بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الضحك والبكاء وحياة البخلاء

قصة الحارثي
قيل للحارثي بالأمس: والله إنك لتضع الطعام فتجيده، وتعظم عليك النفقة، وتكثر منه. وإنك لتغالي بالخباز والطباخ والشواء والخباص، ثم أنت مع هذا كله لا تشهده عدوا لتغمه، ولا ولياً فتسره، ولا جاهلاً لتعرفه، ولا زائر لتعظمه، ولا شاكراً لتثبته. وأنت تعلم أنه حين يتنحى من بين يديك، ويغيب عن عينيك، فقد صار نهباً مقسماً، ومتوزعاً مستهلكاً. فلو أحضرته من ينفع شكره، ويبقي على الأيام ذكره، ومن يمتعك بالحديث الحسن والاستماع، ومن يمتد به الأكل، ويقصر به الدهر - لكان ذلك أولى بك، وأشبه بالذي قدمته يدك.
وبعد فلم تبيح مصون الطعام لمن لا يحمدك، ومن إن حمدك لم يحسن أن يحمدك، ومن لا يفضل بين الشهي الغذى، وبين الغليظ الزهم،
قال: يمنعني من ذلك ما قال أبو الفاتك. قالوا: ومن أبو الفاتك، قال: قاضي الفتيان. وإني لم آكل مع أحد قط إلا رأيت منه بعض ماذمه، وبعض ما شنعه وقبحه. فشيء يقبح بالشطار، فما ظنك به إذا كان في أصحابه المروءات وأهل البيوتات، قالوا: فما قال أبو الفاتك، قال: قال أبو فاتك: الفتى لا يكون نشافاً، ولا نشالاً، ولا مرسالاً، ولا لكاماً، ولا مصاصاً، ولا نفاضاً، ولا دلاكاً، ولا مقوراً، ولا مغربلاً، ولا محلقما، ولا مسوغاً، ولا مبلعماً، ولا مخضراً.
فكيف لو رأى أبو الفاتك اللطاع، والقطاع، والنهاش، والمداد، والدفاع، والمحول! والله إني لأفضل الدهاقين حين عابوا الحسو، وتقززوا من التعرق، وبهرجوا صاحب التمشيش، وحين أكلوا بالبارجين، وقطعوا بالسكين، ولزموا عند الطعام السكتة، وتركوا الخوض، واختاروا الزمزمة.
أنا والله أحتمل الضيف والضيفن، ولا أحتمل اللعموظ ولا الجردبيل. والواغل أهون على من الراشن. ومن يشك أن الوحدة خير من جليس السوء، وأن جليس السوء خير من أكيل السوء، لأن كل أكيل جليس، وليس كل جليس أكيلاً.
فإن كان لابد من المؤاكلة، ولابد من المشاركة، فمع من لا يستأثر علي بالمخ، ولا ينتهز بيضة البقيلة، ولا يلتهم كبد الدجاجة، ولا يبادر إلى دماغ رأس السلاءة، ولا يختطف كلية الجدي، ولا يزدرد قانصة الكركي، ولا ينتزع شاكلة الحمل، ولا يقتطع سرة الشصر، ولا بعرض لعيون الرءوس، ولا يستولي على صدور الدجاج، ولا يسابق إلى أسقاط الفراخ، ولا يتناول إلا ما بين يديه، ولا يلاحظ ما بين يدي غيره، ولا يتشهى الغرائب، ولا يمتحن الإخوان بالأمور الثمينة، ولا يهتك أستار الناس: بأن يتشهى ما عسى ألا يكون موجوداً.
وكيف تصلح الدنيا، وكيف يطيب العيش، مع من إذا رأى جزورية التقط الأكباد والأسنمة، وإذا عاين بقرية استولى على العرق والقطنة، وإن أتوا بجنب شواء اكتسح كل شيء عليه، لا يرحم ذا سن لضعفه، ولا يرق على حدث لحدة شهوته، ولا ينظر للعيال، ولا يبالي كيف دارت بهم الحال - وإن كان لابد من ذلك ـ فمع من لا يجعل نصيبه في مالي أكثر من نصيبي.
