بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الضحك والبكاء وحياة البخلاء

قصة أسد بن جاني
فأما أسد بن جاني فكان يجعل سريره في الشتاء من قصب مقشر؛ لأن البراغيث تزلق عن ليط القصب، لفرط لينه وملاسته.
وكان إذا دخل الصيف، وحر عليه بيته، أثاره حتى يغرق المسحاة. ثم يصب عليه جراراً كثيرة من ماء البئر. ويتوطؤه حتى يستوي. فلا يزال ذلك البيت بارداً ما دام ندياً.
فإذا امتد به الندى، ودام برده بدوامه، اكتفى بذلك التبريد صيفته. وإن جف قبل انقضاء الصيف، وعاد عليه الحر، عاد عليه بالإثارة والصب.
وكان يقول: خيشتي أرض، وماء خيشتي من بئري، وبيتي أبرد، ومؤنتي أخف. وأنا أفضلهم أيضاً بفضل الحكمة وجودة الآلة.
وكان طبيباً فأكسد مرة، فقال له قائل: السنة وبئة، والأمراض فاشية، وأنت عالم، ولك صبر وخدمة، ولك بيان ومعرفة. فمن أين تؤتى في هذا الكساد، قال: أما واحدة فإني عندهم مسلم، وقد اعتقد القوم قبل أن أتطيب، لا بل قبل أن أخلق، أن المسلمين لا يفلحون في الطب، واسمي أسد، وكان ينبغي أن يكون اسمي صليباً، ومرايل، ويوحنا، وبيرا، وكنيتي أبو الحارث، وكان ينبغي أن تكون أبو عيسى، وأبو زكريا، وأبو إبراهيم. وعلى رداء قطن أبيض، وكان ينبغي أنت يكون رداء حرير أسود. ولفظي لفظ عربي، وكان ينبغي أن تكون لغتي لغة أهل جنديسابور.
قال الخليل السلولي: أقبل علي يوماً الثوري، وكان يملك خمسمائة جريب، ما بين كرسي الصدقة إلى نهر مرة. ولا يشتري إلا كل غرة، وكل أرض مشهورة بكريم التربة، وشرف الموضع، والغلة الكثيرة. قال: فأقبل علي يوماً فقال لي: هل اصطبغت بماء الزيتون قط? قال: قلت: لا والله لو فعلته ما نسيته، قال: قلت: أجل، إني والله لو فعلته لما نسيته، وكان يقول لعياله: لا تلقوا نوى التمر والرطب، وتعودوا ابتلاعه، وخذوا حلوقكم بتسويغه؛ فإن النوى يعقد الشحم في البطن، ويدفئ الكليتين بذلك الشحم، واعتبروا ذلك ببطون الصفايا وجميع ما يعتلف النوى، والله لو حملتم أنفسكم على البزر والنوى، وعى قضم الشعير، واعتلاف القت، لوجدتموها سريعة القبول، وقد يأكل الناس القت قداحاً، والشعير فريكا ونوى البسر الأخضر، ونوى العجوة.
فإنما بقيت الآن عليكم عقبة واحدة: لو رغبتم في الدفإلا لتمستم الشحم. وكيف لا تطلبون شيئاً يغنيكم عن دخان الوقود، وعن شناعة العكر، وعن ثقل الغرم، والشحم يفرح القلب، ويبيض الوجه. والنار تسود الوجه. أنا أقدر أن أبتلع النوى، وأعلفه النساء. ولكني أقول ذلك بالنظر مني لكم.
وكان يقول: كلوا الباقلي بقشوره، فإن الباقلي يقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني، ومن أكلني بغير قشوري فأنا الذي أكله، فما حاجتكم إلى أن تصيروا طعاماً لطعامكم، وأكلاً لما جعل أكلاً لكم، وكان يعين مالاً عظيماً. ولم يكن له وارث. فكان يسخر ببعضهم، فيقول عند الإشهاد: قد علمتم أن لا وارث لي. فإذا مت فهذا المال لفلان، فكان قوم كثير يحرصون على مبايعته لهذا.
وقد رأيته أنا زماناً من الدهر، ما رأيته قط إلا ونعله في يده، أو يمشي طول نهاره في نعل مقطوعة العقب، شديدة على صاحبها! قال: فهو ذا المجوس، يرتعون البصرة وبغداد وفارس والأهواز والدنيا كلها، بنعال سندية. فقيل له: إن المجوسي لا يستحل في دينه المشركة، فأنت لا تجده أبداً إلا حافياً، أو لابساً نعلاً سندية. وأنت مسلم، ومالك كثير.
