بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الضحك والبكاء وحياة البخلاء
ختام المختصر والحمد لله

الخبر عن العرب والأعراب فى ضروب الطعام
قال عمرو الجاحظ: احتجنا عند التطويل، وحين صار طويلاً كبيراً، إلى أن يكون قد دخل فيه من علم العرب وطعامهم، وما يتمادحون به، وما يتهاجون به، شيء وإن قل؛ ليكون الكتاب قد انتظم جمل هذا الباب. ولولا أن يخرج من مقدار شهوة الناس، لكان الخبر عن العرب والأعراب، أكثر من جميع هذا الكتاب.
الطعام ضروب. والدعوة اسم جامع. وكذلك الزلة. ثم منه العرس والخرس والإعذار والوكيرة والنقيعة. والمأدبة اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعات.
قال الشاعر:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى * لا ترى الآدب فينا ينتقر
وجاء في الحديث: القرآن مأدبة الله. وقد زعم ناس أن العرس هو الوليمة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن: " أولم ولو بشاة ". وكان ابن عوف والأصمعي من بعده يذمان عمرو بن عبيد، ويقولون: لا يجيب الولائم، يجعلان طعام الإملاك والأعراس والسبوع والختان وليمة. والعرس معروف. إلا أن المفضل الضبي زعم أن هذا الاسم مأخوذ من قولهم: لا عطر بعد عروس. وكان الأصمعي يجعل العروس رجلاً بعينه، كان بنى على أهله فلم تتعطر له. فسمى بعد ذلك كل بان على أهله بذلك الاسم. ومثل هذا لا يثبت إلا بأن يستفيض في الشعر، ويظهر في الخبر.
وأما الخرس فالطعام الذي يتخذ صبيحة الولادة للرجال والنساء. وزعموا أن أصل ذلك مأخوذ من الخرسة. والخرسة طعام النفساء. قالت جارية ولدت حين لم يكن لها من يخدمها ويمارس لها ما يمارس للنفساء: تخرسي، لا مخرسة لك.
وفي الخرسة يقول مساور الوراق:
إذا أسدية ولدت غلاماً * فبشرها بلؤم في الغلام
تخرسها نساء بني دبير * بأخبث ما يجدن من الطعام
وقال ابن قميئة:
شركم حاضر وخيركم د * ر خروس من الأرانب بكر
فالخروس هي صاحبة الخرسة.
والأعذار طعام الختان. يقال: صبي معذور، وصبي معذر، جميعاً. وقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يريد تقاربهم في الأسنان: كنا إعذار عام واحد.
وقال النابغة:
فنكحن أبكاراً وهن بإمة * أعجلنهن مظنة الإعذار
فزعموا أنهم سموا طعام الإعذار بالإعذار، للملابسة والمجاورة.
كان الأصمعي يقول: قد كان للعرب كلام على معان. فإذا ابتدلت تلك المعاني، لم تتكلم بذلك الكلام. فمن ذلك قول الناس اليوم: ساق إليها صداقها. وإنما كان هذا يقال حين كان الصداق إبلا وغنماً. وفي قياس قول الأصمعي أن أصحاب التمر الذين كان التمر دياتهم ومهورهم، كانوا لا يقولون: ساق فلان صداقه. قال: ومن ذلك قول الناس اليوم: قد بنى فلان البارحة على أهله . وإنما كان هذا القول لمن كان يضرب على أهله في تلك الليلة قبته وخيمته. وذلك هو بناؤه.
ولذلك قال الأول:
لو نزل الغيث أبنين امرأً * كانت له قبة، سحق بجاد
وكان الأصمعي يعد من هذا أشياء ليس لذكرها هاهنا وجه.
ومن طعامهم الوكيرة. وهو طعام البناء. كان الرجل يطعم من يبني له. وإذا فرغ من بنائه تبرك بإطعام أصحابه ودعائهم.
ولذلك قال قائلهم:
خير طعام شهد العشيرة * العرس والإعذار والوكيرة
ويسمون ما ينحرون من الإبل والجزر من عرض المغنم النقيعة.
