بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الضحك والبكاء وحياة البخلاء

قصة تمام بن جعفر
كان تمام بن جعفر بخيلاً على الطعام، مفرط البخل. وكان يقبل على كل من أكل خبزه بكل علة، ويطالبه بكل طائلة، وحتى ربما استخرج عليه أنه لابن، جلاد الدم.
وكان إن قال له نديم له: ما في الأرض أحد أمشي مني، ولا على ظهرها أحد أقوى على الحضر مني، قال: وما يمنعك من ذلك، وأنت تأكل أكل عشرة، وهل يحمل الرجل إلا البطن، لا حمد الله من يحمدك، فإن قال: لا والله إن أقدر أن أمشي، لأني أضعف الخلق عنه، وإني لأنبهر من مشى ثلاثين خطوة، قال: وكيف تمشي وقد جعلت في بطنك ما يحمله عشرون حمالاً، وهل ينطلق الناس إلا مع خفة الأكل، وأي بطين بقدر على الحركة، وإن الكظيظ ليعجز عن الركوع والسجود، فكيف بالمشي النكير، فإن شكا ضرسه وقال: ما نمت البارحة مع وجعه وضربانه، قال: عجبت كيف اشتكيت واحداً، وكيف لم تشتك الجميع، وكيف بقيت إلى اليوم في فيك حاكة، وأي ضرس يقوى على الدرس والطحن، والله إن الأرحاء السورية لتكل، وإن الميجان الغليظ ليتعبه الدق! ولقد استبطأت لك هذه العلة، ارفق، فإن الرفق يمن، ولا تخرق بنفسك، فإن الخرق شؤم، وإن قال: لا والله، إن اشتكيت ضرساً لي قط، ولا تجلجل لي سن عن موضعه منذ عرفت نفسي، قال: يا مجنون، لأن كثرة المضغ تشد العمور، وتقوي الأسنان، وتدبغ اللثة، وتغدو أصولها. وإعفاء الأضراس من المضغ يريحها. وإنما الفم جزء من الإنسان.
وكما الإنسان نفسه إذا تحرك وعمل قوى، وإذا طال سكونه تفتخ واسترخى، فكذلك الأضراس. ولكن رفقاً، فإن الإتعاب ينقص القوة. ولكل شيء مقدار ونهاية. فهذا ضرسك لا تشتكيه، بطنك أيضاً لا تشتكيه? فإن قال: والله إن أروى من الماء. وما أظن أن في الدنيا أحداً أشرب مني للماء، قال: لابد للتراب من ماء، ولابد للطين من ماء يبله ويرو. أوليست الحاجة على قدر كثرته وقلته، والله لو شربت ماء الفرات ما استكثرته لك، مع ما أرى من شدة أكلك، وعظم لقمتك، تدري ما قد تصنع، أنت والله تلعب، أنت لست ترى نفسك، فسل عنك من يصدقك، حتى تعلم أن ماء دجلة يقصر عما في جوفك، فإن قال: ما شربت اليوم ماء البتة، وما شربت أمس بمقدار نصف رطل، وما في الأرض إنسان أقل شرباً مني للماء، قال: لأنك لا تدع لشرب الماء موضعاً، ولأنك تكنز في جوفك كنزاً لا يجد الماء معه مدخلاً، والعجب لا تتخم؛ لأن من لا يشرب الماء على الخوان لا يدري مقدار ما أكل، ومن جاوز مقدار الكفاية كان حرياً بالتخمة.
