ذكر أيام العرب في الجاهلية [ 2 ]

    بص وطل
    بص وطل
    Admin

    عدد المساهمات : 1633
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    ذكر أيام العرب في الجاهلية [ 2 ] Empty ذكر أيام العرب في الجاهلية [ 2 ]

    مُساهمة من طرف بص وطل في الأربعاء أبريل 20, 2016 10:21 pm

    ذكر أيام العرب في الجاهلية [ 2 ] Alathe10

    بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
    أحوال البلاد وأخبار العباد
    تابع ذكر أيام العرب في الجاهلية
    ذكر أيام العرب في الجاهلية [ 2 ] 1410
    ذكر قتل خالد بن جعفر بن كلاب
    والحارث بن ظالم المري
    وذكر يوم الرحرحان

    وسار الحارث حتى قدم على النعمان فدخل عليه وعنده خالد، وهما يأكلان تمراً، فأقبل النعمان يسائله، فحسده خالد، فقال للنعمان: أبيت اللعن، هذا رجل لي عنده يد عظيمة، قتلت زهيراً وهو سيد غطفان فصار هو سيدها. فقال الحارث: سأجزيك على يدك عندي، وجعل الحارث يتناول التمر ليأكله فيقع من بين أصابعه من الغضب، فقال عروة لأخيه خالد: ما أردت بكلامه وقد عرفته فتاكاً، فقال خالد: وما يخوفني منه، فوالله لو رآني نائماً ما أيقظني.
    ثم خرج خالد وأخوه إلى قبتهما فشرجاها عليهما، ونام خالد وعروة عند رأسه يحرسه، فلما أظلم الليل انطلق الحارث إلى خالد فقطع شرج القبة ودخلها وقال لعروة: لئن تكلمت قتلتك، ثم أيقظ خالداً، فلما استيقظ قال: أتعرفني، قال: أنت الحارث. قال: خذ جزاء يدك عندي، وضربه بسيفه المعلوب فقتله، ثم خرج من القبة وركب راحلته وسار.
    وخرج عروة من القبة يستغيث وأتى باب النعمان فدخل عليه وأخبره الخبر، فبث الرجال في طلب الحارث.
    قال الحارث: فلما سرت قليلاً خفت أن أكون لم أقتله فعدت متنكراً واختلطت بالناس ودخلت عليه فضربته بالسيف حتى تيقنت أنه مقتول وعدت فلحقت بقومي؛ فقال عبد الله بن جعدة الكلابي:
    يا حـار لـو نـبّـــهـــته لوجدته . لا طائشاً رعـشاً ولا معزالا
    شقّت عليه الـجعفرية جيبها . جزعاً وما تبكي هناك ضـلالا
    فانـــعـــوا أبـــا بـحر مجرّبٍ . حرّان يحسب في القناة هلال
    فلـيقـتـــلـــنّ بـــخـــالـــد سرواتكم . ولـيجعلن لـظالمٍ تـمثالا
    تالــلـــه قـــد نـبّهته فـوجـدته . رخـو اليدين مواكلاً عسقالا
    فعلوته بـالسيف أضرب رأسه . حتّى أضلّ بسلحه السربالا
    فجعل النعمان يطلبه ليقتله بجاره، وهوازن تطلبه لتقتله بسيدها خالد، فلحق بتميم فاستجار بضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم، فأجاره على النعمان وهوازن، فلما علم النعمان ذلك جهز جيشاً إلى بني دارم عليهم ابن الخمس التغلبي، وكان يطلب الحارث بدم أبيه لأنه كان قتله.
    ثم إن الأحوص بن جعفر أخا خالد جمع بني عامر وسار بهم، فاجتمعوا هم وعسكر النعمان على بني دارم وساروا، فلما صاروا بأدنى مياه بني دارم رأوا امرأةً تجني الكمأة ومعها جمل لها، فأخذها رجلٌ من غني وتركها عنده. فلما كان الليل نام فقامت إلى جملها فركبته وسارت حتى صبحت بني دارم وقصدت سيدهم زرارة بن عدس فأخبرته الخبر وقالت: أخذني أمس قوم لا يريدون غيرك ولا أعرفهم. قال: فصفيهم لي. قالت: رأيت رجلاً قد سقط حاجباه فهو يرفعهما بخرقة، صغير العينين، وعن أمره يصدرون. قال: ذاك الأحوص وهو سيد القوم. قالت: ورأيت رجلاً قليل المنطق إذا تكلم اجتمع القوم كما تجتمع الإبل لفحلها، أحسن الناس وجهاً، ومعه ابنان له يلازمانه. قال: ذلك مالك بن جعفر وابناه عامر وطفيل. قالت: ورأيت رجلاً جسيماً كأن لحيته محمرةٌ معصفرةٌ. قال: ذاك عوف بن الأحوص. قالت: ورأيت رجلاً هلقاماً جسيماً. قال: ذاك ربيعة بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب. قالت: ورأيت رجلاً أسود أخنس قصيراً إذا تكلم عذم القوم عذم المخوس. قال: ذاك ربيعة بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر. قالت: ورأيت رجلاً أقرن الحاجبين، كثير شعر السبلة، يسيل لعابه على لحيته إذا تكلم. قال: ذاك جندح بن البكاء. قالت: ورأيت رجلاً صغير العينين ضيق الجبهة يقود فرساً له معه جفيرٌ لا يفارق يده. قال: ذاك ربيعة بن عقيل بن كعب. قالت: ورأيت رجلاً معه ابنان أصبهان إذا أقبلا رماهما الناس بأبصارهم، فإذا أدبرا كانا كذلك. قال: ذاك الصعق بن عمرو بن خويلد بن نفيل وابناه يزيد وزرعة. قالت: ورأيت رجلاً لا يقول كلمة إلا وهي أحد من شفرة. قال: ذاك عبد الله بن جعدة بن كعب.
    وأمرها زرارة فدخلت بيتها وأرسل زرارة إلى الرعاء يأمرهم بإحضار الإبل، ففعلوا. وأمرهم فحملوا الأهل والأثقال وساروا نحو بلاد بغيض، وفرق الرسل في بني مالك بن حنظلة فأتوه، فأخبرهم الخبر وأمرهم، فوجهوا أثقالهم إلى بلاد بغيض، ففعلوا وباتوا معدين.
    وأصبح بنو عامر وأخبرهم الغنوي حال الظعينة وهربها فسقط في أيديهم واجتمعوا يديرون الرأي، فقال بعضهم: كأني بالظعينة قد أتت قومها فأخبرتهم الخبر، فحذروا وأرسلوا أهليهم وأموالهم إلى بلاد بغيض وباتوا معدين لكم في السلاح فاركبوا بنا في طلب نعمهم وأموالهم فإنهم لا يشعرون حتى نصيب حاجتنا وننصرف. فركبوا يطلبون ظعن بني دارم، فلما أبطأ القوم عن زرارة قال لقومه: إن القوم قد توجهوا إلى ظعنكم وأموالكم فسيروا إليهم. فساروا مجدين فلحقوهم قبل أن يصلوا إلى الظعن والنعم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتلت بنو مالك بن حنظلة ابن الخمس التغلبي رئيس جيش النعمان، وأسرت بنو عامر معبد بن زرارة، وصبر بنو دارم حتى انتصف النهار، وأقبل قيس بن زهير فيمن معه من ناحية أخرى، فانهزمت بنو عامر وجيش النعمان وعادوا إلى بلادهم ومعبد أسير مع بني عامر، فبقي معهم حتى مات.
    وفي تلك الأيام أيضاً مات زرارة بن عدس.
    وقيل في استجارة الحارث ببني تميم غير ذلك، وهو أن النعمان طلب شيئاً يغيظ به الحارث بعد قتل خالد وهربه، فقيل له: كان قصد الحيرة ونزل على عياض بن ديهث التميمي وهو صديق له، فبعث إليه النعمان فأخذ إبلاً له، فركب الحارث وأتى الحيرة متخفياً واستنقذ ماله من الرعاء، ورده عليه وطلب شيئاً يغيظ به النعمان، فرأى ابنه غضبان فضرب رأسه بالسيف فقتله، وبلغ النعمان الخبر فبعث في طلبه فلم يدرك، فقال الحارث في ذلك:
    أخصيي حمار بات يكدم نجـمةً . أتـؤكـل جـاراتـي وجــارك سالـم
    فإن تـك أذواداً أصـبت ونسـوةً . فهذا ابن سلـمى رأسـه مـتـفاقـم
    علوت بذي الحيّات مفرق رأسه . ولا يركـب المكروه إلاّ الأكارم
    فتكـت بـهـن كـمـا فـتكت بخالدٍ . وكان سلاحي تحتويه الجماجـم
    بدأت بـــتـــلـــك وانـــثـنيت بهذه . وثـالثة تـبـيضّ منها المقادم
    حسبت أبا قابوس أنـك مخفري . ولّما تـذق ثـكلاً وأنفك راغـم
    كذا قال بعضهم، وقيل: إن المقتول كان شرحبيل بن الأسود بن المنذر، وكان الأسود قد ترك ابنه شرحبيل عند سنان بن أبي حارثة المري ترضعه زوجته. فمن هناك كان لسنان مال كثير، وكان ابنه هرم يعطى منه، فجاء الحارث متخفياً فاستعار سرج سنان ولا يعلم سنان، ثم أتى امرأة سنان فقال: يقول بعلك ابعثي بشرحبيل ابن الملك مع الحارث بن ظالم حتى يستأمن به ويتخفر به وهذا سرجه علامة. فزينته ودفعته إليه، فأخذه وقتله وهرب.
    فغزا الأسود بني ذبيان وبني أسد بشط أربك فقتل فيهم قتلاً ذريعاً وسبى واستأصل الأموال وأقسم ليقتلن الحارث، فسار الحارث متخفياً إلى الحيرة ليفتك بالأسود، فبينما هو في منزله إذ سمع صارخةً تقول: أنا في جوار الحارث بن ظالم، وعرف حالها، وكان الأسود قد أخذ لها صرمةً من الإبل، فقال لها: انطلقي غداً إلى مكان كذا، وأتاه الحارث. فلما وردت إبل النعمان أخذ مالها فسلمه إليها وفيها ناقة تسمى اللقاع، فقال الحارث في ذلك:
    إذا سـمعـت حنّة اللقاع . فادعي أبا ليلى فنعم الداعي
    يمشي بعضبٍ صارمٍ قطّاعٍ . يفري به مجامع الصّداع
    ثم أقبل يطلب مجيراً فلم يجره أحد من الناس وقالوا: من يجيرك على هوازن والنعمان وقد قتلت ولده، فأتى زرارة بن عدس وضمرة بن ضمرة فأجاراه على جميع الناس.
    خبر الحارث وعمرو بن الاطنابة.
    ثم إن عمرو بن الإطنابة الخزرجي لما بلغه قتل خالد بن جعفر، وكان صديقاً له، قال: والله لو وجده يقظان ما أقدم عليه، ولوددت أني لقيته. وبلغ الحارث قوله وقال: والله لآتينه في رحله ولا ألقاه إلا ومعه سلاحه، فبلغ ذلك ابن الإطنابة فقال أبياتاً، منها:
    أبلغ الحارث بن ظالمٍ المو . عد والـنـاذر الـنّـذور عـليّا
    إنّـمـا تـقـتــل الـــنيام ولا تق . تل يقظان ذا سلاح كميّا
    فبلغ الحارث شعره فسار إلى المدينة وسأل عن منزل ابن الإطنابة، فلما دنا منه نادى: يا ابن الإطنابة أغثني، فأتاه عمرو فقال: من أنت، قال: رجل من بني فلان خرجت أريد بني فلان فعرض لي قوم قريباً منك فأخذوا ما كان معي فاركب معي حتى نستنقذه. فركب معه ولبس سلاحه ومضى معه، فلما أبعد عن منزله عطف عليه وقال: أنائمٌ أنت أم يقظان، فقال: يقظان. فقال: أنا أبو ليلى وسيفي المعلوب، فألقس ابن الإطنابة سيفه، وقيل: رمحه، وقال: قد أعجلتني فأمهلني حتى آخذ سيفي. فقال: خذه. قال: أخاف أن تعجلني عن أخذه. قال: لك ذمة ظالم لا أعجلك عن أخذه. قال: فوذمة الإطنابة لا آخذه ولا أقاتلك، فانصرف الحارث وهو يقول أبياتاً، منها:
    بلغتنا مقالة المرء عمروٍ . فالـتـقـينا وكان ذاك بـديا
    فهـمـمـنـا بـقـتـله إذ برزنا . ووجـدناه ذا سـلاح كميّا
    غير ما نائمٍ يروّع بـالفت . ك ولكن مـقـلّداً مشـرفـيّا
    فمـنـنّـا عـلـيه بـــعــد عـلوّ . بوفـاء وكنت قـدماً وفيّا
    ثم إن الحارث لما علم أن النعمان قد جد في طلبه وهوازن لا تقعد عن الطلب بثأر خالد خرج متنكراً إلى الشام واستجار بيزيد بن عمرو، فأكرمه وأجاره. وكان ليزيد ناقة محماة في عنقها مديةٌ وزناد وملح ليمتحن بذلك رعيته، فوحمت زوجة الحارث واشتهت شحمها ولحمها ورفع منه. وفقدت الناقة فطلبت فوجدت عقيرة بالوادي، فأرسل الملك إلى كاهن فسأله عنها، فذكر له أن الحارث نحرها، فأرسل امرأةً بطيب تشتري من لحمها من امرأة الحارث، فأدركها الحارث وقد اشترت اللحم فقتلها ودفنها في البيت. فسأل الملك الكاهن عن المرأة، فقال: قتلها من نحر الناقة، وإذا كرهت أن تفتش بيته فتأمر الرجل بالرحيل، فإذا رحل فتشت بيته. ففعل ذلك، فلما رحل الحارث فتش الكاهن بيته فوجد المرأة، وأحس بيته. ففعل ذلك، فلما رحل الحارث فتش الكاهن بيته فوجد المرأة، وأحس الحارث بالشر فعاد إلى الكاهن فقتله، فأخذ الحارث وأحضر عند الملك، فأمر بقتله، فقال: إنك قد أجرتني فلا تغدر بي. فقال: إن غدرت بك مرة واحدة فقد غدرت بي مراراً. فقتله.
    ● [ أيّام داحس والغبراء ] ●
    وهي بين عبس وذبيان

