الفن الأول [ تابع المقالة الخامسة : أمراض دماغية ]

    شاطر

    الادارة.

    عدد المساهمات : 85
    تاريخ التسجيل : 19/02/2015

    الفن الأول [ تابع المقالة الخامسة : أمراض دماغية ]

    مُساهمة من طرف الادارة. في الإثنين أغسطس 10, 2015 1:07 pm


    بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
    القانون فى الطب لإبن سينا
    الكتاب الثالث : الأمراض الجزئية
    الفن الأول: أمراض الرأس والدماغ
    تابع المقالة الخامسة : أمراض دماغية
    آفاتها في أفعال الحركة الإرادية قوية

    ● [ فصل في الصَرَع ] ●

    الصرع علة تمنع الأعضاء النفسية عن أفعال الحسّ والحركة والانتصاب منعاً غير تام، وذلك لسدة تقع، وكثره لتشتج كلي يعرض من آفة تصيب البطن المقدم من الدماغ، فتحدث سمة غير كاملة، فيمنع نفوذ قوة الحس والحركة فيه، وفي الأعضاء نفوذاً تاماً من غير انقطاع بالكلية، ويمنع عن التمكّن من القيام، ولا يمكن الإنسان أن يبقى معه منتصب القامة، لأن كلّ تشنّج كما نبينه، فإما عن امتلاء، وإما عن يبس، وإما عن قبض بسبب مؤذٍ ، وكذلك الصرع، لكنه لا يكون عن اليبوسة، لأن الصرع يكون دفعة، والتشنج اليابس لا يكون دفعة، ولأن الدماغ لا يبلغ الأمر من يبسه أن يتشنّج له، أو يعطب البدن قبله، فيبقى أن سببه، إما بقبض الدماغ لدفع شيء مؤذٍ هو، إما بخار، وإما كيفية لاذعة، أو رطوبة رديئة الجوهر، وإما خلط يحدث سدة غير كاملة في بطن الدماغ، أو أصول منابت العصب. وقد يكون ذلك من الخلط لحركة موجية تقع في الخلط، أو لغليان من حرارة مفرطة فيما يقع من السدة، لا تنفذ قوة الحس والحركة نفوذه الطبيعي، وبما لا تتم ينفذ منه شيء بمقدار ما، فلا يعدم الأعضاء قوة الحسّ وقوة الحركة بالتمام وإما لريح غليظة تحتبس في منافذ الروح على ما يراه الفيلسوف الأكبر أرسطاطاليس ويراه أحد أسباب الصرع، وإذا كان هناك خلط ساد، فإن الدماغ مع ذلك أيضاً ينقبض لدفع المؤذي، مثل ما يعرض للمعدة من الفواق والتهوع، ومثل ما يعرض من الاختلاج إذ كان التقبّض والانعصار أصلاً في دفع الأعضاء ما تدفعه، وإذا تقبض الدماغ اختلفت حركاته، وتبعه تقبض العصب في الوجه وغيره، واختلاف حركاته.
    وأما الإفاقة، فإما أن تقع لاندفاع الخلط أو لتحلل الريح، أو لاندفاع المؤذي، وأما التشنج النازل إلى الأعضاء الذي يصحب الصرع فسببه أن المادة التي تغشي الدماغ، أو الأذى الذي يلحقه يلحق العصب أيضاً، فتكون حالها حاله، وذلك لعلل ثلاث اتباعها لجوهر الدماغ، وتأذّيها بما يتأذى به، وامتلأوها من الخلط المندفع إليها في مباديها ليزداد عرضُها وينقص طولُها، وإنما كان الصرع يجري مجرى التشنّج ليس مجرى الاسترخاء، فيفعل انقباضاً من الدماغ ويقصلها، ولا يفعل استرخاء وانبساطاً، لأن الدماغ يحاول في ذلك دفع شيء عن نفسه.
    والدفع إنما يتأتى بالانقباض والانعصار، وكل تشنج مادي، فإنه ينتفع بالحمى والصرع تشنج مادي، فهو ينتفع بالحمى والأورام إذا ظهرت به، فربما حلّته ونقصت مادته. وكثيراً ما ينتقل المالنخوليا إلى الصرع، وكثيراً ما ينتقل الصرع إلى المالنخوليا. وقد ظن بعض الناس أنه قد يكون من الصرع ما ليس عن مادة، فإن عنى بهذا أن السبب فيه بخاراً، وكيفية تضرّ بالدماغ، فيفعل فيه التقلص المذكور، فلقوله معنى، وإن عنى أن سبب ذلك هو نفس المزاج الساذج إذا كان في الدماغ فيفعل الصرع، فذلك ما لا وجه له، لأن تلك الكيفية إذا كانت قد تكيف بها الدماغ، وجب أن يكون الصرع ملازماً إياها، ولا يكون مما يزول في الحال، بل سبب الصرع هو مما يكون دفعة ويزول في الحال، أو يغلب فيقتل. ومثل ذلك لا يكون كيفية حاصلة في نفس الدماغ، بل مادة وكيفية تتأدّى إليه وتنقطع، وذلك من عضو آخر لا محالة، والذي يعرض في الصرع لاضطراب حركة النفس لاختناقه، وذلك الاضطراب لاضطراب التشنج، ويعرض في السكتة للاختناق ولاستكراء التنفس، فكان الصرع تشنج يخص أولاً الدماغ، والتشنّج صرع يخص أولاً عضواً ما، وكأن حركة العطاس حركة صَرَع خفيف، وكأن الصرع عطاس كبير قوي، إلا أن أكثر دافع العطاس إلى جهة المقدّم لقوّة القوّة، وضعف المادة، ودفع الصرع إلى أي وجه كان أمكن وأسهل. ويجب أن يحصل مما قيل: إن الصرع إذا كان في الدماغ نفسه، فالسبب فيه مادة لا محالة تفعل ريحاً محتبسة في مجاري الحس والحركة، أو تملأ البطنين المقدّمين بعض الملء، وهذه المادة، إما دم غالب وكثير، وإما بلغم، وإما سوداء، وإما صفراء، وهو قليل جداً، وبعده في القلّة الدم الساذج.