قال: فمن كان ماله كثيراً، فلابد له من أن يفتح كيسه للنفقات وللسراق، قالوا: فليس هاتين منزلة، قال الخليل: جلس الثوري إلى حلقة المصلحين في المسجد. فسمع رجلاً من مياسيرهم يقول: بطنوا كل شيء لكم، فإنه أبقى. ولأمر جعل الله دار الآخرة باقية، ودار الدنيا فانية. ثم قال: ربما رأيت المبطنة الواحدة تقطع أربعة أقمصة، والعمامة الواحدة تقطع أربعة أزر؛ ليس ذلك إلا لتعاون الطي، وترافد الأثناء. فبطنوا البواري؛ وبطنوا الحصر، وبطنوا البسط، وبطنوا الغداء بشربة باردة، فقال الثوري: لم افهم مما قلت إلا هذا الحرف وحده، قال الخليل: حم الثوري وحم عياله وخادمه، فلم يقدروا مع شدة الحمى على أكل الخبز. فربح كيلة تلك الأيام من الدقيق، ففرح بذلك، وقال: لو كان منزلي سوق الأهواز، أو نطاة خيبر، أو وادي الجحفة، لرجوت أن أستفضل كل سنة مائة دينار! فكان لا يبالي أن يحم هو وأهله أبداً، بعد أن يستفضل كفايتهم من الدقيق
وكان يقول: أول الإصلاح - وهو من الواجب - خصف النعل، واستجادة الطراق، وتشحيمها في كل الأيام، وعقد ذؤابة الشراك، من زي النساك، لكيلا يطأ عليه إنسان فيقطعه. ومن الإصلاح الواجب قلب خرقة القلنسوة إذا اتسخت، وغسلها من اتساخها بعد القلب. واجعلها حبرة، فإنها مما له مرجوع، ومن ذلك اتخاذ قميص الصيف جبة في الشتاء، واتخاذ الشاة اللبون إذا كان عندك حمار.
واتخاذ الحمار الجامع خير من غلة ألف دينار: لأنه لرحلك، وبه يدرك البعيد من حوائجك، وعليه يطحن، فتستفضل عليه ما يربحه عليك الطحان. وينقل عليه حوائجه وحوائجك، حتى الحطب. ويستقي عليه الماء. وهذه كلها مؤن إذا اجتمعت كانت في السنة مالاً كثيراً ثم قال: أشهد إن الرفق يمن، وإن الخرق شؤم.
واشتريت ملاءة مذارية، فلبستها ما شاء الله رداء وملحفة. ثم احتجت إلى طيلسان، فقطعتها - يعلم الله - فلبسته ما شاء الله. ثم احتجت إلى جبة فجعلته - يعلم الله - ظهار، جبة محشوة، فلبستها ما شاء الله.ثم أخرجت ما كان فيها من الصحيح، فجعلته مخاد، وجعلت قطنها للقناديل. ثم جعلت ما دون خرق المخاد للقلائس. ثم عمدت إلى أصح ما بقي، فبعته من أصحاب الصينيات والصلاحيات.وجعلت السقاطات، وما قد صار كالخيوط وكالقطن المندوف، صمائم لرؤوس القوارير.
وقد رأيته وسمعت منه في البخل كلاماً كثيراً. وكان من البصريين، ينزل في بغداد مسجد ابن رغبان. ولم أر شيخاً ذا ثروة اجتمع عنده وإليه من البخلاء ما اجتمع له: منهم إسماعيل بن غزوان، وجعفر بن سعيد، وخاقان بن صبيح، وأبو يعقوب الأعور، وعبد الله العروضي، والحزامي عبد الله بن كاسب.
وأبو عبد الرحمن هذا شديد البخل، شديد العارضة، عضب اللسان. وكان يحتج للبخل، ويوصي به، ويدعو إليه. وما علمت أن أحداً جرد في ذلك كتاباً إلا سهل بن هارون.