    وكان سبب ذلك أن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي سار إلى المدينة ليتجهز لقتال عامر والأخذ بثأر أبيه، فأتى أحيحة بن الجلاح يشتري منه درعاً موصوفةً. فقال له: لا أبيعها ولولا أن تذمني بنو عامر لوهبتها منك ولكن اشترها بابن لبون. ففعل ذلك وأخذ الدرع، وتسمى ذات الحواشي، ووهبه أحيحة أيضاً أدراعاً، وعاد إلى قومه وقد فرغ من جهازه. فاجتاز بالربيع بن زياد العبسي فدعاه إلى مساعدته على الأخذ بثأره فأجابه إلى ذلك. فلما أراد فراقه نظر الربيع إلى عيبته فقال: ما في حقيبتك، قال: متاع عجيب لو أبصرته لراعك، وأناخ راحلته، فأخرج الدرع من الحقيبة، فأبصرها الربيع فأعجبته ولبسها، فكانت في طوله. فمنعها من قيس ولم يعطه إياها، وترددت الرسل بينهما في ذلك، ولج قيس في طلبها، ولج الربيع في منعها. فلما طالت الأيام على ذلك سير قيس أهله إلى مكة وأقام ينتظر غرة الربيع.
    ثم إن الربيع سير إبله وأمواله إلى مرعى كثير الكلإ وأمر أهله فظعنوا، وركب فرسه وسار إلى المنزل، فبلغ الخبر قيساً فسار في أهله وإخوته فعارض ظعائن الربيع وأخذ زمام أمه فاطمة بنت الخرشب وزمام زوجته. فقالت فاطمة أم الربيع: ما تريد يا قيس، قال: أذهب بكن إلى مكة فأبيعكن بها بسبب درعي. قالت: وهيفي ضماني وخل عنا، ففعل. فلما جاءت إلى ابنها قالت له في معنى الدرع، فحلف أنهن لا يرد الدرع، فأرسلت إلى قيس أعلمته بما قال الربيع، فأغار على نعم الربيع فاستاق منها أربعمائة بعير وسار بها إلى مكة فباعها واشترى بها خيلاً، وتبعه الربيع فلم يلحقه، فكان فيما اشترى من الخيل داحس والغبراء.
    وقيل: إن داحساً كان من خيل بني يربوع، وإن أباه كان أخذ فرساً لرجل من بني ضبة يقال له انيف بن جبلة، وكان الفرس يسمى السبط، وكانت أم داحش لليربوعي، فطلب اليربوعي من الضبي أن ينزي فرسه على حجره فلم يفعل. فلما كان الليل عمد اليربوعي إلى فرس الضبي فأخذه فأنزاه على فرسه، فاستيقظ الضبي فلم ير فرسه فنادى في قومه، فأجابوه، وقد تعلق باليربوعي، فأخبرهم الخبر، فغضب ضبة من ذلك، فقال لهم: لا تعجلوا، دونكم نطفة فرسكم فخذوها. فقال القوم: قد أنصف. فسطا عليها رجل من القوم فدس يده في رحمها فأخذ ما فيها، فلم تزد الفرس إلا لقاحاً فنتجت مهراً فسمي داحساً بهذا السبب.
    فكان عند اليربوعي ابنان له، أغار قيس بن زهير على بني يربوع فنهب وسبى، ورأى الغلامين أحدهما على داحس والآخر على الغبراء فطلبهما فلم يلحقهما، فرجع وفي السبي أم الغلامين وأختان لهما وقد وقع داحس والغبراء في قلبه، وكان ذلك قبل أن يقع بيته وبين الربيع ما وقع. ثم جاء وفد بني يربوع في فداء الأسرى والسبي، فأطلق الجميع إلا أم الغلامين وأختيهما وقال: إن أتاني الغلامان بالمهر والفرس الغبراء وإلا فلا. فامتنع الغلامان من ذلك، فقال شيخ من بني يربوع كان أسيراً عند قيس، وبعث بها إلى الغلامين، وهي:
    إنّ مهـراً فـدى الـربـاب وجـمـلاً . وسـعـاداً لخير مهـر أناس
    ادفـعـوا داحـسـاً بــهـــنّ سراعـاً . إنّـهـا مـن فـعـالها الأكياس
    دونـهــا والـــذي يحـــجّ لـــه النا . س سـبايا يبعـن بالأفـراس
    إنّ قيساً يرى الجواد من الخيـ . ل حياةً فـي مـتـلـف الأنـفـاس
    يشتري الطّرف بالجراجـرة الـجـ . لّة يعطي عفواً بغـير مكاس
    فلما انتهت الأبيات إلى بني يربوع قادوا الفرسين إلى قيس وأخذوا النساء.
    وقيل: إن قيساً أنزى داحساً على فرس له فجاءت بمهرة فسماها الغبراء. ثم إن قيساً أقام بمكة فكان أهلها يفاخرونه، وكان فخوراً، فقال لهم: نحوا كعبتكم عنا وحرمكم وهاتوا ما شئتم. فقال ل عبد الله بن جدعان: إذا لم نفاخرك بالبيت المعمور وبالحرم الآمن فيم نفاخرك، فمل قيس مفاخرتهم وعزم على الرحلة عنهم، وسر ذلك قريشاً لأنهم قد كانوا كرهوا مفاخرته، فقال لإخوته: ارحلوا بنا من عندهم أولاً وإلا تفاقم الشر بيننا وبينهم، والحقوا ببني بدر فإنهم أكفاؤنا في الحسب، وبنو عمنا في النسب، وأشراف قومنا في الكرم، ومن لا يستطيع الربيع أن يتناولنا معهم. فلحق قيس وإخوته ببني بدر،
    ثم نزل ببني بدر فنزل بحذيفة، فأجاره هو وأخوه حمل بن بدر، وأقام فيهم، وكان معه أفراس له ولإخوته لم يكن في العرب مثلها، وكان حذيفة يغدو ويروح إلى قيس فينظر إلى خيله فيحسده عليها ويكتم ذلك في نفسه، وأقام قيس فيهم زماناً يكرمونه وإخوته، فغضب الربيع ونقم ذلك عليهم وبعث إليهم بهذه الأبيات:
    ألا أبـــلغ بني بدرٍ رسولاً . على مـا كـان مـن شـنـإ ووتـر
    بأنّـــي لـم أزل لكم صديقاً . أدافـع عــن فـــزارة كـــلّ أمـر
    أسـالـم سلمكم وأردّ عنكم . فوارس أهـل نـجـران وحــجر
    وكان أبي ابن عـمّكم زياد . صفيّ أبـيكـم بـدر بـن عـمـرو
    فألـجـأتـم أخا الغدرات قيساً . فقـد أفـعـمـتم إيغار صـدري
    فحسبي من حذيفة ضمّ قيس . وكان البدء من حمل بن بدر
    فإمّـا ترجعوا أرجع إليكم . وإن تأبوا فقد أوسـعـت عـذري
    فلم يتغيروا عن جوار قيس. فغضب الربيع وغضبت عبس لغضبه، ثم إن حذيفة كره قيساً وأراد إخراجه عنهم فلم يجد حجةً، وعزم قيس على العمرة فقال لأصحابه: إني قد عزمت على العمرة فإياكم أن تلابسوا حذيفة بشيء، واحتملوا كل ما يكون منه حتى أرجع فإني قد عرفت الشر في وجهه وليس يقدر على حاجته منكم إلا أن تراهنون على الخيل. وكان ذا رأي لا يخطئ في ما يريده، وسار إلى مكة. ثم إن فتىً من عبس يقال له ورد ابن مالك أتى حذيفة فجلس إليه، فقال له ورد: لو اتخذت من خيل قيس فحلاً يكون أصلاً لخيلك. فقال حذيفة: خيلي خير من خيل قيس، ولجا في ذلك إلى أن تراهنا على فرسين من خيل قيس وفرسين من خيل حذيفة، والرهن عشرة أذواد.
    وسار ورد فقدم على قيس بمكة فأعلمه الحال، فقال له: أراك قد أوقعتني في بني بدر ووقعت معي وحذيفة ظلوم لا تطيب نفسه بحق ونحن لا نقر له بضيمٍ. ورجع قيس من العمرة، فجمع قومه وركب إلى حذيفة وسأله أن يفكر الرهن، فلم يفعل. فسأله جماعة فزارة وعبس فلم يجب إلى ذلك، وقال: إن أقرقيس أن السبق لي وإلا فلا،
    وسأل حذيفة إخوته وسادات أصحابه في ترك الرهان ولج فيه، وقال قيس: علام تراهنني، قال: على فرسيك داحس والغبراء وفرسي الخطار والحنفاء، وقيل: كان الرهن على فرسي داحس والغبراء. قال قيس: داحس أسرع. وقال حذيفة: الغبراء أسرع، وقال لقيس: أريد أن أعلمك أن بصري بالخيل أثقب من بصرك؛ والأول أصح. فقال له قيس: نفس في الغاية وارفع في السبق. فقال حذيفة: الغاية من أبلى إلى ذات الإصاد، وهو قدر مائة وعشرين غلوةً، والسبق مائة بعير، وضمروا الخيل. فلما فرغوا قادوا الخيل إلى الغاية وحشدوا ولبسوا السلاح وتركوا السبق على يد عقال ابن مروان بن الحكم القيسي وأعدوا الأمناء على إرسال الخيل.
    وأقام حذيفة رجلاً من بني أسد في الطريق وأمره أن يلقى داحساً في وادي ذات الإصاد إن مر به سابقاً فيرمي به إلى أسفل الوادي.
    فلما أرسلت الخيل سبقها داحس سبقاً بيناً والناس ينظرون إليه وقيس وحذيفة على رأس الغاية في جميع قومهما. فلما هبط داحس في الوادي عارضه الأسدي فلطم وجهه فألقاه في الماء، فكاد يغرق هو وراكبه ولم يخرج إلا وقد فاتته الخيل. وأما راكب الغبراء فإنه خالف طريق داحس لما رآه قد أبطأ وعاد إلى الطريق واجتمع مع فرسي حذيفة، ثم سقطت الحنفاء وبقي الغبراء والخطار، فكانا إذا أحزنا سبق الخطار وإذا أسهلا سبقت الغبراء. فلما قربا من الناس وهما في وعث من الأرض تقدم الخطار، فقال حذيفة: سبقك يا قيس. فقال: رويدك يعلون الجدد؛ فذهبت مثلاً. فلما استوت بهما الأرض قال حذيفة: خدع والله صاحبنا. فقال قيس: ترك الخداع من أجرى من مائة وعشرين؛ فذهبت مثلاً.
    ثم إن الغبراء جاءت سابقة وتبعها الخطار فرس حذيفة، ثم الحنفاء له أيضاً، ثم جاء داحس بعد ذلك والغلام يسير به على رسله، فأخبر الغلام فيساً بما صنع بفرسه، فأنكر حذيفة ذلك وادعى السبق ظالماً، وقال: جاء فرساي متتابعين، ومضى قيس وأصحابه حتى نظروا إلى القوم الذين حبسوا داحساً واختلفوا.
    وبلغ الربيع بن زياد خبرهم فسره ذلك وقال لأصحابه: هلك والله قيس، وكأني به إن لم يقتله حذيفة وقد أتاكم يطلب منكم الجوار، أما والله لئن فعل ما لنا من ضمه من بد.
    ثم إن الأسدي ندم على حبس داحس فجاء إلى قيس واعترف بما صنع، فسبه حذيفة.
    ثم إن بني بدر قصروا بقيس وإخوته وآذوهم بالكلام، فعاتبهم قيس، فلم يزدادوا إلا بغياً عليه وإيذاءً له.
    ثم إن قيساً وحذيفة تناكرا في السبق حتى هما بالمؤاخذة، فمنعهما الناس، وظهر لهم بغي حذيفة وظلمه، ولج في طلب السبق، فأرسل ابنه ندبة إلى قيس يطالبه به، فلما أبلغه الرسالة طعنه فقتله وعادت فرسه إلى أبيه ونادى قيس: يا بني عبس الرحيل، فرحلوا كلهم، ولما أتت الفرس حذيفة علم أن ولده قتل، فصاح في الناس وركب في من معه وأتى منازل بني عبس فرآها خاليةً ورأى ابنه قتيلاً، فنزل إليه وقبل بين عينيه ودفنوه.
    وكان مالك بن زهير أخو قيس متزوجاً في فزارة وهو نازلٌ فيهم، فأرسل إليه قيس: أني قد قتلت ندبة بن حذيفة ورحلت فالحق بنا وإلا قتلت. فقال: إنما ذنب قيس عيه، ولم يرحل، فأرسل قيس إلى الربيع ابن زياد يطلب منه العود إليه والمقام معه إذ هم عشيرة وأهل، فلم يجبه ولم يمنعه، وكان مفكراً في ذلك.
    ثم إن بني بدر قتلوا مالك بن زهير أخا قيس، وكان نازلاً فيهم، فبلغ مقتله بني عبس والربيع بن زياد، فاشتد ذلك عليهم، وأرسل الربيع إلى قيس عيناً يأتيه بخبره، فسمعه يقول:
    أينجـو بـنـو بـدرٍ بـمقـتل مالـك . ويخذلنا في النائبات ربيع
    وكـان زيادق قـبـله يتّـقى به . من الدهر إن يومٌ ألـمّ فـظـيع
    فقل لربيعً يحتذي فعل شـيخه . وما النّاس إلاّ حافظٌ ومضيع
    وإلاّ فما لي فـي البلاد إقامةٌ . وأمر بـني بـدرٍ عـليّ جـمـيع
    فرجع الرجل إلى الربيع فأخبره، فبكى الربيع على مالك وقال:
    منع الرّقاد فما أغمّض ساعةً . جزعاً من الخبر العظيم الساري
    أفبعد مقتل مالك بن زهير . يرجو النساء عواقب الأطهار
    وهي طويلة.
    فسمعها قيس فركب هو وأهله وقصدوا الربيع بن زياد وهو يصلح سلاحه، فنزل إليه قيس وقام الربيع فاتنقا وبكيا وأظهرا الجزع لمصاب مالك، ولقي القوم بعضهم بعضاً فنزلوا. فقال قيس للربيع: إنه لم يهرب منك من لجأ إليه، ولم يستغن عنك من استعان بك، وقد كان لك شر يومي فليكن لي خير يوميك، وإنما أنا بقومي وقومي بك وقد أصاب القوم مالكاً، ولست أهم بسوء لأني إن حاربت بني بدر نصرتهم بنو ذبيان، وإن حاربتني خذلني بنو عبس إلا أن تجمعهم علي، وأنا والقوم في الدماء سواءٌ، قتلت ابنهم وقتلوا أخي، فإن نصرتني طمعت فيهم، وإن خذلتني طمعوا في. فقال الربيع: يا قيس إنه لا ينفعني أن أرى لك من الفضل ما لا أراه لي، ولا ينفعك أن ترى لي ما لا أراه لك، وقد مال علي قتل مالك وأنت ظالم ومظلوم، ظلموك في جوادك وظلمتهم في دمائهم، وقتلوا أخاك بابنهم، فإن يبؤ الدم بالدم فعسى أن تلقح الحرب أقم معك، وأحب الأمرين إلي مسالمتهم ونخلو بحرب هوازن. وبعث قيس إلى أهله وأصحابه، فجاؤوا ونزلوا مع الربيع،
    وبلغ حذيفة أن الربيع وقيساً اتفقا، فشق ذلك عليه واستعد للبلاء. وقيل: إن بلاد عبس كانت قد أجدبت فانتجع أهلها بلاد فزارة، وأخذ الربيع جواراً من حذيفة وأقام عندهم. فلما بلغه مقتل مالك قال لحذيفة: لي ذمتي ثلاثة أيام. فقال حذيفة: ذلك لك. فانتقل الربيع من بني فزارة. فبلغ ذلك حمل بن بدر فقال لحذيفة أخيه: بئس الرأي رأيت، قتلت مالكاً وخلّيت سبيل الربيع، والله ليضرمنها عليك ناراً، فركبا في طلب الربيع، ففاتهما، فعلما أنه قد أضمر الشر.
    واتفق الربيع وقيس، وجمع حذيفة قومه وتعاقدوا على عبس، وجمع الربيع وقيس قومهما واستعدوا للحرب، فأغارت فزارة على بني عبس فأصابوا نعماً ورجالاً، فحميت عبس واجتمعت للغارة، فنذرت بهم فزارة. فخرجوا إليهم فالتقوا على ماء يقال له العذق، وهي أول وقعة كانت بينهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقتل عوف بن يزيد، قتله جندب بن خلف العبسي. وانهزمت فزارة وقتلوا قتلاً ذريعاً، وأسر الربيع بن زياد حذيفة ابن بدر، وكان حر بن الحارث العبسي قد نذر إن قدر على حذيفة أن يضربه بالسيف، وله سيف قاطع يسمى الأصرم، فأراد ضربه بالسيف لما أسر وفاء بنذره، فأرسل الربيع إلى امرأته فغيبت سيفه ونهوه عن قتله وحذروه عاقبة ذلك، فأبى إلا ضربه، فوضعوا عليه الرجال، فضربه، فلم يصنع السيف شيئاً وبقي حذيفة أسيراً.
    فاجتمعت غطفان وسعوا في الصلح، فاصطلحوا على أن يهدروا بدر بن حذيفة بدم مالك بن زهير، ويعقلوا عوف بن بدر، ويعطوا حذيفة عن ضربته التي ضربه حر مائتين من الإبل، وأن يجعلوها عشاراً كلها، وأربعة أعبدٍ، وأهدر حذيفة دماء من قتل من فزارة في الوقعة وأطلق من الأسر.
    فلما رجع إلى قومه ندم على ذلك وساءت مقالته في بني عبس، وركب قيس بن زهير وعمارة بن زياد فمضيا إلى حذيفة وتحدثا معه. فأجابهما إلى الاتفاق وأن يرد عليهما الإبل التي أخذ منهما، وكانت توالدت عنده. فبيناهم في ذلك إذ جاءهم سنان بن أبي حراثة المري فقبح رأي حذيفة في الصلح وقال: إن كنت لا بد فاعلاً فأعطهم إبلاً عجافاً مكان إبلهم واحبس أولادها. فوافق ذلك رأي حذيفة، فأبى قيس وعمارة ذلك.
    وقيل: إن الابل التي طلبوها منه هي إبل كان قد أخذها سبقاً من قيس. وقيل أيضاً: إن مالك بن زهير قتل بعد هذه الوقعة المذكورة؛ قال حميد ابن بدر في ذلك:
    قتلنا بعوفٍ مالكاً وهو ثأرنا . ومن يبتدع شيئاً سوى الحقّ يظلم
    وجعل سنان يحث حذيفة على الحرب، فتيسروا لها.
    ثم إن الأنصار بلغهم ما عزموا عليه، فاتفق جماعةٌ من رؤسائهم، وهم: عمرو بن الإطنابة، ومالك بن عجلان، وأحيحة بن الجلام، وقيس ابن الخطيم، وغيرهم، وساروا ليصلحوا بينهم، فوصلوا إليهم وترددوا في الاتفاق، فلم يجب حذيفة إلى ذلك وظهر لهم بغيه، فحذروه عاقبته وعادوا عنه.
    وأغار حذيفة على عبس، وأغارت عبس على فزارة، وتفاقم الشر، وأرسل حذيفة أخاه حملاً فأغار وأسر ريان بن الأسلع بن سفيان وشده وثاقاً وحمله إلى حذيفة فأطلقه ليرهنه ابنيه وجبير ابن أخيه عمرو بن الأسلع، ففعل ريان ذلك، ثم سار قيس إلى فزارة فلقي منهم جمعاً فيهم مالك بن بدر، فقتله قيس وانهزمت فزارة، فأخذ حينئذ حذيفة ولدي ريان فقتلهما وهما يستغيثان: يا أبتاه، حتى ماتا، وأما ابن أخيه فمنعه أخواله.
    ولما قتل مالك والغلامان اشتدت الحرب بين الفريقين وأكثرها في فزارة ومن معها. ففي بعض الأيام التقوا واقتتلوا قتالاً شديداً ودامت الحرب بينهم إلى آخر النهار، وأبصر ريان بن الأسلع زيد بن حذيفة فحمل عليه فقتله، وانهزمت فزارة وذبيان، وأدرك الحارث بن بدر فقتل، ورجعت عبس سالمةً لم يصب منها أحدٌ. فلما قتل زيد والحارث جمع حذيفة جميع بني ذبيان وبعث إلى أشجع وأسد بن خزيمة فجمعهم، فبلغ ذلك بني عبس فضموا أطرافهم، وأشار قيس بن زهير بالسبق إلى ماء العقيقة، ففعلوا ذلك، وسار حذيفة في جموعه إلى عبس، ومشى السفراء بينهم، فحلف حذيفة: أنه لا يصلح حتى يشرب من ماء العقيقة. فأرسل إليه قيس منه في سقاء وقال: لا أترك حذيفة يخدعني. واصطلحوا على أن تعطي بنو عبس حذيفة ديات من قتل له، ووضعوا الرهائن عدنه إلى أن يجمعوا الديات، وهي عشر، وكانت الرهائن ابناً لقيس بن زهير، وابناً للربيع بن زياد، فوضعوا أحدهما عند قطبة بن سنان والآخر عند رجل من بكر بن وائل أعمى. فعير بعض الناس حذيفة بقبول الدية، فحضر هو وأخوه حمل عند قطبة بن سنان والبكري وقالا: ادفعا إلينا الغلامين لنكسوهما ونسرحهما إلى أهلهما. فأما قطبة فدفع إليهما الغلام الذي عنده، وهو ابن قيس، وأما البكري فامتنع من تسليم من عنده، فلما أخذا ابن قيس عادا فلقيا في الطريق ابناً لعمارة بن زياد العبسي وابن عم له، فأخذاهما وقتلاهما مع ابن قيس.
    فلما بلغ ذلك بني عبس أخذوا ما كانوا جمعوا من الديات، فحملوا عليه الرجال واشتروا السلاح، ثم خرج قيس في جماعة فلقوا ابناً لحذيفة ومعه فوارس من ذبيان فقتلوهم. فجمع حذيفة وسار إلى عبس، وهم على ماء يقال له عراعر، فاقتتلوا،فكان الظفر لفزارة ورجعت سالمةً. وجد حذيفة في الحرب وكرهها أخوه حمل وندم على ما كان، وقال لأخيه في الصلح فلم يجب إلى ذلك، وجمع الجموع من أسد وذبيان وسائر بطون غطفان وسار نحو بني عبس، فاجتمعت عبس وتشاوروا في أمرهم، فقال لهم قيس بن زهير: إنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به وليس لبني بدر إلا دماؤكم والزيادة عليكم، وأما من سواهم فلا يريدون غير الأموال والغنيمة، والرأي أننا نترك الأموال بمكانها ونترك معها فارسين على داحس وعلى فرس آخر جوادٍ ونرحل نحن ونكون على مرحلة من الماء، فإذا جاء القوم إلى الأموال سار إلينا الفارسان فأعلمانا وصولهم، فإن القوم يشتغلون بالنهب وحيازة الأموال، وإن نهاهم ذوو الرأي عن ذلك فإن العامة تخالفهم وتنتقض تعبيتهم ويشتغل كل إنسان بحفظ ما غنم ويعلقون أسلحتهم على ظهور الإبل ويأمنون. فنعود نحن إليهم عند وصول الفارسين فندركهم وهم على حال تفرق وتشتتٍ فلا يكون لأحدهم همة إلا نفسه.
    ففعلوا ذلك وجاء حذيفة ومن معه فاشتغلوا بالنهب، فنهاهم حذيفة وغيرهم فلم يقبلوا منه، وكانوا على الحال التي وصف قيس. وعادت بنو عبس وقد تفرقت أسد وغيرهم، وبقي بنو فزارة في آخر الناس، فحملوا عليهم من جوانبهم فقتل مالك بن سبيع التغلبي سيد غطفان، وانهزمت فزارة وحذيفة معهم وانفرد في خمسة فوارس وجد في الهرب. وبلغ خبره بني عبس، فتبعه قيس بن زهير والربيع بن زياد وقرواش بن عمرو بن الأسلع وريان بن الأسلع الذي قتل حذيفة ابنيه، وتبعوا أثرهم في الليل، وقال قيس: كأني بالقوم وقد وردوا جفر الهباءة ونزلوا فيه، فساروا ليلتهم كلها حتى أدركوهم مع طلوع الشمس في جفر الهباءة في الماء، وقد أرسلوا خيولهم فأخذوا بجمعها، فمحال قيس وأصحابه بينهم وبينها، وكان مع حذيفة في الجفر أخوه حمل بن بدر وابنه حصن بن حذيفة وغيرهم. فهجم عليهم قيس والربيع ومن معهما وهم ينادون: لبيكم لبيكم، يعني أنهم يجيبون نداء الصبيان لما قتلوا ينادون: يا أبتاه، فقال لهم قيس: يا بني بكر كيف رأيتم عاقبة البغي، فناشدوهم الله الرحم، فلم يقبلوا منهم. ودار قرواش ابن عمرو حتى وقف خلف ظهر حذيفة فضربه فدق صلبه، وكان قرواش قد رباه حذيفة حتى كبر عنده في بيته، وقتلوا حملاً أخاه وقطعوا رأسيهما واستبقوا حصن بن حذيفة لصباه. وكان عدد من، قتل في هذه الوقعة من فزارة وأسد وغطفان ما يزيد على أربعمائة قتيل، وقتل من عبس ما يزيد على عشرين قتيلاً، وكانت فزارة تسمي هذه الوقعة البوار؛ وقال قيس ابن زهير:
    أقام على الهباءة خير ميتٍ . وأكرمه حذيفة لا يريم
    لقد فجعت به قيسٌ جميعـً . موالي القوم والقوم الصميم
    وهي طويلة؛
    وأكثروا القول في يوم الهباءة.
    ثم إن عبساً ندمت على ما فعلت يوم الهباءة، ولام بعضهم بعضاً، فاجتمعت فزارة إلى سنان بن أبي حارثة المري وشكوا إليه ما نزل بهم، فأعظمه وذم عبساً وعزم على أن يجمع العرب ويأخذ بثأر بني بدر وفزارة، وبث رسهل. فاجتمع من العرب خلقٌ كثير لا يحصون، ونهى أصحابه عن التعرض إلى الموال والغنيمة وأمرهم بالصبر، وساروا إلى بني عبس. فلما بلغهم مسيرهم إليهم قال قيس: الرأي أننا لا نلقاهم، فإننا قد وترناهم فهم يطالبوننا بالذخول والطوائل، وقد رأوا ما نالهم بالأمس باشتغالهم بالنهب والمال فهم لا يتعرضون إليه الآن، والذي ينبغي أن نفعله أننا نرسل الظعائن والأموال إلى بني عامر، فإن الدم لنا قبلهم فهم لا يتعرضون لكم ويبقى أولو القوة والجلد على ظهور الخيل ونماطلهم القتال، فإن أبوا إلا القتال كنا قد أحرزنا أهلينا وأموالنا وقاتلناهم وصبرنا لهم، فإن ظفرنا فهو الذي نريد، وإن كانت الأخرى كنا قد احترزنا ولحقنا بأموالنا ونحن على حامية.
    ففعلوا ذلك.
    ● [ يوم ذات الجراجر ] ●

