنس بن مالك به ، وهو حديث حسن من أجل محمد بن إسحاق .
    (6) في " الأوسط " ( 3270 ) .
    (7) أخرجه : أحمد 3/220 .
    (8) في مسنده 3/220 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ومضمونُ ما ذكر من أشراطِ الساعة في هذا الحديث يَرجِعُ إلى أنَّ الأمور تُوَسَّدُ إلى غير أهلها ، كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله عن الساعة : ( إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة (1) )(2) ، فإنَّه إذا صار الحفاةُ العراةُ رعاءُ الشاءِ - وهم أهلُ الجهل والجفاء - رؤوسَ الناس ، وأصحابَ الثروة والأموال ، حتّى يتطاولوا في البنيان ، فإنَّه يفسد بذلك نظامُ الدين والدنيا ، فإنَّه إذا رَأَسَ الناسَ مَنْ كانَ فقيراً عائلاً ، فصار ملكاً على الناس ، سواء كان مُلكُه عاماً أو خاصاً في بعض الأشياء ، فإنَّه لا يكادُ يعطي الناسَ حقوقَهم ، بل يستأثر عليهم بما استولى عليهم من المال ، فقد قال بعض السَّلف : لأنْ تمدَّ يدكَ إلى فم التِّنين ، فيقْضمها ، خيرٌ لك من أنْ تمدَّها إلى يد غنيٍّ قد عالج الفقرَ(3) . وإذا كان مع هذا جاهلاً جافياً، فسد بذلك الدين ؛ لأنَّه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم، بل هِمته في جباية المال واكتنازه ، ولا يُبالي بما فسد من دينِ(4) الناسِ ، ولا بمن ضاعَ من أهل
    حاجاتهم .
    وفي حديثٍ آخر: ( لا تقوم الساعةُ حتى يسودَ كُلَّ(5) قبيلة منافقوها )(6).
    -------------------------
    (1) في ( ص ) : ( فانتظروها ) .
    (2) أخرجه : أحمد 2/361 ، والبخاري 1/23 ( 59 ) و8/129 ( 6496 ) ، وابن حبان ( 104 ) ، والبيهقي 10/118 ، والبغوي ( 4232 ) من حديث أبي هريرة ، به . والروايات مطولة ومختصرة .
    (3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 7/22-23 من قول سفيان الثوري .
    (4) في ( ص ) : ( بذلك الدين ) .
    (5) سقطت من ( ص ) .
    (6) أخرجه : البزار ( 3416 ) ( كشف الأستار ) ، والطبراني في " الكبير " ( 9771 ) و( 10556 ) ، وابن عدي في " الكامل " 3/221 من حديث عبد الله بن مسعود ، به . الروايات مطولة ومختصرة ، وهو حديث ضعيف .
    وأخرجه : الطبراني في " الأوسط " ( 7715 ) من حديث أبي بكرة ، به .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وإذا صار ملوكُ الناس ورؤوسُهم على هذه الحال ، انعكست سائرُ الأحوال ، فصُدِّقَ الكاذبُ ، وكُذِّبَ الصادقُ ، وائتُمِنَ الخائنُ، وخوِّنَ الأمينُ، وتكلَّمَ الجاهلُ ، وسكتَ العالم ، أو عُدِمَ بالكلية ، كما صحَّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( إنّ من أشراط الساعة أن يُرفَعَ العلمُ ، ويظهر الجهلُ )(1) وأخبر : ( أنَّه يقبضُ العلمُ بقبض
    العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً ، فسُئِلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا )(2) . وقال الشَّعبي : لا تقومُ السَّاعة حتى يصيرَ العلمُ جهلاً ، والجهلُ علماً .
    وهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر(3) الزمان وانعكاس الأمور .
    وفي " صحيح الحاكم "(4) عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً : ( إن من أشراط الساعة أن يُوضع الأخيارُ ، ويُرفع الأشرارُ ) .