    وأما الدم الذي يضرب مزاج السوداء والبلغم، فقد يكثر كونه سبباً لكن السبب الأكثر هو الرطوبة مجردة، أو إلى السوداء، فإن أغلب ما يعرض الصرع يغلب عن بلغم، وقد قال بقراط: إن أكثر الغنم التي تصرع إذا شرح عن أدمغتها وجد فيها رطوبة رديئة منتنة، وكل سبب للصرع دماغي، فإنه يستند إلى ضعف الهضم فيه فلا يخلو، إما أن يكون في جوهر الدماغ ومخّيته، وهو أردأ، وإما أن يكون في أغشيته، وهو أخف. والصرع السوداوي القوي أردأ، وإن كان البلغمي أكثر، فإن السوداوي أسد لمنافذ الروح، والمخصوص عند بعضهم باسم أم الصبيان قاتل جداً، وإذا اتصلت نوائب الصرع قَتلَ.
    وأما الصرع الذي يكون سببه في عضو آخر فذلك، إما بأن يرتفع منه إلى الدماغ بخارات ورياح مؤذية بالكمّية حتى يجتمع منها على سبيل التصعيد، ثم يتكاثف بعده مادة ذات قوام تفعل بقوامها، أو بما يتكون منها من ريح، وإما أن يرتفع إليه بخار، أو ريح مؤذ، لا لكمية، بل بالكيفية، إما بالإجماد، وإمّا بالإحراق، وإما بالسمية ورداءة الجوهر، وإما أن ترتفع إليه كيفية ساذجة فقط، وإمّا أن يرتفع إليه ما يؤذي من الوجهين. وأما العضو الذي يرتفع منه إلى الدماغ بخارات تصرع بكثرتها، فهو، إما جميع البدن، وإما المعدة، وإما الطحال، وإما المراق. ويقع ذلك أيضاً في سائر الأعضاء.
    وأما المؤذي ببخار رديء الجوهر والكيفية، فهو في جميع البدن أيضاً، حتى إصبع الرجل واليد، ويكون سبب ذلك احتباس دم أو خلط في منفذ قد عرضت له سدة، فتنقطع عنه الحرارة الغريزية فيموت فيه، ويعفن، ويستحيل إلى كيفية رديئة، وينبعث منه على الأدوار، أولاً على الأدوار مادة بخارية، أو كيفية سمّية، أو يكون وقع عليها بعض السموم، فأثرت في العصب كما يؤثّر لسع العقرب على العصب، فتندفع سميته بوساطة العصب إلى الدماغ، فيؤذّيه، فينقبض منه ويتشنّج وتضطرب حركاته، كما يصيب المعدة عند تناول ما له لذع على الخلاء، مثل الفواق، وعند كون فم المعدة قوي الحس.
    والفواق نوع من التشنّج، وإذا عرض للدماغ من مثل هذا السبب تشنج وانقباض، فإنه حينئذ يتبعه انقباض جميع العصب وتشنجه. وحكى جالينوس عن نفسه أنه كان يصيبه الفواق عند تناوله الفلافلي، ثم الشرب للشراب بعلى لتأذّي فم المعدة بالحدّة. وقد شاهدنا قريباً من ذلك لغيره، وقد حكى جالينوس وغيره، وشاهدنا نحن أيضاً بعده أنّ كثيراً ما كان يحس المصروع بشيء يرتفع من إبهام رجله لريح باردة، ويأخذ نحو دماغه فإذا وصل إلى قلبه ودماغه صرع. قال جالينوس: وكان إذا ربط ساقه برباط قوي قبل النوبة امتنع ذلك، أو خف. وقد شاهدنا نحن من هذا الباب أموراً عجيبة، وقد كُوي بعضهم على إبهامه، وبعضهم على إصبع آخر، كان البخار من جهته فبرأ. ومن هذا الباب، الصرع الذي يعرض بسبب الديدان، أو حب القرع، وضرب من الصرع مركّب بالغشي يكاد الأطباء يخرجونه من باب الصرع، وهو فيه، وضرب منه ومن قبيله يسمى اختناق الرحم، وهو أن المرأة إذا عرض لها أن احتبس طمثها لا في وقته فاحتقن، أو احتبس منيها لترك الجماع، استحال ذلك في رحمها إلى كيفية سمّية، وكان له حركات وتبخيرات، إما بأدوار، وإما لا بأدوار، فيعرض أن يرتفع بخارها إلى القلب والدماغ فتصرع المرأة، وكذلك قد يتفق للرجل أن يجتمع في أوعية المنيّ منه كثير ويتراكم ويبرد ويستحيل إلى كيفية سمية، فيصيبه مثل ذلك.
    كذلك يتفق للمرأة صرع في الحمل، فإذا وضعت واستفرغت المادة الرديئة الطمثية زال ذلك. وقد حكى لنا صرع يبتدئ من الفقار، وصرع يبتدئ من الكتف وغير ذلك، وأما أن يكون من المعدة، ومن المراق وبسبب تخم تورث سدداً في العروق، فلا تقبل الغذاء المحمود، ويفسد فيها الخلط، أو يبقى فيها الغذاء المحمود مختنقاً للسدد، فيفسد، وكثيراً ما يتراجع إلى المعدة فاسداً، فيفسد الغذاء الجديد المحمود الكيموس، وكثيراً ما يعرض بسبب ذلك القيء للطعام غير منهضم، وعلى كل حال كان الصرع بشركة أو بغير شركة، فإنّ مبدأ الصرع القريب، هو الدماغ، أو البطن المقدّم منه، والبطون الأُخر معه، لأن أول آفة يعتد بها تقع في حسّ البصر، والسمع، وفي حركات عضل الوجه والجفن، وإن كان سائر الحواس والأعضاء المتحركة تشترك في الآفة، ولولا المشاركة في الآفة لسائر البطون لما بطل الفهم، ولما تضرروا في التنفس. والصرع في أكثر الأمر يتقدمه التشنج ثم يكون من بعده الصرع، وذلك لأنه إذا استحكم التشنّج كان الصرع، فإذا اندفع السبب المؤذي أو تحلل الريح عادت الأفعال الحسّية والحركيّة، وربما ظهر الخلط المندفع معاينة في المنخر وفي الحلق. وكثيراً ما يكون الصرع بلا تشنّج محسوس، وذلك لأنّ المادة الفاعلة له تكون رقيقة وتفعل بالامتلاء لا بالرداءة الشديدة.