فإن قال: ما أنام الليل كله، وقد أهلكني الأرق، قال: وتدعك الكظة والنفخة والقرقرة أن تنام، والله لو لم يكن إلا العطش الذي ينبه الناس لما نمت. ومن شرب كثيراً بال كثيراً. ومن كان الليل كله بين شرب وبول كيف يأخذه النوم? فإن قال: ما هو إلا أن أضع رأسي، فإنما أنا حجر ملقى إلى الصبح، قال: ذلك لأن الطعام يسكن ويخدر ويحير، ويبل الدماغ، ويبل العروق، ويسترخي عليه جميع البدن. ولو كان في الحق، لكان ينبغي أن تنام الليل والنهار، فإن قال: أصبحت وأنا لا أشتهي شيئاً، قال: إياك أن تأكل قليلاً ولا كثيراً؛ فإن أكل القليل على غير شهوة، أضر من الكثير مع الشهوة. قال الخوان: ويل لي ممن قال: لا أريد، وبعد، وكيف تشتهي الطعام اليوم، وأنت قد أكلت بالأمس طعام عشرة، وكان كثيراً ما يقول لندمائه: إياكم والأكل على الخمار، فإن دواء الخمار الشراب.
الخمار تخمة. والمتخم إذا أكل مات لا محالة. وإياكم والإكثار في عقب الحجامة والفصد والحمام. وعليكم بالتخفيف في الصيف كله. واجتنبوا اللحم خاصة.
وكان يقول: ليس يفسد الناس إلا الناس: هذا الذي يتكلم بالكلام البارد، وبالطرف المستنكرة، لو لم يصب من يضحك له، وبعض من يشكره ويتضاحك له - أوليس هو عنده إلا أن يظهر العجب له - لما تكلف النوادر. ألا أهلك قول الناس للأكول النهم، وللرغيب الشره: فلان حسن الأكل، هو الذي أهلكه، وزاد في رغبته، حتى جعل ذلك صناعة، وحتى ربما أكل - لمكان قولهم وتقريبهم وتعجبهم - ما لا يطيقه فيقتل. فلا يزال قد هجم على قوم، فأكل زادهم، وتركهم بلا زاد! فلو قالوا بدل قولهم: فلان حسن الأكل: فلان أقبح الناس أكلاً، كان ذلك صلاحاً لفريقين.
ولا يزال البخيل على الطعام قد دعا الرغيب البطن، واتخذ له الطعام الطيب، لفي عن نفسه المقالة، وليكذب عن نفسه تلك الظنون.
ولو كان شدة الضرس يعد في المناقب، ويمدح صاحبه في المجالس، لكان الأنبياء آكل الخلق، ولخصهم الله - جل ذكره - من الرغب بما لم يعطه أحداً من العالمين. وكيف? وفي مأثور الحديث: " إن المؤمن يأكل في معي واحد، وإن المنافق يأكل في سبعة أمعاء ".
أولسنا قد نراهم يشتمون بالنهم، وبالرغب، وبكثرة الأكل؛ ويمدحون بالزهادة، وبقلة الطعام، أوليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أدله على الحسناء القتين، وقد ساب رجل أيوب ابن سليمان بن عبد الملك، فقال في بعض ما يسبه: ماتت أمك بغراً، وأبوك بشماً، وبعد، فهل سمعتم بأحد قط فخر بشدة أكل أبيه، فقال: أنا ابن آكل العرب، بل قد رأينا أصحاب النبيذ والفتيان يتمدحون بكثرة الشرب، كما يتمدحون بقلة الرزق. ولذلك قالت العرب: قال الشاعر:
تكفيه فلذة كبد إن ألم بها * من الشواء ويروي شربه الغمر
وقال:
لا يتأرى لما في القدر يطلبه * ولا تراه أمام القوم يقتفر
وقال:
لا يغمز الساق مـن أين ولا وصـم * ولا يعض على شرسوفه الصفر
والصفر هي حيات البطون، إنما تكون من الفضول والتخم، ومن الفساد والبشم.