    -------------------------
    (1) أخرجه : معمر في " جامعه " ( 20801 ) ، والطيالسي ( 1984 ) ، وأحمد 3/98 و151 و176 و202 و213 و273 و289 ، وعبد بن حميد ( 1192 )، والبخاري 1/30 ( 80 ) و( 81 ) و8/203 ( 6808 ) وفي " خلق أفعال العباد " ، له ( 43 ) ، ومسلم 8/58 ( 2671 ) ( 8 ) و( 9 ) ، وابن ماجه ( 4045 ) والترمذي ( 2205 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 5905 ) و( 5906 ) من حديث أنس بن مالك ، به .
    (2) أخرجه : أحمد 2/162 و190 و203 ، والدارمي ( 245 ) ، والبخاري 1/36 ( 100 ) و9/123 ( 7307 ) وفي " خلق أفعال العباد " ، له ( 47 ) ، ومسلم 8/60 ( 2673 ) ( 13 ) ، وابن ماجه ( 52 ) ، والترمذي ( 2652 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 5907 ) و( 5908 ) ، وابن حبان ( 4571 ) و( 6719 ) و( 6723 ) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، به .
    (3) في ( ص ) : ( ذلك ) .
    (4) أي : المستدرك 4/554 ، وصححه .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وفي قوله : ( يتطاولون في البنيان ) دليلٌ على ذمِّ التباهي والتفاخر ، خصوصاً بالتطاول في البنيان ، ولم يكن إطالة (1) البناء معروفاً (2) في زمن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، بل كان بنيانهم قصيراً بقدر الحاجة(3) ، وروى أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تقومُ الساعةُ ، حتَّى يتطاول الناسُ في البنيان ) . خرَّجه البخاري(4) .
    وخرَّج أبو داود(5) من حديث أنسٍ : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خرج فرأى(6) قُبَّةً مشرفة ، فقال : ( ما هذه ؟ ) قالوا : هذه لفلان ، رجل من الأنصار ، فجاء صاحِبُها ، فسلّم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأعرضَ عنه ، فعلَ ذلك مراراً ، فهدمها الرَّجُلُ . وخرَّجه الطبراني(7) من وجه آخر عن أنس أيضاً ، وعنده ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( كلُّ بناءٍ – وأشار بيده هكذا على رأسه – أكثر مِنْ هذا ، فهو وبالٌ على صاحبه (8) ) .
    وقال حريثُ بن السائب ، عن الحسن : كنتُ أدخلُ بيوتَ أزواج النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في خلافة عثمان - رضي الله عنه - فأتناولُ سقفَها بيدي(9) .
    -------------------------
    (1) سقطت من ( ص ) .
    (2) في ( ص ) : ( مرفوعاً ) .
    (3) انظر : فتح الباري 13/110 .
    (4) في " صحيحه " 9/74 ( 7121 ) وفي " الأدب المفرد " ، له ( 449 ) .
    (5) في " سننه " ( 5237 ) .
    وأخرجه : أبو يعلى ( 4347 ) والبيهقي في " شُعب الإيمان " ( 10705 ) من حديث أنس ابن مالك ، به . وإسناده لا بأس به .
    (6) في ( ص ) : ( أنَّه رأى ) .
    (7) في " الأوسط " ( 3103 ) ، وأخرجه ابن ماجه ( 4161 ) بلفظ أطول ، وإسناده ضعيف .
    (8) عبارة : ( على صاحبه ) سقطت من ( ج ) .
    (9) أخرجه : البخاري في "الأدب المفرد" ( 450 ) ، وابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" ( 245 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ورُويَ عن عمرَ أنَّه كتب : لا تُطيلوا بناءكم ، فإنَّه شرُّ أيامكم(1) .
    وقال يزيدُ بن أبي زياد : قال حذيفة لسلمان : ألا نبني لك مسكناً يا أبا
    عبد الله ؟ قالَ : لِمَ ، لتجعلني ملكاً ؟ قال : لا ، ولكن نبني لك بيتاً من قصب ونَسقفه بالبواري، إذا قمت كاد أنْ يصيب رأسك، وإذا نمت كاد أنْ يمس طرفيك ، قال : كأنَّك كنت في نفسي(2) .