وأشد من كل ما وصفنا، وأخبث من كل ما عددنا، أن الطباخ ربما أتى باللون الطريف، وربما قدم الشيء الغريب، والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص، صغير الحجم، وليس كالطفيشلية، ولا كالهريسة، ولا كالفجلية، ولا كالكرنبية. وربما عجل عليه، فقدمه حاراً ممتنعاً. وربما كان من جوهر بطيء الفطور، وأصحابي في سهولة ازدراد الحار عليهم في طباع النعام، وأنا في شدة الحار على في طباع السباع. فإن انتظرت إلى أن يمكن، أتوا على آخره. وإن بدرت مخافة الفوت، وأردت أن أشاركهم في بعضه لم آمن ضرره. والحار ربما قتل، وربما أعقم، وربما أبال الدم.
ثم قال: هذا علي الأسواري أكل مع عيسى بن سلمان بن علي. فوضعت قدامكم سمكة عجيبة، فائقة السمن. فحاط بطنها لحظة، فإذا هو يكتنز شحماً، وقد كان غص بلقمة، وهو لمستسق، ففرغ من الشراب، وقد غرف من بطنها كل إنسان منهم بلقمته غرفة. وكان عيسى ينتخب الأكلة، ويختار منهم كل منهوم فيه، ومفتون به.
فلما خاف على الأسواري الإخفاق، وأشفق من الفوت، وكان أقربهم إليه عيسى، استلب من يده اللقمة بأسرع من خطفة البازي وانحدار العقاب، من غير أن يكون أكل عنده قبل مرته. فقيل له: ويحك! استلبت لقمة الأمير من يده، وقد رفعها غليه، وشحا لها فاه، من غير مؤانسة ولا ممازحة سالفة!.
قال: لم يكن الأمر كذلك. وكذب من قال ذلك! ولكنا أهوينا أيدينا معاً، فوقعت يدي في مقدم الشحمة، ووقعت يده في مؤخر الشحمة معاً، والشحم ملتبس بالأمعاء. فلما رفعنا أيدينا معاً، كنت أنا أسرع حركة، وكانت الأمعاء متصلة غير متباينة. فتحول كل شيء كلن في لقمته بتلك الجذبة إلى لقمتي، لاتصال الجنس، والجوهر بالجوهر.
وأنا كيف أؤاكل أقواماً يصنعون هذا الصنيع، ثم يحتجون له بمثل هذه الحجج، ثم قال: إنكم تشيرون علي بملابسة شرار الخلق، وأنذال الناس، وبكل عياب متعتب، ووثاب على أعراض الناس متسرع. وهؤلاء لم يرضوا إلا أن يدعوهم الناس، ولا يدعوا الناس، وأن يأكلوا، ولا يطعموا، وأن يتحدثوا عن غيرهم، ولا يبالون أن يتحدث عنهم وهم شرار الناس.
ثم قال: أجلس معاوية، وهو في مرتبة الحلافة، وفي السطح من قريش، وفي نبل الهمة، وإصابة الرأي، وجودة البيان، وكمال الجسم، وفي تمام النفس عند الجولة، وعند تقصف الرماح، وتقطع السيوف - رجلاً على مائدته، مجهول الدار، غير معروف النسب، ولا مذكور بيوم صالح ـ فأبصر في لقمته شعرة، فقال: خذ الشعرة من لقمتك. ولا وجه لهذا القول إلا محض النصيحة والشفقة. فقال الرجل: وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعرة، لا جلست لك على مائدة ما حييت، ولا حكيتها عنك ما بقيت، فلم يدر الناس أي أمري معاوية كان أحسن وأجمل: تغافله عنه، أم شفقته عليه، فكان هذا جزاءه منه، وشكره له.