    والصرع يصيب الصبيان كثيراً بسبب رطوباتهم، فربما ظهر بهم أول ما يولدون، وقد يكون بعد الترعرع، فإن أصيب في تدبيرهم زال وإلا بقي، ويجب أن يجتهد أن يزال عنهم ذلك قبل الإنبات. وأبعد الصبيان من ذلك من يعرض له في ناحية رأسه قروح وأورام، ويكون سائل المنخرين. وللدماغ رطوبة في أصل الخلقة من حقها أن تنبثق، فربما تنبثق في الرحم، وربما انبثقت بعد الولادة، فإن لم تنبثق لم يكن بد من صرع. وأكثر الصرع الذي يصيب الصبيان، فإنه قد يخفّ علاجه ويزول بالبلوغ إذا لم يعنه سوء التدبير وترك العلاج.
    والصرع قد يصيب الشبان، فإنّ كثر بعد خمس وعشرين سنة لعلّة في الدماغ، وخاصة في جوهره، كان لازماً، ولا يفارق ويكون غاية فعل العلاج فيهم تخفيف من عاديته وأبطأ بنوائبه. وقد قال بقراط: إن الصرع يبقى بهم إلى أن يموتوا،
    وأما المشايخ، فقلما يصيبهم الصرع السددي، وقد يعين الأسباب المحركة للصرع أسباب من خارج، مثل التغذي في المطعم والمشرب والتخم، ومثل التعرّض الكثير لشمس، مما يجذب من المواد إلى الرأس، وذلك لما يمنع من انتشار المواد في جهتي البدن، فيحركها إلى فوق. والجماع الكثير من أسبابه، ومن أسبابه التنغم والسكون وقلة الرياضة، ومن أسبابه الرياضة على الامتلاء كما تتحرك لها الأخلاط إلى تحلّل غير تام، وتملأ التجاويف، ومن أسبابه ما يضعف القلب من خوف، أو وقع هدة وصيحة بغتة. ومن أسبابه الصوم لصاحب المعدة الضعيفة وشرب الشراب الصرف أيضاً لما يؤذي المعدة، وهذه أسباب بعيدة توجب الأسباب القريبة. ونحن نجعل لهذه الأسباب باباً مفرداً،
    وقيل: إن المصروع إذا لبس مسلاخ عنز كما سلخ، وشرع في الماء صرع، وكذلك إذا دخن بقرن الماعز والمر والحاشا، وكثيراً ما ينحل الصرع بحميات يقاسيها صاحبه، وخصوصاً ما طال، والربع خاصة لشدة طوله ولإنضاجه المادة السوداوية حتى ينحلّ والنافض القوي، فإن النفض يزعج ما تلحج بالدماغ من الفضول، والعرق الذي يتبع النافض ينفضه. وكما أن السكتة تنحلّ إلى فالج، فكذلك كثير من الصرع ينحل إلى فالج، وقد زعم بعضهم أن البلغمي يصحبه ارتعاش واضطراب، لأن البلغم لا يبلغ من كثافته أن يسد المجاري سداً تاماً وأما السوداوي، فقد يسد سداً تاماً، فيعرض منه قلة الاضطراب وزعم بعضهم أن الذي يكثر معه الاضطراب، فبالحري أن يكون سببه الخلط الأقل مقداراً والأقل نفاذاً في المجاري، فجعل الأمر بالعكس، ولا شيء من القولين بمقطوع به.
    قال روفس: إذا ظهر البرص بنواحي الرأس من المصروع دلّ على انحلال مادة الصرع، وعلى البرء، وكثيراً ما ينحل الصرع إلى فالج ومالنخوليا.
    المهيئون للصرع
    يعرض الصرع للمرطوبين بأسنانهم، كالصبيان والأطفال والمرطوبين بتدبيرهم، كأصحاب التخم، والذين يسكنون بلاداً جنوبية الريح، لأنها تملأ الرأس رطوبة. والصرع للنساء والصبيان وكل من هو قليل الدم ضيق العروق أقلّ.
