بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الضحك والبكاء وحياة البخلاء

رد ابن التوأم على رسالة أبي العاص الثقفي
فلما بلغت الرسالة ابن التوأم، كره أن يجيب أبا العاص، لما في ذلك من المناقشة والمباينة، وخاف أن يترقى الأمر إلى أكثر من ذلك. فكتب هذه وبعث بها إلى الثقفي:
أما بعد:
فقد بلغني ما كان من ذكر أبي العاص لنا، وتنويهه بأسمائنا، وتشنيعه علينا. وليس يمنعنا من جوابه إلا أنه إن أجابنا لم يكن جوابنا إياه على قوله الثاني، أحق بالترك من جوابنا له على قوله الأول. فإن نحن جعلنا لابتدائه جواباً، وجعلنا لجوابه الثاني جواباً، خرجنا إلى التهاتر وصرنا إلى التخابر. ومن خرج إلى ذلك فقد رضي باللجاج حظاً، وبالسخف نصيباً.
وليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى. ومن وقاه الله سوء التكفي وسخفه، وعصمه من سوء التصميم ونكده، فقد اعتدلت طباعه، وتساوت خواطره. ومن قامت أخلاطه على الاعتدال، وتكافأت خواطره في الوزن، لم يعرف من الأعمال إلا الاقتصاد، ولم يجد أفعاله أبداً إلا بين التقصير والإفراط؛ لأن الموزون لا يولد إلا موزوناً، كما أن المختلف لا يولد إلا مختلفاً. فالمتابع لا يثنيه زجر، وليست له غاية دون التلف. والمتكفي ليس له مأتى ولا جهة، ولا له رقية، ولا فيه حيلة. وكل متلون في الأرض فمنحل العقد، ميسر لكل ريح.
فدع عنك خلطة الإمعة، فإنه حارص لا خير فيه؛ واجتنب ركوب الجموح ذي النزوات، فإن غايته القتل الزؤاف؛ ولا في الحرون ذي التصمم. والمتلون شر من المصمم، إذ كنت لا تعرف له حالاً يقصد إليها، ولا جهة يعمل عليها. ولذلك صار العاقل يخدع العاقل، ولا يخدع الأحمق؛ لأن أبواب تدبير العاقل وحيلة معروفة، وطرق خواطره مسلوكه، ومذاهبه محصورة معدودة. وليس لتدبير الأحمق وحيله جهة واحدة من أخطأها كذب. والخبر الصادق عن الشيء الواحد واحد. والخبز الكاذب عن الشيء الواحد لا يحصى له عدد، ولا يوقف منه على حد. والمصمم قتله بالإجهاز، والمتلون قتله بالتعذيب. فإن قلنا، فليس إليه نقصد، وإن احتججنا، فليسنا عليه نرد. ولكنا إليك نقصد بالقول، وإليك نريد بالمشورة.
وقد قالوا: احفظ سرك، فإن سرك من دمك. وسواء ذهاب نفسك، وذهاب ما به يكون قوام نفسك. قال المنجاب العنبري: " ليس بكبير ما أصلحه المال ". وفقد الشيء الذي به تصلح الأمور أعظم من الأمور. ولهذا قالوا في الإبل: " لو لم يكن فيها إلا أنها رقوء الدم " - فالشيء الذي هو ثمن الإبل وغير الإبل أحق بالصون. وقد قضوا بأن حفظ المال أشد من جمعه. ولذلك قال الشاعر:
وحفظك مالاً قد عنيت بجمعه * أشد من الجمع الذي أنت طالبه
ولذلك قال مشتري الأرض لبائعها، حين قال له البائع: دفعتها إليك بطيئة الإجابة، عظيمة المؤنة. - قال: دفعتها إليك بطيئة الاجتماع، سريعة التفرق.
والدرهم هو القطب الذي تدور عليه رحى الدنيا. واعلم أن التخلص من نزوات الدرهم وتقلبه - من سكر الغنى - وتفلته شديد. فلو كان إذ تفلت، كان حارسه صحيح العقل، سليم الجوارح، لرده في عقاله، ولشده بوثاق. ولكنا وجدنا ضعفه عن ضبطه، بقدر قلقه في يده.
ولا تغتر بقولهم: مال صامت؛ فإنه أنطق من كل خطيب، وأنم من كل نمام. فلا تكترث بقولهم: هذين الحجرين، فتتوهم جمودهما وسكونهما، وقلة ظعنهما، وطول إقامتهما؛ فإن عملهما، وهما ساكنان، ونقضهما للطبائع، وهما ثابتان، أكثر من صنيع السم الناقع، والسبع العادي. فإن كنت لا تكتفي بصنيعه حتى تمده، ولا تحتال فيه حتى يحتال له، فالقبر خير لك من الفقر، والسجن خير لك من الذل.
وقولي هذا مرة يعقب حلاوة الأبد. فخذ لنفسك بالثقة. فقولك الماضي، حلو يعقب مرارة الأبد. فخذ لنفسك بالثقة. ولا ترض أن يكون الحرباء الراكب العود أحزم منك؛ فإن الشاعر يقول:
أني أتيح لها حرباء تنضبة * لا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقا
واحذر أن تخرج من مالك درهماً، حتى ترى مكانه خيراً منه. ولا تنظر إلى كثرته؛ فإن رمل عالج فلو أخذ منه ولم يرد عليه، لذهب عن آخره.
إن القوم قد أكثروا في ذكر الجود وتفضيله، وفي ذكر الكرم وتشريفه، وسموا السرف جوداً، وجعلوه كرماً. وكيف يكون كذلك وهو نتاج ما بين الضعف والنفج، وكيف، والعطاء لا يكون سرفاً إلا بعد مجاوزة الحق، وليس وراء الحق إلى الباطل كرم. وإذا كان الباطل كرماً كان الحق لؤماً. والسرف - حفظك الله - معصية. وإذا كانت معصية الله كرماً، كانت طاعته لؤماً. ولئن جمعهما اسم واحد، وشملهما حكم واحد، ومضادة الحق للباطل، كمضادة الصدق للكذب، والوفاء للغدر، والجور للعدل، والعلم للجهل، ليجمعن هذه الخصال اسم واحد، وليشملنها حكم واحد.
وقد وجدنا الله عاب السرف، وعاب الحمية، وعاب المعصية. ووجدناه خص السرف بما لم يخص به الحمية؛ لأنه ليس حب المرء لرهطه من المعصية، ولا أنفقته من الضيم من حمية الجاهلية. وإنما المعصية ما جاوز الحق، والحمية المعيبة ما تعدى القصد. فوجدنا اسم الأنفة قد يقع محموداً ومذموماً، وما وجدنا اسم المعصية، ولا اسم السرف يقع أبداً إلا مذموماً.
وإنما يسر باسم السرف جاهل لا علم له، أو رجل إنما يسر به، لأن أحداً لا يسميه مسرفاً حتى يكون عنده قد جاوز حد الجود، وحكم له بالحق، ثم أردفه بالباطل. فإن سر من غير هذا الوجه، فقد شارك المادح في الخطإ، وشاكله في وضع الشيء في غير موضعه.
وقد أكثروا في ذكر الكرم. وما الكرم إلا كبعض الخصال المحمودة التي لم يعدمها بعض الذم. وليس شيء يخلوا من بعض النقص والوهن. وقد زعم الأولون أن الكرم يسبب الغبا، وأن الغبا يسبب البله، وأنه ليس وراء البله إلا العته. وقد حكوا عن كسرى أنه قال: " احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع " ، وسواء جاع فظلم وأحفظ وعسف، أم جاع وكذب وضرع وأسف. وسواء جاع فظلم غيره، أم جاع فظلم نفسه.
والظلم لؤم. وإن كان الظلم ليس بلؤم، فالإنصاف ليس بكرم. فالجود إذا كان لله كان شكراً له، والشكر كرم. ولن يكون الجود - إذا كان معصية - كرماً. فكيف يتكرم من يتوصل بأياديك إلى معصيتك، وبنعمتك إلى سخطك، فليس الكرم إلا الطاعة. وليس اللؤم إلا المعصية، وليس بجود ما جاوز الحق، وليس بكرم ما خالف الشكر. ولئن كان مجاوز الحق كريماً، ليكونن المقصر دونه كريماً.
فإن قضيتم بقول العامة، فالعامة ليست بقدوة. وكيف يكون قدوة من لا ينظر ولا يحصل، ولا يفكر ولا يمثل، وإن قضيتم بأقاويل الشعراء، وما كان عليه أهل الجاهلية الجهلاء، فما قبحوه مما لا يشك في حسنه، أكثر من أن نقف عليه، أو نتشاغل باستقصائه.
على أنه ليس بجود إلا ما أوجب الشكر، كما أنه ليس ببخل إلا ما أوجب اللؤم. ولن تكون العطية نعمة على المعطى، حتى تراود بها نفس ذلك المعطى. ولن يجب عليه الشكر إلا مع شريطة القصد.
وكل من كان جوده يرجع إليه، ولولا رجوعه إليه لما جاد عليك، ولو تهيأ له ذلك المعنى في سواك لما قصد إليك - فإنما جعلك معبراً لدرك حاجته، ومركباً لبلوغ محبته.ولولا بعض القول، لوجب لك عليه حق يجب به الشكر. فليس يجب لمن كان كذلك شكر، وإن انتفعت بذلك منه، إذا كان لنفسه عمل، لأنه لو تهيأ له ذلك النفع في غيرك، لما تخطاه إليك.
وإنما يوصف بالجود في الحقيقة، ويشكر على النفع في حجة العقل - الذي إن جاد عليك، فلك جاد، ونفعك أراد، من غير أن يرجع إليه جوده بشيء من المنافع، على جهة من الجهات، وهو الله وحده لا شريك له.
فإن شكرنا للناس على بعض ما قد جرى لنا على أيديهم، فإنما هو لأمرين: أحدهما التعبد، وقد نعبد الله بتعظيم الوالدين، وإن كانا شيطانين، وتعظيم من هو أسن منا، وإن كنا أفضل منه. والآخر، لأن النفس ما لم تحصل الأمور وتميز المعاني، فالسابق إليها حب من جرى لها على يده خير، وإن كان لم يردها، ولم يقصد إليها.
ووجدنا عطية الرجل لصاحبه لا تخلوا أن تكون لله، أو لغير الله. فإن كانت لله، فثوابه على الله. وكيف يجب علي في حجة العقل شكره، وهو لو صادف ابن سبيل غيري لما حملني ولا أعطاني - وإما أن يكون إعطاؤه إياي للذكر. فإذا كان الأمر كذلك، فإنما جعلني سلماً إلى تجارته، وسبباً إلى بغيته؛ أو يكون إعطاؤه إياي من طريق الرحمة والرقة، ولما يجد في فؤاده من الغصة والألم، فإن كان لذلك أعطى، فإنما داوى نفسه من دائه، وكان كالذي رفه من خناقه. وإنه كان إنما أعطاني من خوف يدي أو لساني، أو اجترار معونتي ونصرتي، فسبيله سبيل جميع ما وصفنا وفصلنا.
فلاسم الجود موضعان: أحدهما حقيقة، والآخر مجاز. فالحقيقة ما كان من الله، والمجاز المشتق له من هذا الاسم. وما كان لله كان ممدوحاً، وكان لله طاعة. فإذا لم تكن العطية من الله ولا لله، فليس يجوز هذا فيما سموه جوداً، فما ظنك بما سموه سرفاً، أفهم ما أنا مورده عليك، وواصفه لك: إن التربح والتكسب والإستئكال بالخديعة والطعم الخبيثة فاشية غالبة، ومستفيضة ظاهرة. على أن كثيراً ممن يضاف اليوم إلى النزاهة والتكرم، وغلى الصيانة والتوقي، ليأخذ من ذلك بنصيب واف. فما ظنك بدهماء الناس وجمهورهم، بل ما ظنك بالشعراء والخطباء الذين إنما تعلموا المنطق لصناعة التكسب، وهؤلاء قوم بودهم أن أرباب الأموال قد جاوزوا حد السلامة غلى الغفلة، حتى لا يكون للأموال حارس، ولا دونها مانع.
فاحذرهم، ولا تنظر إلى بزة أحدهم، فإن المسكين أقنع منه، ولا تنظر غل موكبه، فإن السائل أعف منه. واعلم أنه مسك مسكين، وإن كان في ثياب جواد، وروحه روح نذل، وإن كان في جرم ملك. وإن اختلفت وجوه مسألتهم، واختلفت أقدار مطالبهم، فهو مسكين. إلا أن واحداً يطلب العلق، وآخر يطلب الخرق، وآخر يطلب الدوانيق، وآخر يطلب الألوف. فجهة هذا هي جهة هذا، وطعمة هذا هي طعمة هذا. وإنما يختلفون في أقدار ما يطلبون، على قدر الحذق والسبب. فأحذر رقاهم وما نصبوا لك من الشرك، واحرس نعمتك وما دسوا لها من الدواهي. واعمل على أن سحرهم يسترق الذهن، ويختطف البصر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من البيان لسحراً ". وسمع عمر بن عبد العزيز رجلاً يتكلم في حاجة فقال: هذا والله سحر الحلال.
إن مالك لا يسع مريديه، ولا يبلغ رضا طالبيه. ولو أرضيتهم بإسخاط مثلهم، لكان ذلك خسرانا مبيناً. فكيف ومن يسخط أضعاف من يرضى، وهجاء الساخط أضر من فقد مديح الراضي. وعلى أنهم إذا اعتوروك بمشاقصهم، وتداولوك بسهامهم، لم تر ممن أرضيته بإشخاطهم أحداً يناضل عنك، ولا يهاجي شاعراً دونك. بل يخليك غرضاً لسهامهم، ودريئة لنبالهم. ثم يقول: وما كان عليه لو أرضاهم، فكيف يرضيهم ورضا الجميع شيء لا ينال، وقد قال الأول: وكيف يتفق رضا المختلفين، وقالوا: منع الجميع أرضى للجميع.
إني أحذرك مصارع المخدوعين، وأرفعك عن مضاجع المغبونين. إنك لست كمن لم يزل يقاسي تعذر الأمور، ويتجرع مرارة العيش، ويتحمل ثقل الكد، ويشرب بكأس الذل، حتى كان يمرن على ذلك جلده، ويسكن عليه قلبه. وفقر مثلك مضاعف الألم، وجزع من لم يعرف الألم أشد. ومن لم يزل فقيراً فهو لا يعرف الشامتين، ولا يدخله المكروه من سرور الحاسدين، ولا يلام على فقره، ولا يصير موعظة لغيره وحديثاً يبقى ذكره، ويلعنه بعد الممات ولده.
ودعني من حكايات المستأكلين، ورقي الخادعين؛ فما زال الناس يحفظون أموالهم من مواقع السرف، ويخبئونها من وجوه التبذير. ودعني مما لا نراه إلا في الأشعار المتكلفة، والأخبار المولدة، والكتب الموضوعة. فقد قال بعض أهل زماننا: ذهبت المكارم إلا من الكتب.
فخذ فيما تعلم، ودع نفسك مما لا تعلم. هل رأيت أحداً قط أنفق ماله على قوم كان غناهم سبب فقره، أنه سلم عليهم حين افتقر، فردوا عليه - فضلاً على غير ذلك، أولست قد رأيتهم بين محمق، ومحتجب عنه، وبين من يقول: فهلا أنزل حاجته بفلان الذي كان يفضله ويقدمه ويؤثره ويخصه - ثم لعل بعضهم أن يتجنى عليه ذنوباً، ليجعلها عذراً في منعه، وسبباً إلى حرمانه. قال الله جل ذكره: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون).فأنا القائم عليك بالموعظة والزجر، والأمر والنهي؛ وأنت سالم العقل والعرض وافر المال، حسن الحال. فاتق أن أقوم غداً على رأسك بالتقريع والتعبير، والتوبيخ والتأنيب، وأنت عليل القلب، مختل العرض. عديم من المال، سيئ الحال.
ليس جهد البلاء مد الأعناق، وانتظار وقع السيوف؛ لأن الوقت قصير، والحس مغمور. ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلة، وتطول المدة، وتعجز الحيلة؛ ثم لا تعدم صديقاً مؤنباً، وابن عم شامتاً، وجاراً حاسراً، وولياً قد تحول عدواً، وزوجة مختلعة، وجارية مستبيعة، وعبداً يحقرك، وولداً ينتهرك.
فانظر أين موقع فوت الثناء، من موقع ما عددنا عليك من البلاء، على أن الثناء طعم، ولعلك ألا تطعمه، والحمد أرزاق، ولعلك ألا تحرمه.
وما يضيع من إحسان الناس أكثر. وعلى أن الحفظ قد ذهب بموت أهله. ألا ترى أن الشعر لما كسد أفحم أهله، ولما دخل النقص على كل شيء أخ الشعر منه بنصيبه، ولما تحولت الدولة في العجم - والعجم لا تحوط الأنساب، ولا تحفظ المقامات - لأن من كان في الريف والكفاية، وكان مغموراً بسكر الغنى، كثر نسيانه، وقلت خواطره. ومن احتاج تحركت همته، وكثر تنقيره.
وعيب الغني أنه يورث البلادة، وفضيلة الفقر أنه يبعث الفكر. وإن أنت صحبت الغني بإهمال النفس، أسكرك الغني. وسكر الغني سبة المستأكلين، وتهمة الخداعين. وإن كنت لا ترضى بحظ النائم، وبعيش البهائم، وأحببت أن تجمع مع تمام نفس المثري، ومع عز الغني وسرور القدرة، فطنة المخف، وخواطر المقل، ومعرفة الهارب، واستدلال الطالب - اقتصدت في الإنفاق، وكنت معداً للحدثان، ومحترساً من كل خداع.
لست تبلغ حيل لصوص النهار، وحيل سراق الليل، و حيل طراق البلدان ،وحيل أصحاب الكيمياء، وحيل التجار في الأسواق، والصناع في جميع الصناعات، وحيل أصحاب الحروب، وحيل المستأكلين والمتكسبين ولو جمعت الخبر والسحر والتمائم و السم، لكانت حيلهم في الناس أشد تغلغلاً، وأعرض، وأسرى في عمق البدن، وأدخل إلى سويداء القلب، وإلى أم الدماغ، وإلى صميم الكبد ولهي أدق مسلكاً، وأبعد غاية من العرق الساري، والشبه النازع، ولو اتخذت الحيطان الرفيعة الثخينة، والأقفال المحكمة الوثيقة؛ ولو اتخذت الممارق والجواسق، والأبواب الشداد، والحرس المتناوبين بأغلظ المؤن، وأشد الكلف، وتركت التقدم فيما هو أحضر ضرراً وأدوم شراً، ولا غرم عليك في الحراسة فيه، ولا مشقة عليك في التحفظ منه.
إنك إن فتحت لهم على نفسك مثل سم الخياط جعلوا فيه نهجاً، ولقي رحباً. فأحكم بابك، بل أدم إصفاقه، فهو أولى بك، بل إن قدرت على مصمت لا حيلة فيه، فذلك أشبه بحزمك.
ولو جعلت الباب مبهماً والقفل مصمتاً، لتسوروا عليك من فوقك. ولو رفعت سمكة إلى العيوق، لنقبوا عليك من تحتك.
قال أبو الدرداء: نعم صومعة المؤمن بيته. وقال ابن سيرين: العزلة عبادة.
حلاوة حديثهم تدعو إلى الاستكثار منهم، وتدعو إلى إحضار غرائب شهواتهم. فمن ذلك قول بعضهم لبعض أصحابه: كل رخلة، واشرب مشعلاً، ثم تجشأ واحدة، لو أن عليها رحى لطحنت، ومن ذلك قول الآخر، حين دخل على قوم وهم يشربون، وعندهم قيلن، فقالوا: اقترح أي صوت شئت، قال: أقترح نشيش مقلي، ومن ذلك قول المديني: من تصبح بسبع موزات، وبقدح من لبن الأوراك، تجشأ بخور الكعبة.
ومن ذلك قولهم لبعض هؤلاء وقدامهم خبيص: أيما أطيب، هذا أو الفالوذج أواللوزينج، قال: لا أقضي على غائب.
ومن ذلك كلام الجارود بن أبي سبرة، لبلال بن أبي بردة، حين قال له: صف لي عبد الأعلى وطعامه. قال: يأتيه الخباز فيمثل بين يديه، فيقول: ما عندك، فيقول: عندي جدي كذا، وعناق كذا، وبطة كذا - حتى يأتي على جميع ما عنده. قال: وما يدعوه إلى هذا، قال: ليقتصر كل امرئ في الأكل؛ حتى إذا أتي بالذي يشتهي، بلغ منه حاجته. قال: ثم ماذا، قال: ثم يؤتى بالمائدة فيتضايقون، حتى يخوي تخوية الظليم. فيجدون ويهزل؛ حتى إذا فتروا أكل أكل الجائع المقرور.