وشرب مرة نبيذ، وغناه المغنى، فشق قميصه من الطرب. فقال لمولى له له يقال له المحلول، وهو إلى جنبه: شق أيضاً أنت - ويلك - قميصك، - والمحلول هذا من الآيات - قال: لا والله، لا أشقه، وليس لي غيره. قال: فشقه وأنا أكسوك غداً. قال: فأنا أشقه غداً. قال: أنا ما أصنع بشقك له غداً، قال: وأنا ما أرجو من شقه الساعة، فلم أسمع بإنسان يقايس ويناظر في الوقت الذي إنما يشق فيه القميص من غلبة الطرب، غيره وغير مولاه محلول.
دخل على الأعمى على يوسف بن كل خير، وقد تغدى. فقال: يا جارية، هاتي لأبي الحسن غداء. قالت: لم يبق عندنا شيء. قال: هاتي - ويلك - ما كان، فليس من أبي الحسن حشمة، ولم يشك على أنه سيؤتي برغيف ملطخ، وبرقاقة ملطخة، وبسكر، وبقية مرق، وبعرق، وبفضلة شواء، وببقايا ما يفضل في الجامات والسكرجات.
فجاءت بطبق ليس عليه إلا رغيف أرز قاحل، لا شيء غيره.
فلما وضعوا الخوان بين يديه فأجال يده فيه، وهو أعمى، فلم يقع إلا على ذلك الرغيف، وقد عل أن قوله: ليس منه حشمة لا يكون إلا مع القليل. فلم يظن أن الأمربلغ ذلك.
فلما لم يجد غيره قال: ويلكم، ولأكل هذا بمره رفعتم الحشمة كلها، والكلام لم يقع إلا على هذا، حدثني محمد بن حسان الأسود، قال: أخبرني زكريا القطان، قال: كان للغزال قطعة أرض قدام حانوتي، فأكرى نصفها من سماك يسقط عنه ما استطاع من مؤنة الكراء.
قال: وكان الغزال أعجوبة في البخل. وكان يجيء من منزله ومعه رغيف في كمه. فكان أكثر دهره يأكله بلا أدم. فإذا أعيا عليه الأمر، أخذ من ساكنه جوافة بحبة، وأثبت عليها فلساً في حسابه، فإذا أراد أن يتغدى أخذ الجوافة فمسحها على وجه الرغيف، ثم عض عليه، وربما فتح بطن الجوافة، فيطر جنبيها وبطنها باللقمة بعد اللقمة، فإذا خاف أن ينهكها ذلك، وينضم بطنها، طلب من ذلك السماك شيئاً من ملح السمك، فحشا جوفها لينفخها، وليوهم أن هذا هو ملحها الذي ملحت به، ولربما غلبته شهوته فكدم طرف أنفها، وأخذ من طرف الأرنبة ما يسيغ به لقمته، وكان ذلك منه لا يكون إلا في آخر لقمة، ليطيب فمه بها، ثم يضعها في ناحية.
فإذا اشترى من امرأة غزلاً أدخل تلك الجوافة في ثمن الغزل، من طريق إدخال العروض، وحسبها عليها بفلس، فيسترجع رأس المال، ويفضل الأدم.
وروى أصحابنا عن عبد الله بن المقفع، قال: كان ابن جذام الشيء يجلس إلي. وكان ربما انصرف معي إلى المنزل، فيتغذى معنا، ويقيم إلى أن يبرد.
وكنت أعرفه بشدة البخل وكثرة المال. فألح علي في الاستزارة، وصممت عليه في الامتناع. فقال: جعلت فداك، أنت تظن أني ممن يتكلف، وأنت تشفق علي، لا والله، إن هي إلا كسيرات يابسة وملح وماء الحب، فظننت أنه يريد اختلابي بتهوين الأمر عليه. وقلت: إن هذا كقول الرجل: يا غلام، أطعمنا كسرة، وأطعم السائل خمس تمرات. ومعناه أضعاف ما وقع اللفظ عليه.
وما أظن أن أحداً يدعو مثلي إلى الحربية من الباطنة، ثم يأتيه بكسرات وملح.