    العلامات
    يقولون: إن العلامات المشتركة لأكثر أصناف المصروعين، ضفرة ألسنتهم، وخضرة العروق التي تحتها، وكثيراً ما يتقدمه تغيّر من البدن عن مزاجه، وثقل في الرأس، خصوصاً إذا غضب، أو حدث به نفخ في البطن، ويتقدّمه ضعف في حركة اللسان، وأحلام رديئة، ونسيان، أو فزع وخوف وجبن، وحديث النفس، وضيق الصدر، وغضب وحدة، وليس كل صنف منه يقبل العلاج، والمؤذي منه هو الذي يتقدّمه هزّ شديد واضطراب كثير قوي، ثم يتبع سكون شديد مديد، وازدياد، وضرر في التنفس، فيدلّ على كثرة مادة، وضعف قوة، فإذا أردت أن تعلم أن العلة في الرأس، أو في الأعضاء الأخرى، فتأمل هل يجد دائماً ثقلاً في الرأس، ودواراً وظلمة في العين وثقلاً في اللسان والحواس، واضطراباً في حركاته،وصفرة في الوجه. فإذا وجدت ذلك مع اختلاط في العقل، ونسيان دائم، أو بلادة، أو رعونة، ولم يكن يقل وينقص على الخلاء، وربما يحدث من لين الطبيعة، بالمستفرغات، فاحكم أن العلة من الدماغ وحده، ثم إن لم تجد في الأعضاء العصبية، وفي الطحال والكبد، ولا في شيء من الأطراف والمفاصل آفة، ولا أحس العليل بشيء يصعد إلى رأسه ودماغه من موضع، صح عندك أن الآفة في الدماغ. وعلامة الصرع السهل أن تكون الأعراض أسلم، وأن يكون صاحبه يثوب إليه العقل بسرعة فيخجل كما يفيق، وأن تسرع إليه إفاقته بالعطوسات والشمومات، وبما يحرك القيء مما يدخل في الحلق، قاء به، أو لم يقئ. وعلامة الصعب منه، عسر النفس، وطول الاضطراب، ثم طول الخمود بعده، وقلّة إفاقة بالتشميم والتعطيس، ودون هذا ما يطول فيه الاضطراب، ولا يطول الخمود، أو يطول فيه الخمود، ويقل الاضطراب. فعلامة ما كان سببه من ريح غليظة تتولّد فيه أن لا يجد معه وقريباً منه ثقلاً، بل يجد دويّاً وتمدداً، ولا يكون تشنّجه شديداً. وعلامة ما كان منه سببه البلغم، فأن يكون الريق حاراً زبدياً غليظاً كثيراً، ويكون في البول شيء كالزجاج الذائب، ويكثر فيه الجبن والفزع والكسل والثقل والنسيان. وقد يتعرف من القيء أيضاً، ومن لون الزبد، وأيضاً من لون الدم. وقد يتعرف من السن والبلد والأسباب الماضية من الأغذية والتدابير، وبما يدل عليه السكون والدعة ولون الوجه والعين وسائر ما علمته في القانون، فإن كان البلغم مع ذلك فخاً بارداً، كان النسيان والبلادة وثقل الرأس والبدن والسبات أكثر، ويكون الصرع أشد إرخاء وإضعافاً. وهذا النوع رديء جداً.
    وأما الكائن عن البلغم المالح، فيكون السبات فيه أقل، وبرد الدماغ أخف، والحركات أسلم. وأما علامة ما كان سببه السوداء فقيء السوداء، أما الشبيه بالدم الأسود، وأما الجريف المحترق، وأما الحامض الذي تغلي منه الأرض، ويكون طباع صاحبه مائلاً إلى الاختلاط في ذهنه، وإلى حالة المالنخوليا، ولا يصفو عقله عند الأفواق. ويستدلّ على السوداء أيضاً من لون الوجه، والعين، ومن جفاف المنخر واللسان، والتدابير المولّدة للسوداء، فإن كان السوداء عكر دم طبيعي، كان الصرع مع استرخاء، وقلّة كلام، ومع سكون، ويكون صاحبه صاحب أفكار ساكنة هادئة. فإن كان السوداء من جنس الصفراء المحترق، وهو الحريف، فإن اختلاطه يكون جنونياً ومع كثرة كلام وصياح، ويكون صرعه مضطرباً وخفيف الزوال، وربما كان مع حمى، ولا سيما إذا كان سوداؤه رقيقاً.
    وإن كان عن دم سوداء دموي، كان أحواله مع ضحك، وأنت تقدر على أن تتعرف جوهر السوداء من القيء، هل هو شبيه بثقل الدم، فهو سوداء طبيعي، أو شبيه بثقل النبيذ، فهو سوداء محترق، أو خشن فهو عفص يخشن الحلق ويدل على غاية برده ويبسه، أو حامض رقيق مع رغوة، فهو يغلي على الأرض، أو غليظ لا رغوة له.
    وأما علامة مما يكون سببه الدم، فإنا فقول: أن الدم إن فعل الصرع بالغليان والحركة دون الكمية، لم يظهر له كثير فعل في اللون والأوداج، ولا حال كالاختناق في أوقات قبل الصرع، ولكن يظهر منه ثقل وبلادة واسترخاء وكثرة ريق ومخاط، كما يظهر من البلغم، ولكن مع حرارة وحمرة في العين، وبخار على الرأس دموي، فإن فعل بالكمية كان مع العلامات درور في الأوداج وتقدم حال، كالاختناق. وعلامة ما كان من الصرع بسبب مادة صفراوية، وذلك في الأقل، هو أن يكون التأذي والكرب عنه أشد، والتشنّج معه أقل، ومدته أقصر، ولكن الحركات تكون فيه أشد اضطراباً، ويدل عليه القيء والالتهاب، وشدة اختلاط العقل، وصفرة اللون والعين. وأما ما كان سببه من المعدة، فعلامته اختلاج في فم المعدة، لاسيما عند تأخر الغذاء، ورعدة وارتعاش، واهتزاز عند الصرع، وصياح، وخصوصاً في ابتداء الأخذ، ويكون معه انطلاق وبراز، ودرور بول وإمذاء وإمناء وخفقان وصداع شديد. وخفة الصرع أو زواله باستعمال القيء، وأحوال تدل على فساد المعدة وزيادة من الصرع ونقصان بحسب تلطخ المعدة ونقائها، وربما يقتل هذا بتواتر الأدوار، فمن ذلك أن يفعل الخلط الذي فيها بكثرته وكثرة بخاراته. وهذا هو الخلط البلغمي في الأكثر، وربما خالطه غيره، فعلاماته أن يعرض الصرع في أوقات الامتلاء والتخمة، ويخف عند الخواء وعند قوة استطلاق الطبيعة بالطعام، ويكون على ترادف من التخم، فإن كان مع ذلك مخالط المادة صفراوية، وجد عطشاً ولهيباً ولذعاً واحتراقاً.