ثم قال: وكيف أطعم من إن رأيته يقصر في الأكل، فقلت له: كل ولا تقصر في الأكل، قال: يفطن لفضل ما بين التقصير وغيره، وإن قصر فلم أنشطه ولم أحثه، قال: لولا أنه وافق هواه، ثم قال: ومد رجل من بني تميم يده إلى صاحب الشراب يستسقيه، وهو على خوان المهلب، فلم يره الساقي، فلم يفطن له. ففعل ذلك مراراً، والمهلب يراه، وقد أمسك عن الأكل، إلى أن يسيغ لقمته بالشراب. فلما طال ذلك على المهلب، قال: اسقه يا غلام ما أحب من الشراب. فلما سقاه استقله، وطلب الزيادة منه. وكان المهلب أوصاهم بالإقلال من الماء، والإكثار من الخبز. قال التميمي: إنك لسريع إلى السقي، سريع إلى الزيادة، وحبس يده عن الطعام. فقال المهلب: أله عن هذا إليها الرجل، فإن هذا لا ينفعك ولا يضرنا، أردنا أمراً وأردت خلافه.
وقد علمت أني دون معاوية، ودون المهلب بن أبي صفرة، وأنهم إلى أسرع، وفي لحمي أرتع.
ثم قال: وفي الجارود بن أبي سبرة لكم واعظ، وفي أبي الحارث جمين زاجر؛ فقد كانا يدعيان إلى الطعام وإلى الإكرام، لظرفهما، وحلاوتهما، وحسن حديثهما، وقصر يومهما. وكانا يتشهيان الغرائب، ويقترحان الطرائف، ويكلفان الناس المؤن الثقال، ويمتحنان ما عندهم بالكلف الشداد. فكان جزاؤهم من إحسانهم ما قد علمتم.
قال: ومن ذلك أن بلال بن أبي بردة كان رجلاً عياباً، وكان إلى أعراض الأشراف متسرعاً. فقال للجارود: كيف طعام عبد الله بن أبي عثمان، قال: يعرف وينكر. قال: فكيف هو عليه، قال يلاحظ اللقم، وينتهر السائل. قال: فكيف طعام سلم بن قتيبة، قال: طعام ثلاثة، وإن كانوا أربعة جاعوا. قال: فكيف طعام تسنيم بن الحواري، قال: نقط العروس. قال: فكيف طعام المنجاب بن أبي عيينة، قال: يقول: لا خير في ثلاث أصابع في صفحة - حتى أتى على عامة أهل البصرة، وعلى من كان يؤثره بالدعوة، وبالأنسة والخاصة، ويحكمه في ماله. فلم ينج منه إلا من كان يبعده، كما لم يبتل به إلا من كان يقربه، وهذا أبو شعيب القلال في تقريب موبس له، وأنسه به، وفي إحسانه إليه، مع سخائه على المأكول، وغض طرفه عن الأكيل، وقلة مبالاته بالحفظ، وقلة احتفاله بجمع الكثير - سئل عنه أبو شعيب، فزعم أنه لم ير قط أشح منه على الطعام. قيل: وكيف، قال: يدلك على ذلك أنه يصنعه صنعة، ويهيئه تهيئة من لا يريد أن يمس، فضلاً على غير ذلك، وكيف يجترئ الضرس على إفساد ذلك الحسن، ونقض ذلك النظم، وعلى تفريق ذلك التأليف، وقد علم أن حسنه يحشم، وأن جماله يهيب منه. فلو كان سخياً لم يمنع منه بهذا السلاح، ولم يجعل دونه الجنن. فحول إحسانه إساءة وبذله منعاً،واستدعاءه إليه نهياً.
قال: ثم قيل لأبي الحارث جمين: كيف وجه محمد بن يحيى على غدائه، قال: أما عيناه فعينا مجنون، وقال فيه أيضاً: لو كان في كفه كر خردل، ثم لعب الأبلى بالأكرة، لما سقطت من بين أصابعه حبة واحدة، وقيل له أيضاً: فكيف سخاؤه على الخبز خاصة، قال: والله لو ألقي إليه من الطعام بقدر ما إذا حبس نزف السحاب، ما تجافي عن الرغيف، وكان أبو نواس يرتعي على خوان إسماعيل بن نيبخت، كما ترتعي الإبل في الحمض بعد طول الخلة، ثم كان جزاؤه منه أنه قال:
خبز إسماعيل كالوشـ * ي إذا مـا شـق يرفـي
وقال:
وما خبزه إلا كليب بن وائل * ليالي يحمى عزه منبت البقل
وكان أبو الشمقمق يعيب في طعام جعفر بن أبي زهير، وكان له ضيفاً. وهو مع ذلك يقول:
رأيت الخبز عز لديك حتى * حسبت الخبز في جو السحاب.