    وسارت ذبيان ومن معها فلحقوا بني عبس على ذات الجراجر فاقتتلوا قتالاً شديداً يومهم ذلك وافترقوا. فلما كان الغد عادوا إلى اللقاء فاقتتلوا أشد من اليوم الأول، وظهرت في هذه الأيام شجاعة عنترة ابن شداد. فلما رأى الناس شدة القتال وكثرة القتلى لاموا سنان بن أبي حارثة على منعه حذيفة عن الصلح وتطيروا منه وأشاروا عليه بحقن الدماء ومراجعة السلم، فلم يفعل وأراد مراجعة الحرب في اليوم الثالث. فلما رأى فتور أصحابه وركونهم إلى السلم رحل عائداً. فلما عاد عنهم رحل قيس وبنو عبس إلى بني شيبان بن بكر وجاوروهم وبقوا معهم مدةً، فرأى قيس من غلمان شيبان ما يكرهه من التعرض لأخذ أموالهم فرحلوا عنهم، فتبعهم جمع من شيبان، فلقيتهم بنو عبس واقتتلوا، فانهزمت شيبان وسارت عبس إلى هجر ليحالفوا ملكهم، وهو معاوية بن الحارث الكندي، فعزم معاوية على الغارة عليهم ليلاً، فبلغهم الخبر فساروا عنه مجدين، وسار معاوية مجداً في اثرهم، فتاه بهم الدليل على عمد لئلا يدركوا عبساً إلا وهم قد لحقهم ودوابهم النصب، فأدركوهم بالفروق فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم معاوية وأهل هجر وتبعتهم عبس فأخذت من أموالهم وقتلوا منهم ما أرادوا ورجعوا سائرين فنزلوا بماء يقال له عراعر عليه حي من كلب، فركبوا ليقاتلوا بني عبس، فبرز الربيع وطلب رئيسهم، فبرز إليه، واسمه مسعود بن مصاد الكلبي. فاقتتلا حتى سقطا إلى الأرض، وأراد مسعود قتل الربيع، فانحسرت البيضة عن رقبته، فرماه رجل من بني عبس بسهم فقتله، فثار به الربيع فقطع رأسه، وحملت عبس على كلب والرأس على رمح فانهزمت كلب وغنمت عبس أموالهم وذراريهم، فساروا إلى اليمامة فحالفوا أهلها من بني حنيفة وأقاموا ثلاث سنين، فلم يحسنوا جوارهم وضيقوا عليهم فساروا عنهم، وقد تفرق كثير منهم وقتل منهم وهلكت دوابهم ووترهم العرب فراسلتهم بنو ضبة وعرضوا عليهم المقام عندهم ليستعينوا بهم على حرب تميم، ففعلوا وجاوروهم.
    فلما انقضى الأمر بين ضبة وتميم تغيرت ضبة لعبسٍ وأرادوا اقتطاعهم، فحاربتهم عبس فظفرت وغنمت من أموال ضبة وسارت إلى بني عامر وحالفوا الأحوص بن جعفر بن كلاب، فسر بهم ليقوى بهم على حرب بني تميم لأنه كان بلغه أن لقيط بن زرارة يريد غزو بني عامر والأخذ بثأر أخيه معبد، فأقامت عبس عند بني عامر، فقصدتهم تميم، وكانت وقعة شعب جبلة، وسنذكره إن شاء الله.
    ثم إن ذبيان غزوا بني عامر بن صعصعة وفيهم بنو عبس فاقتتلوا، فهزمت عامر وأسر قرواش بن هني العبسي ولم يعرف. فلما قدموا به الحي عرفته امرأةٌ عنهم، فلما عرفوه سلموه إلى حصن بن حذيفة فقتله. ثم رحلت عبس عن عامر ونزلت بتيم الرباب، فبغت تيم عليهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً وتكاثرت عليهم تيم فقتلوا من عبس مقتلة عظيمة. ورحلت عبس وقد ملوا الحرب وقلت الرجال والأموال وهلكت المواشي، فقال لهم قيس: ما ترون، قالوا: نرجع إلى أخواننا من ذبيان فالموت معهم خير من البقاء مع غيرهم. فساروا حتى قدموا على الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، وقيل: على هرم بن سنان بن أبي حارثة ليلاً، وكان عند حصن ابن حذيفة بن بدر. فلما عاد ورآهم رحب بهم وقال: من القوم، قالوا: إخوانك بنو عبس، وذكروا حاجتهم. فقال: نعم وكرامة أعلم حصن ابن حذيفة. فعاد إليه وقال: طرقت في حاجة، قال: أعطيتها، قال بنو عبس: وجدت وفودهم في منزلي. قال حصن: صالحوا قومكم، أما أنا فلا أدي ولا أتدي، قد قتل آبائي وعمومتي عشرين من عبس؛ فعاد إلى عبس وأخبرهم بقول حصن وأخذهم إليه، فلما رآهم قال قيس والربيع ابن زياد: نحن ركبان الموت. قال: بل ركبان السلم، إن تكونوا اختللتم إلى قومكم فقد اختل قومكم إليكم. ثم خرج معهم حتى أتوا سناناً فقال له: قم بأمر عشيرتك وأصلح بينهم فإني سأعينك. ففعل ذلك وتم الصلح بينهم وعادت عبس.
    وقيل: إن قيس بن زهير لم يسر مع عبس إلى ذبيان وقال: لا تراني غطفانيةٌ أبداً وقد قتلت أخاها أو زوجها أو ولدها أو ابن عمها، ولكني سأتوب إلى ربي، فتنصر وساح في الأرض حتى انتهى إلى عمان فترهب بها زماناً، فلقيه حوج بن مالك العبدي فعرفه فقتله وقال: لا رحمني الله إن رحمتك.
    وقيل: إن قيساً تزوج في النمير بن قاسط لما عادت عبس إلى ذبيان، وولد له ولد اسمه فضالة، فقدم على النبي، صلى الله عليه وسلم، وعقد له على من معه من قومه، وكانوا تسعة وهو عاشرهم.
    انقضى حرب داحس والغبراء، والحمد لله.
    ● [ يوم شعب جبلة ] ●