فلما صرت عنده وقربه إلي، إذ وقف سائل بالباب، فقال: أطعمونا مما تأكلون، أطعمكم الله من طعام الجنة، قال: بورك فيك، فأعاد الكلام، فأعاد عليه مثل ذلك القول.
فأعاد عليه السائل، فقال: اذهب - ويلك - فقد ردوا عليك. فقال السائل: سبحان الله، ما رأيت كاليوم أحداً يرد من لقمة، والطعام بين يديه، قال: اذهب - ويلك - وإلا خرجت إليك والله، فدققت ساقيه، فقلت للسائل: اذهب وأرح نفسك، فإنك لو تعرف من صدق وعبده مثل الذي أعرف، لما وقفت طرفة عين بعد رده إياك، وكان أبو يعقوب الذقنان يقول: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال.
وكان إذا كان يوم الجمعة اشترى لحم بقر بدرهم، واشترى بصلاً بدانق، وباذنجاناً بدانق، وقرعة بدانق. فإذا كان أيام الجزر فجزر بدانق! وطبخه كله سكباجاً. فأكل وعياله يومئذ خبزهم بشيء من رأس القدر، وما ينقطع في القدر من البصل والباذنجان والجزر والقرع والشحم واللحم. فإذا كان يوم السبت ثردوا خبزهم في المرق. فإذا كان يوم الأحد أكلوا البصل. فإذا كان يوم الاثنين أكلوا الجزر. فإذا كان يوم الثلاثاء أكلوا القرع. فإذا كان يوم الأربعاء أكلوا الباذنجان. فإذا كان يوم الخميس أكلوا اللحم.
فلهذا كان يقول: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال
قال أصحابنا: نزلنا بناس من أهل الجزيرة، وإذا هم في بلاد باردة، وإذا حطبهم شر حطب، وإذا الأرض كلها غابة واحدة طرفاء. فقلنا: ما في الأرض أكرم من الطرفاء. قالوا: هو كريم، ومن كرمه نفر. فقلنا: وما الذي تفرون منه? قالوا: دخان الطرفاء يهضم الطعام، وعيالنا كثير، وقد عاب ناس أهل المازح والمديبر بأمور: منها أن خشكانهم من دقيق شعير، وحشوه الذي فيه من الجوز والسكر، من دقيق خشكار.
وأهل المازج لا يعرفون بالبخل. ولكنهم أسوأ الناس حالاً. فتقديرهم على قدر عيشهم. وإنما نحكي عن البخلاء الذين جمعوا بين البخل واليسر، وبين خصب البلاد وعيش أهل الجدب. فأما من يضيق على نفسه لأنه لا يعرف إلا الضيق، فليس سبيله سبيل القوم.
قال المكي: كان لأبي عم يقال له سليمان الكثري. سمى بذلك لكثرة ماله. وكان يقربني وأنا صبي إلى أن بلغت. ولم يهب لي مع ذلك التقريب شيئاً قط. وكان قد جاوز في ذلك حد البخلاء.
فدخلت عليه يوماً، وإذا قدامه قطع دار صيني لا تسوى قيراطاً. فلما نال حاجته منها، مددت يدي لآخذ منها قطعة. فلما نظر إلي قبضت يدي، فقال: لا تنقبض وانبسط واسترسل. وليحسن ظنك، فإن حالك عندي على ما تحب، فخذه كله، فهو لك بزوبره وبحذافيره، وهو لك جميعاً، نفسي بذلك سخية، والله أعلم أني مسرور بما وصل إليك من الخير، فتركته بين يديه، وقمت من عنده، وجعلت وجهي كما أنا إلى العراق، فما رأيته وما رآني حتى مات.