وأبو عبد الرحمن هذا هو الذي قال لابنه: أبي بني، إن إنفاق القراريط، يفتح عليك أبواب الدوانيق، وإنفاق الدوانيق، يفتح عليك أبواب الدراهم، وإنفاق الدراهم، يفتح عليك أبواب الدنانير. والعشرات تفتح عليك أبواب المئين، والمئون تفتح عليك أبواب الألوف، حتى يأتي ذلك على الفرع والأصل، ويطمس على العين والأثر، ويحتمل القليل والكثير، أي بني، إنما صار تأويل الدرهم: دار لهم، وتأويل الدينار: يدني إلى النار الدرهم إذا خرج إلى غير خلف، وإلى غير بدل، دار لهم على دوانق مخرجة. وقيل: إن الدينار يدني إلى النار، لأنه إذا أنفقته في غير خلف، وأخرج إلى غير دل، بقيت مخفقاً معدماً وققيراً مبلطاً. فيخرج الخارج، وتدعو الضرورة إلى المكاسب الردية، والطعم الخبيثة. والخبيث من الكسب يسقط العدالة، ويذهب بالمروءة، ويوجب الحد، ويدخل النار.
وهذا تأويل الذي تأوله للدرهم والدينار ليس له، إنما هذا شيء كان يتكلم به عبد الأعلى إذا قيل له: لم سمي الكلب قليطاً، قال: لأنه قل ولطى، وإذا قيل له: لم سمي الكلب سلوقياً? قال: لأنه يستل ويلقي، وإذا قيل له: لم سمي العصفور عصفوراً، قال: لأنه عصى وفر، وعبد الأعلى هذا هو الذي كان يقول في قصصه: الفقير...مرفقته سلبة، وجردقته فلقة، وسمكته سلته؛ في طيب له كثير.
وبعض المفسرين يزعم أن نوحاً النبي عليه السلام، إنما سمي نوحاً، لأنه كان ينوح على نفسه؛ وأن آدم سمي آدم، لأنه حذي من أديم الأرض - وقالوا: كان لونه في أدمته لون الأرض - وأن المسيح سمي المسيح لأنه مسح بدهن البركة. وقال بعضهم: لأنه كان لا يقيم في البلد الواحد. وكان كأنه ماسح يمسح الأرض.
ثم رجع الحديث إلى أعاجيب أبي عبد الرحمن: وكان أبو عبد الرحمن: وكان أبو الرحمن يعجب بالرءوس، ويحمدها ويصفها. وكان لا يأكل اللحم إلا يوم أضحي، أو من بقية أضحيته، أو يكون في عرس أو دعوة أو سفرة. وكان سمى الرأس عرساً، لما يجتمع فيه من الألوان الطيبة. وكان يسميه مرة الجامع، ومرة الكامل.
وكان يقول: الرأس شيء واحد. وهو ذو ألوان عجيبة، وطعوم مختلفة. وكل قدر وكل شواه فإنما هو شيء واحد. والرأس فيه الدماغ، فطعم الدماغ على حدة. وفيه العينان، وطعمهما شيء على حدة. وفيه الشحمة التي بين أصل الأذن ومؤخر العين، وطعمها على حدة. على أن هذه الشحمة خاصة أطيب من المخ، ونعم من الزبد، وأدسم من السلاء.
وفي الرأس اللسان، وطعمه شيء على حدة. وفيه الخيشوم، والغضروف الذي في الخيشوم، وطعمهما شيء على حدة. وفيه لحم الخدين، وطعمه شيء على حدة - حتى يقسم أسقاطه الباقية.
ويقول: الرأس سيد البدن: وفيه الدماغ، وهو معدن العقل، ومنه يتفرق العصب الذي فيه الحس، وبه قوام البدن. وإنما القلب باب العقل - كما أن النفس هي المدركة، والعين هي باب الألوان، والنفس هي السامعة الذائقة، وإنما الأنف والأذن بابان.
ولولا أن العقل في الرأس لما ذهب العقل من الضربة تصيبه.
وفي الرأس الحواس الخمس.
وكان ينشد قول الشاعر:
إذا ضربوا رأسي وفي الرأس أكثري * وغودر عند الملتقى ثم سائري
وكان يقول: الناس لم يقولوا: هذا رأس الأمر، وفلان رأس الكتيبة، وهو رأس القوم، وهم رؤوس الناس وخراطيمهم وأنفهم، ويستقوا من الرأس الرياسة، والرئيس، - وقد رأس القوم فلان -، إلا والرأس هو المثل، وهو المقدم.
وكان إذا فرغ من أكل الرأس عمد إلى القحف، وإلى الجبين، فوضعه بقرب بيوت النمل والذر. فإذا اجتمعت فيه أخذه فنفضه في طست فيها ماء. فلا يزال يعيد ذلك في تلك المواضع، حتى يقلع أصل النمل والذر من داره. فإذا فرغ من ذلك ألقاه في الحطب، ليوقد به سائر الحطب.