    كان لقيط بن زرارة قد عزم على غزو بني عامر بن صعصعة للأخذ بثأر أخيه معبد بن زرارة، وقد ذكرنا موته عندهم أسيراً. فبينما هو يتجهز أتاه الخبر يحلف بني عبس وبني عامر، فلم يطمع في القوم وأرسل إلى كل من كان بيته وبين عبس ذحل يسأله الحلف والتظافر على غزو عبس وعامر. فاجتمعت إليه أسد وغطفان وعمرو بن الجون ومعاوية بن الجون واستوثقوا واستكثروا وساروا، فعقد معاوية بن الجون الألوية، فكان بنو أسد وبنو فزارة بلواء مع معاوية بن الجون، وعقد لعمرو بن تميم مع حاجب بن زرارة، وعقد للرباب مع حسان بن همام، وعقد لجماعة من بطون تميم مع عمرو ابن عدس، وعقد لحنظلة بأسرها ع لقيط بن زرارة، وكان مع لقيط ابنته دخنتوس، وكان يغزو بها معه ويرجع إلى رأيها.
    وساروا في جمع عظيم لا يشكون في قتل عبس وعامر وإدراك ثأرهم، فلقي لقيط في طريقه كرب بن صفوان بن الحباب السعدي، وكان شريفاً، فقال: ما منعك أن تسير معنا في غزاتنا، قال: أنا مشغول في طلب إبل لي. قال: لا بل تريد أن تنذر بنا القوم، ولا أتركك حتى تحلف أنك لا تخبرهم، فحلف له، ثم سار عنه وهو مغضب. فلما دنا من عامر أخذ خرقة فصر فيها حنظلةً وشوكاً وتراباً وخرقتين يمانيتين وخرقة حمراء وعشرة أحجار سود ثم رمى بها حيث يسقون ولم يتكلم. فأخذها معاوية بن قشير، فأتى بها الأحوص بن جعفر وأخبره أن رجلاً ألقاها وهم يسقون. فقال الأحوص لقيس بن زهير العبسي: ما ترى في هذا الأمر، قال: هذا من صنع الله لنا، هذا رجل قد أخذ عليه عهدٌ على أن لا يكلمكم فأخبركم أن أعداءكم قد غزوكم عدد التراب، وأن شوكتهم شديدة، وأما الحنظلة فهي رؤساء القوم، وأما الخرقتان اليمانيتان فهما حيان من اليمن معهم، وأما الخرقة الحمراء فهي حاجب بن زرارة، وأما الأحجار فهي عشر ليال يأتيكم القوم إليها، قد أنذرتكم فكونوا أحراراً فاصبروا كما يصبر الأحرار الكرام.
    قال الأحوص: فإنا فاعلون وآخذون برأيك، فإنه لم تنزل بك شدة إلا رأيت المخرج منها. قال: فإذا قد رجعتم إلى رأيي فأدخلوا نعمكم شعب جبلة ثم اظمئوها هذه الأيام ولا توردوها الماء، فإذا جاء القوم أخرجوا عليهم الإبل وانخسوها بالسيوف والرماح فتخرج مذاعير عطاشاً فتشغلهم وتفرق جمعهم واخرجوا أنتم في آثارها واشفوا نفوسكم. ففعلوا ما أشار به.
    وعاد كرب بن صفوان فلقي لقيطاً فقال له: أنذرت القوم، فأعاد الحلف له أنه لم يكلم أحداً منهم، فخلى عنه. فقالت دخنتوس ابنة لقيط لأبيها: ردني إلى أهلي ولا تعرضني لعبس وعامر فقد أنذرهم لا محالة. فاستحمقها وساءه كلامها وردها. وسار حتى نزل على فم الشعب بعساكر جرارة كثيرة الصواهل وليس لهم هم إلا الماء، فقصدوه. فقال لهم قيس: أخرجوا عليهم الآن الإبل، ففعلوا ذلك، فخرجت الإبل مذاعير عطاشاً وهم في أعراضها وأدبارها، فخبطت تميماً ومن معها وقطعتهم، وكانوا في الشعب، وأبرزتهم إلى الصحراء على غير تعبية. وشغلوا عن الاجتماع إلى ألويتهم، وحملت عيهم عبس وعامر فاقتتلوا قتالاً شديداً وكثرت القتلى في تميم، وكان أول من قتل من رؤسائهم عمرو بن الجون، وأسر معاوية بن الجون وعمرو بن عمرو بن عدس زوج دخنتوس بنت لقيط، وأسر حاجب ابن زرارة، وانحاز لقيط بن زرارة، فدعا قومه وقد تفرقوا عنه، فاجتمع إليه نفر يسير، فتحرز برايته فوق جرف ثم حمل فقتل فيهم ورجع وصاح: أنا لقيط، وحمل ثانيةً فقتل وجرح وعاد، فكثر جمعه، فانحط الجرف بفرسه، وحمل عليه عنترة فطعنه طعنة قصم بها صلبه، وضربه قيس بالسيف فألقاه متشحطاً في دمه، فذكر ابنته دخنتوس فقال:
    يا ليت شعري عنك دخنتوس . إذا أتاها الخبر المرموس
    أتحلق القرون أم تميس . لا بل تمس إنّها عروس
    ثم مات وتمت الهزيمة على تميم وغطفان، ثم فدوا حاجباً بخمسمائة من الإبل، وفدوا عمرو بن عمرو بمائتين من الإبل، وعاد من سلم إلى أهله. وقالت دختنوس ترثي أباها قصائد، منها:
    عثر الأغرّ بخير خن . دف كهلـهـا وشـبـابـهـا
    وأضرّها لعدوّها . وأفكّها لرقابها
    وقريعها ونجيبها . في المطبقات ونابها
    ورئيسها عند الملو . ك وزين يوم خطابها
    وذكر محمد بن إسحاق في يوم جبلة غير ما ذكرنا، قال: كان سببه أن بني خندف كان لهم على قيس أكلٌ تأكله القعدد من خندف، فكان ينتقل فيهم حتى انتهى إلى تميم، ثم من تميم إلى بني عمرو بن تميم، وهم أقل بطن منهم وأذله، فأبت قيس أن تعطي الأكل وامتنعت منه، فجمعت تميم وحالفت غيرها من العرب وساروا إلى قيس، فذكر القصة نحو ما تقدم وخالف في البعض فلا حاجة إلى ذكره.
    وفي هذا اليوم ولد عامر بن الطفيل العامري.
    وقد قال بعض العلماء إن المجوسية كان يدين بها بعض العرب بالبحرين، وكان زرارة عدس وابناه حاجب ولقيط والأقرع بن حابس وغيرهم مجوساً، وإن لقيطاً تزوج ابنته دختنوس وسماها بهذا الاسم الفارسي، وإنه قتل وهي تحته، فقال في ذلك: يا ليت شعري عنك دختنوس الأبيات. والأول أصح، والله أعلم.
    ● [ يوم ذات نكيف ] ●

    كان بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة مبغضين لقريش مضطغنين عليهم ما كان من قصي حين أخرجهم من مكة مع من أخرج من خزاعة حين قسمها رباعاً وخططاً بين قريش. فلما كانوا على عهد عبد المطلب هموا بإخراج قريش من الحرم وأن يقاتلوهم حتى يغلبوهم عليه، وعدت بنو بكر على نعمٍ لبني الهون بن خزيمة فاطردوها، ثم جمعوا جموعهم وجمعت قريش جموعهم واستعدت، وعقد عبد المطلب الحلف بين قريش والأحابيش، وهم بنو الحارث بن عبد مناة وبنو الهون بن خزيمة بن مدركة وبنو المصطلق من خزاعة، فلقوا بني بكر ومن انضم إليهم، وعلى الناس عبد المطلب، فاقتتلوا بذات نكيف، فانهزم بنو بكر وقتلوا قتلاً ذريعاً، فلم يعودوا لحرب قريش،
    فقتل يومئذ عبد بن السفاح القاري من القارة قتادة بن قيس أخا بلعاء ابن قيس، واسم بلعاء مساحق. ويومئذ قيل: قد أنصف القارة من راماها؛ والقارة من ولد الهون بن خزيمة، وهو من ولد عضل بن الدّيش؛ قال رجل منهم:
    دعونا قارةً لا تنفرونا . فنجفل مثل إجفال الظليم
    وقيل: بهذا البيت سموا قارةً، وكان يقال للقارة رماة الحدق.
    ● [ ذكر الفجار الأول ] ●

    أما الفجار الأول : فلم يكن فيه كثير أمرٍ ليذكر، وإنما ذكرناه لئلا يرى ذكر الفجار الثاني وما كان فيه من الأمور العظيمة فيظن أن الأول مثله وقد أهملناه، فلهذا ذكرناه.
    قال ابن إسحاق: كان الفجار الأول بين قريش ومن معها من كنانة كلها وبين قيس عيلان. وسببه أن رجلاً من كنانة كان عليه دين لرجل من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، فأعدم الكناني، فوافى النصري سوق عكاظ بقرد وقال: من يبيعني مثل هذا بما لي على فلان الكناني ؟ فعل ذلك تعييراً للكناني وقومه؛ فمر به رجلٌ من كنانة فضرب القرد بالسيف فقتله أنفةً مما قال النصري، فصرخ النصري في قيس، وصرخ الكناني في كنانة، فاجتمع الناس وتحاوروا حتى كاد يكون بينهم القتال ثم اصطلحوا.
    وقيل: كان سببه أن فتيةً من قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر وهي وضيئة عيها برقع، فقالوا لها: اسفري لننظر إلى وجهك: فلم تفعل. فقال غلام منهم فشك ذيك درعها إلى ظهرها ولم تشعر، فلما قامت انكشفت دبرها، فضحكوا وقالوا: منعتنا النظر إلى وجهك فقد نظرنا إلى دبرك. فصاحت المرأة: يا بني عامر فضحت ! فأتاها الناس واشتجروا حتى كاد يكون قتال، ثم رأوا أن الأمر يسير فاصطلحوا. وقيل: بل قعد رجل من بني غفار يقال له أبو معشر بن مكرز، وكان عازماً منيعاً في نفسه، وكان بسوق عكاظ، فمد رجله ثم قال:
    نحن بنو مدركة بن خندف ... من يطعنوا في عينه لا يطرف
    ومن يكونوا قومه يغطرف ... كأنّه لجّة بحر مسرف
    أنا والله أعز العرب، فمن زعم أنه أعز مني فليضربها بالسيف. فقام رجل من قيس يقال له أحمر بن مازن فضربها بالسف فخرشها خرشاً غير كثير، فاختصم الناس ثم اصطلحوا. بنو نصر بالنون.