    وعن عمّار بن أبي عمّار ، قال : إذا رفع الرجل بناءه فوق سبع أذرع ، نودي
    يا أفسقَ الفاسقين ، إلى أين (3) ؟
    خرّجه كلّه(4) ابنُ أبي الدنيا .
    وقال يعقوب بنُ شيبة في " مسنده " : بلغني عن ابن عائشة ، حدثنا ابن أبي شُميلة ، قال : نزل المسلمون حولَ المسجد ، يعني : بالبصرةِ في أخبية الشَّعرِ ، ففشا فيهم السَّرَقُ ، فكتبوا إلى عمرَ ، فأذن لهم في اليراع ، فبنوا بالقصب ، ففشا فيهمُ الحريقُ ، فكتبوا إلى عمر ، فأذن لهم في المدَرِ ، ونهى أنْ يرفعَ الرجل سمكه أكثر من سبعة أذرع ، وقال : إذا بنيتُم منه بيوتكم ، فابنوا منه المسجدَ . قال ابن عائشة : وكان عتبةُ بن غزوان بنى مسجدَ البصرة بالقصب ، قال : من صلى فيه وهو من قصب أفضلُ ممن صلى فيه وهو مِنْ لبن ، ومن صلى فيه وهو من لبن خير(5) ممن صلَّى فيه وهو من آجُر .
    وخرّج ابن ماجه(6)
    -------------------------
    (1) أخرجه : البخاري في " الأدب المفرد " ( 452 ) .
    (2) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " قصر الأمل " ( 306 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/202 .
    (3) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " قصر الأمل " ( 250 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 3/75 .
    (4) سقطت من ( ص ) .
    (5) في ( ص ) : ( أفضل ) .
    (6) في " سننه " ( 739 ) .
    وأخرجه : أحمد 3/143 و145 و152 و230 و283 ، والدارمي ( 1415 ) ، وأبو داود ( 449 ) ، والنسائي 2/32 وفي " الكبرى " ، له ( 768 ) ، وأبو يعلى ( 2798 ) و( 2799 ) ، وابن خزيمة ( 1322 ) و( 1323 ) ، وابن حبان ( 1614 ) من حديث أنس ابن مالك ، به . وهو حديث صحيح .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    من حديث أنس ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا تقومُ الساعةُ حتّى يتباهى الناسُ في المساجد ) .
    ومن حديث ابن عباس ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( أراكم ستُشرِّفون مساجدَكم بَعْدي كما شرَّفتِ اليهودُ كنائسها ، وكما شرَّفتِ النَّصارى
    بِيَعَها(1) )(2) .
    وروى ابن أبي الدُّنيا(3) بإسناده عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن - رضي الله عنه - ،
    قال : لما بنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد ، قال : ( ابنوه عريشاً كعريشِ موسى ) .
    قيل للحسن : وما عريشُ موسى ؟ قال : إذا رفع يَده بلغ العريش ، يعني :
    السقف .
    -------------------------
    (1) حديث ابن عباس متقدم على حديث أنس في ( ص ) .
    (2) أخرجه : ابن ماجه ( 740 ) ، وابن حبان ( 1615 ) ، والبيهقي 2/438-439 ، والبغوي ( 463 ) ، وإسناده ضعيف .
    (3) في " قصر الأمل " ( 286 ) ، ومن طريقه البيهقي في " دلائل النبوة " 2/541-542 ، وهو مع إرساله ضعيف ، فراويه عن الحسن البصري إسماعيل بن مسلم المكي ضعيف الحديث ، وانظر : البداية والنهاية لابن كثير 4/532 .


    جامع العلوم والحكم
    لإبن رجب الحنبلي
    منتدى ميراث الرسول . البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 15, 2018 4:00 am