وقال المكي: سمعني سليمان وأنا أنشد شعر امرئ القيس:
لنـــا غـــنـــم نـــسوقها غـزار * كأن قرون جلتها العصي
فتـمـلأ بـيتنا أقطًا وسمناً * وحسبك من غنىً شبع وروي
قال: لو كان الذي قال ليحيى بن خالد حين نقب في أبي قبيس، وزاد في داره: عمدت إلى شيخ الجبال فزعزعته، وثلمت فيه.
وقال حين عوتب في قلة الضحك، وشدة القطوب: إن الذي يمنعني من الضحك أن الإنسان أقرب ما يكون من البذل، إذا ضحك، وطابت نفسه، صحبني محفوظ النقاش من مسجد الجامع ليلاً. فلما صرت قرب منزله - وكان منزله أقرب إلى مسجد الجامع من منزلي - سألني أن أبيت عنده. وقال: أين تذهب في هذا المطر والبرد، ومنزلي منزلك، وأنت في ظلمة، وليس معك نار، وعندي لباً لم ير الناس مثله، وتمر ناهيك به جودة، لا تصلح إلا له، فملت معه، فأبطأ ساعة. ثم جاءني بجام لبإ وطبق تمر.
فلما مددت قال: يا أبا عثمان، إنه لبإ وغلظه، وهو الليل وركوده، ثم ليلة مطر ورطوبة، وأنت رجل قد طعنت في السن. ولم تزل تشكو من الفالج طرفاً. وما زال الغليل يسرع إليك. وأنت في الأصل لست بصاحب عشاء، فإن أكلت اللبأ ولم تبالغ، كنت لا آكلاً ولا تاركاً؛ وحرشت طباعك. ثم قطعت الأكل أشهى ما كان إليك. وإن بالغت، بتنا في ليلة سوء من الاهتمام بأمرك، ولم نعد لك نبيذاً ولا عسلاً.
وإنما قلت هذا الكلام لئلا تقول غداً: كان وكان، والله وقد وقعت بين نابي أسد، لأني لو لم أجئك به وقد ذكرته لك، قلت: بخل به، وبدا له فيه. وإن جئت به ولم أحذرك منه، ولم أذكرك كل ما عليك فيه، قلت: لم يشفق علي ولم ينصح. فقد برئت إليك من الأمرين جميعاً. وإن شئت فأكلة وموتة! وإن شئت فبعض الاحتمال ونوم على سلامة، فما ضحكت قط كضحكي تلك الليلة. ولقد أكلته جميعاً، فما هضمه إلا الضحك والنشاط والسرور، فيما أظن. ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلم به، لأتى على الضحك، أو لقضى علي. ولكن ضحك من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب.
وقال أبو القماقم: أول الإصلاح ألا يرد ما صار في يدي لك؛ فإن كان ما صار في يدي لي فهو لي، وإن لم يكن لي فأنا أحق به ممن صيره في يدي، ومن أخرج من يده شيئاً إلى يد غيره من غير ضرورة، فقد أباحه لمن صيره إليه، وتعريفك إياه مثل إباحته.
وقالت له امرأة: ويحك يا أبا القماقم، إني قد تزوجت زوجاً نهارياً، والساعة وقته. وليست على هيئته. فاشتر لي بهذا الرغيف أساً، وبهذا الفلس دهناً، فإنك تؤجر، فعسى الله أن يلقي محبتي في قلبه، فيرزقني على يدك شيئاً أعيش به، فقد والله ساءت حالي، وبلغ المجهود مني - فأخذهما، وجعله وجهه، فرأته بعد أيام فقالت: سبحان الله، أما رحمتني مما صنعت بي، قال: ويحك، سقط والله مني الفلس، فمن الغم أكلت الرغيف
وتعشق واحدة، فلم يزل يتبعها ويبكي بين يديها، حتى رحمته. وكانت مكثرة، وكان مقلاً. فاستهداها هريسة، وقال: أنتم أحذق بها، فلما كان بعد أيام تشهى عليها رءوساً. فلما كان بعد قليل، طلب منها حيسة. فلما كان بعد ذلك، تشهى عليها طفيشلية. قالت المرأة: رأيت عشق الناس يكون في القلب وفي الكبد وفي الأحشاء. وعشقك أنت ليس يجاوز معدتك، وقال أبو الأصبغ: ألح أبو القماقم على قوم عند الخطبة إليهم، يسأل عن مال امرأة ويحصيه، ويسأل عنه. فقالوا: قد أخبرناك بما لها، فأنت أي شيء مالك، قال: وما سؤالكم عن مالي، الذي لها يكفيني ويكفيها، سمعت شيخاً من مشايخ الأبلة يزعم أن فقراء أهل البصرة، أفضل من فقراء أهل الأبلة. قلت: بأي شيء فضلتم، قال: هم أشد تعظيماً للأغنياء، وأعرف بالواجب.