    بص وطل
    بص وطل
    Admin

    عدد المساهمات : 1633
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    ذكر أيام العرب في الجاهلية [ 2 ] Empty تابع ذكر أيام العرب في الجاهلية

    مُساهمة من طرف بص وطل في الثلاثاء أبريل 09, 2019 8:38 am

    ● [ ذكر الفجار الثاني ] ●

    وأما الفجار الثاني : وكان بعد الفيل بعشرين سنة، وبعد موت عبد المطلب باثنتي عشرة سنة، ولم يكن في أيام العرب أشهر منه ولا أعظم، فإنما سمي الفجار لما استحل الحيان كنانة وقيس فيه من المحارم، وكان قبله يوم جبلة، وهو مذكور من أيام العرب، والفجار أعظم منه. وكان سببه أن البراض بن قيس بن رافع الكناني ثم الضمري كان رجلاً فاتكاً خليعاً قد خلعه قومه لكثرة شره، وكان يضرب المثل بفتكه فيقال: أفتك من البراض. قال بعضهم:
    والفتى من تعرّفته الليلة ... فهو فيها كالحّية النضناض
    كلّ يوم له بصرف الليالي ... فتكةٌ مثل فتكة البرّاض
    فخرج حتى قدم على النعمان بن المنذر، وكان النعمان يبعث كل عام بلطيمة للتجارة إلى عكاظ تباع له هناك، وكان عكاظ وذو المجاز ومجنة أسواقاً تجتمع بها العرب كل عام إذا حضر الموسم فيأمن بعضهم بعضاً حتى تنقضي أيامها، وكانت مجنة بالظهران، وكانت عكاظ بين نخلة والطائف، وكان ذو المجاز بالجانب الأيسر إذا وقفت على الموقف، فقال النعمان، وعنده البراض وعروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب المعروف بالرحال، وإنما قيل له ذلك لكثرة رحلته إلى الملوك: من يجيز لي لطيمتي هذه حتى يبلغها عكاظ ؟ فقال البراض: أنا أجيزها، أبيت اللعن، على كنانة. فقال النعمان: إنما أريد من يجيزها على كنانة وقيس ! فقال عروة: أكلبٌ خليع يجيزها لك، أبيت اللعن، أنا أجيزها على أهل الشيح والقيصوم من أهل تهامة وأهل نجد. فقال البراض، وغضب: وعلى كنانة تجيزها يا عروة ؟ قال عروة: وعلى الناس كلهم.
    فدفع النعمان اللطيمة إلى عروة الرحال وأمره بالمسير بها، وخرج البراض يتبع أثره، وعروة يرى مكانه ولا يخشى منه، حتى إذا كان عروة بين ظهري قومه بوادٍ يقال له تيمن ينواحي فدك أدركه البراض بن قيس فأخرج قداحه يستقسم بها في قتل عروة، فمر به عروة فقال: ما تصنع يا براض ؟ فقال: أستقسم في قتلك أيؤذن لي أم لا. فقال عروة: استك أضيق من ذلك ! فوثب إليه البراض بالسف فقتله. فلما رآه الذين يقومون على العير والأحمار قتيلاً انهزموا، فاستاق البراض العير وسار على وجهه إلى خيبر، وتبعه رجلان من قيس ليأخذاه، أحدهما غنوي والآخر غطفاني، اسم الغنوي أسد ابن جوين، واسم الغطفاني مساور بن مالك، فلقيهما البراض بخيبر أول الناس فقال لهما: من الرجلان ؟ قالا: من قيس قدمنا لنقتل البراض. فأنزلهما وعقل راحلتيهما، ثم قال: أيكما أجرأ عليه وأجود سيفاً ؟ قال الغطفاني: أنا. فأخذه ومشى معه ليدله بزعمه على البراض، فقال للغنوي: احفظ راحلتيكما، ففعل، وانطلق البراض بالغطفاني حتى أخرجه إلى خربة في جانب خيبر خارجاً من البيوت، فقال للغطفاني: هو في هذه الخربة إليها يأوي فأمهلني حتى أنظر أهو فيها. فوقف ودخل البراض ثم خرج فقال: هو فيها وهو نائم، فأرني سيفك حتى أنظر إليه أضاربٌ هو أم لا، فأعطاه سيفه، فضربه به حتى قتله ثم أخفى السيف وعاد إلى الغنوي فقال له: لم أر رجلاً أجبن من صاحبك، تركته في البيت الذي فيه البراض وهو نائم فلم يقدم عليه. فقال: انظر لي من يحفظ الراحلتين حتى أمضي إليه فأقتله. فقال: دعهما وهما علي، ثم انطلقا إلى الخربة، فقتله وسار بالعير إلى مكة، فلقي رجلاً من بني أسد بن خزيمة، فقال له البراض: هل لك إلى أن أجعل لك جعلاً أن تنطلق إلى حرب بن أمية وقومي فإنهم قومي وقومك، لأن أسد بن خزيمة من خندف أيضاً، فتخبرهم أن البراض بن قيس قتل عروة الرحال، فليحذروا قيساً ! وجعل له عشراً من الإبل. فخرج الأسدي حتى أتى عكاظ، وبها جماعة من الناس، فأتى حرب بن أمية فأخبره الخبر، فبعث إلى عبد الله بن جدعان التيمي وإلى هشام بن المغيرة المخومي، وهو والد أبي جهل، وهما من أشراف قريش وذوي السن منهم، وإلى كل قبيلة من قريش أحضر منها رجلاً، وإلى الحليس بن يزيد الحارثي، وهو سيد الأحابيش، فأخبرهم أيضاً. فتشاوروا وقالوا: نخشى من قيس أن يطلبوا ثأر صاحبهم منا فإنهم لا يرضون أن يقتلوا به خليعاً من بني ضمرة. فاتفق رأيهم على أن يأتوا أبا براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب ملاعب الأسنة، وهو يومئذ سيد قيس وشريفها، فيقولوا له: إنه قد كان حدث بين نجد وتهامة وإنه لم يأتنا علمه فأجز بين الناس حتى تعلم وتعلم.
    فأتوه وقالوا له ذلك، فأجاز بين الناس وأعلم قومه ما قيل له، ثم قام نفر من قريش فقالوا: يا أهل عكاظ إنه قد حدث في قومنا بمكة حدثٌ أتانا خبره ونخشى إن تخلفنا عنهم أن يتفاقم الشر فلا يروعنكم تحملنا. ثم ركبوا على الصعب والذلول إلى مكة. فلما كان آخر اليوم أتى عامر بن مالك ملاعب الأسنة الخبر فقال: غدرت قريش وخدعني حرب بن أمية، والله لا تنزل كنانة عكاظ أبداً. ثم ركبوا في طلبهم حتى أدركوهم بنخلة، فاقتتل القول، فاشتعلت قيس، فكادت قريش تنهزم إلا أنها على حاميتها تبادر دخول الحرم ليأمنوا به. فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا الحرم مع الليل، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، معهم، وعمره عشرون سنة.
    وقال الزهري: لم يكن معهم، ولو كان معهم لم ينهزموا، وهذه العلة ليست بشيء لأنه قد كان بعد الوحي والرسالة ينهزم أصحابه ويقتلون، وإذا كان في جمع قبل الرسالة وانهزموا فغير بعيد. ولما دخلت قريش الحرم عادت عنهم قيس وقالوا لهم: يا معشر قريش إنا لا نترك دم عروة وميعادنا عكاظ في العام المقبل، وانصرفت إلى بلادها يحرض بعضها بعضاً ويبكون عروة الرحال. يوم شمطة ثم إن قيساً جمعت جموعها ومعها ثقيف غيرها، وجمعت قريش جموعها، منهم كنانة جميعها والأحابيش وأسد بن خزيمة، وفرقت قريش السلاح في الناس، فأعطى عبد الله بن جدعان مائة رجل سلاحاً تاماً، وفعل الباقون مثله.
    وخرجت قريش للموعد على كل بطن منها رئيس، فكان على بني هاشم الزبير بن عبد المطلب ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإخوته أبو طالب وحمزة والعباس بنو عبد المطلب، وعلى بني أمية وأحلافها حرب ابن أمية، وعلى بني عبد الدار عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وعلى بني أسد بن عبد العزى خويلد بن أسد، وعلى بني مخزوم هشام بن المغيرة أبو أبي جهل، وعلى بني تيم عبد الله بن جدعان، وعلى بني جمح معمر ابن حبيب بن وهب، وعلى بني سهم العاصب بن وائل، وعلى بني عدي زيد ابن عمرو بن نفيل والد سعيد بن زيد، وعلى بني عامر بن لؤي عمرة بن عبد شمس والد سهيل بن عمرو، وعلى بني فهر عبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة، وعلى الأحابيش الحليس بن يزيد وسفيان بن عويف هما قائداهم، والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة كنانة وعضل والقارة الديش من بني الهون بن خزيمة والمصطلق بن خزاعة، سموا بذلك لحلفهم بني الحارث، والتحبش التجمع، وعلى بني بكر بلعاء بن قيس، وعلى بني فراس بن غنم من كنانة عمير بن قيس جذل الطعان، وعلى بني أسد بن خزيمة بشر بن أبي محازم، وكان على جماعة الناس حرب بن أمية لمكانة من عبد مناف سناً ومنزلةً.
    وكانت قيس قد تقدمت إلى عكاظ قبل قريش، فعلى بني عامر ملاعب الأسنة أبو براء، وعلى بني نصر وسعد وثقيف سبيع بن ربيع بن معاوية، وعلى بني جشم الصمة والد دريد، وعلى غطفان عوف بن أبي حارثة المري،وعلى بني سليم عباس بن زعل بن هني بن أنس، وعلى فهم وعدوان كدام بن عمرو. وسارت قريش حتى نزلت عكاظ وبها قيس. وكان مع حرب بن أمية إخوته سفيان وأبو سفيان والعاص وأبو العاص بنو أمية، فعقل حربٌ نفسه وقيد سفيان وأبو العاص نفسيهما وقالوا: لن يبرح رجل منا مكانه حتى نموت أو نظفر، فيومئذ سموا العنابس، والعنبس الأسد. واقتتل الناس قتالاً شديداً، فكان الظفر أول النهار لقيس، وانهزم كثير من بني كنانة وقريش، فانهزم بنو زهرة وبنو عدي، وقتل معمر بن حبيب الجمحي، وانهزمت طائفة من بني فراس، وثبت حرب بن أمية وبنو عبد مناف وسائر قبائل قريش، ولم يزل الظفر لقيس على قريش وكنانة إلى أن انتصف النهار. ثم عاد الظفر لقريش وكنانة فقتلوا من قيس فأكثروا، وحمي القتال واشتد الأمر فقتل يومئذ تحت راية بني الحاث بن عبد مناة بن كنانة مائة رجل وهم صابرون، فانهزمت قيس، وقتل من أشرافهم عباس ابن زعل السلمي وغيره. فلما رأى أبو السيد عم مالك بن عوف النصري ما تصنع كنانة من القتل نادى: يا معشر بني كنانة أسرفتم في القتل. فقال ابن جدعان: إنا معشر يسرف.
    ولما رأى سبيع بن ربيع بن معاوية هزيمة قبائل قيس عقل نفسه واضطجع وقال: يا معشر بني نصر قاتلوا عني أو ذروا. فعطفت عليه بنو نصر وجشم وسعد بن بكر وفهم وعدوان وانهزم باقي قبائل قيس، فقاتل هؤلاء أشد قتال رآه الناس. ثم إنهم تداعوا إلى الصلح فاصطلحوا على أن يعدوا القتلى فأي الفريقين فضل له قتلى أخذ ديتهم من الفريق الآخر، فتعادوا القتلى فوجدوا قريشاً وبني كنانة قد أفضلوا على قيس عشرين رجلاً، فوهن حرب بن أمية يومئذ ابنه أبا سفيان في ديات القوم حتى يؤديها، ورهن غيره من الرؤساء، وانصرف الناس بعضهم عن بعض ووضعوا الحرب وهدموا ما بينهم من العداوة والشر وتعاهدوا على أن لا يؤذي بعضهم بعضاً فيما كان من أمر البراض وعروة.
    ● [ يوم ذي نجب ] ●

    وكان من حديث يوم ذي نجب أن بني عامر لما أصابوا من تميم ما أصابوا يوم جبلة رجوا أن يستأصلوهم، فكاتبوا حسان بن كبشة الكندي، وكان ملكاً من ملوك كندة، وهو حسان بن معاوية بن حجر، فدعوه إلى أن يغزو معهم بني حنظلة من تميم، فأخبروه أنهم قد قتلوا فرسانهم ورؤساءهم، فأقبل معهم بصنائعه ومن كان معه. فلما أتى بني حنظلة خبر مسيرهم قال لهم عمرو بن عمرو: يا بني مالك إنه لا طاقة لكم بهذا الملك وما معه من العدد فانتقلوا من مكانكم، وكانوا في أعالي الوادي مما يلي مجيء القوم، وكانت بنو يربوع بأسفله، فتحولت بنو مالك حتى نزلت خلف بني يربوع، وصارت بنو يربوع تلي الملك.
    فلما رأوا ما صنع بنو مالك استعدوا وتقدموا إلى طريق الملك. فلما كان وجه الصبح وصل ابن كبشة فيمن معه وقد استعد القوم فاقتتلوا. فلما رآهم بنو مالك وصبرهم في القتال ساروا إليهم وشهدوا معهم القتال فاقتتلوا ملياً، فضرب حشيش بن نمران الرياحي ابن كبشة الملك على رأسه فصرعه، فمات، وقتل عبيدة بن مالك بن جعفر، وانهزم طفيل بن مالك على فرسه قرزل، وقتل عمرو بن الأحوص بن جعفر، وكان رئيس عامر، وانهزمت بنو عامر وصنائع ابن كبشة. قال جرير في الإسلام يذكر اليوم بذي نجب:
    بذي نجبٍ ذدنا وواكل مالك ... أخاً لم يكن عند الطّعان بواكل
    وكان يوم ذي نجب بعد يوم جبلة بسنة. وبقي الأحوص بعد ابنه عمرو يسيراً وهلك أسفاً عليه.
    ● [ يوم نعف قشاوة ] ●

    وهو يوم لشيبان على تميم: قال أبو عبيدة: أغار بسطام بن قيس على بني يربوع من تميم وهم بنعف قشاوة، فاهم ضحىً، وهو يوم ريح ومطر، فوافق النعم حين سرح، فأخذه كله ثم كر راجعاً، وتداعت عيله بنو يربوع فلحقوه وفيهم عمارة بن عتيبة بن الحارث بن شهاب، فكر عليه بسطام فقتله، ولحقهم مالك بن حطان اليربوعي فقتله، وأتاهم أيضاً بجير بن أبي مليل فقتله بسطام، وقتلوا من يربوع جمعاً وأسروا آخرين، منهم: مليل بن أبي مليل، وسلموا وعادوا غانمين. فقال بعض الأسرى لبسطام: أيسرك أن أبا مليل مكاني ؟ قال: نعم. قال: فإن دللتك عليه أتطلقني الآن، قال: نعم. قال: فإن ابنه بجيراً كان أحب خلق الله إليه وستجده الآن مكباً عليه يقبله فخذه أسيراً. فعاد بسطام فرآه كما قال، فأخذه أسيراً وأطلق اليربوعي. فقال له أبو مليل: قتلت بجيراً وأسرتني وابني مليلاً ! والله لا أطعم الطعام أبداً وأنا موثق. فخشي بسطام أن يموت فأطلقه بغير فداء على أن يفادي مليلاً وعلى أن لا يتبعه بدم ابنه بجير ولا يبغيه غائلة ولا يدل له على عورة ولا يغير عليه ولا على قومه أبداً، وعاهده على ذلك، فأطلقه وجز ناصيته، فرجع إلى قومه وأراد الغدر ببسطام والنكث به، فأرسل بعض بني يربوع إلى بسطام بخبره، فحذره؛ وقال متمم بن نويرة:
    أبلغ شهاب بني بكرٍ وسيّدها ... عنيّ بذاك الصّهباء بسطاما
    أروي الأسنّة من قومي فأنهلها ... فأصبحوا في بقيع الأرض نوّاما
    لا يطبقون إذا هبّ النيام ولا ... في مرقدٍ يحلمون الدهر أحلاما
    أشجي تميم بن مرّ لا مكايدةً ... حتّى استعادوا له أسرى وأنعاما
    هلاّ أسيراً فدتك النفس تطعمه ... ممّا أراد وقدماً كنت مطعاما
    وهي أبيات عدة.
    ● [ يوم الغبيط ] ●

    وهو يوم كانت الحرب فيه بين بني شيبان وتميم، أسر فيه بسطام بن قيس الشيباني.
    وسبب ذلك أن بسطام بن قيس والحوفزان بن شريك ومفروق بن عمرو ساروا فيجمع من بني شيبان إلى بلاد تميم فأغاروا على ثعلبة بن يربوع وثعلبة بن سعد بن ضبة وثعلبة بن عدي بن فزارة وثعلبة بن سعد بن ذبيان، وكانوا متجاورين بصحراء فلج، فاقتتلوا، فانهزمت الثعالبة، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغنم بنو شيبان أموالهم، ومروا على بني مالك بن حنظلة من تميم، وهم بين صحراء فلج وغبيط المدرة فاستاقوا إبلهم. فركبت إليهم بنو مالك يقدمهم عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي وفرسان بني يربوع، وساروا في أثر بني شيبان ومعه من رؤساء تميم الأحيمر بن عبد الله وأسيد بن جباة وحر بن سعد ومالك بن نويرة فأدركوهم بغبيط المدرة فقاتلوهم. وصبر الفريقان، ثم انهزمت شيبان واستعادت تميم ما كانوا غنموه من أموالهم، وقتلت بنو شيبان أبا مرحب ربيعة بن حصية، وألح عتيبة بن الحارث على بسطام بن قيس فأدركه فقال له: استأسر أبا الصهباء فأنا خير لك من الفلاة والعطش. فاستأسر له بسطام بن قيس. فقال بنو ثعلبة لعتيبة: إن أبا مرحب قد قتل وقد أسرت بسطاماً وهو قاتل مليل وبجير ابني أبي مليل ومالك بن حطان وغيرهم فاقتله. قال: إني معيل وأنا أحب اللبن. قالوا: إنك تفاديه فيعود فيحربنا مالنا، فأبى عليهم وسار به إلى بني عامر بن صعصعة لئلا يؤخذ فيقتل، وإنما قصد عامراً لأن عمته خولة بنت شهاب كانت ناكحاً فيهم؛ فقال مالك بن نويرة في ذلك:
    لله عتّاب بن ميّة إذا رأى ... إلى ثأرنا في كفّه يتلدّد
    أتحيي امرأً أردى بجيراً ومالكاً ... وأتوى حريثاً بعدما كان يقصد
    ونحن ثأرنا قبل ذاك ابن أمّه ... غداة الكلابيّين والجمع يشهد
    ونحن توسط عتيبة بيوت بني عامر صاح بسطام: واشيباناه ! ولا شيبان لي اليوم ! فبعث إليه عامر بن الطفيل: إن استطعت أن تلجأ إلى قبتي فافعل فإني سأمنعك، وإن لم تستطع فاقذف نفسك في الركي. فأتى عتيبة تابعه من الجن فأخبره بذلك، فأمر ببيته فقوض. فركب فرسه وأخذ سلاحه ثم أتى ملجس بني جعفر، وفيه عامر بن الطفيل الغنوي، فحياهم وقال: يا عامر قد بلغني الذي أسلت به إلى بسطام فأنا مخيرك فيه خصالاً ثلاثاً. فقال عامر: وما هي ؟ قال: إن شئت فأعطني خلعتك وخلعة أهل بيتك حتى أطلقه لك، فليست خلعتك وخلعة أهل بيتك بشر من خلعته وخلعة أهل بيته. فقال عامر: هذا لا سبيل إليه. قال عتيبة: ضع رجلك مكان رجله فلست عندي بشر منه. فقال: ما كنت لأفعل قال عتيبة: تتبعني إذا جاوزت هذه الرابية فتقارعني عنه على الموت. فقال عامر: هذه أبغضهن إلي. فانصرف به عتيبة إلى بني عبيد بن ثعلبة فرأى بسطام مركب أم عتيبة رثاً فقال: يا عتيبة هذا رحل أمك ؟ قال: نعم. قال: ما رأيت رحل أم سيدٍ قط مثل هذا. فقال عتيبة: واللات والعزى لا أطلقك حتى تأتيني أمك بحدجها، وكان كبيراً ذا ثمن كثيرٍ، وهذا الذي أراد بسطام ليرغب فيه فلا يقتله. فأرسل بسطام فأحضر حدج أمه وفادى نفسه بأربعمائة بعير، وقيل: بألف بعير، وثلاثين فرساً وهودج أمه وحدجها وخلص من الأسر. فلما خلص من الأسر أذكى العيون على عتيبة وإبله، فعادت إليه عيونه فأخبروه أنها على أرباب، فأغار عليها وأخذ الإبل كلها وما لهم معها.
    عتيبة بالتاء فوقها نقطتان، والياء تحتها نقطتان ساكنة، وفي آخرها باء موحدة.
    ● [ يوم لشيبان على بني تميم ] ●

    قال أبو عبيدة: خرج الأقرع بن حابس وأخوه فراس التميميان، وهما الأقرعان، في بني مجاشع من تميم وهما يريدان الغارة على بكر بن وائل ومعهما البروك أبو جعل، فلقيهم بسطام بن قيس الشيباني وعمران ابن مرة في بني بكر بن وائل بزبالة فاقتتلوا قتالاً شديداً ظفرت فيه بكر وانهزمت تميم وأسر الأقرعان وأبو جعل وناس كثير، وافتدى الأقرعان نفسيهما من بسطام وعاهداه على إرسال الفداء، فأطلقهما، فبعدا ولم يرسلا شيئاً. وكان في الأسرى إنسان من يربوع فسمعه بسطام من قيس في الليل يقول:
    فدىً بوالدةٍ عليّ شفيقةً ... فكأنّها حرضٌ على الأسقام
    لو أنّها علمت فيسكن جأشها ... أنّي سقطت على الفتى المنعام
    سقط العشاء به على متنعّم ... سمح اليدين معاود الإقدام
    فلما سمع بسطام ذلك منه قال له: وأبيك لا يخبر أمك عنك غيرك ! وأطلقه، وقال ابن رميض العنزي:
    جاءت هدايا من الرحمان مرسلة ... حتّى أنيخت لدى أبيات بسطام
    جيش الهذيل وجيش الأقرعين معاً ... وكبّة الخيل والأذواد في عام
    مسوّم خيله تعدو مقانبه ... على الذوائب من أولاد همّام
    وقال أوس بن حجر:
    وصبّحنا عارٌ طويلٌ بناؤه ... نسب به ما لاح في الأفق كوكب
    فلم أر يوماً كان أكثر باكياً ... ووجهاً ترى فيه الكآبة تجنب
    أصابوا البروك وابن حابس عنوةً ... فظلّ لهم بالقاع يومٌ عصبصب
    وإنّ أبا الصهباء في حومة الوغى ... إذا ازورّت الأبطال ليثٌ مجرّب
    وأبو الصهباء هو بسطام بن قيس. وأكثر الشعراء في هذا اليوم في مدح بسطام بن قيس، تركنا ذكره اختصاراً.
    حجر بفتح الحاء والجيم.
    ● [ يوم مبايض ] ●

    وهو لشيبان على بني تميم. قال أبو عبيدة: حج طرف بن تميم العنبري التميمي، وكان رجلاً جسيماً يلقب مجدعاً، وهو فارس قومه، ولقيه حمصيصة بن جندل الشيباني من بني أبي ربيعة، وهو شاب قوي شجاع، وهو يطوف بالبيت، فأطال النظر إليه، فقال له طريف: لم تشد نظرك إلي ؟ قال حمصيصة: أريد أن أثبتك لعلي أن ألقاك في جيش فأقتلك. فقال طريف: اللهم لا تحول الحول حتى ألقاه ! ودعا حمصيصة مثله، فقال طريف:
    أوكلّما وردت عكاظ قبيلةٌ ... بعقوا إليّ عريفهم يتوسّم
    لا تنكروني إنّني أنا ذاكم ... شاكي السلاح وفي الحوادث معلم
    حولي فوارس من أسيد جمّةٌ ... ومن الهجيم وحول بيتي خصّم
    تحتي الأغرّ وفوق جلدي نثرةٌ ... زغفٌ تردّ السيف وهو مثلّم
    في أبيات.
    ثم إن بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وبني مرة بن ذهل بن شيبان كان بينهم شر وخصام فاقتتلوا شيئاً من قتال ولم يكن بينهم دم. فقال هانئ بن مسعود، رئيس بني أبي ربيعة، لقومه: إني أكره أن يتفاقم الشر بيننا، فارتحل بهم فنزل على ماء يقال له بمائض، وهو قريب من مياه بني تميم، فأقاموا عليه أشهراً، وبلغ خبرهم بني تميم، فأرسل بعضهم إلى بعض وقالوا: هذا حي منفرد وإن اصطلمتموهم أوهنتم بكر بن وائل. واجتمعوا وساروا على ثلاثة رؤساء: أبو الجدعاء الطهوي على بني حنظلة، وابن فدكى المنقري على بني سعد، وطريف بن تميم على بني عمرو بن تميم. فلما قاربوا بني أبي ربيعة بلغهم الخبر فاستعدوا للقتال، فخطبهم هانئ بن مسعود وحثهم على القتال، فقال: إذا أتوكم فقاتلوهم شيئاً من قتال ثم انحازوا عنهم، فإذا اشتغلوا بالنهب فعودوا إليهم فإنكم تصيبون منهم حاجتكم.
    وصبحهم بنو تميم والقوم حذرون فاقتتلوا قتالاً شديداً وفعلت بنو شيبان ما أمرهم هانئ. فاشتغلت تميم بالغنيمة، ومر رجل منهم بابنٍ لهانئ بن مسعود صبي فأخذه وقال: حسبي هذا من الغنيمة، وسار به وبقيت تميم مع الغنيمة والسبي. فعادت شيبان عليهم فهزموهم وقتلوهم وأسروهم كيف شاءوا، ولم تصب تميم بمثلها؛ لم يفلت منهم إلا القليل، ولم يلو أحد على أحد، وانهزم طريف فاتبعه حمصيصة فقتله. واستردت شيبان الأهل والمال وأخذوا مع ذلك ما كان معهم، وفادى هانئ بن مسعود ابنه بمائة بعير، وقال بعض شيبان في هذا اليوم:
    ولقد دعوت طرف دعوة جاهلٍ ... غرٍّ وأنت بمنظر لا تعلم
    وأتيت حيّاً في الحروب محلّهم ... والجيش باسم أبيهم يستهزم
    فوجدتهم يرعون حول ديارهم ... بسلاً إذا حام الفوارس أقدموا
    وإذا اعتزوا بأبي ربيعة أقبلوا ... بكتيبة مثل النجوم تلملم
    ساموك درعك والأغرّ كليهما ... وبنو أسيدٍ أسلموك وخصّم
    وقال عمرو بن سواد يرثي طريفاً:
    لا تبعدن يا خير عمرو بن جندب ... لعمري لمن زار القبور ليبعدا
    عظيم رماد النار لا متعبّساً ... ولا مؤيساً منها إذا هو أوقدا
    وما كان وقّافاً إذا الخيل أحجمت ... وما كان مبطاناً إذا ما تجرّدا
    ● [ يوم الزويرين ] ●