وما روحتنا لتذب عنا * ولكن خفت مرزئة الذباب.
وقيل للجماز: رأيناك في دهليز فلان، وبين يديك قصعة وأنت تأكل. فمن أي شيء كانت القصعة، وأي شيء كان فيها، قال: قيء كلب في قحف خنزير، وقيل لرجل من العرب قد نزلت بجميع الفبائل فكيف رأيت خذاعة، قال: جوع وأحاديث.
ونزل عمرو بن معد يكرب برجل من بني المغيرة، وهم أكثر قريش طعاماً. فأتاه بما حضر. وقد كان فيما أتاه به فضل. فقال لعمر بن الخطاب، وهم أخواله: لئام بني المغيرة يا أمير المؤمنين، قال: وكيف، قال نزلت بهم فما قروني غير قرنين وكعب ثور. قال عمر: إن ذلك لشبعة.
وكم رأينا من الأعراب من نزل برب صرمة، فأتاه بلبن وتمر وحيس وخبز وسمن سلاء. فبات ليلته، ثم أصبح يهجوه: كيف لم ينحر له - وهو لا يعرف - بعيراً من ذوده، أو من صرمته، ولو نحر هذا البأس لكل كلب مر به بعيراً، من مخافة لسانه، لما دار الأسبوع إلا وهو يتعرض للسابلة، يتكفف الناس، ويسألهم العلق، وسأل زياد عن رجل من أصحابه، فقيل: إنه لملازم، وما يغب غداء الأمير. فقال زياد: فليغبه، فإن ذلك مما يضر بالعيال. فألزموه الغب. فعابوا زياداً بذلك. وزعموا أنه استثقل حضوره في كل يوم، وأراد أن يزجر به غيره، فيسقط عن نفسه وعن ماله مؤنة عظيمة.
وإنما كان ذلك من زياد على جهة النظر للعيالات، وكما ينظر الراعي للرعية، وعلى مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه. " وقد قال الحسن: تشبه زياد بعمر فأفرط، وتشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس " - فجعلتم ذلك عنتاً منه.
وقال يوسف بن عمر لقوام موائده: أعظموا الثريدة، فإنها لقمة الدرداء: فقد يحضر طعامكم الشيخ الذي قد ذهب فمه، والصبي الذي لم ينبت فمه. وأطعموه ما تعرقون؛ فإنه أنجع وأشفى للقوم.
فقلتم: إنما أراد العجلة والراحة بسرعة الفراغ، وأن يكيدهم بالثريد، ويملأ صدورهم بالعراق.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيد الطعام الثريد، ومثل عائشة في النساء مثل الثريد في الطعام وليعظم صنعة الثريد في أعين قريش سموا عمرو بن عبد مناف حتى غلب عليه الاسم المشتق له من ذلك. وقال عوف بن القعقاع لمولاه: اتخذ لنا طعاماً يشبع فضله أهل الموسم.
قلتم: فلما رأى الخبز الرقاق والغلاظ والشواء والألوان، واستطراف الناس للون بعد اللون، ودوام أكلهم لدوام الطرف، وأن ذلك لو كان لوناً واحداً لكان اقل لأكلهم، قال: فهلا فعلته طعام يد، ولم تجعله طعام يدين، فقلتم: اتسع ثم ضاق، حين أراد إطعامهم الثريد والحيس، وكل ما يؤكل بيد دون يدين.
والقعقاع عربي كره لمولاه أن يرغب عن طعام العرب، إلى طعام العجم. وأراد دوام قومه على مثل ما كانوا عليه، وعلى أن الثروة تفنخهم وتفسدهم، وأن الذي فتح عليهم من باب الترفه، أشد عليهم مما غلق عليهم من باب فضول اللذة.
وقد فعل عمر من جهة التأدب أكثر من ذلك، حين دعى إلى عرس، فرأى قدراً صفراء، وأخرى حمراء، وواحدة مرة، وأخرى حلوة، وواحدة محمضة. فكازها كلها في قدر عظيمة، وقال إن العرب إذا أكلت هذا قتل بعضها بعضاً.

مختصر: كتاب البخلاء للجاحظ