قال الشاعر:
إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم * ضرب القدار نقيعة القدام
والعقيقة دعوة على لحم الكبش الذي يعق عن الصبي. والعقيقة اسم للشعر نفسه. والأشعار هي العقائق. وقولهم: عقوا عنه، أي احلقوا عقيقته. ويقولون: عق عنه، وعق عليه. فسمى الكبش - لقرب الجوار وسبب المتلبس - عقيقة. ثم سموا ذلك الطعام باسم الكبش.
وكان الأصمعي يقول: لا يقولن أحدكم: أكلت ملة، بل يقول: أكلت خبزة وإنما الملة موضع الخبزة. وكذلك يقول في الراوية والمزادة، يقول: الراوية هو الجمل. وزعموا أنهم اشتقوا الراوية للشعر من ذلك.
فأما الدعاء إلى هذه الأصناف، فمنه المذموم، ومنه الممدوح. فالمذموم النقرى، والممدوح الجفلى. وذلك أن صاحب المأدبة وولى الدعوة، إذا جاء رسوله، والقوم في أحويتهم وأنديتهم، فقالوا: أجيبوا إلى طعام فلان. فجعلهم جفلة واحدة، وهي الجفالة. فذلك هو المحمود. وإذا انتقر فقال: قم أنت يا فلان، وقم أنت يا فلان؛ فدعا بعضاً وترك بعضاً، فقد انتقر.
قال الهذلي:
وليلة يصطلى بالفرث جازرها * يخص بالنقرى المثرين داعيها
يقول: لا يدعوا فيها أصحاب الثروة وأهل المكافأة. وهذا قبيح.
وقال في ذلك بعض ظرفائنا:
آثر بالجدي وبالمائدة * من كان يرجو عنده الفائدة
لو كان مكوكان في كفه * من خردل ما سقطت واحدة
وقال طرفة بن العبد:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى * لا ترى الآدب فينا ينتقر
ولما غزا بسطام بن قيس الشيباني مالك بن المنتفق الضبي، وأثبته عاصم بن خليفة الضبي، شد عليه فطعنه وهو يقول:
وهذا وفي الجفلة لا يدعوني
ويروى: في الحفلة لا يدعوني. كأنه حقد عليه، حين كان يدعو أهل المجلس ويدعه.
والطعام المذموم عندهم ضربان: أحدهما طعام المجاوع والحطمات، والضرائك والسباريت، واللئام والجبناء، والفقراء والضعفاء. من ذلك: الفث والدعاع والهبيد والقرامة والقرة والعسوم ومنقع البرم والقصيد والقد والحيات.
فأما الفظ فإنه وإن كان شراباً كريهاً، فليس يدخل في هذا الباب. وكذلك المجدوح. فأما الفظ، فإنه عصارة الفرث، إذا أصابهم العطش في المفارز. وأما المجدوح، فإنهم إذا بلغ العطش منهم المجهود، نحروا الإبل، وتلقوا ألبابها بالجفان، كي لا يضيع من دمائها شيء. فإذا برد الدم ضربوه بأيديهم، وجدحوه بالعيدان جدحاً حتى ينقطع، فينعزل ماؤه من ثقله، كما يخلص الزبد بالمخيض، والجبن بالأنفحة، فيتصافنون ذلك الماء، ويتبلغون به، حتى يخرجوا من المفازة.
وقال الشاعر:
لم تأكل الفث والدعاع ولم * تجن هبيداً بجنبة مهتبد
وقال أمية بن أبي الصلت:
ولا يتنازعون عنان شرك * ولا أقوات أهلهم العسوم
ولا قرن يقزز من طعام * ولا نصب ولا مولى عديم
وقال معاوية بن أبي ربيعة الجرمي في الفترة، وهو يعير بني أسد وناسا من هوازن، وهما ابنا القملية:
ألم تر جرماً أمجدت وأبوكم * مع الشعر في قص الملبد شـارع
إذا قرة جاءت يقول أصيب بها * سوى القمل إني من هوازن ضارع
والقرامة نحاتة القرون والأظلاف والمناسم وبرادتها. والعلهز القردان؛ ترض وتعجن بالدم. والقرة الدقيق المختلط بالشعر. كان الرجل منهم لا يحلق رأسه إلا وعلى رأسه قبضة من دقيق، للأكل. فهو معيب.