    قال أبو عبيدة: كانت بكر بن وائل قد أجدبت بلادهم فانتجعوا بلاد تميم بين ليمامة وهجر، فلما تدانوا جعلوا لا يلقى بكري تميمياً إلا قتله، ولا يلقى تميمي بكرياً إلا قتله، إذا أصاب أحدهما مال الآخر أخذه، حتى تفاقم الشر وعظم.فخرج الحوفزان بن شريك والوادك بن الحارث الشيبانيان ليغيرا على بني دارم، فاتفق أن تميماً في تلك الحال اجتمعت في جمع كثير من عمرو بن حنظلة والرباب وسعد وغيرها وسارت إلى بكر بن وائل، وعلى تميم أبو الرئيس الحنظلي. فبلغ خبرهم بكر بن وائل فتقدموا وعليهم الأصم عمرو بن قيس بن مسعود أبو مفروق وحنظلة بن سيار العجلي وحمران ابن عبد عمرو العبسي، فلما التقوا جعلت تميم والرباب بعيرين وجللوهما وجعلوا عندهما من يحفظهما وتركوهما بين الصفين معقولين وسموهما زويرين، يعني: إلهين، وقالوا: لا نفر حتى يفر هذان البعيران. فلما رأى أبو مفروق البعيرين سأل عنهما فأعلم حالهما، فقال: أنا زويركم، وبرك بين الصفين وقال: قاتلوا عني ولا تفروا حتى أفر. فاقتتل الناس قتالاً شديداً، فوصلت شيبان إلى البعيرين فأخذوهما فذبحوهما. واشتد القتال عليهما، فانهزمت تميم وقتل أبو الرئيس مقدمهم ومعه بشر كثير، واجترفت بكر أموالهم ونساءهم وأسروا أسرى كثيرة، ووصل الحوفزان إلى النساء والأموال، وقد سار الرجال عنها للقتال، فأخذ جميع ما خلفوه من النساء والأموال وعاد إلى أصحابه سالماً؛ وقال الأعشى في ذلك اليوم:
    يا سلم لا تسألي عنّا فلاً كشفت ... عند اللقاء ولا سود مقاريف
    نحن الذين هزمنا يوم صبّحنا ... يوم الزّويرين في جمع الأحاليف
    ظلّوا وظلّت تكرّ الخيل وسطهم ... بالشيّب منّا والمرد الغطاريف
    تستأنس الشرف الأعلى بأعينها ... لمح الصقور علت فوق الأظاليف
    انسلّ عنها بسيل الصّيل فانجردت ... تحت اللّبود متونٌ كالزحاليف
    وقد أكثر الشعراء في هذا اليوم، لا سيما الأغلب العجلي، فمن ذلك أرجوزته التي أولها:
    إن سرّك العزّ ... فجحجح بحشم
    يقول فيها:
    جاؤوا بزويريهم وجئنا بالأصمّ ... شيخ لنا كالليث من باقي إرم
    شيخٌ لنا معاودٌ ضرب البهم ... يضرب بالسيف إذا الرمح انقصم
    هل غير غارٍ ... صكّ غاراً فانهزم
    الغاران: بكر وتميم. وله الأرجوزة التي أولها:
    يا ربّ حربٍ ... ثرّة الأخلاف
    يذكر فيها هذا اليوم.
    ذكر أسر حاتم طيء
    قال أبو عبيدة: أغار حاتم طيء بجيش من قومه على بكر بن وائل فقاتلوهم، وانهزمت طيء وقتل منهم وأسر جماعة كثيرة، وكان في الأسرى حاتم ابن عبد الله الطائي، فبقي موثقاً عند رجل من عنيزة، فأتته امرأة منهم اسمها عالية بناقة فقالت له: افصد هذه، فنحرها، فلما رأتها منحورة صرخت، فقال حاتم:
    عالي لا تلتدّ من عاليه ... إنّ الذي أهلكت من ماليه
    إنّ ابن أسماء لكم ضامن ... حتّى يؤدّي آنسٌ ناويه
    لا أفصد الناقة في أنفها ... لكنّني أوجرها العاليه
    إنّي عن الفصد لفي مفخر ... يكره منّي المفصد الآليه
    والخيل إن شمّص فرسانها ... تذكر عند الموت أمثاليه
    وقال رميض العنزي يفتخر:
    ونحن أسرنا حاتماً وابن ظالم ... فكلٌّ ثوى في قيدنا وهو يخشع
    وكعبّ إياد قد أسرنا وبعده ... أسرنا أبا حسّان والخيل تطمع
    وريّان غادرنا بوجٍّ كأنّه ... وأشياعه فيها صريمٌ مصرّع
    وقال يحيى بن منصور الذهلي قصيدةً يفتخر بأيام قومه، وهي طويلة، وفيها آداب حسنة، تركناها كراهية التطويل، وأولها:
    أمن عرفان منزلةٌ ودارٌ ... تعاورها البوارح والسواري
    وقال أبو عبيدة: جاء الإسلام وليس في العرب أحدٌ أعز داراً ولا أمنع جاراً ولا أكثر حليفاً من شيبان. كانت عنينة من لخم في الأحلاف، وكانت درمكة بن كندة في بني هند، وكانت عكرمة من طيء، وحوتكة من عذرة، وبنانة كل هؤلاء في بني الحارث بن همام، وكانت عائذة من قريش، وضبة وحواس من كندة، هؤلاء في بني أبي ربيعة، وكانت سليمة من بني عبد القيس في بني أسعد بن همام، وكانت وثيلة من ثعلبة، وبنو خيبري من طيء في بني تميم بن شيبان، وكانت عوف بن حارث من كندة في بني محلم. كل هذه قبائل وبطون جاورت شيبان فعزت بها وكثرت.
    ● [ يوم مسحلان ] ●

    قال أبو عبيدة: غزا ربيعة بن زياد الكلبي في جيش من قومه فلقي جيشاً لبني شيبان عامتهم بنو أبي ربيعة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فظفرت بهم بنو شيبان وهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وذلك يوم مسحلان، وأسروا ناساً كثيراً، وأخذوا ما كان معهم. وكان رئيس شيبان يومئذ حيان بن عبد الله بن قيس المحلمي، وقيل: كان رئيسهم زياد بن مرثد من بني أبي ربيعة، فقال شاعرهم:
    سائل ربيعة حيث حلّ بجيشه ... مع الحيّ كلبٌ حيث لبّت فوارسه
    عشيّة ولّى جمعهم فتتابعوا ... فصار إلينا نهبه وعوانسه
    ثم إن الربيع بن زياد الكلبي نافر قومه وحاربهم فهزموه. فاعتزلهم وسار حتى حل ببني شيبان، فاستجار برجل اسمه زياد من بني أبي ربيعة، فقتله بنو أسعد بن همام، ثم إن شيبان حملوا ديته إلى كلب مائتي بعير فرضوا.
    ● [ حرب لسليم وشيبان ] ●

    قال أبو عبيدة: خرج جيش لبني سليم عليهم النصيب السلمي وهم يريدون الغارة على بكر بن وائل. فلقيهم رجلٌ من بني شيبان اسمه صليع ابن عبد غنم وهو محرم على فرس له يسمى البحراء، فقال لهم: أين تذهبون ؟ قالوا: نريد الغارة على بني شبان. فقال لهم: مهلاً فإني لكم ناصح، إياكم وبني شيبان، فإني أقسم لكم بالله لتأتينكم على ثلاثمائة فرس خصي سوى الفحول والإناث. فأبوا إلا الغارة عليهم، فدفع صليع فرسه ركضاً حتى أتى قومه فأنذرهم. فركبت شيبان واستعدوا، فأتاهم بنو سليم وهم معدون فاقتتلوا قتالاً شديداً، فظفرت شيبان وانهزمت سليم وقتل منهم مقتلة كثيرة وأسر منهم ناس كثير، ولم ينج إلا القليل، وأسر النصيب رئيسهم، أسره عمران بن مرة الشيبان فضرب رقبته، فقال صليع:
    نهيت بني زعل غداة لقيتهم ... وجيش نصيب والظنون تطاع
    وقلت لهم: إنّ الحريب وراكساً ... به نعم ترعى المرار رتاع
    ولكنّ فيه الموت يرتع سربه ... وحقّ لهم أن يقبلوا ويطاعوا
    متى تأته تلقى على الماء حارثاً ... وجيشاً له يوفي بكلّ بقاع
    ● [ يوم جَدود ] ●

    وهو يوم بين بكر بن وائل وبني منقر من تميم. وكان من حديثه أن الحوفزان، واسمه الحارث بن شريك الشيباني، كانت بينه وبين بني سليط ابن يربوع موادعة، فهم بالغدر بهم وجمع بني شيبان وذهلاً واللهازم، وعليهم حمران بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو. ثم غزا وهو يرجو أن يصيب غرة من بني يربوع. فلما انتهى إلى بني يربوع نذر به عتيبة بن الحارث بن شهاب فنادى في قومه، فحالوا بين الحوفزان وبين الماء، وقال لعتيبة: إني لا أرى معك إلا رهطك وأنا في طوائف من بني بكر، فلئن ظفرت بكم قل عددكم وطمع فيكم عدوكم، ولئن ظفرتم بي ما تقتلون إلا أقاصي عشيرتي، وما إياكم أردت، فهل لكم أن تسالمونا وتأخذوا ما معنا من التمر، ووالله لا نروح يربوعاً أبداً. فأخذ ما معهم من التمر وخلى سبيلهم. فسارت بكر حتى أغاروا على بني ربيع بن الحارث، وهو مقاعس، بجدود، وإنما سمي مقاعساً لأنه تقاعس عن حلف بني سعد، فأغار عليهم وهم خلوفٌ فأصاب سبياً ونعماً، فبعث بنو ربيع صريخهم إلى بني كليب، فلم يجيبوهم، فأتى الصريخ بني منقر بن عبيد فركبوا في الطلب فلحقوا بكر بن وائل وهم مقاتلون، فما شعر الحوفزان وهو في ظل شجرة إلا بالأهتم بن سمي بن سنان المنقري واقفاً على رأسه، فركب فرسه، فنادى الأهتم: يا آل سعد ! ونادى الحوفزان: يا آل وائل ! ولحق بنو منقر فقاتلوا قتالاً شديداً، فهزمت بكر وخلوا السبي والأموال، وتبعتهم منقر، فمن قتيل وأسير، وأسر الأهتم حمران بن عبد عمرو، ولم يكن لقيس بن عاصم المنقري همة إلا الحوفزان، فتبعه على مهر، والحوفزان على فرس فارج فلم يحلقه وقد قاربه. فلما خاف أن يفوته حفزه بالرمح في ظهره فاحتفز بالطعنة ونجا، فسمي يومئذ الحوفزان، وقيل غير هذا. وقال الأهتم في أسره حمران:
    نيطت بحمران المنّية بعدما ... حشاه سنان من شراعة أزرق
    دعا يال قيسٍ واعتزيت لمنقر ... وكنت إذا لاقيت في الخيل أصدق
    وقال سوار بن حيان المنقري يفتخر على رجل من بكر:
    ونحن حفزنا الحوفزان بطعنةٍ ... كسته نجيعاً من دم البطن أشكلا
    وحمران قسراً أنزلته رماحنا ... فعالج غلاًّ في ذراعيه مثقلا
    فيا لك من أيّام صدقٍ نعدّها ... كيوم جواثا والنّباج وثيتلا
    قضى الله أنّا يبوم تقتسم العلى ... أحقّ بها منكم فأعطى فأجّزلا
    فلست بمسطيع السماء ولم تجد ... لعزٍّ بناه الله فوقك منقلا
    منقر بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف؛ وربيع بضم الراء، وفتح الباء الموحدة.
    ● [ يوم الإياد وهو يوم أعشاش ] ●
    ويوم العظالى

    وإنما سمي يوم العظالى لأن بسطام بن قيس وهانئ بن قبيصة ومفروق ابن عمرو تعاظلوا على الرياسة، وكانت بكر تحت يد كسرى وفارس، وكانوا يقرونهم ويجهزونهم، فأقبلوا من عند عامل عين التمر في ثلاثمائة متساندين وهم يتوقعون انحدار بني يربوع في الحزن، فاجتمع بنو عتيبة وبنو عبيد وبنو زبيد في الحزن. فحلت بنو زبيد الحديقة، وحلت بنو عتيبة وبنو عبيد روضة الثمد، فأقبل جيش بكر حتى نزلوا حضبة الحصى، فرأى بسطام السواد بالحديقة، وثم غلامٌ عرفه بسطام، وكان قد عرف غلمان بني ثعلبة حين أسره عتيبة. فسأله بسطام عن السواد الذي بالحديقة، فقال: هم بنو زبيد. قال: كم هم من بيت ؟ قال: خمسون بيتاً. قال: فأين بنو عتيبة وبنو عبيد ؟ قال: هم بروضة الثمد وسائر الناس بخفاف، وهو موضع. فقال بسطام: أتطيعونني يا بني بكر ؟ قالوا: نعم. قال: أرى لكم أن تغنموا هذا الحي المتفرد بني زبيد وتعودوا سالمين. قالوا: وما يغني بنو زبيد عنا ؟ قال: إن في السلامة إحدى الغنيمتين. قالوا: إن عتيبة بن الحارث قد مات. وقال مفروق: قد انتفخ سحرك يا أبا الصهباء! وقال هانئ: اخسأ ! فقال: إن أسيد بن جباة لا يفارق فرسه الشقراء ليلاً ونهاراً، فإذا أحس بكم ركبها حتى يشرف على مليحة فينادي: يا آل ثعلبة، فيلقاكم طعنٌ ينسيكم الغنيمة ولم يبصر أحد منكم مصرع صاحبه، وقد عصيتموني وأنا تابعكم وستعلمون.
    فأغاروا على بني زبيد وأقبلوا نحو بني عتيبة وبني عبيد، فأحست الشقراء فرس أسيد بوقع الحوافر فنخست بحافرها، فركبها أسيد وتوجه نحو بني يربوع بمليحة ونادى: يا سوء صباحاه! يا آل ثعلبة بن يربوع ! فما ارتفع الضحى حتى تلاحقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت شيبان بعد أن قتلت من تميم جماعةً من فرسانهم، وقتل من شيبان أيضاً وأسر جماعة، منهم: هانئ بن قبيصة، ففدى نفسه ونجا، فقال متمم بن نويرة في هذا اليوم:
    لعمري لنعم الحيّ أسمع غدوةً ... أسيدٌ وقد جدّ الصراخ المصدّق
    وأسمع فتياناً كجّنة عبقر ... لهم ريّقٌ عند الطّعان ومصدق
    أخذن بهم جنبي أفاقٍ وبطنها ... فما رجعوا حتّى أرقّوا وأعتقوا
    وقال العوام في هذا اليوم:
    قبح الإله عصابةً من وائلٍ ... يوم الأفاقة أسلموا بسطاما
    ورأى أبو الصهباء دون سوامهم ... طعناً يسلّي نفسه وزحاما
    كنتم أسوداً في الوغى فوجدتم ... يوم الأفاقة في الغبيط نعاما
    وأكثر العوام الشعر في هذا اليوم. فلما ألح فيه أخذ بسطام إبله، فقالت أمه:
    أرى كلّ ذي شعرٍ أصاب بشعره ... خلا أنّ عوّاماً بما قال عيّلا
    فلا ينطقن شعراً يكون جوازه ... كما شعر عوّام أعام وأرجلا
    ● [ يوم الشقيقة ] ●
    وقتل بسطام بن قيس