    وإن كان بعد ذلك سوداء، كثرت شهوته في أكثر الأحوال، وأحس بطعم حامض، وتولد منه الفكر والوسواس، على أن الدلائل البلغمية تكون أغلب، ومن ذلك أن يفعل الخلط الذي فيه براءته لا بكثرته، فعلامته أن يعرض الصرع في أوقات الخواء، ومصادفة المادة فم المعدة خالياً وانقطاع الصرع مع الغذاء الموافق والمحمود، فإن كان الخلط حاداً من جنس الصفراء، عرفته بالدلائل التي ذكرناها. وإن كان من المراق، فعلامته جشاء حامض نفخ وقراقر موجعة بطيئة السكون والتهاب في المراق، وربما هاج معه وجع بين الكتفين بعد تناول الطعام بيسير لا يسكن إلا عند هضمه، ثم يعود بعد تناول الطعام.
    وإذا عرض على الخلاء، فإنما يعرض مع صلابة ويبطل تلين الطبيعة، وخاصة إن كان يجد تمدداً في المراق إلى فوق ورعدة، ويعرض لهؤلاء في الطعام الغير المنهضم لما بيناه من تراجع غذائهم لفساد وانسداج مسالكه، فمن ذلك ما يكون بخار المراق الفاعل للصرع صفراوياً يعرف ذلك بالالتهاب الحادث، ومن اللون واختلاط العقل المائل إلى الضجر وإلى التعنت، ومن ذلك ما يكون بخاره سوداوياً يحدث معه شعبة من المالنخوليا، وجبن وحديث نفس وخوف لظلمة المادة، ويعرض منه حب الموت أو بغض له وخوف سائر ما قبل في المالنخوليا. وأما ما كان سببه ومبؤه من الكبد أو من جميع البدن، فيدل على اللون والشعر يبوسة الجلد وقحله، أو رهله وسمنه وهزاله وكثرة تنديه ببخار الدم، ويدل على النبض والبول وحال الأغذية المتقدمة، والتدبير السالف، ويدل عليه على احتباس ما كان يستفرغ من المقعدة والرحم والعرق وغير ذلك، فإن كان دموياً إلى الاحتراق، رأيت حمرة لون وموجية عرق وضحكاً عند الوقوع، وإن كان صفراوياً أو بلغمياً وسوداوياً، عرفته بعلاماته المذكورة، وأما ما كان سببه الرحم فيكون لا محالة مع احتباس طمث، أو مني، أو رطوبات تنصب إلى الرحم، ويتقدمه وجع في العانة والاربتين ونواحي الظهر، وثقل في الرحم.
    وأما ما كان سببه الطحال، فيعرف ذلك بأن العلة سوداوية، ويحس الوجع في جانب الطحال، ويكون مع نفخة الطحال أو صلابته، ومع قراقر في جانبه، ومع مشاركة البدن له في أكثر الأمر. وأما ما كان من مادة سمية تطلع من بعض الأعضاء بواسطة العصب، فإما أن يكون مبدؤه من خارج، وعلامة ذلك ظاهرة مثل لسع عقرب أو رتيلاء، أو زنبور إذا وقع شيء من هذا اللسع على العصب، وإما أن يكون من داخل فيحس بارتفاع بخار منه إلى الرأس يظلم له البصر، فيسقط وذلك العضو وإما الرجل وإما اليد وإما الظهر، وإما العانة، وإما شيء من الأحشاء كالمعدة أو الرحم. وأما علامة ما يكون من الديدان، فسيلان اللعاب، وسقوط الديدان، وحب القرع.
    في الأسباب المحركة للصرع
    من الأسباب المحركة للصرع، الانتقال إلى هواء معين للصرع كما أن من الأسباب المزيلة له، الانتقال إلى هواء معين عليه، وكل حر مفرط شمسي، أو ناري، وكل برد والجماع الكثير. والصرع قد يثيره كثرة الأمطار وريحا الشمال والجنوب معاً. أما الشمال والبلاد الشمالية، فلحقنه المواد ومنعه التحلل. وأما الجنوب والبلاد الجنوبية، فلتحريكه الأخلاط، وملئه الدماغ وترقيقه إياها وتثويره لها، ويهيج في الشتاء كثيراً، كما يهيج في الشمال وفي الخريف لفساد الأخلاط، ويقل في البلاد الشمالية، لكنه يكون قاتلاً لأنه لولا سبب قوي لم يعرض. والروائح الطيبة وغير الطيبة ربما حركته، والحركة ومطالعة الحركات السريعة والدائرة، والاطلاع من الاشراف، وطول اللبث في الحمام، والحمام قبل الهضم، وصب الماء الحار على الرأس، وتناول ما يولد دماً بخارياً عكراً، أو مظلماً مثل الشراب العكر. والعتيق أيضاً يضره، والذي لم يصفّ من الحديث ولم يتروق، والصرف الناكي في الدماغ، والكرفس خاصة بخاصية فيه، والعدس لتوليده دماً سوداوياً، اللهم إلا أنه يخلط بكشك الشعير والباقلا أيضاً، والثوم لملئه الرأس بخاراً، والبصل كذلك، ولأن جوهره يستحيل رطوبة رديئة واللبن أيضاً، والحلاوى وكثرة الدسم في الطعام كل غليظ ونفّاخ وقباض وبارد، وكل حادّ حريف، والهيضة أيضاً مما يحرّك الصرع لتثويرها الأخلاط وتحريكه إياها، والتخمة وسوء الهضم والسهر والآلام النفسانية القوية، من الغمّ والغضب والخوف والانفعالات الحسية القوية، من سماع أصوات عظيمة مثل الرعد وضرب الطبول وزئير الأسد، والأصوات الصلاّلة مثل صوت الجلاجل والصرّارة مثل صريف الناب الحاد، وكذلك من إبصار أنوار باهرة مثل البرق الخاطف للبصر ونور عين الشمس، ومن ملامسة حركات قوية كحركات الرياح العاصفة. وقد يهيج الصرع من الرياضة على الامتلاء، أريد بها التحليل أو لم يرد.
    في الأدوية الصارعة
    وقد ذكرنا الأدوية التي تصرع، وتكشف عن المصروع في جداول أمراض الرأس بعلامة، مثل التبخير بالقنّة، والمر، وقرون الماعز، وأكل كبد التيس، وشمّ رائحته، وكذلك إذا جعل المرّ في أنفه.
    المعالجات
    أما صرع الصبيان، فيجب أن يعالج بأن يصلح غذاء المرضعة، ويجعل مائلاً إلى حرارة لطيفة مع جودة كيموس، وتجتنب المرضعة كل ما يولِّد لبناً مائياً، أو فاسداً أو غليظاً، وتمنع الجماع والحبل، ويجب أن يجنب هذا الصبي كل شيء فيه مغافصة ذعر، أو إزعاج مثل الأصوات العظيمة، والجشّ كصوت الطبل والبوق والرعد والجلاجل وصياح الصائحين، وأن يجنب السهر والغضب والخوف والبرد الشديد والحرّ الشديد وسوء الهضم، وأن يكلّف الرياضة قبل الطعام برفق، ويحرم عليه الحركة بعد الطعام، فإن احتمل استفراغاً بالأدوية المستفرغة للبلغم رقيقاً فعل ذلك. وينفعهم أن يقيئوا أحياناً بماء العسل وأن يسقوا الجلنجبين السكري والعسلي، ويشمموا السذاب وسائر الملطّفات فإن التشميم بالشمومات التي نذكرها، ربما كفى الخطاب فيهم، ثم يعم المصروعينكلهم، أن يستعملوا الأغذية المحمودة التي لها ترطيب محمود غير مفرط، وليحترزوا من الامتلاء، وليحذروا سوء الهضم، وذلك بأن يكفوا ولا يبلغوا تمام الشبع، ومن لم تجر عادته بالوجبة، قسّم غذاءه الذي هو دون شبعه ثلاثة أقسام، فيتناول ثلثة غداء، وثلثيه عشاء بعد رياضة لطيفة، ولا يستكثروا من الخمر، فإنها شديدة الملء للدماغ، ثم إن لم يكن بدّ من أن يستعملوا من الشراب شيئاً، فقليل عتيق مروّق، إلى العفوصة. وأضرّ الأشياء بهم الشرب عقيب الاستحمام، وأيضاً البرد المغافص، بل يجب أن يوقوا الرأس ملاقاة كل حرّ مفرط، أو برد مفرط، ولا يبطئوا في الحمّام، وعلى المصروع أن يجتنب اللحوم الغليظة كلها، والقوية الغذاء، والسمك كله، بل لحوم جميع ذوات الأربع الكبار، ويقتصر على الفراريج، والدراريج، والطياهيج، والعصافير الأهلية والجبلية، والقنابر، والشفانين، والجداء والغزلان، والأرانب. وقد قيل أن لحم الخنزير البري شديد النفع له، وقد يمدح لهم لحوم الماعز لما فيها من التجفيف وقلة الترطيب، كما تكره لهم الحلاوات والدسومات ونحوها، ويجتنب البقول كلها، وخصوصاً الكرفس، فإن له خاصية في تحريك الصرع، فإن كان ولا بدّ، فليستعمل الشاهترج والهندبا، وقد رخص لهم في الخس وأنا لا أحمده لهم كثير حمد، وكذلك رخص لهم في الكزبرة لمنعها البخار من الرأس، وأنا أكرهها، واستكثارها لهم إلا في الدموي والصفراوي.
    وأما السلق المسلوق في الماء، ثم المصلح بالزيت والمري وما يجري مجراه، فإن قدم تناوله على الغذاء لتليين الطبيعة جاز، والسذاب من جملة البقول نافع برائحته شممّاً، وإذا وقع الشبث والسذاب في طعامهم كان نافعاً. ويجب أن يجتنبوا الفواكه الرطبة كلها وجميع الفواكه الغليظة، إلا بعض القوابض على الطعام بقدر خفيف يسير جداً ليشدّ فم المعدة، ويحدر الغذاء، ويلين الطبيعة، ويمنع البخار.
    ويجب أن يجتنب جميع الأغذية الثقيلة الجارية مجرى اللفت، والفجل، والكرنب، والجزر. ويجب أيضاً أن يجتنبوا كل حريف مبخر. والخردل من جملة ما يؤذيهم بتبخيره، وإرساله الفضول إليه، وتوجيهه إياها نحوه، وبقرعه الدماغ لحرافته، ويجتنبوا السكر، ومهاب الرياح، والامتلاء، ويجتنبوا الاغتسال بالماء أصلاً.
    أما الحار فلما فيه من الإرخاء، وأما البارد فبما يخدّر، فيضرّ بالروح الحاس، فإن عرض للمصروع امتلاء من طعام قذفه، ولطف التدبير بعده.
    ويجب أن يجتنب الأغذية الميبّسة المنقلة والمخدرة والمبخّرة. وأما الشراب، فإن الامتلاء منه ضار جداً، وأما القليل، فإنه ينشط النفس ويقوي الروح ويذكّيها، ويغني عن الاستكثار من الماء، فالاستكثار منه أضر شيء، والقيلولة الكبيرة، وبالجملة النوم الكثير ضار، وخصوصاً على امتلاء كثير. والإفراط من السهر أيضاً يضعف الروح، ويحله، ومع ذلك فيملأ الدماغ أبخرة. وأول تدبير الصراع اجتناب الأسباب المحركة للصرع التي ذكرناها. والسكون والهدوء أولى به.
    فإن احتيج إلى رياضة بعد الاستفراغ وتنقية البدن اللذين نذكرهما، فيجب أن يستعمل لا على الملء رياضة لا تبلغ الإعياء، ثم يراح بعدها، ويجتهد في أن يكون رأسه منتصباً ولا يدلينه ما أمكن، ولا يحرّكنه كثيراً فيجذب إليه المواد.