ووقع بين رجلين أبليين كلام، فأسمع أحدهما صاحبه كلاماً غليظاً، فرد عليه مثل كلامه. فرأيتهم قد أنكروا ذلك إنكاراً شديداً، ولم أر لذلك سبباً. فقلت: لم أنكرتم أن يقول له مثل ما قال، قالوا: لأنه أكثر منه مالاً. وإذا جوزنا هذا له، جوزنا لفقرائنا أن يكافئوا أغنياءنا، ففي هذا الفساد كله، وقال حمدان بن صباح: كيف صار رياح يسمعني ولا أسمعه? أفهو أكثر مالاً مني? ثم سكت.
قال: ويكون الزائر من أهل البصرة عند الأبلى مقيماً مطمئناً. فإذا جاء المد قالوا: ما رأينا مداً قط ارتفع ارتفاعه. وما أطيب السير في المد، والسير في المد إلى البصرة، أطيب من السير في الجزر إلى الأبلة، فلا يزالون به حتى أن من الرأي أن يغتنم ذلك المد بعينه، كان أحمد الخاركي بخيلاً، وكان نفاجاً. وهذا أغيظ ما يكون. وكان يتخذ لكل جبة أربعة أزرار، ليرى الناس أن عليه جبتين، ويشتري الأعذاق والعراجين والسعف من الكلاء؛ فإذا جاء الحمال إلى بابه تركه ساعة، يوهم الناس أن له من الأرضين ما يحتمل أن يكون ذلك كله منها.
وكان يكتري قدور الخمارين التي تكون للنبيذ، ثم يتحرى أعظمها، ويهرب من الحمالين بالكراء؛ كي يصيحوا بالباب: يشترون الداذي والسكر، ويحبسون الحمالين بالكراء، وليس في منزله رطل دبس، وسمع قول الشاعر:
رأيت الخبز عز لديك حتى * حسبت الخبز في جو السحاب
ومـــــــــــــا روحـتناعنـــــا * ولكــن خفـــــت مرزئة الذباب
فقال: ولم ذب عنهم، لعنه الله، ما أعلم إلا أنه شهى إليهم الطعام، ونظف لهم القصاع، وفرغهم له، وسخرهم عليه! ثم ألا تركها تقع في قصاعهم، وتسقط على آنافهم وعيونهم، هو والله أهل لما هو أعظم من هذا، كم ترون من مرة قد أمرت الجارية أن تلقي في القصعة الذبابة والذبابتين والثلاثة، حتى يتقزز بعضهم، ويكفي الله شره، قال: وأما قوله: رأيت الخبز عز لديك حتى قال: فإن لم أعز هذا الشيء الذي هو قوام أهل الأرض، وأصل الأقوات، وأمير الأغذية، فأي شيء أعز، إي والله، إني أعزه وأعزه وأعزه وأعزه، مدى النفس، ما حملت عيني الماء.
وبلغ من نفجه مع ذلك، ما أخبرني به إبراهيم بن هانئ، قال: كنت عنده يوماً إذ مر به بعض الباعة، فصاح الخوخ الخوخ، فقلت: وقد جاء الخوخ بعد، قال: نعم، قد جاء وقد أكثرنا منه. فدعاني الغيظ عليه إلى أن دعوت البياع، وأقبلت على ابن الخاركي، فقلت: ويحك، نحن لم نسمع به بعد، وأنت قد أكثرت منه، وقد تعلم أن أصحابنا أترف منك! ثم أقبلت على البياع فقلت: كيف تبيع الخوخ، فقال: ستة بدرهم، قلت: أنت ممن يشتري ست خوخات بدرهم، وأنت تعلم أنه بياع بعد أيام مائتين بدرهم، ثم تقول: وقد أكثرنا منه، وهذا يقول: ستة بدرهم، قال: وأي شيء أرخص من ستة أشياء بشيء، كان غلام صالح بن عفان يطلب منه لبيت الحمار بالليل. فكان يعطيه كل ليلة ثلاثة أفلس - والفلوس أربعة طسوج - ويقول: طسوج يفضل وحبة تنقص، وبينهما يرمي الرامي، وكان يقول لابنه: تعطي صاحب الحمام وصاحب المعبر لكل واحد منهما طسوجاً، وهو إذا لم ير معك إلا ثلاثة أفلس لم يردك، قال أبو كعب: دعا موسى بن جناح جماعة من جيرانه ليفطروا عنده في شهر رمضان.
وكنت فيهم. فلما صلينا المغرب، ونجز ابن جناح، أقبل علينا ثم قال: لا تعجلوا، فإن العجلة من الشيطان. وكيف لا تعجلون وقد قال الله جل ذكره: وكان الإنسان عجولاً، وقال: خلق الإنسان من عجل - اسمعوا ما أقول، فإن فيما أقول حسن المؤاكلة، والبعد من الأثرة، والعاقبة الرشيدة، والسيرة المحمودة. وإذا مد أحدكم يده إلى الماء فاستسقى - وقد أتيتم ببهطة، أو بجوذابة، أو بعصيدة، أو ببعض ما يجري في الحلق ولا يساغ بالماء، ولا يحتاج فيه إلى مضغ، وهو طعام يد لا طعام يدين، وليست على أهل اليد منه مؤنة، وهو مما يذهب سريعاً - فأمسكوا، حتى يفرغ صاحبكم؛ فإنكم تجمعون عليه خصالاً: منها، أنكم تنغصون عليه بتلك السرعة، إذا علم أنه لا يفرغ إلا مع فراغكم. ومنها، أنكم تخنقونه ولا يجد بداً من مكافأتكم؛ فلعله أن يتسرع إلى لقمة حارة فيموت وأنتم ترونه. وأدنى ذلك أن تبعثوه على الحرص، وعلى عظم اللقم. ولهذا ما قال الأعرابي حين قيل له: لم تبدأ بأكل اللحم الذي فوق الثريد? قال: لأن اللحم ظاعن، والثريد مقيم، وأنا وإن كان الطعام فإني كذلك أفعل. فإذا رأيتم فعلي مخالف قولي، فلا طاعة لي عليكم.
قال أبو كعب: فربما نسي بعضنا، فمد يده إلى القصعة، وقد مد يده صاحبه إلى الماء، فيقول له موسى: يدك يا ناسي، ولولا شيء لقلت لك: يا متغافل، قال: وأتانا بارزة. ولو شاء إنسان أن يعد حبها لعده، لتفرقه ولقلته. قال: فنثروا عليها ليلة من ذلك مقدار نصف سكرة. فوقعت ليلتئذ في قطعة، وكنت إلى جنبه، فسمع صوتها حين مضغتها، فضرب يده على جنبي، ثم قال: اجرش يا أبا كعب اجرش، قلت: ويلك، أما تتقي الله، كيف أجرش جزءاً لا يتجزأ.

مختصر: كتاب البخلاء للجاحظ