وفي أكل الحيات بقوله ابن مناذر:
فإياكم والريف لا يقربنه * فإن لديه الحيف والموت قاضيا
وهم طردوكم عن بلاد أبيكم * وأنتم حلول تشتوون الأفاعيا
وقد يضيقون في شراب غير المجدوح والفظ، في المغازي والأسفار؛ فيمدحون من آثر صاحبه، ولا يذمون من أخذ حقه منه. وهو ماء المصافنة. والمصافنة مقاسمة هذا الماء بعينه. وذلك أن الماء إذا نقص عن الري، اقتسموه بالسواء. ولم يكن للرئيس ولا لصاحب المرباع والصفي وفضول المقاسم فضل على أخس القوم. وهذا خلق عام ومكرمة عامة في الرؤساء.
قال الفرزدق:
فلما تصافنا الإداواة أجهشت * إلى غضون العنبري الجراضم
على ساعة لو أن في القوم حاتماً * على جوده ضننت به نفس حاتم
وبذلك المذهب من الأثرة، مدح الشاعر كعب بن يمامة، حين آثر بنصيبه رفيقه النمري، فقال:
ما كان من سوقة أسقى على ظمإ * خمراً بماء إذا ناجودها بردا
من ابن مامة كعب ثم عي به * زو المنية، إلا حـرة وقـدى
أو في على الماء كعب ثم قيل له * رد كعب إنك وراد فما وردا
وفي المصافنة يقول الأسدي:
كأن أطيطا يا بنة القوم لم ينخ * قلائص يحكيها الحني المنقح
ولم يسق قوماً فارسي على الحصى * صباب الأداوي والمطيات جنح
ويزعمون أن الحصاة التي إن غمرها الماء في الإناء كانت نصيب احدهم، تسمى المقلة. وهذا الحرف سمعته من البغداديين. ولم أسمعه من أصحابنا. وقد برئت إليك منه.
وقال ابن جحوش في المصافنة:
وقد يصيب القوم في باديتهم ومواضعهم، من الجهد ما لم يسمع به في أمة من الأمم، ولا في ناحية من النواحي. وإن أحدهم ليجوع حتى يشد على بطنه الحجارة، وحتى يعتصم بشده معاقد الإزار، وينزع عمامته من رأسه، فيشد بها بطنه، وإنما عمامته تاجه.
والأعرابي يجد في رأسه من البرد إذا كان حاسراً ما لا يجده أحد، لطول ملازمته العمامة، ولكثرة طيها وتضاعف أثنائها. ولربما اعتم بعمامتين. ولربما كانت على قلنسوة حدرية.
وقال أبو سعيد الخدري: أخذت حجراً فعصبته على بطني من الجوع، وأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله. فلما سمعته وهو يخطب: " من يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله "، رجعت ولم أسأله.
قال أعرابي: جعت حتى سمعت من مسامعي دوياً. فخرجت أريغ الصبد، فإذا بمغارة، وإذا هو جرو ذئب. فذبحته وأكلته، وادهنت واحتذيت.
ولما قدم المغيرة القادسية على سعد بسبعين من الظهر، وعند سعد ضيق شديد من الحال، نحروها وأكلوا لحومها، وادهنوا بشحومها، واحتذوا جلودها.
