بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
ما كان بين السلطان وإبن بطوطة
وإرساله بالهدايا لملك الصين

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
ذكر دخول السلطان إلى حضرته وما أمر لنا به من المراكب
وفي الغد من يوم خروجنا إلى السلطان أعطي كل واحد منا فرساً من مراكب السلطان، عليه سرج ولجام محليان وركب السلطان لدخول حضرته، وركبنا في مقدمته مع صدر الجهان، وزينت الفيلة أمام السلطان، وجعلت عليها الأعلام، ورفعت عليها ستة عشر شطراً، منها مزركشة، ومنها مرصعة، ورفع فوق رأس السلطان شطرٌ منها، وحملت أمامه الغاشية، وهي ستارة مرصعة، وجعل على بعض الفيلة رعادات صغار، فلما وصل السلطان إلى قرب المدينة، قذف في تلك الرعادات بالدنانير والدراهم مختلطة، والمشاة بين يدي السلطان وسواهم ممن حضر يلتقطون ذلك. ولم يزالوا ينثرونها إلى أن وصلوا القصر وكان بين يديه آلاف من المشاة على الأقدام وصنعت قباب الخشب المكسوة بثياب الحرير، وفيها المغنيات حسبما ذكرنا ذلك.
ذكر دخولنا اليه وما أنعم به من الإحسان والولاية
ولما كان يوم الجمعة، ثاني يوم دخول السلطان، أتينا باب المشور، فجلسنا في سقائف الباب الثالث، ولم يكن الإذن حصل لنا بالدخول، وخرج الحاجب شمس الدين الفوشنجي، فأمر الكتاب أن يكتبوا أسماءنا، وأذن لهم في دخولنا، ودخول بعض أصحابنا، وعين للدخول معي ثمانية، فدخلنا ودخلوا معنا، ثم جاءوا بالبدر والقبان، وهو الميزان، وقعد قاضي القضاة والكتاب، ودعوا من بالباب من الأعزة وهم الغرباء، فعينوا لكل نصيبه من تلك البدر، فحصل لي خمسة آلاف دينار وكان مبلغ المال مائة ألف دينار، تصدقت به أم السلطان لما قدم ابنها، وانصرفنا ذلك اليوم وكان السلطان بعد ذلك يستدعينا للطعام بين يديه، ويسأل عن أحوالنا، ويخاطبنا بأجمل الكلام ولقد قال لنا في بعض الأيام: أنتم شرفتمونا بقدومكم فما نقدر على مكافأتكم فالكبير منكم مقام والدي، والكهل مقام أخي، والصغير مقام ولدي، وما في ملكي أعظم من مدينتي هذه أعطيكم إياها فشكرناه ودعونا له.
ثم بعد ذلك أمر لنا بالمرتبات فعين لي اثني عشر ألف دينار في السنة، وزادني قريتين على الثلاث التي أمر لي بها قبل، إحداهما قرية جوزة، والثانية قرية ملك بور، وفي بعض الأيام بعث لنا خداوند زاده، وغياث الدين وقطب الملك صاحب السند فقالا لنا: إن خوند عالم يقول لكم: من كان منكم يصلح للوزارة أو الكتابة أو الإمارة أو القضاة أو التدريس أو المشيخة، أعطيته ذلك فسكت الجميع لأنهم كانوا يريدون تحصيل الأموال والانصراف إلى بلادهم، وتكلم أمير بخت ابن السيد تاج الدين الذي تقدم ذكره فقال: أما الوزارة فميراثي، وأما الكتابة فشغلي، وغير ذلك لا أعرفه.
وتكلم هبة الله الفلكي فقال مثل ذلك، وقال لي خداوند زاده بالعربي: ما تقول أنت يا سيدي ? وأهل تلك البلاد ما يدعون العربي إلا بالتسويد ، وبذلك يخاطبه السلطان، تعظيماً للعرب، فقلت له: أما الوزارة والكتابة فليست شغلي، وأما القضاء والمشيخة فشغلي وشغل آبائي، وأما الإمارة فتعلمون أن الأعاجم ما أسلمت إلا بأسياف العرب، فلما بلغ ذلك السلطان أعجبه كلامي وكان بهزار أسطون يأكل الطعام، فبعث عنا، فأكلنا بين يديه، وهو يأكل، ثم انصرفنا إلى خارج هزار اسطون، فقعد أصحابي وانصرفت بسبب دمل كان يمنعني الجلوس، فاستدعانا السلطان ثانية فحضر أصحابي، واعتذر واله عني بعد صلاة العصر، فصليت بالمشور المغرب والعشاء الآخرة، ثم خرج الحاجب فاستدعانا، فدخل خداوند زاده ضياء الدين، وهو أكبر الإخوة المذكورين، فجعله السلطان أمير داد وهو من الأمراء الكبار، فجلس بمجلس القاضي. فمن كان له حق على أمير أو كبير أحضره بين يديه، وجعل مرتبه على هذه الخطة خمسين ألف دينار في السنة، عين له مجاشر فائدها ذلك المقدار، فأمر له بخمسين ألفاً عن يدٍ، وخلع عليه خلعة حرير مزركشة تسمى صورة الشير، ومعناه صورة السبع، لأنه يكون في صدرها وظهرها صورة سبع، وقد خيط في باطن الخلعة بطاقة بمقدار مازركش فيها من الذهب، وأمر له بفرس من الجنس الأول، والخيل عندهم أربعة أجناس وسروجهم كسروج أهل مصر، ويكسون أعظمها بالفضة المذهبة، ثم دخل أمير بخت، فأمره أن يجلس مع الوزير في مسنده، ويقف على محاسبات الدواوين وعين له مرتباً أربعين ألف دينار في السنة أعطى مجاشر فائدها بمقدار ذلك، وأعطى أربعين ألفاً عن يد، وأعطى فرساً مجهزاً، وخلع عليه كخلعة الذي قبله، ولقب شرف الملك.
ثم دخل هبة الله بن الفلكي فجعله رسول دار، ومعناه حاجب الإرسال، وعين له مرتباً أربعين ألف دينار في السنة أعطى مجاشر يكون قائدها بمقدار ذلك وأعطى أربعة وعشرين ألفاً عن يد وأعطى فرساً مجهزاً وخلعة، وجعل لقبه بهاء الملك. ثم دخلت فوجدت السلطان على سطح القصر مستنداً إلى السرير، والوزير خواجه جهان بين يديه، والملك الكبير قبولة واقف بين يديه فلما سلمت عليه، قال لي الملك الكبير: أخدم فقد جعلك خوند عالم قاضي دار الملك دهلي، وجعل مرتبك اثني عشر ألف دينار في السنة، وعين لك مجاشر بمقدارها، وأمر لك باثني عشر ألفاً نقداً تأخذها من الخزانة غداً إن شاء الله، وأعطاك فرساً بسرجه ولجامه، وأمر لك بخلعة محاربي، وهي التي يكون في صدرها وظهرها شكل محراب، فخدمت وأخذ بيدي فتقدم بي إلى السلطان، فقال لي السلطان: لا تحسب قضاء دهلي من أصغر الأشغال، هو أكبر الأشغال عندنا، وكنت أفهم قوله، ولا أحسن الجواب عنه وكان السلطان يفهم العربي ولا يحسن الجواب عنه، فقلت له: يا مولانا أنا على مذهب مالك،، وهؤلاء حنفية وأنا لا أعرف إنساناً فقال لي: قد عينت بهاء الدين الملتاني وكمال الدين البجنوري ينوبان عنك ويشاورانك، وتكون أنت تسجل على العقود وأنت عندنا بمقام الوالد، فقلت له: بل عبدكم وخديمكم فقال لي باللسان العربي، بل أنت سيدنا ومخدومنا، تواضعاً منه وفضلاً وإيناساً، ثم قال لشرف الملك أمير بخت، إن كان الذي ترتب له لا يكفيه لأنه كثير الإنفاق، فأنا أعطيه زاوية إن قجر على إقامة حال الفقراء، وقال: قل له هذا بالعربي، وكان يظن أنه يحسن العربي ولم يكن كذلك وفهم السلطان ذلك فقال له: برو ويكجا بخصبي " بخسبي " وآن حكاية بروابكوي وتفهيم كني " بكني " تافردا إن شاء الله بيش من بيايي " و" جواب أو بكري " بكوي " معناه: امشوا الليلة فارقدوا في موضع واحد، وفهمه هذه الحكاية، فإذا كان بالغد إن شاء الله تجيء إلي وتعلمني بكلامه، فانصرفنا وذلك في ثلث الليل، وقد ضربت النوبة. والعادة عندهم إذا ضربت لا يخرج أحد فانتظرنا الوزير حتى خرج، وخرجنا معه، ووجدنا أبواب دهلي مسدودة فبتننا عند السيد أبي الحسن العبادي العراقي، بزقاق يعرف بسرابور خان وكان هذا الشيخ يتجر بمال السلطان ويشتري له الأسلحة والأمتعة بالعراق وخراسان. ولما كان بالغد بعث عنا، فقبضنا الأموال والخيل والخلع، وأخذ كل واحد منا البدرة بالمال، فجعلها على كاهله، ودخلنا كذلك على السلطان فخدمنا، وأتينا بالأفراس فقبلنا حوافرها، بعد أن جعلت عليها الخرق، وقدناها بأنفسنا إلى باب دار السلطان فركبناها وذلك كله عادة عندهم، ثم انصرفنا وأمر السلطان لأصحابه بألفي دينار وعشر خلع، ولم يعط لأصحاب أحد سواي شيئاً وكان أصحابي لهم رواء ومنظر، فأعجبوا السلطان وخدموا بين يديه وشكرهم.
ذكر عطاء ثان أمر لي به وتوقفه مدة
وكنت يوماً بالمشور، بعد أيام من توليتي القضاء والإحسان إلي، وأنا قاعد تحت شجرة هنالك، وإلى جانبي مولانا ناصر الدين الترمذي العالم الواعظ، فأتى بعض الحجاب فدعا مولانا ناصر الدين، فدخل إلى السلطان، فخلع عليه، وأعطاه مصحفاً مكللاً بالجوهر، ثم أتاني بعض الحجاب فقال: أعطني شيئاً وآخذ لك خط خرد باثني عشر ألفاً، أمر لك بها خوند عالم فلم أصدقه وظننته يريد الحيلة علي، وهو مجد في كلامه، فقال بعض الأصحاب: أنا أعطيه، فأعطاه دينارين أو ثلاثة، وجاء بخط خرد ومعناه الخط الأصغر مكتوباً بتعريف الحاجب، ومعناه أمر خوند عالم أن يعطي من الخزانة الموفورة كذا لفلان بتبليغ فلان أي بتعريفه، ويكتب المبلغ اسمه ثم يكتب على تلك البراءة ثلاثة من الأمراء: وهم الخان الأعظم قطلوخان معلم السلطان، والخريطة دار وهو صاحب وهو صاحب خريطة الكاغد والأقلام، والأمير نكبية الدوادار صاحب الدواة، فإذا كتب كل واحد منهم خطه، تذهب البراءة إلى ديوان الوزارة فينسخها كتاب الديوان عندهم، ثم تثبت في ديوان الأشراف، ثم تثبتا في ديوان النظر، ثم تكتب البراونة، وهي الحكم من الوزير للخازن بالعطاء، ثم يثبتها الخازن في ديوانه، ويكتب تلخيصاً في كل يوم بمبلغ ما أمر به السلطان ذلك اليوم من المال، ويعرضه عليه فمن أراد التعجيل بعطائه أمر بتعجيله ومن أراد التوقيف وقف له ولكن لا بد من عطاء ذلك، ولو طالت المدة فقد توقفت هذه الاثنا عشر ألفاً ستة أشهر ثم أخذتها مع غيرها حسبما يأتي. وعادتهم إذا أمر السلطان بإحسان لأحد يحط منه العشر فمن أمر له مثلا بمائة ألفٍ، أعطي تسعين ألفاً، أو بعشرة آلاف أعطي تسعة آلاف.
ذكر طلب الغرماء ما لهم قبلي ومدحي للسلطان
وأمره بخلاص ديني وتوقف ذلك مدة
وكنت حسبما ذكرته قد استدنت من التجار مالاً أنفقته في طريقي، وما صنعت به الهدية للسلطان، وما أنفقته في إقامتي فلما أرادوا السفر إلى بلادهم ألحوا علي في طلب ديونهم فمدحت السلطان في قصيدة طويلة أولها:
إليك أمير المؤمنين المبجلا * أتينا نجد السير نحوك في الفلا
فجئت محلاً من علائك زائراً * ومغناك كهفٌ للزيارة أهلا
فلو أن فوق الشمس للمجد رتبةً * لكنت لأعلاها إماماً مؤهلاً
فأنت الإمام الماجد الأوحد الذي * سجاياه حتماً أن يقول ويفعلا
ولي حاجة من فيض جودك أرتجي * قضاها وقصدي عند مجدك سهلاً
أأذكرها أم قد كفاني حياؤكم * فإن حياكم ذكره كان أجملا
فعـجل لمن واقى محلك زائراً * قضا دينه إن الغريم تعجلا
فقدمتها بين يديه، وهو قاهد على كرسي، فجعلها على ركبته، وأمسك طرفها بيده، وطرفها الثاني بيدي. وكنت إذا أكملت بيتاً منها أقول لقاضي القضاة كمال الدين الغزنوي بين معناه لخوند عالم، فيبينه ويعجب السلطان وهم يحبون الشعر العربي فلما بلغت إلى قولي: فعجل لمن وافى، البيت، قال: مرحمة ومعناه: ترحمت عليك فأخذ الحجاب حينئذ بيد ليذهبوا بي إلى موقفهم، وأخدم على العادة فقال السلطان اتركوه حتى يكملها فأكملتها وخدمت، وهنأني الناس بذلك، وأقمت مدة، وكتبت رفعاً، وهم يسمونه عرض داشت، فدفعته إلى قطب الملك صاحب السند، فدفعه للسلطان فقال له: امض إلى خواجه جهان فقل له: يعطي دينه فمضى إليه وأعلمه، فقال: نعم وأبطأ ذلك أياماً وأمره السلطان في خلالها بالسفر إلى دولة آباد وفي أثناء ذلك خرج السلطان إلى الصيد، وسافر الوزير، فلم آخذ شيئاً منها إلا بعد مدة. والسبب الذي توقف به عطاؤها أذكره مستوفى وهو أنه لما عزم الذي كان لهم علي الدين إلى السفر، قلت لهم: إذا أنا أتيت دار السلطان فدرهوني على العادة في تلك البلاد، لعلمي أن السلطان متى يعلم بذلك خلصهم، وعادتهم أنهم متى كان لأحد دين على رجل من ذوي العناية وأعوزه خلاصه وقف له بباب دار السلطان فإذا أراد الدخول قال له: دروهي، وحق رأس السلطان ما تدخل حتى تخلصني، فلا يمكنه ان يبرح من مكانه حتى يخلصه، أو يرغب إليه في تأخيره. فاتفق يوماً أن خرج السلطان إلى زيارة قبر أبيه، ونزل بقصر هنالك فقلت لهم: هذا وقتكم، فلما أردت الدخول، وقفوا لي بباب القصر فقالوا لي دروهي السلطان ما تدخل حتى تخلصنا. وكتب كتاب الباب بذلك إلى السلطان، فخرج حاجب قصة شمس الدين، وكان من كبار الفقهاء، فسألهم لأي شيء درهتموه، فقالوا: لنا عليه الدين فرجع إلى السلطان فأعلمه بذلك، فقال له: أسألهم كم مبلغ الدين، فقالوا له خمس وخمسون ألف دينار، فعاد إليه فأعلمه فأمره أن يعود إليهم، ويقول لهم: إن خوند عالم يقول لكم: المال عندي وأنا أنصفكم منه فلا تطلبوه به وأمر عماد الدين السمناني وخداوند زاده غياث الدين أن يقعدوا بهزار أسطون، ويأتي أهل الدين بعقودهم، وينظروا إليها، ويتحققوها ففعلا ذلك وأتى الغرماء بعقودهم فدخلا إلى السلطان وأعلماه بثبوت العقود، فضحك وقال: ممازحاً: أنا أعلم أنه قاض جهز شغله فيها ثم أمر خداوند زاده أن يعطيني ذلك من الخزانة فطمع في الرشوة على ذلك وامتنع أن يكتب خط خرد، فبعثت إليه مائتي تنكة، فردها ولم يأخذها وقال لي عنه بعض خدامه: إنه طلب خمسمائة تنكة فامتنعت من ذلك وأعلمت عميد الملك بن عماد الدين السمناني بذلك، فأعلم به أباه وأعلمه الوزير، وكانت بينه وبين خداوند زاده عداوة فأعلم السلطان بذلك، وذكر له كثيراً من أفعال خداوند زاده، فغير خاطر السلطان عليه، فأمر بحبسه في المدينة وقال: لأي شيء أعطاه فلان ما أعطاه ووقفوا ذلك حتى يعلم هل يعطي خداوند زاده شيئاً إذا منعته أو يمنعه إذا أعطيته فبهذا السبب توقف عطاء ديني.
ذكر خروج السلطان إلى الصيد
وخروجي معه وما صنعت في ذلك
ولما خرج السلطان إلى الصيد خرجت معه من غير تربص، وكنت قد أعددت ما يحتاج إليه، وعملت ترتيب أهل الهند، فاشتريت سراجة، وهي أفراج. وضربها هنالك مباح ولا بد منها لكبار الناس وتمتاز سراجة السلطان بكونها حمراء، وسواها بيضاء منقوشة بالأزرق، واشتريت الصيوان، وهو الذي يظل به داخل السراجة، ويرفع على عمودين كبيرين ويجعل ذلك الرجال على أعناقهم، ويقال لهم اليكوانية والعادة هنالك أن يكتري المسافر اليكوانية، وقد ذكرناهم، ويكتري من يسوق له العشب لعلف الدواب لأنهم لا يطعمونها التبن ويكتري الكهارين، وهم الذين يحملون أواني المطبخ، ويكتري من يحمله في الدولة، وقد ذكرناها، ويحملها فارغة، ويكتري الفراشين، وهم الذين يضربون السراجة، ويفرشونها، ويرفعون الأحمال على الجمال، ويكتري الدوادوية، وهم الذين يمشون بين يديه، ويحملون المشاعل بالليل، فاكتريت أنا جميع من احتجت له منهم، وأظهرت القوة والهمة، وخرجت يوم خروج السلطان وغيري أقام بعده اليومين والثلاثة، فلما كان بعد العصر من يوم خروجه ركب الفيل، وقصده أن يتطلع على أحوال الناس، ويعرف من تسارع إلى الخروج، ومن أبطأ وجلس خارج السراجة على كرسي، فجئت وسلمت ووقفت في موقفي بالميمنة، فبعث إلي الملك الكبير قبولة سرجامدار، وهو الذي يشرد الذباب عنه، فأمرني بالجلوس عناية بي، ولم يجلس في ذلك اليوم سواي ثم أتى بالفيل، وألصق به سلم فركب عليه، ورفع الشطر فوق رأسه وركب معه الخواص وجال ساعة، ثم عاد إلى السراجة. وعادته إذا ركب، ان يركب الأمراء أفواجاً كل أمير بفوجه وعلاماته وطبوله وأنفاره وصرناياته يسمون ذلك المراتب، ولا يركب أمام السلطان، إلا الحجاب وأهل الطرق والطبالة الذين يتقلدون الأطبال الصغار، والذين يضربون الصرنايات. ويكون عن يمين السلطان نحو خمسة عشر رجلاً، وعن يساره مثل ذلك، منهم قضاة القضاة والوزير وبعض الأمراء الكبار وبعض الأعزة، وكنت أنا من أهل ميمنته، ويكون بين يديه المشاءون والأدلاء، ويكون خلفه علاماته، وهي من الحرير المذهب، والأطبال على الجمال وخلف ذلك مماليكه، وأهل