وقال آخر: أشتهي ثريدة دكناء من الفلفل، ورقطاء من الحمص، ذات جفافين من اللحم، لها جناحان من العراق، أضرب فيها ضرب اليتيم عند وصي السوء، وسئل بعضهم عن حظوظ البلدان في الطعام، وما قسم لكل قوم منه، فقال: ذهبت الروم بالجشيم والحشو، وذهبت فارس بالبارد والحلو. وقال عمر: لفارس الشفارج والحموض. فقال دوسر المديني: لنا الهرائس والقلايا، ولأهل البدو اللبأ والسلاء، والجراد والكمأة، والخبزة في الرائب، والتمر بالزبد.
وقد قال الشاعر:
ألا ليت خبزاً قد تسربل رائباً * وخيلاً من البرني فرسانها الزبد
ولهم البرمة والخلاصة والحيس والوطيئة.
وقال أعرابي: أتينا ببر كأفواه البعران، فخبزنا منه خبزة زيت في النار، فجعل الجمر يتحدر عنها تحدر الحشو عن البطان. ثم ثردناها، فجعل الثريد يجول في الإهالة جولان الضبعان في الضفرة. ثم أتينا بتمر كأعيان الورلان، يوحل في الضرس.
ونعت السويق بأنه من عدد المسافر، وطعام العجلان، وغذاء المبكر، وبلغة المريض. يشد فؤاد الحزين، ويرد من نفس المحدود. وحيد في السمين، ومنعوت في الطيب. قفاره يجلو البلغم، ومسمونه يصفي الدم، إن شئت كان ثريداً، وإن شئت كان خبيصاً، وإن شئت كان طعاماً، وإن شئت كان شراباً.
وقيل لبعض هؤلاء اللعامظة والمستأكلين والسفافين المقفعين، ورئي سميناً: ما أسمنك? قال: أكلي الحار، وشربي القار، والاتكاء على شمالي، وأكلي من غير مالي.
وقد قال الشاعر:
وإن امتلأ البطن في حسب الفتى * قليل الغناء وهو في الجسم صالح
وقيل لآخر: ما أسمنك، قال: قلة الفكرة، وطول الدعة، والنوم على الكظة.
وقال الحجاج للغضبان بن القبعثري: ما أسمنك، قال: القيد والرتعة. ومن كان في ضيافة الأمير سمن.
وقيل لآخر: إنك لحسن السمنة. قال: آكل لباب البر، وصغار المعز، وأدهن بخام البنفسج، وألبس الكتان.
والله لو كان من يسأل يعطى، لما قام كرم العطية بلؤم المسألة. ومدار الصواب على طيب المكسبة، والاقتصاد في النفقة. وقد قال بعض العرب: اللهم إني أعوذ بك من بعض الرزق، حين رأى نافجة من ماله من صداق أمه.
وأي سائل كان ألحف مسألة من الخطيئة وألأم، ومن ألأم من جرير بن الخطفي وأبخل، ومن أمنع من كثير، وأشح من ابن هرمة، ومن كان يشق غبار ابن أبي حفصة، ومن كان يصطلي بنار أبي العتاهية، ومن كأبي نواس في بخله، أو كان كأبي يعقوب الخريمي في دقة نظره وكثرة كسبه، ومن كان أكثر نحراً لجزرة لم تخلق من ابن هرمة، وأطعن برمح لم ينبت، وأطعم لطعام لم يزرع من الخريمي، فأين أنت عن ابن يسير، وأين تذهب عن ابن أبي كريمة، ولم تقصر في ذكر الرقاشي، ولم تذكر سره، إن الأعرابي شر من الحاضر، سائل جبار، وثابة ملاق؛ إن مدح كذب، وإن هجا كذب، وإن سب كذب، وإن طمع كذب. لا يعرفه إلا نطف أو أحمق، ولا يعطيه غلا من يحبه، ولا يحبه غلا من هو في طباعه.
ما أبطأكم عن البذل في الحق، وأسرعكم إلى البذل في الباطل، فإن كنتم الشعراء تفضلون، وإلى قولهم ترجعون، فقد قال الشاعر:
قليل المال تصلحه فيبقى * ولا يبقى الكثير على الفساد
وقد قال الشماخ بن ضرار:
لمال المرء يصلحه فيغني * مفاقره أعـف من القـنوع
وقال أحيحة بن الجلاح:
استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب * من ابن عم ولا عم ولا خال
إني أكب على الزوراء أعمرها * إن الكريم على الأقوام ذو مال
وقال أيضاً:
استغن عن كل ذي قربى وذي رحم * إن الغني من استغنى عن الناس
والبس عدوك في رفق وفي دعة * لباس ذي إربة للدهر لباس
ولا يغرنك أضغان مزملة * قد يضرب الدبر الـدامي بأحلاس
وقال سهل بن هارون:
إذا امرؤ ضاق عني لم يضق خلقي * من أن يراني غنياً عنه بالياس
فلا يراني إذا لم يرع آصرتي * مستمر يا درراً منه بإبساس
لا أطلب المال كي أغني بفضلته * ما كان مطلبه فقراً إلى الناس
وقال أبو العتاهية:
أنت ما استغنيت عن صا * حبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليه * ساعة مجك فـوه
وقال أحيحة بن الجلاح:
فلو أني أشاء نعمت بالاً * وباكرني صبوح أو نـشيل
ولاعبني على الأنماط لعس * على أنيابهن الزنجبيل
ولكني خلقت إزاء مال * فأبخل بعد ذلك أو أنيل
وقال آخر:
أبا مصلح أصلح ولا تـك مفسداً * فإن صلاح المال خير من الفقر
ألم تر أن المرء يزداد عزة * على قومه أن يعلموا أنه مثري
وقال عروة بن الورد:
ذريني للغنى أسعى فإني * رأيت الناس شرهم الفـقـير
وأبعدهم وأهونهم عليهم * وإن أمسى له نسب وخير
ويقصى في الندى وتزدريه * حليلته وينهره الصغـير
وتلقى ذا الغنى وله جلال * يكـاد فـؤاد صاحبه يطــير
قليل ذنبه والذنب جم * ولـكـن بالغـني اضحى غـفـور
وقال آخر:
وللمال مني جانب لا أضيعه * وللهو مني والبطالة جانب
وقال الأخنس بن شهاب:
وقد عشت دهراً والغواة صحابتي * أولئك إخـواني الذين أصاحب
فأديت عني ما استعرت من الصبا * وللمال مني اليوم راع وكاسب
وقال ابن أذينة الثقفي:
من يجمع المال ولا يثبه * ويترك العام لعام جدبه
يهن على الناس هوان كلبه
وقد قيل في المثل: الكد قبل المد، وقال لقيط: الغزو أدر للقاح، وأحد للسلاح.
وقال أبو المعافى:
وإن التواني أنكح العجز بنته * وساق إليها حين زوجها مهراً
فراشاً وطيئاً، ثم قال لها * اتكيف قصركما لابد أن تلدا الفقرا
وقال عثمان بن أبي العاص: ساعة لدنياك، وساعة لآخرتك.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ". وقال صلى الله عليه وسلم: " خير الصدقة ما أبقى غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الثلث. والثلث كثير ، إنك إن تدع ولدك أغنياء، خير من أن يتكففوا الناس ".
وقال ابن عباس رضى الله عنه: وددت أن الناس غضوا من الثلث شيئاً، لقول النبي عليه السلام: " الثلث. والثلث كثير ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت ".
وأنتم ترون أن المجد والكرم أن أفقر نفسي بإغناء غيري، وأن أحوط عيال غيري بإضاعة عيالي! وقال في ذلك ابن هرمة:
كتاركة بيضها بالعراء * وملبسة بيض أخرى جناحا
وقال آخر:
كمفسد أدناه ومصلح غيره * ولم يأتمر في ذاك أمر صلاح
وقال آخر:
كمرضعة أولاد أخرى وضيعت * بنـيهـا ولم ترقع بذلك مرقعا
وقال الله تبارك وتعالى: (ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين). وقال: (ويسألونك ماذا ينفقون، قل العفو). فأذن في العفو ولم يأذن في الجهد، وأذن في الفضول ولم يأذن في الأصول.
وأراد كعب بن مالك أن يتصدق بماله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك مالك ". فالنبي صلى الله عليه وسلم يمنعه من إخراج ماله في الصدقة، وأنتم تأمرونه بإخراجه في السرف والتبذير،
وخرج غيلان بن سلمة من جميع ماله، فأكرهه عمر على الرجوع فيه، وقال: لو مت لرجمت قبرك، كما يرجم قبر أبي رغال.
وقال الله جل وعز: (لينفق ذو سعة من سعته. ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يكفيك ما بلغك المحل ". وقال: " ما قل وكفى، خير مما كثر وألهى ". وقال الله تبارك وتعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواماً). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المنبت، لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى ". وقال الله جل ذكره: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً).
ولذلك قالوا: خير مالك ما نفعك، وخير الأمور أواسطها، وشر السير الحقحقة، والحسنة بين السيئتين. وقالوا: دين الله بين المقصر والغالي. وقالوا حنيفة المثل: بينهما يرمى الرامي. وقالوا: عليك بالسداد والاقتصاد، ولا وكس ولا شطط. وقالوا: بين الممخة والعجفاء. وقالوا: لا تكن حلواً فتبتلع، ولا مراً فتلفظ. وقالوا في المثل: ليس الري عن التشاف. وقالوا: يا عاد اذكر حلاً. وقالوا: الرشف أنقع للظمآن. وقالوا: القليل الدائم أكثر من الكثير المنقطع. وقال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي ببعض الباطل، كراهة أن أحمل عليها من الحق ما ملها.
وقال الشاعر:
وإني لحلو تعتريني مرارة * وإني لصعب الرأس غير جموح
وقالوا: في عدل المصلح ولائمة المقتصد وقالوا: الشحيح أعذر من الظالم. وقالوا: ليس من العدل سرعة العذل. وقالوا: لعل له عذراً وأنت تلوم. وقالوا: رب لائم مليم. وقال الأحنف: رب ملوم لا ذنب له. وقال: إعطاء السائل تضرية، وإعطاء الملحف مشاركة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تصلح المسألة إلا في ثلاث: فقر مدقع، وغرم مفظع، ودم موجع ".
وقال الشاعر:
الحر يلحى والعصا للعبـد * وليس للملحف غير الرد
وقالوا: إذا جد السؤال، جد المنع. وقالوا: احذر إعطاء المخدوعين، وبذل المغبونين، فإن المغبون لا محمود ولا مأجور. ولذلك قالوا: لا تكن أدنى العيرين إلى السهم. يقول: إذا أعطيت السائلين مالك، صارت مقاتلك أظهر لأعدائك من مقاتلهم. وقالوا: الفرار بقراب أكيس. وقال أبو الأسود: ليس من العز أن تتعرض للذل، ولا من الكرم أن تستدعي اللؤم. ومن أخرج ماله من يده افتقر، ومن افتقر فلا بد له من أن يضرع، والضرع لؤم. وإن كان الجود شقيق الكرم، فالأنفة أولى بالكرم. وقد قال الأول: اللهم لا تنزلي ماء سوء، فأكون امرأ سوء.
وقد قال الشاعر:
واخط مع الدهر إذا ما خطا * واجر مع الدهر كما يجـري
وقد صدق قول القائل: من احتاج اغتفر، ومن اقتضى تجوز. وقيل لريسيموس: تأكل في السوق، قال: إن جاع ريسيموس في السوق، أكل في السوق. وقال: من أجدب انتجع، ومن جاع جشع. وقال: احذروا نفار النعمة، فإنها نوار؛ وليس كل شارد بمردود، ولا كل ناد بمصروف، وقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: قلما أدبر شيء فأقبل. وقالوا: رب أكلة تمنع أكلات، ورب عجلة تهب ريثاً. وعابوا من قال: أكلة وموتة. وقالوا: لا تطلب أثراً بعد عين. وقالوا: لا تكن كمن تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن. فانظر كيف تخرج الدرهم، ولم تخرجه. وقالوا: شر من المررئة سوء الخلف.
وقال الشاعر:
إن يكن ما به أصبت جليلاً * فذهاب العـزاء فيه أجـل
ولأن تفتقر بجائحة نازلة، خير لك من أن تفتقر بجناية مكتسبة. ومن كان سبباً لذهاب وفره، لم تعدمه الحسرة من نفسه، واللائمة من غيره، وقلة الرحمة، وكثرة الشماتة، مع الإثم الموبق، والهوان على الصاحب.
وذكر عمر بن الخطاب رضى الله عنه فتيان قرش، وسرفهم في الإنفاق، ومسابقتهم في التبذير، فقال: لخرقة أحدهم أشد علي من عيلته يقول: إن إغناء الفقير، أهون علي من إصلاح الفاسد. ولا تكن على نفسك أشأم من خوتعة، وعلى أهلك أشأم من البسوس، وعلى قومك أشأم من عطر مشم. ومن سلط الشهوات على ماله، وحكم الهوى في ذات يده، فبقي حسيراً، فلا يلومن إلا نفسه. وطوبى لك يوم تقدر على قديم تنتفع به.
قال الأضبط بن قريع، لما انتقل في القبائل فأساءوا جواره، بعد أن تأذى ببني سعد: بكل وا بنو سعد. خذ بقولي، ودع قول أبي العاص. وخذ بقول من قال: عش ولا تغتر؛ وبقول من قال: لا تطلب أثراً بعد عين؛ وبقول من قال: املأ حبك من أول مطرة، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك. أخوك من صدقك، ومن أتاك من جهة عقلك، ولم يأتك من جهة شهوتك. وأخوك من احتمل ثقل نصيحتك في حظك، ولم تأمن لائمته إياك في غدك.
وقال الآخر:
إن أخاك الصدق من لن يخدعك * ومن يضير نفسه لينفعك
وقال عبيد بن الأبرص:
واعلمن علماً يقيناً أنه * ومن يرجى لك من ليس معك
ولا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وعين من عقلك على طباعك؛ أو ما كان لك أخ نصيح، ووزير شفيق. والزوجة الصالحة عون صدق. والسعيد من وعظ بغيرة.
فإن أنت لم ترزق من هذا الخصال خصلة واحدة، فلابد لك من نكبة موجعة، يبقى أثرها، ويلوح لك ذكرها. ولذلك قالوا: خير مالك ما نفعك. ولذلك قالوا: لم يذهب من مالك ما وعظك.
إن المال محروص عليه، ومطلوب في قعر البحار، وفي رءوس الجبال، وفي دغل الغياض؛ ومطلوب في الوعورة كما يطلب في السهولة. وسواء فيها بطون الأودية، وظهور الطرق، ومشارق الأرض ومغاربها. فطلبت بالعز، وطلبت بالذل، وطلبت بالوفاء، وطلبت بالغدر؛ وطلبت بالنسك، كما طلبت بالفتك، وطلبت بالصدق، كما طلبت بالكذب؛ وطلبت بالبذاء، وطلبت بالملق - فلم تترك فيها حيلة ولا رقية؛ حتى طلبت بالكفر بالله، كما طلبت بالإيمان. وطلبت بالسخف، كما طلبت بالنبل. فقد نصبوا الفخاخ بكل موضع، ونصبوا الشرك بكل ربع. وقد طلبك من لا يقصر دون الظفر. وحسدك من لا ينام دون الشفاء.
وقد يهدأ الطالب الطوائل، والمطلوب بذات نفسه، ولا يهدأ الحريص. يقال إنه ليس في الأرض بلدة واسطة، ولا بادية شاسعة، ولا طرف من الأطراف، إلا وأنت واجد بها المديني والبصري والحيري. وقد ترى شنف الفقراء للأغنياء، وتسرع الرغبة إلى الملوك، وبغض الماشي للراكب، وعموم الحسد في المتفاوتين.
وإن لم تستعمل الحذر، وتأخذ بنصيبك من المداراة، وتتعلم الحزم، وتجالس أصحاب الاقتصاد، وتعرف الدهور - ودهرك خاصة - وتمثل لنفسك الغير، حتى تتوهم نفسك فقيراً ضائعاً، وحتى تتهم شمالك على يمينك، وسمعك على بصرك، ولا يكون أحد أتهم عند نفسك من ثقتك، ولا أولى بأخذ الحذر منه من أمينك - اختطفت اختطافاً، واستلبت استلاباً، وذوبوا مالك وتحيفوه، وألزموه السل ولم يداووه. وقد قالوا: بلي المال ربه، وإن كان أحمق. فلا تكونن دون ذلك الأحمق. وقالوا: لا تعدم صناع ثلة. فلا تكونن دون تلك الصناع. وقد قال الأول في المال المضيع المسلط عليه شهوات العيال: ليس لها راع، ولكن حلبة.
وليس مالك المال المعفى من الأضراس، فيقال فيه: مرعىً ولا أكولة، وعشب ولا بعير. فقصاراك مع الإصلاح أن يقوم ببطنك وبحوائجك وبما ينوبك. ولا بقاء للمال على قلة الرعي، وكثرة الحلب.
فكس في أمرك، وتقدم في حفظ مالك؛ فإن من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين. والأكرمان: الدين والعرض. وقد قيل: للرمي يراش السهم، وعند النطاح تغلب القرناء.
وإذا رأت العرب مستأكلاً وافق غمراً قالت: ليس عليك نسجه، فاسحب وخرق.وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الناس كلهم سواء كأسنان المشط، والمرء كثير بأخيه "، ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك ما يرى لنفسه. فتعرف شأن أصحابك، ومعنى جلسائك. فإن كانوا في هذه الصفة فاستعمل الحزم، وإن كانوا في خلاف ذلك عملت على حسب ذلك.
إني لست أمرك إلا بما أمرك به القرآن. ولست أوصيك إلا بما أوصاك به الرسول صلى الله عليه وسلم. ولا أعظك إلا بما وعظ به الصالحون بعضهم بعضاً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اعقلها وتوكل ". وقال مطرف بن الشخير: من نام تحت صدف مائل، وهو ينوي التوكل، فليرم بنفسه من طمار، وهو ينوي التوكل، فأين التوقي الذي أمر الله به، وأين التغرير الذي نهى عنه، ومن طمع في السلامة من غير تسلم، فقد وضع الطمع في موضع الأماني. وإنما ينجز الله الطمع، إذا كان فيما أمر به، وإنما يحقق من الأمل، ما كان هو المسبب له.
وفر عمر رضى الله عنه من الطاعون، فقال له أبو عبيدة: أتفر من قدر الله، قال نعم، إلى قدر الله ، وقيل له: هل ينفع الحذر من القدر، فقال: لو كان الحذر لا ينفع، لكان الأمر به لغواً.
فإبلاء العذر هو التوكل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل قال في خصومة: حسبي الله: " أبل الله عذراً، فإذا أعجزك أمر، فقل: حسبي الله ".
وقال زهير البابي: إن كان التوكل أن أكون متى أخرجت مالي أيقنت بالخلف، وجعلت الخلف مالاً يرجع في كيسي، ومتى ما لم أحفظه أيقنت بأنه محفوظ، فإني أشهدكم أني لم أتوكل قط. إنما التوكل أن تعلم أنك متى أخذت بأدب الله أنك تتقلب في الخير، فتجزى بذلك إما عاجلاً وإما آجلاً - ثم قال: فلم تجر أبو بكر، ولم تجر عمر، ولم تجر عثمان، ولم تجر الزبير، ولم تجر عبد الرحمن ـ رضى الله عنهم جميعآ ـ ولم علم عمر الناس يتجرون، وكيف يشترون ويبيعون، ولم قال عمر: إذا اشتريت جملاً فاجعله ضخماً، فإن لم يبعه الخبر باعه المنظر، ولم قال عمر: فرقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين. ولم قيل: لا تشتر عيباً ولا شيباً،
وكيف نرجو الوفاء، والقيام بالحق، والصبر على النائبة، من عند لعموظ مستأكل، وملاق مخادع، ومنهوم بالطعام شره، لا يبالي بأي شيء أخذ الدرهم، ومن أي وجه أصاب الدينار، ولا يكترث للمنة، ولا يبالي أن يكون أبداً منهوماً، منعوماً عليه؛ وليس يبالي - إذا أكل - كيف كان ذلك الطعام، وكيف كان سببه، وما حكمه، فإن كان مالك قليلاً، فإنما هو قوام عيالك، وإن كان كثيراً فاجعل الفاضل لعدة نوائبك. ولا يأمن الأيام إلا المضلل، ولا يغتر بالسلامة إلا المغفل. فأحذر طوارق البلاء، وخدع رجال الدهاء. سمنك في أديمك، وغثك خير من سمين غيرك، لو وجدته، فكيف ودونه أسل حداد، وأبواب شداد،
قالت امرأة لبعض العرب: إن تزوجتني كفيتك فأنشأ يقول :
إذا لم يكن لي غير مالك، مسني * خصاص، وبان الحمد مني والأجر
وما خير مال ليس نافع أهله * ولـيس لـشـيخ الـحـي فـي أمـره أمـــر
ثم رجع إلى أحاديث البخلاء، وإلى طرف معانيهم وكلامهم.

مختصر: كتاب البخلاء للجاحظ