    ويجب أن يحرك الأسافل في تحريكه الأعالي، ومما يجذب المادة إلى أسفل، دلك البدن متحرجاً من فوق إلى أسفل، يبتدئ من الصدر وما يليه، فيدلكه بخرق خشنة حتى يحمر، ثم ينزل بالتدريج إلى الساق، ويكون كل ثان أشدّ من الأول، ويكون الرأس في الحالات منتصباً، وبعد ذلك يكلّفه المشي، ويجب أن يريحه في موضع الرياضة ليعود إليه نفسه ويهدأ اضطرابه، وإنما يفارق موضعَه بعد ذلك، فإذا جذب المواد كلها إلى أسفل، جاز له حينئذ أن يدلك الرأس ويمشطه ليسخنه بذلك ويغير مزاجه.
    ومما ينفعه المحاجم على الرأس والكي عليه تسخيناً للدماغ، وبعد التنقية والإسهال والإراحة أياماً، لا بأس أن يدخلوا الحمّام، وأن يضع المحاجم على ما تحت الشراسيف منهم، وتسخن رؤوسهم بما علمت، وقد يلقم في وقت النوبة كرة تقع بين أسنانه، وخصوصاً من الشعر لينة ليبقى فمه مفتوحاً. ويجب أن يبدءوا بالاستفراغ للمادة بحبسها، ثم يقصد تنقية الرأس بالغراغر الجاذبة، وإن كان يعتريه ذلك بأدوار، أو يكثر مع كثرة الأخلاط فيستفرغ مع الربيع للاستظهار، وليخرج الخلط الذي يغلب عليه على ما سنذكره وإن كان لا مانع له من الفصد افتصد، فإن افتصاده في الربيع -وخصوصاً من الرجلين- مما ينفعه إذا لم يبلغ به تبريد دماغه وعلى ما سنذكره.
    وإذا حان وقت النوبة، وتمكنت من تقيئته بريشة مدهونة بدهن السوسن يدخلها فمه، وخصوصاً إن كان للمعدة في ذلك مدخل ليقذفوا رطوبة انتفعوا بها في الحال. وإن كان استعمال القيء الكثير ضاراً بالصرع الدماغي، ومن الوجورات في حال الصرع وغيره حلتيت وجندبيدستر في سكنجبين عسلي، ومن النفوخات للصرع شحم الحنظل، وقثاء الحمار وعصارته والنوشادر والشونير ونحوه، والكندس والخربق الأبيض، والفلفل والزنجبيل، والمرّ، والفربيون، والجندبيدستر، والاسطوخودس تفاريق، ومركّبة، والحلتيت، والزفت والقطران، ومن البخورات الفاواينا، ومن المشمومات السذاب في الصرع، وفي وقت الراحة. ومما اختاره حنين ثافسيا يعجن بدقيق شعير، وخل خمر، ويتخذ منه نفّاخات، ويدام شمّها.
    ومن الأشربة السكنجبين العنصلي خاصة يسقاه كل يوم، وكذلك شراب الأفسنتين وطبيخ الزوفا بالصعتر، أو السكنجبين الذي يتّخذ منهما، والسكنجبين العنصلي أيضاً يسقى بماء حار في الشتاء، وفي الصيف بماء بارد.
    ومن المروخات الجيّدة لهم مما قد قيل، منح ساق الجمل بدهن الورد على الأصداغ والشؤون والفقار والصدر. وأما تعليق الفاواينا، فقد جرب الأوائل منعه للصرع، ويشبه أن يكون ذلك بالرومي الرطب أخصّ. ومن الأدوية التي يجب أن تسقى أبداً الغاريقون، وأصل الزراوند المدحرج، والسيساليوس، وسفرديون، والفاواينا، يسقون منه في كل وقت بالماء. وقد استوفق أن يشرب كل يوم نبقة من التيادريطوس مرتين غدواً، وعند النوم، فإنه مما برأ به عالم، واستجب له بعضهم أن يسقوا من زبد البحر كل يوم مرتين، ومن الجعدة لخاصية في الجعدة والحساء أيضاً، ومما ينفعهم دواء الإشقيل بهذه الصفة، ونسخته: يؤخذ الإشقيل، ويجعل في برنية قد كان فيها خلّ، ويشدّ رأسها بصمام قوي، ثم يعلى بجلد ثخين، ويترك فيه أربعين يوماً، أولها قيل طلوع الشعرى بعشرين يوماً، وينصب البرنية في الشمس معترضة للجنوب، ولتقلب كل حين قليل، ليكون ما يصل إلى أجزائه من الحر متشابه الوصول، ثم تفتح البرنية فتجد الأشقيل كالمطبوخ المتهرّي فتعصره، وتأخذ عصارته وتخلطة بعسل وتسقى منه كل يوم قدر ملعقة، وإن أعجل الوقت طبخ الاشقيل في ماء وخلّ، واتخذ منه سكنجبين عسلي.
    ومن الأدوية الجيدة لهم، أن يؤخذ من السيسالوس ثلاثة مثاقيل، ومن حبّ الغار ثلاثة مثاقيل، ومن الزروند المدحرج مثقالان، ومن أصل الفاواينا مثقالان، ومن الجندبيدستر وأقراص الاشقيل من كل واحد مثقال، يعجن بعسل منزوع الرغوة، ويستعمل كل يوم مع السكنجبين. ومما ينفعهم الانتقال فإن الانتقال إلى البلدان حتى يصادف هواء ملائماً ملطفاً مجففاً، كالانتقال في الأسنان من الصبا إلى الشباب في المنفعة من المصروعين، وإذا عرض للمصروعين التواء عضو وتشنّجه، سوي بالدلك بالدهن والماء الفاتر والغز القوي.