دخلته، وخلفهم الأمراء وجميع الناس، ولا يعلم أحد أين يكون النزول فإذا مر السلطان بمكان يعجبه النزول به أمر بالنزول، ولا تضرب سراجة أحد حتى تضرب سراجته، ثم يأتي الموكلون بالنزول فينزلون، كل واحد في منزله خلال ذلك ينزل السلطان على نهر أو بين أشجار، وتقدم بين يديه لحوم الأغنام والدجاج المسمنة والكراكي وغيرها من أنواع الصيد، ويحضر أبناء الملوك في يد كل واحد منهم سفود، ويوقدون النار ويشوون ذلك، ويؤتى بسراجة صغيرة فتضرب للسلطان ويجلس من معه من الخواص خارجها، ويؤتى بالطعام، ويستدعي من شاء فيأكل معه، وكان في بعض تلك الأيام وهو بداخل السراجة يسأل عمن بخارجها، فقال له السيد ناصر الدين مطهر الأوهري أحد ندمائه ثم فلان المغربي، وهو متغير فقال لماذا، فقال: بسبب الدين الذي عليه وغرماؤه يلحون في الطلب وكان خوند عالم قد أمر الوزير بإعطائه فسافر قبل ذلك فإن طلب مولانا أن يصبر أهل الدين حتى يقدم الوزير أو أمر بإنصافهم. وحضر لهذا الملك دولة شاه وكان السلطان يخاطبه بالعم فقال: يا خوند عالم كل يوم وهو يكلمني بالعربية ولا أدري ما يقول يا سيدي ناصر الدين ماذا، وقصد أن يكرر ذلك الكلام فقال يتكلم لأجل الدين الذي عليه فقال السلطان إذا دخلنا دار الملك، فامض أنت يا أومار، ومعناه: يا عم إلى الخزانة، فأعطه ذلك المال وكان خداوند زاده حاضراً، فقال يا خوند عالم إنه كثير الإنفاق، وقد رأيته ببلادنا عند السلطان طرمشيرين. وبعد هذا الكلام استحضرني السلطان للطعام، ولا علم عندي بما جرى فلما خرجت قال لي السيد ناصر الدين: أشكر للملك دولة شاه وقال لي الملك دولة شاه: أشكر لخداوند زاده. وفي بعض تلك الأيام، ونحن مع السلطان في الصيد ركب في المحلة، وكان طريقه على منزلي وكان معه في الميمنة وأصحابي في الساقة، وكان لي خباء عند السراجة، فوقف أصحابي عندها، وسلموا على السلطان فبعث عماد الملك وملك دولة شاه ليسأل لمن تلك الأخبية والسراجة فقيل لهما: لفلان أخبراه ذلك فتبسم. فلما كان بالغد، نفذ الأمر أن أعود أنا وناصر الدين مطهر الأوهري وابن قاضي مصر وملك صبيح إلى البلد، فخلع علينا وعدنا إلى الحضرة.
ذكر الجمل الذي أهديته للسلطان
وكان السلطان في تلك الأيام سألني عن الملك الناصر هل يركب الجمل، فقلت: نعم يركب المهاري في أيام الحج فيسير إلى مكة من مصر في عشرة أيام ولكن تلك الجمال ليست كجمال هذه البلاد. وأخبرته أن عندي جملاً منها فلما عدت إلى الحضرة بعثت عن بعض عرب مصر فصور لي صورة الكور الذي تركب المهاري به من القير، وأريتها بعض النجارين فعمل الكور وأتقنه وكسوته بالملف، وصنعت له ركباً وجعلت على الجمل عباءة حسنة وجعلت له خطام حرير وكان عندي رجل من أهل اليمن يحسن عمل الحلواء، فصنع منها ما يشبه التمر وغيره، وبعثت الجمل والحلواء إلى السلطان وأمرت الذي حملها أن يدفعها على يد ملك دولة شاه وبعثت له بفرس وجملين فلما وصله ذلك دخل على السلطان وقال: يا خوند عالم رأيت العجب قال: وما ذلك، قال: فلان بعث جملاً عليه سرج فقال: ائتوا به. فأدخل الجمل داخل السراجة، وأعجب به السلطان، وقال لراجلي: اركبه فركبه ومشاه بين يديه وأمر له بمائتي دينار دراهم وخلعة، وعاد الرجل إلي فأعلمني فسرني ذلك وأهديت له جملين بعد عودته إلى الحضرة.
ذكر الجملين اللذين أهديتهما إليه والحلواء
وأمره بخلاص ديني وما تعلق بذلك
ولما عاد إلي راجلي الذي بعثته بالجمل، فأخبرني بما كان من شأنه صنعت كورين اثنين، وجعلت مقدم كل واحد ومؤخره مكسواً بصفائح الفضة المذهبة وكسوتها بالملف وصنعت رسناً مصفحاً بصفائح الفضة المذهبة، وجعلت لهما جلين من زردخانة مبطنين، بالكمخا، وجعلت للجملين الخلاخيل من الفضة المذهبة، وصنعت أحد عشر طيفوراً، وملأتها بالحلواء، وغطيت كل طيفور بمنديل حرير، فلما قدم السلطان من الصيد وقعد ثاني يوم قدومه بموضع جلوسه العام، غدوت عليه بالجمال، فأمر بها، فحركت بين يديه، وهرولت فطار خلخال أحدهما فقال لبهاء الدين ابن الفلكي: بايل ورداري، معنى ذلك: ارفع الخلخال، فرفعه ثم نظر إلى الطيافير فقال: جداري " جه داري " درآن طبقها حلوا است، معنى ذلك: ما معك في تلك الأطباق، حلواء هي، فقلت له: نعم فقال للفقيه ناظر الدين الترمذي الواعظ: ما أكلت قط، ولا رأيت مثل الحلواء التي بعثها الينا ونحن بالمعسكر، ثم أمر بتلك الطيافير أن ترفع لموضع جلوسه فرفعت وقام إلى مجلسه، واستدعاني، وأمر بالطعام، فأكلت ثم سألني عن نوع الحلواء الذي بعثت له: فقلت له: يا خوند عالم، تلك الحلواء أنواعها كثيرة، ولا أدري عن أي نوع تسألون منها فقال: إيتوا بتلك الأطباق وهم يسمون الطيفور طبقاً، فأتوا بها وقدموها بين يديه وكشفوا عنها، فقال: عن هذا سألتك، وأخذ الصحن الذي هي فيه فقلت له: هذه يقال لها المقرصة، ثم أخذ نوعاً آخر فقال: وما اسم هذه، فقلت له هي لقيمات القاضي. وكان بين يديه تاجر من شيوخ بغداد يعرف بالسامري، وينتسب إلى آل العباس رضي الله تعالى عنه، وهو كثير المال ويقول له السلطان والدي، فحسدني وأراد أن يخجلني فقال: ليست هذه لقيمات القاضي، بل هي هذه وأخذ قطعة من التي تسمى جلد الفرس وكان بإزائه ملك الندماء ناصر الدين الكافي الهروي، وكان كثيراً ما يمازح هذا الشيخ بين يدي السلطان فقال: يا خواجة أنت تكذب والقاضي يقول الحق. فقال له السلطان: وكيف ذلك، فقال: يا خوند عالم هو القاضي وهي لقيماته، فإنه أتى بها فضحك السلطان وقال: صدقت. فلما فرغنا من الطعام أكل الحلواء ثم شرب الفقاع بعد ذلك وأخذنا التنبول وانصرفنا فلم يكن غير هنيهة وأتاني الخازن فقال: ابعث أصحابك يقبضون المال، فبعثتهم وعدت إلى داري بعد المغرب فوجدت المال بها وهو ثلاث بدر فيها ستة آلاف ومائتان وثلاث وثلاثون تنكة، وذلك صرف الخمسة والخمسين ألفاً التي هي دين علي، وصرف الاثني عشر ألفاً التي أمر لي بها فيما تقدم، بعد حط العشر على عادتهم وصرف التنكة ديناران ونصف دينار من ذهب المغرب.