وكان إذا كان يوم الرءوس، أقعد ابنه معه على الخوان. إلا أن ذلك بعد تشرط طويل، وبعد أن يقف به على ما يريد! وكان فيما يقول له: إياك ونهم الصبيان، وشره الزراع، وأخلاق النوائح. ودع عنك خبط الملاحين والفعلة، ونهش الأعراب والمهنة. وكل ما بين يديك؛ فإنما حقك الذي وقع لك، وصار أقرب إليك.
وأعلم أنه إذا كان في الطعام شيء طريف، ولقمة كريمة، ومضغة شهية، فإنما ذلك للشيخ المعظم، والصبي المدلل. ولست واحداً منهما. فأنت قد تأتي الدعوات والولائم، وتدخل منازل الإخوان، وعهدك باللحم قريب، وإخوانك أشد قرماً إليه منك. وإنما هو رأس واحد. فلا عليك أن تتجافى عن بعض وتصيب بعضاً. وأنا بعد أكره لك الموالاة بين اللحم، فإن الله يبغض أهل البيت اللحمين.
وكان يقول: إياكم وهذه المجازر، فإن لها ضراوة، كضراوة الخمر.
وكان يقول: مدمن اللحم كمدمن الخمر.
وقال الشيخ ورأى رجلاً يأكل اللحم، فقال: لحم يأكل لحماً، أف لهذا عملاً، وذكر هرم بن قطبة اللحم، فقال: وإنه ليقتل السباع.
وقال المهلب: لحم وارد على غير قاوم، هذا الموت الأحمر.
وقال الأول: أهلك الرجال الأحمران: اللحم والخمر، وأهلك النساء الأحمران: الذهب والزعفران.
أي بني، عود نفسك الأثرة، ومجاهدة الهوى والشهوة. ولا تنهش نهش الأفاعي، ولا تخضم خضم البراذين، ولا تدم الأكل إدامة النعاج، ولا تلقم لقم الجمال، قال أبو ذر لمن بذل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخضمون ونقضم، والموعد الله.
إن الله قد فضلك. فجعلك إنساناً؛ فلا تجعل نفسك بهيمة ولا سبعاً. واحذر سرعة الكظة، وسرف البطنة. وقد قال بعض الحكماء: إذا كنت بطيناً فعد نفسك في الزمني.
وقال الأعشى: " والبطنة مما تسفه الأحلاما ".
واعلم أن الشبع داعية البشم، وأن البشم داعية السقم، وأن السقم داعية الموت. ومن مات هذه الميتة، فقد مات ميتة لئيمة. وهو قاتل نفسه، وقاتل نفسه ألوم من قاتل غيره. وأعجب، إن أردت العجب، وقد قال الله جل ذكره: ( ولا تقتلوا أنفسكم ). - وسواء قتلنا أنفسنا، أو قتل بعضنا بعضاً، كان ذلك للآية تأويلاً.
أي بني، إن القاتل والمقتول في النار. ولو سألت حذاق الأطباء لأخبروك أن عامة أهل القبور إنما ماتوا بالتخم. واعرف خطأ من قال: أكلة وموتة، وخذ بقول من قال: رب أكلة تمنع أكلات. وقد قال الحسن: يا بن آدم كل في ثلث بطنك، واشرب في ثلث بطنك، ودع الثلث للتفكر والتنفس. وقال بكر بن عبد الله المزني: ما وجدت طعم العيش حتى استبدلت الخمص بالكظة، وحتى لم ألبس من ثيابي ما يستخدمني، وحتى لم آكل إلا ما لا أغسل يدي منه.
يا بني، والله ما أدى حق الركوع، ولا وظيفة السجود ذو كظة، ولا خشع الله ذو بطنة. والصوم مصحة، والوجبات عيش الصالحين.
ثم قال: لأمر ما طالت أعمار الهند، وصحت أبدان الأعراب. لله در الحارث ابن كلدة، حين زعم أن الدواء هو الأزم، وأن الداء هو إدخال الطعام في أثر الطعام
أي بني لم صفت أذهان العرب، ولم صدقت أحساس العرب، ولم صححت أبدان الرهبان، مع طول الإقامة في الصوامع، وحتى لم تعرف النقرس، ولا وجع المفاصل، ولا الأورام، إلا لقلة الرزق من الطعام، وخفة الزاد، والتبلغ باليسير.