    وإذا كان الصرع دماغياً، فالأولى به الاستفراغ بالخربق وما يجري مجراه، وشحم الحنظل، وسقمونيا وأيارج، وطبيخ الغاريقون، إسهالاً بعد إسهال في السنة، وإذا وجب الفصد من أي خلط كان، فيجب أن لا يقصر بل يفصد، ولو من القيفالين معاً، ويتّسع بفصد العروق التي تحت اللسان.
    وقد يحجم على القفا لجنب المادة في الأسبوع عن الدماغ إن لم يكن هناك من مزاج الدماغ وضعفه ما يمنعه، وربما احتجت أن تكثر الفصد، فإذا فعلت ذلك، فالواجب أن تريح أسبوعاً، ثم تسهل بمشروبات وبحقن قوية من قنطريون، وشحم الحنظل والخروع وغير ذلك، ثم تريح، ثم يحجم عند الكاهل والرأس ونقرة القفا وعلى الساق، ثم تريح، ثم تسهل، ولا تزال تستمر على إراحات وتعاود إلى أن يتنقى. ويستعمل بعد ذلك الغراغر والعطوسات وما ينقي الرأس وحده مما علمته، وإذا سعطوا بالشليثا، ثم بالشابانك، وبماء المرزنجوش، كان نافعاً.
    ويجب أن تتلقى التوبة بنقاء المعدة، وإن أمكن له أن يتقيأ قبل الطعام، وخصوصاً عن مثل السمك المليح وغيره، كان موافقاً. وبعد ذلك فيدل على مزاج الدماغ بالمقويات المسخنة من الأضمدة بالخردل وما يجري مجراه مما عرفته، وأشممه السذاب، ويجب أن لا تحمل عليه بالمسخّنات ومبدلات المزاج دفعة، بل بتدريج في ذلك، فإن عرض من ذلك ضرر في أفعاله، فأرح وما كان منه سببه البلغم فأفضل ما يستفرغون به أيارج شحم الحنظل، وأيارج هرمس، وإن استعملوا من أيارج هرمس كل يوم وزن نصف درهم بكرة، ونصف درهم عشية، عظم لهم فيه النفع، وإن كان مع البلغم امتلاء كلّي، فالفصد على ما وصفناه نافع لهم، وكذلك الاستفراغ بالتربد، والغاريقون، والاسطوخودوس، وأيارج روفس خاصة.
    وأما السوداوي، فيسهل بمثل طبيخ الأفتيمون، والخربق، وحجر اللازورد، والحجر الأرمني، والاسطوخودوس، والبسفايج، والهليلج. ومن المروخات مخّ ساق الجمل بدهن الورد على الفقار، والأصداغ، والصدر. والصرع الصفراوي، فيجب أن يعتنى فيه بالتبريد والترطيب، وخصوصاً بالحقن.
    وإن كان محترقاً فهو في حكم السوداوي، أو بين الصفراوي والسوداوي. والمسمّى بأم الصبيان عسى أن يكون من قبيل الصفراوي عند بعضهم، ولذلك نأمر في علاجه بالأبزن، والسعوطات الباردة الرطبة، وحلب اللبن على الرأس، واستعمال الترطيب القوي للبدن. وإن كان صبياً، فإننا نأمر أن تسقى مرضعته ما يبرّد لبنها، ونأمر أن تسكن موضعاً بارداً سردابياً، ويشبه أن يكون هذا عنده صرع صباري، أو مانيا، وليس استعمال هذا الاسم مشهوراً عند محقّقي الأطباء، وإذا عرض لبعض أعضاء المصروع التواء وتشنّج، فإنه ينفعه الدلك بالدهن والماء الفاتر، وأن يحمل عليها بالغمز.
    وأما إذا كان الصرع معدياً، فأرفق ما يستفرغون به شحم الحنظل، والأسطوخودوس، ويستعمل ذلك في السنة مراراً، ويجب بعد التنقية للمعدة أن يتعهدها بالتقوية، ولا يورد عليها إلا أغذية سريعة الهضم جيدة الكيموس، ونوردها على ما نصف في موضعه، ويجتهد في تحصيل جودة الهضم، ويجب أن يتركوا المعدة خالية زماناً طويلاً، وما كان يهيج من ذلك على الجوع، فلتيدارك بما قيل في باب الصداع وغيره.
    وأما الذي يكون مع تصعد شيء من عضو، فيجب أن يبطّ فوق العضو عند النوبة، فربما منع النوبة، ويستفرغ الخلط الذي في العضو، إما بالاستفراغات المعروفة -إن كان قد يصل إليه قوة الاستفراغ- أو بالتقريح والتصديد في وقت السكون بالأدوية التي تقرح وتسيل القيح، وبإحراق المادة بمثل طلاء ثافسيا وفربيون وغير ذلك. وهذه الأدوية تعرفها من ألواح الكتاب الثاني، ورجا وجب أن يستعمل فيها درجة استعمال الذراريح، والكيبكج، وخرء البازي، والبلاذر وغير ذلك. وإن احتجت إلى شرط البدن، فاشرطه.
    وأما الذي يصعد عن البدن كله فقال بعضهم: لولا الخطر في فصد شرياني السبات، وإن كان يمكن حبس الدم، ولكن بما يحدث من تبريد الدماغ وانقطاع الروح، ويتبعه من السكتة، لكان فيه برء تام لمن به صرع بمشاركة البدن كله، وربما يتصعّد إلى الدماغ منه. ونقول: إن كان ليس يمكن هذا، فما كان من الشرايين الصاعدة ليس في قطعه هذا الخطر، فلا يبعد أن يعظم ببتره النفع، فاعلم جميع ما قلنا.

    ●[ تم المقالة الخامسة: أمراض دماغية وتم الفن الأول ]●


    القانون فى الطب لإبن سينا
    الكتاب الثالث : الأمراض الجزئية
    منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 4:59 pm