ذكر خروج السلطان وأمره لي بالإقامة بالحضرة
وفي تاسع جمادى الأولى خرج السلطان برسم قصد بلاد المعبر، وقتال القائم بها وكنت قد خلصت أصحاب الدين، وعزمت على السفر، وأعطيت مرتب تسعة أشهر للكهارين والفراشين والكيوانية والدوادوية، وقد تقدم ذكرهم فخرج الأمر بإقامتي في جملة ناس وأخذ الحاجب خطوطنا بذلك لتكون حجة له، وتلك عادتهم خوفاً من أن ينكر المبلغ، وأمر لي بستة آلاف دينار دراهم، وأمر لابن قاضي مصر بعشرة آلاف وكذلك كل من أقام من الأعزة، وأما البلديون فلم يعطوا شيئاً، وأمر لي السلطان أن أتولى النظر في مقبرة السلطان قطب الدين، الذي تقدم ذكره. وكان السلطان يعظم تربته تعظيماً شديداً، لأنه كان خديماً له ولقد رأيته اذا أتى قبره يأخذ نعله فيقبله ويجعله فوق رأسه. وعادتهم أن يجعلوا نعل الميت عند قبره فوق متكأة. وكان إذا وصل القبر خدم له كما كان يخدم أيام حياته، وكان يعظم زوجته، ويدعوها بالأخت وجعلها مع حرمه وزوجها بعد ذلك لابن قاضي مصر، واعتنى به من أجلها وكان يمضي لزيارتها في كل جمعة. ولما خرج السلطان بعث عنا للوداع فقام ابن قاضي مصر فقال: أنا لا أودع ولا أفارق خوند عالم، فكان له في ذلك الخير، فقال له السلطان: إمض فتجهز للسفر، وقدمت بعده للوداع، وكنت أحب الإقامة، ولم تكن عاقبتها محمودة، فقال: مالك من حاجة فأخرجت بطاقة فيها ست مسائل فقال لي: تكلم بلسانك فقلت له إن خوند عالم أمر لي بالقضاء، وما قعدت لذلك بعد وليس مرادي من القضاء الا حرمته فأمرني بالقعود للقضاء وقعود النائبين معي، ثم قال لي: إيه ? فقلت وروضة السلطان قطب الدين، ماذا أفعل بها، فإني رتبت فيها أربعمائة وستين شخصاً ومحصول أوقافها لا يفي بمرتباتهم وطعامهم. فقال للوزير بنجاه هزار ومعناه خمسين الفاً ثم قال: لا بد لك من غلة بدية يعني أعطه مائة الف منٍّ من الغلة، وهي القمح والأرز، ينفقها في هذه السنة حتى تأتي غلة الروضة والمنّ عشرون رطلاً مغربية. ثم قال لي ماذا أيضاً فقلت: إن أصحابي سجنوا بسبب القرى التي أعطيتموني، فإني عوضتها بغيرها فطلب أهل الديوان ما وصلني منها او الاستظهار بأمر خوند عالم أن يرفع عني ذلك فقال كم وصلك منها فقلت خمسة آلاف دينار فقال هي إنعام عليك فقلت له: وداري التي أمرتم لي بها مفتقرة إلى البناء فقال للوزير: عمارة كنيد، أي معناه عمروها ثم قال لي: ديكر نماند، معناه هل بقي لك كلام، فقلت له: لا فقال لي: وصية ديكر هست، معناه: أوصيك أن لا تأخذ الدين لئلا تطلب فلا تجد من يبلغ خبرك إلي. أنفق على قدر ما أعطيتك قال الله تعالى: ( ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) ، ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) ، ( والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ) . فأردت أن أقبل قدمه، وأمسك رأسي بيده فقبلتها وانصرفت وعدت إلى الحضرة فاشتغلت بعمارة داري، وأنفقت فيها أربعة آلاف دينار، أعطيت منها من الديوان ستمائة دينار، وزدت عليها الباقي، وبنيت بإزائها مسجداً واشتغلت بترتيب مقبرة السلطان قطب الدين وكان قد أمرني أن تبنى عليه قبة يكون ارتفاعها في الهواء مائة ذراع، بزيادة عشربن ذراعاً على ارتفاع القبة المبنية على قازان ملك العراق، وأمر أن تشتري قرية تكون وقفاً عليها، وجعلها بيدي علي أن يكون لي العشر من فائدها على العادة.
ذكر ما فعلته في ترتيب المقبرة
وعادة أهل الهند أن يرتبوا لأمواتهم ترتيباً كترتيبهم بقيد الحياة، ويؤتى بالفيلة والخيل فتربط عند باب التربة، وهي مزينة. فرتبت أنا في هذه التربة بحسب ذلك ورتبت من قراء القرآن مائة وخمسين، وهم يسمونهم الختميين، ورتبت من الطلبة ثمانين، ومن المعيدين، ويسمونهم المكررين، ثمانية، ورتبت لها مدرساً، ورتبت من الصوفية ثمانين، ورتبت الإمام والمؤذنين والقراء بالأصوات الحسان والمداحين وكتاب الغيبة والمعرفين، وجميع هؤلاء يعرفون عندهم بالأرباب، ورتبت صنفاً آخر يعرفون بالحاشية، وهم الفراشون والطباخون والدوادوية والأبدارية، وهم السقاءون والشربدارية الذين يسقون الشربة، والتنبول دارية الذين يعطون التنبول والسلحدارية والنيزدارية والشطر دارية والطشت دارية والحجاب والنقباء فكان جميعهم أربعمائة وستين. وكان السلطان أمر أن يكون الطعام بها كل يوم اثني عشر مناً من الدقيق ومثلها من اللحم، فرأيت أن ذلك قليل، والزرع الذي أمر به كثير فكنت أنفق كل يوم خمسة وثلاثين مناً من الدقيق ومثلها من اللحم وما يتبع ذلك من السكر، والنبات، والسمن، والتنبول، وكنت أطعم المرتبين وغيرهم من صادر ووارد وكان الغلاء شديداً فارتفق الناس بهذا الطعام وشاع خبره، وسافر الملك صبيح إلى السلطان بدولة آباد سأله عن حال الناس. فقال له لو كان بدهلي اثنان مثل فلان لما شكا الجهد، فأعجب ذلك السلطان، وبعث إليه بخلعة من ثيابه وكنت أصنع في المواسم وهي العيدان والمولد الكريم ويوم عاشوراء وليلة النصف من شعبان ويوم وفاة السلطان قطب الدين مائة من الدقيق ومثلها لحماً فيأكل الفقراء والمساكين، وأما أهل الوظيفة فيجعل أمام كل إنسان منهم ما يخصه ولنذكر عادتهم في ذلك.