وذكروا عن عبد الملك بن عمير، عن رجل من بني عذرة، قال: خرجت زائراً لأخوال لي بهجر. فإذا هم في برث أحمر بأقصى هجر، في طلوع القمر. فذكروا أن أتاناً تعتاد نخلة، فترفع يديها، وتعطو بفيها، وتأخذ الحلقان والمنسبتة والمنصفة والمعوة. فتنكبت قوسي، وتقلدت جفيري. فإذا قد أقبلت. فرميتها، فخرت لفيها. فأدركت، فقورت سرتها ومعرفتها. فقدحت ناري، وجمعت حطي ثم دفنتها. ثم أدركني ما يدرك الشباب من النوم. فما استيقظت إلا بحر الشمس في ظهري. ثم كشفت عنها. فإذا لها غطيط من الودك كتداعي طيء وغطيف وغطفان. ثم قمت إلى الرطب وقد ضربه برد السحر. فجنيت المعوة والحلقان. فجعلت أضع الشحمة بين الرطبتين، والرطبة بين الشحمتين، فأظن الشحمة سمنة ثم سلاءة، وأحسبها من حلاوتها شهدة أحدرها من الطور.
وأنا أتهم هذا الحديث، لأن فيه ما لا يجوز أن يتكلم به عربي يعرف مذاهب العرب. وهو من أحاديث الهيثم.
وقال مديني لأعرابي أي شيء تدعون، وأي شيء تأكلون، قال: نأكل ما دب ودرج، إلا أم حبين. فقال المديني: لتهن أم حبين العافية.
وقال الأصمعي: تعرق أعرابي عظماً. فلما أراد أن يلقيه - وله بنون ثلاثة - قال له أحدهم: أعطينه. قال: وما تصنع به، قال: أتعرقه حتى لا تجد فيه ذرة مقيلاً. قال: ما قلت شيئاً، قال الثاني: أعطينه. قال: وما تصنع به، قال أتعرقه حتى لا تدري ألعامه ذلك هو أم للعام الذي قبله. قال: ما قلت شيئاً، قال الثالث: أعطينه. قال: وما تصنع به، قال أجعله مخة إدام. قال: أنت له، وقال الآخر:
فإنك لم تشبه لقيطا وفعله * وإن كنت أطعمت الأرز مع التمر
ومما قالوا في صفة قدورهم وجفانهم وطعامهم مما أنا كاتبه لك. وهم وإن كانوا في بلاد جدب، فإنهم أحسن الناس حالاً في الخصب. فلا تظنن أن كل ما يصفون به قدورهم وجفانهم وثريدهم وحيسهم باطل.
وحثني الأصمعي قال: سألت المنتجع بن نبهان عن خصب البادية، فقال: ربما رأيت الكلب يتخطى الخلاصة - وهي له معرضة - شبعاً.
وقال الأفوه الأودي:
تهنا لثعلبة بن قيس جفنة * يأوي إليها في الشتاء الجوع
ومذانب لا تستعار وخيمة * سوداء عيب نسيجها لا يرقع
وكأنما فيها المذانب حلقة * ودم الدلاء عـلى دلوج ينزع
وقال الكميت في صفة القدر:
إوز تغمس في لجة * تغيب مراراً وتطفو مـرارا
كأن الغطامط من غليها * أراجيز أسلم تهجو غفارا
وأما ما ذكروا من صفات القدور من تعير بعضهم بعضاً، فهو كما أنشدني محمد بن يسير، قال: لما قال الأول:
إن لنا قدراً ذراعان عرضها * وللطول منها أذرع وشبار
قال الآخر: وما هذه، أخزى اله هذه قدراً، ولكني أقول:
بوأت للورى فوضعتها * برابية من بين ميث وأجرع
جعلت لها هضب الرجام وطخفة * وغولاً أثافي دونها لم تنزع
بقدر كأن الليل شحنة قعرها * ترى الفيل طافياً لم يقطع
يعجل للأضياف وارى سديفها * ومن يأتها من سائر الناس يشبع
قال أبو عبيدة: ولما قال الفرزدق:
وقدر كحيزوم النعامة أحمشت * بأجذال خشب زال عنها هشيمها
قال ميسرة أبو الدرداء: وما حيزوم النعامة، والله ما تشبع هذه الفرزدق. ولكني أقول:
وقدر كجوف الليل أحمشت غليها * ترى الفيل طافياً لم يفصل
والأعرابي إذا أراد القرى ولم ير ناراً نبح، فيجاوبه الكلب، فيتبع صوته.