أي بني، إن نسيم الدنيا وروح الحياة أفضل من أن تبيت كظيظاً، وأن تكون لقصر العمر حليفاً. وكيف لا ترغب في تدبير يجمع لك صحة البدن، وذكاء الذهن، وصلاح المعى، وكثرة المال، والقرب من عيش الملائكة، أي بني، لم صار الضب أطول شيء عمراً إلا لأنه إنما يعيش بالنسيم، ولم زعم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصوم وجاء إلا ليجعل الجوع حجازاً دون الشهوات.
افهم تأدب الله؛ فإنه لم يقصد به إلا مثلك.
أي بني، قد بلغت تسعين عاماً ما نقص لي سن، ولا تحرك لي عظم، ولا انتشر لي عصب، ولا عرف دنين أذن، ولا سيلان عين، ولا سلس بول، ما لذلك علة إلا التخفيف من الزاد.
فإن كنت تحب الحياة، فهذه سبيل الحياة، وإن كنت تحب الموت، فلا يبعد الله إلا من ظلم.
هذه كانت وصيته في يوم الرءوس وحده، فلم يكن لعياله إلا التقمم ومص العظم، وكان لا يشتري الرأس إلا في زيادة الشهر، لمكان زيادة الدماغ. وكان لا يشتري إلا راس فتي، لوفارة الدماغ؛ لأن دماغ الفتي أوفر، ويكون مخه أنقص، ومخ المسن أوفر، ودماغه أنقص.
ويزعمون أن للأهلة والمحاق في الأدمغة والماء عملاً معروفاً، وبينها في الربيع والخريف فضلاً بيناً.
وتزعم الأعراب والعرب أن النطفة إذا وقعت في الرحم في أول الهلال، خرج الولد قوياً ضخماً، وإذا كان في المحاق خرج ضئيلاً شختاً.
وأنشد قول الشاعر:
لقحت في الهلال عن قبل الطهـ * ر وقـد لاح للصباح بشير
ثم نمى ولم ترضع فلـوا * ورضـاع المحج عـــيب كـــبـــير
وكان أبو عبد الرحمن يشتري ذلك الرأس من جميع رءاسي بغداد، إلا من رءاسي مسجد ابن رغبان. وكان لا يشتريه إلا يوم سبت. واختلط عليه الأمر قيما بين الشتاء والصيف. فكان مرة يشتريه في هذا الزمان، ومرة يشتريه في هذا الزمان.
وأما زهده في رءوس مسجد ابن رغبان، فإن البصريين يختارون لحم الماعز الخصي على الضأن كله. ورءوس الضأن أشحم وألحم، وأرخص رخصاً وأطيب. ورأس التيس أكثر لحماً من رأس الخصي؛ لأن الخصي من الماعز يعرق جلده، ويقل لحم رأسه. ولا يبلغ جلده، وإن كان ماعزاً، في الثمن، عشر ما يبلغ جلد التيس. ولا يكون رأسه إلا دوناً. ولذلك تخطاه إلى غيره.
وأما اختياره شراء الرءوس يوم السبت، فإن القصابين يذبحون يوم الجمعة أكثر، فتكثر الرءوس يوم السبت، على قدر الفضل فيما يذبحون؛ ولأن العوام والتجار والصناع لا يقومون إلى أكل الرءوس يوم السبت، مع قرب عهدهم بأكل اللحم يوم الجمعة؛ ولأن عامتهم قد بقيت عنده فضلة، فهي تمنعه من الشهوة؛ ولأن الناس لا يكادون يجمعون على خوان واحد بين الرءوس واللحم.وأما اختلاط التدبير عليه في فرق ما بين الشتاء والصيف، فوجه ذلك أن العلل كانت تتصور له، وتعرض له الدواعي على قدر قرمه، وحركة شهوته، صيفاً وافق ذلك أم شتاء.
فإن اشتراه في الصيف، فلأن اللحم في الصيف ارخص. والرءوس تابعة للحم؛ ولأن الناس في الشتاء لها آكل، وهم لها في القيظ أترك. فكان يختار الرخص على حسن الموقع.
فإذا قويت دواعيها في الشتاء قال: راس واحد شتوي كرأسين صيفيين، لأن المعلوفة غير الراعية. وما أكل الكسب في الحبس موثقاً، غير ما أكل الحشيش في الصحراء مطلقاً.
وكان على ثقة أنه سيأتي عليه في الشتاء، مع صحته وبدنه، وفي شك من استبقائه في الصيف. ولنقصان شهوات الناس للرءوس في الصيف، كان يخاف جريرة تلك البقية، وجناية تلك الفضلة، وكان يقول: إن أكلتها بعد الشبع لم آمن العطب، وإن تركتها لهم في الصيف ولم يعرفوا العلة، طلبوا ذلك مني في الشتاء.
حثني المكي قال: كنت يوماً عند العنبري، إذ جاءت جارية أمه ومعها كوز فارغ. فقالت: قالت أمك: بلغني أن عندك مزملة، ويومنا يوم حار. فابعث إلي بشربة منها في هذا الكوز.
قال: كذبت، أمي اعقل من أن تبعث بكوز فارغ، ونرده ملآن، اذهبي فاملئيه من ماء حبكم، وفرغيه في حبنا. ثم املئيه من ماء مزملتنا، حتى يعود شيء بشيء
قال المكي: فإذا هو يريد أن تدفع جوهراً بجوهر، وعرضاً بعرض، حتى لا تربح أمه إلا صرف ما بين العرضين، الذي هو البرد والحر. فأما عدد الجواهر والأعراض فمثلاً بمثل.
وقال المكي: دخلت عليه يوماً، وإذا عنده جلة تمر، وإذا ظئره جالسة قبالته. فلما أكل تمرة رمى بنواتها إليها، فأخذتها فمصتها ساعة ثم عزلتها.
فقلت للمكي: أكان يدع على النواة من جسم التمر شيئاً? قال: والله لقد رأيتها لاكت نواة مرة بعد أن مصتها، فصاح بها صيحة لو كانت قتلت قتيلاً ما كان عنده أكثر من ذلك وما كانت إلا في أن تناول الأعراض، وتسلم إليه الجوهر. وكانت تأخذ حلاوة النواة، وتودعها ندوة الريق.
قال الخليل: كان أبو قطبة يستغل ثلاثة آلاف دينار. وكان من البخل يؤخر تنقية بالوعته إلى يوم المطر الشديد، وسيل المثاعب، ليكتري رجلاً واحداً فقط، يخرج ما فيها ويصبه في الطريق، فيجترفه السيل، ويؤديه إلى القناة، وكان بين موضع بئره والصب قدر مائتي ذراع. فكان لمكان زيادة درهمين، يحتمل الانتظار شهراً أو شهرين، وإن هو جرى في الطريق، وأوذي به الناس، وقال: ونظر يوماً إلى الكساحين، وهو معنا جالس في رجال من قريش، وهم يخرجون ما في بالوعته، ويرمون به في الطريق، وسيل المثاعب يحتمله، فقال: أليس البط والجداء والدجاج والفراخ والدراج، وخبز الشعير والصحناء والكراث والجواف جميعاً، يصير إلى ما ترون، فلم يغالي بشيء بصير هو والرخيص في معنى واحد، قال: وهم ثلاثة إخوة: أبو قطبة والطيل وبابي، من ولد عتاب بن أسيد - واحد منهم كان يحتج عن حمزة، ويقول: استشهد قبل أن يحج. والآخر كان يضحي عن أبي بكر وعمر، ويقول: أخطأ السنة في ترك الضحية. وكان الآخر يفطر عن عائشة أيام التشريق، ويقول: غلطت - رحمها الله - في صومها أيام العيد. فمن صام عن أبيه وأمه، فأنا أفطر عن عائشة.
حدثتني امرأة تعرف الأمور، قالت: كان في الحي مأتم اجتمع فيه عجائز من عجائز الحي. فلما رأين أن أهل المأتم قد أقمن المناحة، اعتزلن وتحدثن. فبينا هن في حديثهن، إذ ذكرن بر الأبناء بالأمهات، وإنفاقهم عليهن. وذكرت كل واحدة منهن ما يوليها ابنها.
فقالت واحدة منهن، وأم فيلويه ساكتة - وكانت امرأة صالحة، وابنها يظهر النسك، ويدين بالبخل، وله حانوت في مقبرة بني حصين، يبيع فيها الأسقاط. - قالت: فأقبلت على أم فيلويه قلت لها: ما لك لا تحدثين معنا عن ابنك كما يتحدثن، وكيف صنع فيلويه فيما بينك وبينه، قالت: كان يجري علي في كل أضحى درهماً، فقالت: وقد قطعه أيضاً، قالت: ما كان يجري علي إلا ذاك. ولقد ربما أدخل أضحى، فقالت: فقلت: يا أم فيلويه، وكيف يدخل أضحى في أضحى، قد يقول الناس: إن فلاناً أدخل شهراً في شهر، ويوماً في يوم. فأما أضحى في أضحى، فهذا لا يشركه فيه أحد.

مختصر: كتاب البخلاء للجاحظ