ذكر عادتهم في إطعام الناس في الولائم
وعادتهم ببلاد الهند وببلاد السرى أنه إذا فرغ من أكل الطعام في الوليمة جعل أمام كل إنسان من الشرفاء والفقهاء والمشايخ والقضاة وعاء شبه المهد له أربع قوائم منسوج سطحه من الخوص، وجعل عليه الرقاق، ورأس غنم مشوي، وأربعة أقراص معجونة بالسمن مملوءة بالحلواء الصابونية مغطاة بأربع قطع من الحلواء كأنها الآجر وطبقاً صغيراً مصنوعاً من الجلد فيه الحلواء والسموسك، ويغطى ذلك الوعاء بثوب قطن جديد. ومن كان دون من ذكرناه جعل أمامه نصف رأسه غنم، ويسمونه الزلة ومقدار النصف مما ذكرناه. ومن كان دون هؤلاء أيضاً جعل أمامه مثل الربع من ذلك ويرفع رجال كل أحد ما جعل أمامه وأول ما رأيتهم يصنعون هذا بمدينة السرا حضرة السلطان أوزبك، فامتنعت أن يرفع رجالي ذلك إذ لم يكن لي به عهد وكذلك يبعثون أيضاً لدار كبراء الناس من طعام الولائم.
ذكر خروجي إلى هزار أمروها
وكان الوزير قد أعطاني من الغلة المأمور بها للزاوية عشرة آلاف، ونفذ لي الباقي في هزار أمروها. وكان والي الخراج بها عزيز الخمار، وأميرها شمس الدين البذخشاني. فبعثت رجالي فأخذوا بعض الإحالة، وتشكوا من تعسف عزيز الخمار. فخرجت بنفسي لاستخلاص ذلك. وبين دهلي وهذه العمالة ثلاثة أيام، وكان ذلك في أوان نزول المطر. فخرجت في نحو ثلاثين من أصحابي، واستصحبت معي أخوين من المغنين المحسنين يغنيان لي في الطريق، فوصلنا إلى بلدة بجنور، وضبط اسمها " بكسر الباء الموحدة وسكون الجيم وفتح النون وآخره راء " فوجدت بها أيضاً ثلاثة أخوة من المغنين، فاستصحبتهم. فكانوا يغنون لي نوبة والآخران نوبة.
ثم وصلنا إلى أمروها وهي بلدة صغيرة حسنة، فخرج عمالها للقائي، وجاء قاضيها الشريف أمير علي، وشيخ زاويتها، وأضافاني معاً ضيافة حسنة. وكان عزيز الخمار بموضع يقال له: أفغان بور، على نهر السرو. وبيننا وبينه النهر، ولا معدية فيه. فأخذنا الأثقال في معدية صنعناها من الخشب والنبات، وجزنا في اليوم الثاني. وجاء نجيب أخو عزيز في جماعة من أصحابه، وضرب لنا سراجة. ثم جاء أخوه الوالي، وكان معروفاً بالظلم، وكانت القرى التي في عمالته ألفاً وخمسمائة قرية، ومجباها ستون لكاً في السنة، له فيها نصف العشر. ومن عجائب النهر الذي نزلنا عليه، أنه لا يشرب منه أحد في أيام نزول المطر، ولا تسقى منه دابة. ولقد أقمنا عليه ثلاثاً. فما غرف منه أحد غرفة، ولا كدنا نقرب منه، لأنه ينزل من جبل قراجيل التي بها معادن الذهب، ويمر على الخشاش المسمومة، فمن شرب منه مات. وهذا الجبل متصل مسيرة ثلاثة أشهر، وينزل منه إلى بلاد تبت حيث غزلان المسك. وقد ذكرنا ما اتفق على جيش المسلمين بهذا الجبل. وبهذا الموضع جاء إلي جماعة من الفقراء الحيدرية، وعملوا السماع، وأوقدوا النيران فدخلوها ولم تضرهم. وقد ذكرنا ذلك. وكانت قد نشأت بين أمير هذه البلاد شمس الدين البذخشاني وبين واليها عزيز الخمار منازعة. وجاء شمس الدين لقتاله، فامتنع منه بداره. وبلغت شكاية أحدهما الوزير بدهلي، فبعث إلي الوزير وإلى الملك شاه أمير المماليك بأمروها، وهم أربعة آلاف مملوك للسلطان، وإلى شهاب الدين الرومي أن ننظر في قضيتهما. فمن كان على الباطل بعثناه مثقفاً إلى الحضرة. فاجتمعوا جميعاً بمنزلي وادعى عزيز على شمس الدين دعاوى. منها أن خديماً له يعرف بالرضى الملتاني نزل بدار خازن عزيز المذكور فشرب بها الخمر، وسرق خمسة آلاف دينار من المال الذي عند الخازن. فاستفهمت الرضى عن ذلك فقال لي: ما شربت الخمر منذ خروجي من ملتان، وذلك منذ ثمانية أعوام. فقلت له: أو شربتها بملتان، قال: نعم. فأمرت بجلده ثمانين وسجنته بسبب الدعوى للوث ظهر عليه. وانصرفت عن أمروها. فكانت غيبتي نحو شهرين، وكنت في كل يوم أذبح لأصحابي بقرة. وتركت أصحابي ليأتوا بالزرع المنفذ على عزيز وحمله عليه. فوزع على أهل القرى التي لنظره ثلاثون ألف منٍ يحملونها على ثلاثة آلاف بقرة. وأهل الهند لا يحملون إلا على البقر، وعليه يرفعون أثقالهم في الأسفار. وركوب الحمير عندهم عيب كبير. وحميرهم صغار الأجرام، يسمونها اللاشة، وإذا أرادوا إشهار أحدهم بعد ضربه أركبوه الحمار.
ذكر مكرمة لبعض الأصحاب
وكان السيد ناصر الدين الأوهري قد ترك عندي لما سافر ألفاً وستين تنكة، فتصرفت فيها، فلما عدت إلى دهلي وجدته قد أحال في ذلك المال خداوندزاده قوام الدين، وكان قد قدم نائباً على الوزير. فاستقبحت أن أقول له: تصرفت بالمال، فأعطيته نحو ثلثه. وأقمت بداري أياماً. وشاع أني مرضت. فأتى ناصر الدين الخوارزمي صدر الجهان لزيارتي. فلما رآني قال: ما أرى بك مرضاً، فقلت له: إني مريض القلب. فقال لي: عرفني بذلك. فقلت له: ابعث إلي نائبك شيخ الإسلام أعرفه به. فبعثه إلي فأعلمته، فعاد إليه فأعلمه. فبعث إلي بألف دينار دراهم. وكان له عندي قبل هذا ألف ثانٍ. ثم طلب مني بقية المال. فقلت في نفسي: ما يخلصني منه إلا صدر الجهان المذكور، لأنه كثير المال. فبعثت إليه بفرس مسرج، قيمته وقيمة سرجه ألف وستمائة دينار، وبفرس ثان قيمته وقيمة سرجه ثمانمائة دينار، وبغلتين قيمتهما ألف ومائتا دينار، وبتركش فضة، وبسيفين غمداهما مغشيان بالفضة. وقلت له: أنظر قيمة الجميع، زابعث إلي ذلك، فأخذ ذلك، وعمل لجميعه قيمة ثلاث آلاف دينار، فبعث إلي ألفاً، واقتطع الألفين، فتغير خاطري، ومرضت بالحمى، وقلت لنفسي: إن شكوت به إلى الوزير افتضحت. فأخذت خمسة أفراس وجاريتين ومملوكين وبعثت الجميع للملك مغيث الدين محمد بن ملك الملوك عماد الدين السمناني وهو فتي السن، فرد علي ذلك، وبعث إلي مائتي تنكة واغزر، وخلصت من ذلك المال. فشتان بين فعل محمد ومحمد.
ذكر خروجي من محلة السلطان
وكان السلطان لما توجه إلى بلاد المعبر وصل إلى التلنك، ووقع الوباء بعسكره، فعاد إلى دولة آباد، ثم وصل إلى نهر الكنك فنزل عليه، وأمر الناس بالبناء. وخرجت في تلك الأيام إلى محلته، واتفق ما سردناه من مخالفة عين الملك، ولازمت السلطان في تلك الأيام، وأعطاني من عتاق الخيل، لما قسمها على خواصه، وجعلني فيهم، وحضرت معه الوقيعة على عين الملك والقبض عليه، وجزت معه نهر الكنك ونهر السرو، لزيارة قبر الصالح البطل سالارعود " مسعود "، وقد استوفيت ذلك كله، وعدت معه إلى حضرة دهلي لما عاد إليها.
ذكر ما هم به السلطان من عقابي
وما تداركني من لطف الله تعالى
وكان سبب ذلك أني ذهبت يوماً لزيارة الشيخ شهاب الدين ابن الشيخ الجام، بالغار الذي احتفره خارج دهلي، وكان قصدي رؤية ذلك الغار. فلما أخذه السلطان، سأل أولاده عمن كان يزوره، فذكروا أناساً أنا من جملتهم. فأمر السلطان أربعة من عبيده بملازمتي بالمشور. وعادته أنه متى فعل ذلك مع أحد قلما يتخلص. فكان أول يوم من ملازمتهم لي يوم الجمعة، فألهمني الله تعالى إلى تلاوة قوله: ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) فقرأتها ثلاثاً وثلاثين ألف مرة، وبت بالمشور، وواصلت إلى خمسة أيام، في كل يوم منها أختم القرآن وأفطر على الماء خاصة، ثم أفطرت بعد خمس، وواصلت أربعاً، وتخلصت بعد قتل الشيخ، والحمد لله تعالى.
ذكر انقباضي عن الخدمة وخروجي عن الدنيا
ولما كان بعد مدة انقبضت عن الخدمة، ولازمت الشيخ الإمام العالم العابد الزاهد الخاشع الورع فريد الدهر ووحيد العصر كمال الدين عبد الله الغاري، وكان من الأولياء، وله كرامات كثيرة، فقد ذكرت منها ما شاهدته عند ذكر اسمه. وانقطعت إلى خدمة هذا الشيخ، ووهبت ما عندي للفقراء والمساكين. وكان الشيخ يواصل عشرة أيام، وربما واصل عشرين. فكنت أحب أن أواصل، فكان ينهاني ويأمرني بالرفق على نفسي في العبادة، ويقول لي: إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. وظهر لي من نفسي تكاسل بسبب شيء بقي معي، فخرجت عن جميع ما عندي من قليل وكثير، وأعطيت ثياب ظهري لفقير، ولبست ثيابه. ولزمت هذا الشيخ خمسة أشهر، والسلطان إذ ذاك غائب ببلاد السند.
ذكر بعث السلطان عني وإبايتي الرجوع
إلى الخدمة واجتهادي في العبادة
ولما بلغه خبر خروجي عن الدنيا استدعاني وهو يومئذ بسوستان، فدخلت عليه في زي الفقراء، فكلمني أحسن كلام وألطفه، وأراد مني الرجوع إلى الخدمة فأبيت، وطلبت منه الإذن في السفر إلى الحجاز، فأذن لي فيه، وانصرفت عنه، ونزلت بزاوية تعرف بالنسبة إلى الملك بشير، وذلك في أواخر جمادى الثانية سنة اثنتين وأربعين. فاعتكفت بها شهر رجب وعشرة من شعبان، وانتهيت إلى مواصلة خمسة أيام، وأفطرت بعدها على قليل أرز دون إدام. وكنت أقرأ القرآن كل يوم، وأتهجد بما شاء الله. وكنت إذا أكلت الطعام آذاني، فإذا طرحته وجدت الراحة. وأقمت كذلك أربعين يوماً، ثم بعث عني ثانية.
ذكر ما أمرني به من التوجه إلى الصين في الرسالة
ولما كملت لي أربعون يوماً بعث إلي السلطان خيلاً مسرجة وجواري وغلماناً وثياباً ونفقة، فلبست ثيابه وقصدته. وكانت لي جبة قطن زرقاء مبطنة، لبستها أيام اعتكافي. فلما جردتها ولبست ثياب السلطان أنكرت نفسي. وكنت متى نظرت إلى تلك الجبة أجد نوراً في باطني، ولم تزل عندي إلى أن سلبني الكفار في البحر. ولما وصلت إلى السلطان زاد في إكرامي على ما كنت أعهده، وقال لي: إنما بعثت إليك لتتوجه عني رسولاً إلى ملك الصين. فإني أعلم حبك في الأسفار والجولان. فجهزني بما أحتاج له، وعين للسفر معي من يذكر بعد.