ولذلك قال الشاعر:
ومسنتنبح أهل الثرا يطلب القرى * إلينا وممساه مـن الأرض نازح
وقال الآخر:
عوى حدس والليل مستحلس الندى * لمستـنـبح بين الرميثة والحصر
ويدلك على أنه ينبح وهو على راحلته لينبحه الكلب، قول حميد الأرقط:
وعاو عوى والليل مستحلس الندى * وقد زحفت للغور تالية النجـم
فمنهم من يبرز كلبه ليجيب، ومنهم من يمنعه ذلك. قال زياد الأعجم، وهو يهجو بني عجل:
وتكلم كلب الحي من خشية القرى * وقدرك كالعـذراء مـن دونها ستر
وقال آخر:
نزلنا بعمار فأشلي كلابه * علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل
فقلت لأصحابي أسر إليهم * إذا اليوم أم يوم القيامة أطول
وقال آخر:
أعددت للضـيفان كلباً ضارياً * عندي وفضل هراوة من أرزن
وقال أعشى بن تغلب:
إذا حلت معاوية بن عمرو * على الأطواء خنقت الكلابا
والعرب تفضل الرجل الكسوب، والغر الطلوب؛ ويذمون المقيم الفشل، والدثر والكسلان. ولذلك قال شاعرهم وهو يمدح رجلاً:
شتى مطالبه بعيد همه * جواب أودية، برود المضجع
ومدح آخر نفسه فقال:
فإن تأتيني في الشتاء وتلمسا * مكان فراشي فهو بالليل بارد
وقال آخر:
إلى ملك لا ينقض النأي عزمه * خروج تـروك للفراش الممهد
وقال الآخر:
فذاك قصير الهم يملأ عزمه * من النوم إذ ملقى فراشك بارد
وقال الآخر:
أبيض بسام برود مضجعه * اللقمة الفرد مراراً تشـبـعـه
وهم يمدحون أصحاب النيران، ويذمون أصحاب الإخماد.
قال الشاعر:
له نار تـشب بكل ريع * إذا الظلماء جللت اليفاعا
وما إن كان أكثرهم سواماً * ولكن كان أرحبهم ذراعا
وقال مزرد بن ضرار:
فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت * بعلياء نشر للعـيون النواظر
جعلها شقراء، ليكون أضوء لها. وكذلك النار إذا كان حطبها يابساً كان أشد لحمرة ناره. وإذا كثر دخانه قل ضوءه.
وقال الآخر:
ونار كسجر العود يرفع ضوءها * مع الليل هبات الرياح الصوارد
وكلما كان موضع النار أشد ارتفاعاً، كان صاحبها أجود وأمجد، لكثرة من يراها من البعد. ألا ترى النابغة الجعدي حين يقول:
منع الغدر فلـم أهـمـم بـه * وأخو الغدر إذا هم فعل
خشـية الله وأني رجــل * إنما ذكرى كـنـار بـقـبــل
وقالت الخنساء السلمية:
وإن صخراً لتأتم الهداة به * كأنه علم فـي رأسه نار
وليس يمنعني من تفسير كل ما يمر إلا اتكالي على معرفتك. وليس هذا الكتاب نفعه إلا لمن روى الشعر والكلام، وذهب مذاهب القوم، أو يكون قد شدا منه شدواً حسناً.
ومما يدل على كرم القوم أيمانهم الكريمة، وأقسامهم الشريفة. قال معدان بن جواس الكندي:
إن كان ما بلغت عني فلامني * صديقي وحزت من يدي الأنامل
وكفنت وحدي منذراً في ردائه * وصادف حوطاً من أعادي قاتل
وهذا الباب يكثر ويطول. وفيما ذكرنا دليل على ما قصدنا إليه من تصنيف الحالات. فإن أردته مجموعاً فاطلبه في كتاب الشعوبية، فإنه هناك مستقصىً. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله اجمعين، ورضى الله عن اصحابه.
تم مختصر: كتاب البخلاء للجاحظ


تم الضحك والبكاء وحياة البخلاء

والحمد لله رب العالمين
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله