بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الضحك والبكاء وحياة البخلاء

رسالة أبي العاص بن عبد الوهاب الثقفي
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد:
فإن جلوسك إلى الأصمعي، وعجبك بسهل بن هارون، واسترجاحك إسماعيل بن غزوان، وطعمك على مويس بن عمران، وخلطتك بابن مشارك، واختلافك إلى ابن التوأم، وإكثارك من ذكر المال وإصلاحه، والقيام عليه واصطناعه، وإطنابك في وصف النرويج والتثمير، وحسن التعهد والتوفير - دليل على خبئ سوء، وشاهد على عيب وإدبار؛ بعد أن كنت تستثقل ذكرهم، وتستشنع فعلهم، وتتعجب من مذهبهم، وتسرف في ذمهم.
وليس يلهج بذكر الجمع، إلا من قد عزم على الجمع، ولا يأنس بالبخلاء، إلا المستوحش من الأسخياء.
وفي تحفظك قول سهل بن هارون: ـ في الاستعداد في حال المهلة، وفي الأخذ بالثقة، وأن أقبح التفريط ما جاء مع طول المدة، وأن الحزم كل الحزم، والصواب كل الصواب، أن يستظهر على الحدثان، وأن يجعل ما فضل عن قوام الأبدان، ردءاً دون صروف الزمان، وأنا لا نسب إلى الحكمة، حتى نحوط أصل النعمة، بأن نجعل دون فضولها جنة - شاهد على عجبك بمذهبه، وبرهان على ميلك إلى سبيله.
وفي استحسانك رواية الأصمعي في ـ أن أكثر أهل النار النساء والفقراء، وأن أكثر أهل الجنة البله والأغنياء، وأن أرباب الدثور، هم الذين ذهبوا بالأجور - برهان على صحة حكمنا عليك، ودليل على صواب رأينا فيك.
وفي تفضيلك كلام ابن غزوان، حين قال: ـ تنعمتم بالطعام الطيب، وبالثياب الفاخرة، وبالشراب الرقيق، وبالغناء المطرب؛ وتنعمنا بعز الثروة، وبصواب النظر في العاقبة، وبكثرة المال، والأمن من سوء الحال، ومن ذل الرغبة إلى الرجال، والعجز عن مصلحة العيال - فتلك لذتكم، وهذه لذتنا. وهذا رأينا في التسلم من الذم، وذاك رأيهم في التعرض للحمد. وإنما ينتفع بالحمد السليم الفارغ البال، ويسر باللذات الصحيح الصادق الحس. فأما الفقير فما أغناه عن الحمد، وأفقره إلى ما به يجد طعم الحمد، والطعام الذي آثرتموه يعود رجيعاً، والشراب يصير بولاً، والبناء يعود نقضاً. والغناء ريح هابة، ومسقط للمروءة، وسخافة تفسد، ورنة تسير. فلذتكم فيما حوى لكم الفقر، ونقض المروءة؛ ولذتنا فيما حوى لنا الغنى، وبنى المروءة. فنحن في بناء، وأنتم في هدم؛ ونحن في إبرام، وأنتم في نقض؛ ونحن في التماس العز الدائم، مع فوت بعض اللذة، وأنتم في التعرض للذل الدائم، مع فوت كل مروءة ـ
وقد فهمنا معنى حكايتك، وما لهجت به من روايتك. والدليل على انتقاض طباعك، وإدباز أمرك، استحسانك ضد ما كنت تستحسن، وعشقك لما لم تزل تمقت. فبعداً وسحقاً، ولا يبعد الله إلا من ظلم، والشاعر أبصر بكم حيث يقول:
فإن سمعت بهـلـك لـلـبـخـيل فـقـل: بعداً وسحقاً له من هالك مودى
تراثه جنة للوارثين إذا * أودى، وجثمانه للتراب والدود
وقال آخر:
تبلى محاسن وجهه في قبره * والمال بين عدوه مقسوم
والحمد لله الذي لم يمتني حتى أرانيك وكيلاً في مالك، وأجيراً لوارثك.
وأما أنت فقد تعجلت الفقر قبل أوانه، وصرت كالمجلود في غير لذة.
وهل تزيد حال من أنفق جميع ماله، ورأى المكروه في عياله، وظهر فقره، وشمت به عدوه، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه، وعلى بغض عياله، وعلى خشونة الملبس، وخشونة المأكل، وهذا كله مجتمع في مسك البخيل، ومصبوب على هامة الشحيح، ومعجل للئيم، وملازم للمنوع؛ ألا إن المنفق قد ربح المحمدة، وتمتع بالنعمة، ولم يعطل المقدرة، ووفى كل خصلة من هذه حقها، ووفر عليها نصيبها؛ والممسك معذب بحصر نفسه، وبالكد لغيره؛ مع لزوم الحجة، وسقوط الهمة، والتعرض للذم والإهانة، ومع تحكيم المرة السوداء في نفسه، وتسلطيها على عرضه، وتمكينها من عيشه وسرور قلبه.
ولقد سرى إليك عرق، ولقد دخل أعراقك جور، ولقد عمل فيها قادح، ولقد غالها غول؛ وما هذا المذهب من أخلاق صميم ثقيف، ولا من شيم أعرقت فيها قريش. ولقد عرض إقراف، ولقد أفسدتك هجنة. ولقد قال معاوية: من لم يكن من بني عبد المطلب جواداً فهو دخيل، ومن لم يكن من آل الزبير شجاعاً فهو لزيق، ومن لم يكن من بني المغيرة تياهاً فهو سنيد. وقال سلم بن قتيبة: إذا رأيت الثقفي يعز من غير طعام، ويكسب لغير إنفاق، فبهرجه ثم بهرجه. وقال بلال بن أبي بردة: لولا شباب ثقيف وسفهاؤهم ما كان لأهل البصرة مال.
إن الله جواد لا يبخل، وصدوق لا يكذب، ووفي لا يغدر، وحليم لا يعجل، وعدل لا يظلم. وقد أمرنا بالجود، ونهانا عن البخل، وأمرنا بالصدق، ونهانا عن الكذب، وأمرنا بالحلم، ونهانا عن العجلة، وأمرنا بالعدل، ونهانا عن الظلم، وأمرنا بالوفاء، ونهانا عن الغدر.
فلم يأمرنا إلا بما اختار لنفسه، ولم يزجرنا إلا عما لم يرضه لنفسه. وقد قالوا بأجمعهم: إن الله أجود الأجودين، وأمجد الأمجدين؛ كما قالوا: أرحم الرحمين، وأحسن الخالقين. وقالوا في التأديب لسائليهم، والتعليم لأجوادهم: لا تجاودوا الله، فإن الله - جل ذكره - أجود وأمجد. وذكر نفسه - جل جلاله، وتقدست أسماؤه - فقال: (ذو الفضل العظيم) و(ذي الطول، لا إله إلا هو). وقال: (ذو الجلال والإكرام).
وذكروا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لم يضع درهماً على درهم، ولا لبنة على لبنة. وملك جزيرة العرب، فقبض الصدقات، وجبيت له الأموال، ما بين غدران العراق إلى شحر عمان، إلى أقصى مخاليف اليمن. ثم توفي وعليه دين، ودرعه مرهونة. ولم يسأل حاجة قط فقال: لا. وكان إذا سئل أعطى، وإذا وعد أو أطمع كان وعده كالعيان، وإطماعه كالإنجاز.
ومدحته الشعراء بالجود، وذكرته الخطباء بالسماح. ولقد كان يهب للرجل الواحد الضاجعة من الشاء، والعرج من الإبل - وكان أكثر ما يهب الملك من العرب مائة بعير، فيقال: وهب هنيدة. وإنما يقال ذلك، إذا أريد بالقول غاية المدح - ولقد وهب لرجل ألف بعير. فلما رآها تزدحم في الهوادي قال: أشهد أنك نبي. وما هذا مما تجود به الأنفس.
وفخرت هاشم على سائر قريش فقالوا: نحن أطعم الطعام، وأضرب للهام. وذكرها بعض العلماء فقالوا: أجواد أمجاد، ذوو السنة حداد. وأجمعت الأمم كلها بخيلها وسخيها وممزوجها، على ذم البخل، وحمد الجود؛ كما أجمعوا على ذم الكذب وحمد الصدق. وقالوا: أفضل الجود، الجود بالمجهود. وحتى قالوا في جهد المقل، وفيمن أخرج الجهد وأعطى الكل. وحتى جعلوا لمن جاد بنفسه، فضيلة على من جاد بماله، فقال الفرزدق:
على ساعة لو كان في القوم حاتم * على جوده ضنت به نفس حاتم
ولم يكن الفرزدق ليضرب المثل في هذا الموضع بكعب بن مامة، وقد جاد بحوبائه عند المصافنة. فما رأينا عربياً سفه حلم حاتم لجوده بجميع ماله، ولا رأينا أحداً منهم سفه حلم كعب على جوده بنفسه، بل جعلوا ذلك من كعب لإياد مفخراً. وجعلوا ذلك من حاتم طيئ مأثرة لقحطان على عدنان، ثم للعرب على العجم، ثم لسكان جزيرة العرب ولأهل تلك البرية على سائر الجزائر والترب.
فمن أراد أن يخالف ما وصف اله - جل ذكره - به نفسه، وما منح من ذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، وما فطر على تفضيله العرب قاطبة، والأمم كافة، لم يكن عندنا فيه إلا إكفاره واستسقاطه.
ولم نر الأمة أبغضت جواداً قط، ولا حقرته، بل أحبته وأعظمته، بل أحبت عقبه وأعظمت من أجله رهطه. ولا وجدناهم أبغضوا جواداً، لمجاوزته حد الجود إلى السرف، ولا حقرته. بل وجدناهم يتعلمون مناقبه، ويتدارسون محاسنه. وحتى أضافوا إليه من نوادر الجميل ما لم يفعله، ونحلوه من غرائب الكرم ما لم يكن يبلغه. ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يضاعف، كما تضاعف الحسنات في الآخرة. نعم، وحتى أضافوا إليه كل مديح شارد، وكل معروف مجهول الصاحب. ثم وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل، على ضد هذه الصفة، وعلى خلاف هذا المذهب: وجدناهم يبغضونه مرة ويحقرونه مرة، ويبغضون بفضل بغضه ولده، ويحتقرون بفضل احتقارهم له رهطه، ويضيفون إليه من نوادر اللؤم ما لم يبلغه، ومن غرائب البخل ما لم يفعله. وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء، بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء.
وعلى أنا لا نجد الجوائح إلى أموال الأسخياء، أسرع منها إلى أموال البخلاء، ولا رأينا عدد من افتقر من البخلاء أقل.
والبخيل عند الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط، فقد يستحق عندهم اسم البخيل، ويستوجب الذم، من لا يدع لنفسه هوى إلا ركبه، ولا حاجة إلا قضاها، ولا شهوة إلا ركبها وبلغ فيها غايته. وإنما يقع عليه اسم البخيل، إذا كان زاهداً في كل ما أوجب الشكر، ونوه بالذكر، وادخر الأجر.
وقد يعلق البخيل على نفسه من المؤن، ويلزمها من الكلف، ويتخذ من الجواري والخدم، ومن الدواب والحشم، ومن الآنية العجيبة، ومن البزة الفاخرة. والشارة الحسنة، ما يربى على نفقة السخي المثري، ويضعف على جود الجواد الكريم. فيذهب ماله وهو مذموم، ويتغير حاله وهو ملوم. وربما غلب عليه حب القيان، واستهتر بالخصيان.
وربما أفرط في حب الصيد، واستولى عليه حب المراكب. وربما كان إتلافه في العرس والخرس والوليمة، وإسرافه في الإعذار وفي العقيقة والوكيرة. وربما ذهبت أمواله في الوضائع والودائع.
وربما كان شديد البخل، شديد الحب للذكر، ويكون بخله أوشج، ولؤمه أقبح؛ فينفق أمواله ويتلف خزائنه، ولم يخرج كفافاً، ولم ينج سليماً.
كأنك لم تر بخيلاً مخدوعاً، وبخيلاً مضعوفاً، وبخيلاً مضياعاً، وبخيلاً نفاجاً، وبخيلاً ذهب ماله في البناء، وبخيلاً ذهب ماله في الكيمياء، وبخيلاً أنفق ماله في طمع كاذب، وعلى أمل خائب، وفي طلب الولايات، والدخول في القبالات؛ وكانت فتنته بما يؤمل من الإمرة، فوق فتنته بما قد حواه من الذهب والفضة.
قد رأيناه ينفق على مائدته وفاكهته ألف درهم في كل يوم، وعنده في كل يوم عرس؛ ولأن يطعن طاعن في الإسلام، أهون عليه من أن يطعن طاعن في الرغيف الثاني، ولشق عصا الدين، أهون عليه من شق رغيف. لا يعد الثلمة في عرضه ثلمة، ويعدها في ثريدته من أعظم الثلم.
وإنما صارت الآفات إلى أموال البخلاء أسرع، والجوائح عليهم أكلب؛ لأنهم أقل توكلاً، وأسوأ بالله ظناً. والجواد إما أن يكون متوكلاً، وإما أن يكون أحسن بالله ظناً.
وهو على كل حال بالمتوكل أشبه، وإلى ما أشبهه أنزع. وكيفما دار أمره، ورجعت الحال به، فليس ممن يتكل على حزمه، ويلجأ إلى كيسه، ويرجع إلى جودة احتياطه، وشدة احتراسه.
واعتلال البخيل بالحدثان، وسوء الظن بتقلب الزمان، إنما هو كناية عن سوء الظن بخالق الحدثان، وبالذي يحدث الأزمان، وأهل الزمان. وهل تجري الأحداث إلا على تقدير المحدث لها، وهل تختلف الأزمنة إلا على تصريف من دبرها، أولسنا، وإن جهلنا أسبابها، فقد أيقنا بأنها تجري إلى غاياتها، والدليل على أنه ليس بهم خوف الفقر، وأن الجمع والمنع إما أن يكون عادة منهم، أو طبيعة فيهم، أنك قد تجد الملك بخيلاً، ومملكته أوسع، وخرجه أدر، وعدوه أسكن. وتجد أحزم منه جواداً، وإن كانت مملكته أضيق، وخرجه أقل، وعدوه أشد حركة.
وقد علمنا أن الزنج أقصر الناس مرة وروية، وأذهلهم عن معرفة العاقبة. فلو كان سخاؤهم إنما هو لكلال حدهم، وتكون الروم أبخل من الصقالبة؛ وكان ينبغي في الرجال في الجملة، وكان ينبغي أن يكون أقل البخلاء عقلاً؛ أعقل من أشد الأجواد عقلاً؛ وكان ينبغي للكلب - وهو المضروب به المثل في اللؤم - أن يكون أعرف بالأمور من الديك، المضروب به المثل في الجود.
قالوا: " هو أسخى من لا فظة " و " الأم من كلب على جيفة " و " الأم من كلب على عرق ".وقالوا: " أجع كلبك يتبعك "، و " نعم كلب في بؤس أهله "، و " سمن كلبك يأكلك "، و " أحرص من كلب على عقي صبي "، و " أجوع من كلبة حومل "، و " لهو أبذأ من كلب "، " حش فلان من خرء الكلب "، و " اخسأ "، كما يقال للكلب، و " كالكلب في الآرى: لا هو يعتلف، ولا هو يترك الدابة تعتلف ".
وقال الشاعر:
سرت ما سرت من ليلها ثم عرست * على رجل بالعـرج ألأم من كلب
وقال الله جل ذكره: (فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث).
وكان ينبغي في هذا القياس أن يكون المراوزة أعقل البرية، وأهل خراسان أدرى البرية.
ونحن لا نجد الجواد يفر من اسم السرف إلى الجود، كما نجد البخيل يفر من اسم البخل إلى الاقتصاد. ونجد الشجاع يفر من اسم المنهزم، والمستحي يفر من اسم الخجل. ولو قيل لخطيب ثابت الجنان: وقاح، لجزع - فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضلة - إلا الجواد، لقد كان في ذلك ما يبين قدره، ويظهر فضله.
المال فاتن، والنفس راغبة، والأموال ممنوعة، وهي على ما منعت حريصة. وللنفوس في المكاثرة علة معروفة؛ لأن من لا فكرة له ولا روية، موكل بتعظيم ذي الثروة، وإن لم تكن منه منالة. وقد قال الأول:
وزادها كلفاً بالحب أن منعت * أحب شيء إلى الإنسان ما منعا
وفي بعض كتب الفرس: كل عزيز تحت القدرة فهو ليل.
وقالت معاذة العدوية: كل مقدور عليه فمقلي أو محقور. ولو كانوا لأولادهم يجمعون، ولهم يكدون، ومن أجلهم يحرصون، لجعلوا لهم كثيراً مما يطلبون، ولتركوا محاسبتهم في كثير مما يشتهون. وهذا بعض ما بغض بعض المورثين إلى الوارثين، وزهد الأخلاف في طول عمر الأسلاف.
ولو كانوا لأولادهم يمهدون، ولهم يجمعون، لما جمع الخصيان الأموال، ولما كنز الرهبان الكنوز، ولاستراح العاقر من ذل الرغبة، ولسلم العقيم من كد الحرص. وكيف، ونحن نجده بعد أن يموت ابنه الذي كان يعتل به، والذي من أجله كان يجمع، على حاله في الطلب والحرص، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع.
والعامة لم تقصر في الطلب والحكرة، والبخلاء لم يحدوا شيئاً من جهدهم، ولا أعفوا بعد قدرتهم، ولا قصروا في شيء من الحرص والحصر؛ لأنهم في دار قلعة، وبعرض نقلة. حتى لو كانوا بالخلود موقنين، لأغفلوا تلك الفضول.
فالبخيل مجتهد، والعامي غير مقصر. فمن لم يستعن على ما وصفنا بطبيعة قوية، وبشهوة شديدة، وبنظر شاف، كان إما عامياً، وإما بخيلاً شقياً - ففيم اعتلالهم بأولادهم، واحتجاجهم بخوف التلون من أزمنتهم،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوافد كذب عنده كذبة، وكان جواداً: " لولا خصلة ومقك الله عليها، لشردت بك من وافد قوم ". وقال للأنصار: " من سيدكم "، قالوا: الحر بن قيس، على أنه يزن فينا ببخل، فقال: " وأي داء أدوأ من البخل " ثم جعله من أدوإ الداء.وقال للأنصار: " أما والله ما علمتكم إلا لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع ". وقال: " لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى ثالثاً، ولا يشبع ابن آدم إلا التراب؛ ويتوب الله على من تاب ". وقال: " السخاء من الحياء، والحياء من الإيمان ". وقال: " إن الله جواد يحب الجود ". وقال لقيس بن عاصم: " إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت. وما سوى ذلك فللوارث ".
وجاء في الأثر: إن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة. وفي المثل: اصنع الخير ولو إلى كلب: وقال في الحث على القليل، فضلاً على الكثير: قال الله جل ذكره: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره). وقالت عائشة في حبة عنب: إن فيها لمثاقيل ذر. ولذلك قالوا في المثل: من حقر حرم. وقال سلم بن قتيبة: يستحي أحدهم من تقريب القليل من الطعام، ويأبى أعظم منه. وقال: " جهد المرء أكثر من عفوه ". وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم جهد المقل على عفو المكثر، وإن كان مبلغ جهده قليلاً، ومبلغ عفو المكثر كثيراً. وقالوا: لا يمنعك من معروف صغره. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:" اتقوا النار ولو بشق تمرة ". وقال: لا تحقروا اللقمة؛ فإنها تعود كالجبل العظيم، لقول الله جل ذكره: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات). وقال: لا تردوه ولو بصلة حبل.
وقالت العرب: أتاكم أخوكم يستتمكم، فأتموا له. وقالوا: مانع الإتمام ألوم.
وقالوا: البخيل إن سأل ألحف، وإن سئل سوف. وقالوا: إن سئل جحد، وإن أعطى حقد. وقالوا: يرد قبل أن يسمع، ويغضب قبل أن يفهم. وقالوا: البخيل إذا سئل ارتز، وإذا سئل الجواد اهتز. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ينادي كل يوم مناديان من السماء: يقول أحدهما: اللهم عجل لمنفق خلفاً، ويقول الآخر: اللهم عجل لممسك تلفاً ". وقالوا: شر الثلاثة المليم، يمنع دره ودر غيره. وقال الله جل ذكره: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل). وقالوا في المثل - إن ألجأك الدهر إلى بخيل: شر ما ألجأك إلى مخة عرقوب. وقال: النبي صلى الله عليه وسلم: " قل العدل، وأعط الفضل ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنهاكم عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات ". وقال الله عز وجل: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً). وقال: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). وقال: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). وقالوا في الصبر على النائبة، وفي عاقبة الصبر: عند الصباح يحمد القوم السري. وقالوا: الغمرات ثم ينجلين.
وقال الخريمي:
ودون الندى في كل قلب ثنية * بها مصعد حزن ومنحدر سهل
وود الفتى في كل نيل ينيله * إذا ما انقضى لو أن نائله جزل
وقالوا: خير الناس، خير الناس للناس؛ وشر الناس، شر الناس للناس.
وقالوا: خير مالك ما نفعك. وقالوا عجباً لفرط الكبرة، مع شباب الرغبة
وقال الزاجر:
كلنا يأمل مداً في الأجـل * والمنايا هي آفات الأمل
وقال عبيد الله بن عكراش: زمن خون، ووارث شفون، وكاسب زون. فلا تأمن الخون، وكن وارث الشفون.
وقال: يهرم ابن آدم ويشب ومعه خصلتان: الحرص والأمل.
وكانوا يعيبون من يأكل وحده، وقالوا: ما أكل ابن عمر وحده قط. وقالوا: ما أكل الحسن وحده قط. وسمع مجاشع الربعي قولهم: الشحيح أعذر من الظالم، فقال: أخزى الله أمرين خيرهما الشح. وقال بكر بن عبد الله المزني: لو كان هذا المسجد مفعماً بالرجال، ثم قيل لي: من خيرهم، لقلت: خيرهم لهم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا أنبئكم بشراركم " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: " من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده ".
وقالت امرأة عند جنازة رجل: أما والله ما كان مالك لبطنك، ولا أمرك لعرسك.

مختصر: كتاب البخلاء للجاحظ