ذكر سبب بعث الهدية للصين
وذكر من بعث معي وذكر الهدية
وكان ملك الصين قد بعث إلى السلطان مائة مملوك وجارية وخمسمائة ثوب من الكمخا، منها مائة من التي تصنع بمدينة الزيتون، ومائة من التي تصنع بمدينة الخنسا، وخمسة أمنان من المسك، وخمسة أثواب مرصعة بالجوهر، ومثلها من التراكش مزركشة، ومثلها سيوف. وطلب من السلطان يأذن له في بناء بيت الأصنام بناحية جبل قراجيل المتقدم ذكره، ويعرف الموضع الذي هو به بسمهل " بفتح السين المهمل وسكون الميم وفتح الهاء ". وإليه يحج أهل الصين. وتغلب عليه جيش الإسلام بالهند فخربوه وسلبوه. ولما وصلت هذه الهدية إلى السلطان كتب إليه بأن هذا المطلب لا يجوز في ملة الإسلام إسعافه، ولا يباح بناء كنيسة بأرض المسلمين إلا لمن يعطي الجزية. فإن رضيت بإعطائها أبحنا لك بناءه والسلام على من اتبع الهدى. وكافأة على هديته بخير منها، وذلك مائة فرس من الجياد مسرجة ملجمة ومائة مملوك ومائة جارية من كفار الهند مغنيات ورواقص، ومائة ثوب بيرمية، وهي من القطن ولا نظير لها في الحسن قيمة الثوب منها مائة دينار، ومائة شقة من ثياب الحرير المعروفة بالجز " بضم الجيم وزاي "، وهي التي يكون حرير إحداها مصبوغاً بخمسة ألوان وأربعة، ومائة ثوب من الثياب المعروفة بالصلاحية، ومثلها من الشيرين باف، ومثلها من الشان باف، وخمسمائة ثوب من المرعز، مائة منها سود، ومائة بيض، ومائة حمر، ومائة خضر، ومائة زرق، ومائة شقة من الكتان الرومي، ومائة فضلة من الملف، وسراجة، وست من القباب، وأربع حسك من ذهب، وست حسك من فضة منيلة، وأربعة طسوت من الذهب ذات أباريق كمثلها، وستة طسوت من الفضة، وعشر خلع من ثياب السلطان مزركشة، وعشر شواش من لباسه، إحداها مرصعة بالجوهر، وعشرة تراكش مزركشة، وأحدها مرصع بالجواهر، وعشرة من السيوف، أحدها مرصع الغمد بالجوهر، ودشت بان " دستبان " وهو قفاز مرصع بالجواهر، وخمسة عشر من الفتيان. وعين السلطان للسفر معي بهذه الهدية الأمير ظهير الدين الزنجاني، وهو من فضلاء أهل العلم، والفتى كافور الشريدار، وإليه سلمت الهدية، وبعث معنا الأمير محمد الهروي في ألف فارس ليوصلنا إلى الموضع الذي نركب منه البحر. وتوجه صحبتنا أرسال ملك الصين، وهم خمسة عشر رجلاً، يسمى كبيرهم ترسي، وخدامهم نحو مائة رجل. وانفصلنا في جمع كبير ومحلة عظيمة، وأمر لنا السلطان بالضيافة مدة سفرنا ببلاده.
وكان سفرنا في السابع عشر لشهر صفر سنة ثلاث وأربعين، وهو اليوم الذي اختاروه للسفر، لأنهم يختارون للسفر من أيام الشهر ثانيه، أو سابعه أو الثاني عشر أو السابع عشر أو الثاني والعشرين أو السابع والعشرين. فكان نزولنا في أول مرحلة بمنزل تلبت على مسافة فرسخين وثلث من حضرة دهلي.
ورحلنا منها إلى منزل هيلوور ، ورحلنا منه إلى مدينة بيانة " وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف مع تخفيفها وفتح النون "، وهي كبيرة حسنة البناء مليحة الأسواق، ومسجدها الجامع من أبدع المساجد، وحيطانه وسقفه حجارة. والأمير بها مظفر ابن الداية، وأمه هي داية للسلطان. وكان بها قبله الملك مجير ابن أبي الرجاء، أحد كبار الملوك، وقد تقدم ذكره، وهو ينتسب إلى قريش وفيه تجبر، وله ظلم كثير. قتل من أهل هذه المدينة جملة، ومثل بكثير منهم.
ولقد رأيت من أهلها رجلاً حسن الهيئة قاعداً في أسطوان منزله، وهو مقطوع اليدين والرجلين. وقدم السلطان مرة على هذه المدينة، فتشكى الناس من الملك مجير المذكور. فأمر السلطان بالقبض عليه، وجعلت في عنقه الجامعة وكان يقعد بالديوان بين يدي الوزير، وأهل البلد يكتبون عليه المظالم، فأمره السلطان بإرضائهم، فأرضاهم بالأموال. ثم قتله بعد ذلك. ومن كبار أهل هذه المدينة الإمام العالم عز الدين الزبيري من ذرية الزبير ابن العوام رضي الله عنه، أحد كبار الفقهاء الصلحاء. لقيته بكاليور عند الملك عز الدين البنتاني، المعروف بأعظم ملك. ثم رحلنا من بيانة فوصلنا إلى مدينة كول " وضبط اسمها بضم الكاف " مدينة حسنة ذات بساتين، وأكثر أشجارها العنبا. ونزلنا بخارجها في بسيط أفيح. ولقينا بها الشيخ الصالح العابد شمس الدين المعروف بابن العارفين، وهو مكفوف البصر معمر، وبعد ذلك سجنه السلطان، ومات في سجنه، وقد ذكرنا حديثه.
ذكر غزوة شهدناها بكول
ولما بلغنا إلى مدينة كول، بلغنا أن بعض كفار الهنود حاصروا بلدة الجلالي وأحاطوا بها، وهي على مسافة سبعة أميال من كول. قصدناها والكفار يقاتلون أهلها وقد أشرفوا على التلف، ولم يعلم الكفار بنا، حتى صدقنا الحملة عليهم، وهم في نحو ألف فارس، وثلاثة آلاف راجل، فقتلناهم عن آخرهم، واحتوينا على خيلهم وأسلحتهم، واستشهد من أصحابنا ثلاثة وعشرون فارساً وخمسة وخمسون راجلاً، واستشهد الفتى كافور الساقي الذي كانت الهدية مسلمة بيده. فكتبنا إلى السلطان بخبره، وأقمنا في انتظار الجواب. وكان الكفار في أثناء ذلك ينزلون من جبل هنالك منيع، فيغيرون على نواحي بلدة الجلالي. وكان أصحابنا يركبون كل يوم مع أمير تلك الناحية ليعينوه على مدافعتهم.

[ رحلات إبن بطوطة : الجزء الثانى ]