    هذا يوم بين بني شيبان وضبة بن أد، قتل فيه بسطام بن قيس سيد شيبان.
    وكان سببه أن بسطام بن قيس بن مسعود بن خالد بن عبد الله ذي الجدين غزا بني ضبة ومعه أخوه السليل بن قيس ومعه رجل يزجر الطير من بني أسد ابن خزيمة يسمى نقيداً. فلما كان بسطام في بعض الطريق رأى في منامه كأن آتياً أتاه، فقال له: الدلو تأتي الغرب المزلة؛ فقص رؤياه على نقيد، فتطير وقال: ألا قلت: ثم تعود بادياً مبتلة؛ فتفرط عنك النحوس. ومضى بسطام على وجهه، فلما دنا من نقاً يقال له الحسن في بلاد ضبة صعده ليرى، فإذا هو بنعم قد ملأ الأرض فيه ألف ناقة لمالك بن المنتفق الضبي من بني ثعلبة بن سعد بن ضبة قد فقأ عين فحلها، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية إذا بلغت إبل أحدهم ألف بعير فقأوا عين فحلها لترد عنها العين، وهي إبل مرتبعةٌ، ومالك بن المنتفق فيها على فرس له جواد.
    فلما أشرف بسطام على النقا تخوف أن يروه فينذروا به فاضطجع وتدهدى حتى بلغ الأرض وقال: يا بني شيبان لم أر كاليوم قط في الغرة وكثرة النعم. ونظر نقيد إلى لحية بسطام معفرة بالتراب لما تدهدى فتطير له أيضاً وقال: إن صدقت الطير فهو أول من يقتل. وعزم الأسدي على فراقه، فأخذته رعدة تهيّباً لفراقه والانصراف عنه وقال له: ارجع يا أبا الصهباء، فإني أتخوف عليك أن تقتل، فعصاه ففارقه نقيد.
    وركب بسطام وأصحابه وأغاروا على الإبل واطردوها، وفيها فحل لمالك يقال له أبو شاعر، وكان أعور، فنجا مالك على فرسه إلى قومه من ضبة حتى إذا أشرف على تعشار نادى: يا صباحاه ! وعاد راجعاً. وأدرك الفوارس القوم وهم يطردون النعم، فجعل فحله أبو شاعر يشذ من النعم ليرجع وتتبعه الإبل، فكلما تبعته ناقة عقرها بسطام. فلما رأى مالك ما يصنع بسطام وأصحابه قال: ما ذا السفه يا بسطام ؟ لا تعقرها فإما لنا وإما لك. فأبى بسطام، وكان في أخريات الناس على فرس أدهم يقال له الزعفران يحمي أصحابه، فلما لحقت خيل ضبة قال لهم مالك: ارموا روايا القوم. فجعلوا يرمونها فيشقونها. فلحقت بنو ثعلبة وفي أوائلهم عاصم بن خليفة الصباحي، وكان ضعيف العقل، وكان قبل ذلك يعقب قناة له فيقال له: ما تصنع بها يا عاصم ؟ فيقول: أقتل عليها بسطاماً، فيهزأون منه. فلما جاء الصريخ ركب فرس أبيه بغير أمره ولحق الخيل، فقال لرجل من ضبة: أيهم الرئيس ؟ قال: صاحب الفرس الأدهم. فعارضه عاصم حتى حاذاه، ثم حمل عليه فطعنه بالرمح في صماخ أذنه أنفذ الطعنة إلى الجانب الآخر، وخر بسطام على شجرة يقال لها الألاءة. فلما رأت ذلك شيبان خلوا سبيل النعم وولوا الأدبار، فمن قتيل وأسير. وأسر بنو ثعلبة نجاد بن قيس أخا بسطام في سبعين من بني شبان، وكان عبد الله بن عنمة الضبي مجاوراً في شيبان، فخاف أن يقتل فقال يرثي بسطاماً:
    لأمّ الأرض ويلٌ ما أجنّت ... غداة أضرّ بالحسن السبيل
    يقسّم ماله فينا وندعو ... أبا الصهباء إذ جنح الأصيل
    أجدّك لن تريه ولن نراه ... تخبّ به عذافرةٌ ذمول
    حقيبةٌ بطنها بدنٌ وسرجٌ ... تعارضها مزبّبةٌ زؤول
    إلى ميعاد أرعن مكفهّرٍ ... تضمّر في جوانبه الخيول
    لك المرباع منها والصّفايا ... وحكمك والنّشيطة والفضول
    لقد صمّت بنو زيد بن عمرو ... ولا يوفي ببسطامٍ قتيل
    فخرّ على الألاءة لم يوسّد ... كأنّ جبينه سيفٌ صقيل
    فإن يجزع عليه بنو أبيه ... فقد فجعوا وفاتهم جليل
    بمطعام إذا الأشوال راحت ... إلى الحجرات ليس لها فصيل
    فلم يبق في بكر بن وائل بيت إلا وألقي لقتله لعلو محله؛ وقال شمعلة ابن الأخضر بن هبيرة بن المنذر بن ضرار الضبي يذكره:
    فيوم شقيقة الحسنين لاقت ... بنو شيبان آجالاً قصارا
    شككنا بالرماح، وهنّ زورٌ، ... صماخي كبشهم حتّى استدارا
    وأوجرناه أسمر ذا كعوب ... يشبّه طوله مسداً مغارا
    الشقيقة: أرض صلبة بين جبلي رمل. والحسنان: نقوا رملٍ كانت الوقعة عندهما. وقالت أم بسطام بن قيس ترثيه:
    ليبك ابن ذي الجدّين بكر بن وائل ... فقد بان منها زينها وجمالها
    إذا ما غدا فيهم غدوا وكأنّهم ... نجوم سماء بينهنّ هلالها
    فلله عينا من رأى مثله فتىً ... إذا الخيل يوم الروع هبّ نزالها
    عزيزٌ المكرّ لا يهدّ جناحه ... وليثٌ إذا الفتيان زلّت نعالها
    وحمّال أثقالٍ وعائد محجر ... تحلّ إليه كلّ ذاك رحالها
    سيبكيك عانٍ لم يجد من يفكّه ... ويبكيك فرسان الوغى ورجالها
    وتبكيك أسرى طالما قد فككتهم ... وأرملةٌ ضاعت وضاع عيالها
    مفرّج حومات الخطوب ومدرك ال ... حروب إذا صالت وعزّ صيالها
    تغشى بها حيناً كذاك ففجّعت ... تميمٌ به أرماحها ونبالها
    فقد ظفرت منّا تميمٌ بعثرةٍ ... وتلك لعمري عثرةٌ لا تقالها
    أصيبت به شيبان والحيّ يشكر ... وطير يرى إرسالها وحبالها
    عنمة بفتح العين المهملة، والنون.
    ● [ يوم النسار ] ●

    النسار: أجبل متجاورة، وعندها كانت الوقعة، وهو موضع معروف عندهم. وكان سبب ذلك اليوم أن بني تميم بن مر بن أد كانوا يأكلون عمومتهم ضبة بن أد وبني عبد مناة بن أد، فأصابت ضبة رهطاً من تميم. فطلبتهم تميم فانزاحت جماعة الرباب، وهو تيم وعدي وثور أطحل وعكل بنو عبد مناة بن أد وضبة بن أد وإنما سموا الرباب لأنهم غمسوا أيديهم في الرب حين تحالفوا، فلحقت ببني أسد، وهم يومئذحلفاء لبني ذبيان بن بغيض. فنادى صارخ بني ضبة: يا آل خندف ! فأصرختهم بنو أسد، وهو أول يوم تخندقت فيه ضبة واستمدوا حليفهم ظبياً وغطفان، فكان رئيس أسد يوم النسار عوف بن عبد الله بن عامر بن جذيمة بن نصر بن قعين، وقيل: خالد بن نضلة، وكان رئيس الرباب الأسود بن المنذر أخو النعمان، وليس بصحيح، وكان على الجماعة كلهم حصن بن حذيفة بن بدر؛ وفيه يقول زهير بن أبي سلمى:
    ومن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنداد ضيمٍ أو لأمرٍ يحاوله
    إذا حلّ أحياء الأحاليف حوله ... بذي نجب لجّاته وصواهله
    فلما بلغ بني تميم ذلك استمدوا بني عامر بن صعصعة، فأمدوهم. وكان حاجب بن زرارة على بني تميم، وكان عامر بن صعصعة جواباً، وهو لقب مالك بن كعب من بني أبي بكر بن كلاب، لأن بني جعفر كان جواب قد أخرجهم إلى بني الحارث بن كعب فحالفوهم، وقيل: كان رئيس عامر شريح بن مالك القشيري. وسار الجمعان فالتقوا بالنسار واقتتلوا، فصبرت عامر واستحر بهم القتل، وانفضت تميم فنجت ولم يصب منهم كثير، وقتل شريح القشيري رأس بني عامر، وقتل عبيد بن معاوية بن عبد الله بن كلاب وغيرهما، وأخذ عدة من أشراف نساء بني عامر، منهن سلمى بنت المخلف، والعنقاء بنت همام وغيرهما، فقالت سلمى تعير جواباً والطفيل:
    لحى الإله أبا ليلى بفرّته ... يوم النّسار وقنب العير جّوابا
    كيف الفخار وقد كانت بمعترك ... يوم النّسار بنو ذبيان أربابا
    لم تمنعوا القوم إن أشلوا سوامكم ... ولا النساء وكان القوم أحرابا
    وقال رجل يعير جواباً والطفيل بفراره عن امرأتيه:
    وفرّ عن ضرّتيه وجه خارئةٍ ... ومالكٌ فرّ قنب العير جوّاب
    القنب: غلاف الذّكر، وجوّاب لقب لأنّه كان يجوب الآثار، واسمه مالك، وقال بشر بن أبي خازم في هزيمة حاجب:
    وأفلت حاجب جوب العوالي ... على شقراء تلمع في السراب
    ولو أدركن رأس بني تميم ... عفرن الوجه منه بالتراب
    وكان يوم النساء بعد يوم جبلة وقتل لقيط بن زرارة.
    جواب بفتح الجيم، وتشديد الواو، وآخره باء موحدة؛ وخازم بالخاء المعجمة، والزاي.
    ● [ يوم الجفار ] ●

    لما كان على رأس الحول من يوم النسار اجتمع من العرب من كان شهد النسار، وكان رؤساؤهم بالجفار الرؤساء الذين كانوا يوم النسار، إلا أن بني عامر قيل كان رئيسهم بالجفار عبد الله بن جعدة بن كعب بن ربيعة، فالتقوا بالجفار واقتتلوا، وصبرت تميم، فعظم فيها القتل وخاصة في بني عمرو ابن تميم، وكان يوم الجفار يسمى الصيلم لكثرة من قتل به؛ وقال بشر ابن أبي خازم في عصبة تميم لبني عامر:
    عصبت تميمٌ أن يقتل عامر ... يوم النسار فأعقبوا بالصّيلم
    كنّا إذا نفروا لحربٍ نفرةً ... نشفي صداعهم برأس صلدم
    نعلو الفوارس بالسيوف ونعتزي ... والخيل مشعلة النحور من الدم
    يخرجن من خلل الغبار عوابساً ... خبب السباع بكلّ ليث ضيغم
    وهي عدة أبيات، وقال أيضاً:
    يوم الجفار ويوم النّسا ... ركانا عذاباً وكان غراما
    فأمّا تميمٌ تميم بن مرٍّ ... فألفاهم القوم روبى نياما
    وأمّا بنو عامر بالجفار ... ويوم النّسار فكانوا نعاما
    فلما أكثر بشر على بني تميم، قيل له: ما لك ولتميم وهم أقرب الناس منك أرحاماً ؟ فقال: إذا فرغت منهم فرغت من الناس ولم يبق أحد.
    ● [ يوم الصفقية ] ●

    أما يوم الصفقة وسببه : فإن باذان، نائب كسرى أبرويز بن هرمز باليمن، أرسل إليه حملاً من اليمن. فلما بلغ الحمل إلى نطاع من أرض نجد أغارت تميم عليه وانتهبوه وسلبوا رسل كسرى وأساورته. فقدموا على هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة مسلوبين، فأحسن إليهم وكساهم. وقد كان قبل هذا إذا أرسل كسرى لطيمة تباع باليمن يجهز رسله ويخفرهم ويحسن جوارهم، وكان كسرى يشتهي أن يراه ليجازيه على فعله. فلما أحسن أخيراً إلى هؤلاء الرسل الذين أخذتهم تميم قالوا له: إن الملك لا يزال يذكرك ويؤثر أن تقدم عليه، فسار معهم إليه. فلما قدم عليه أكرمه وأحسن إليه وجعل يحادثه لينظر عقله، فرأى ما سره، فأمر له بمال كثير، وتوجه بتاج من تيجانه وأقطعه أموالاً بهجر.
    وكان هوذة نصرانياً، وأمره كسرى أن يغزوه هو والمكعبر مع عساكر كسرى بني تميم، فساروا إلى هجر ونزلوا بالمشقر. وخاف المكعبر وهوذة أن يدخلا بلاد تميم لأنها لا تحتملها العجم وأهلها بها ممتنعون، فبعثا رجالاً من بني تميم يدعونهم إلى الميرة، وكانت شديدة، فأقبلوا على كل صعب وذلول، فجعل المكعبر يدخلهم الحصن خمسة خمسة وعشرة عشرة وأقل وأكثر، يدخلهم من باب على أنه يخرجهم من آخر، فكل من دخل ضرب عنقه. فلما طال ذلك عليهم ورأوا أن الناس يدخلون ولا يخرجون بعثوا رجالاً يستعلمون الخبر، فشد رجل من عبس فضرب السلسلة فقطعها وخرج من كان بالباب. فأمر المكعبر بغلق الباب وقتل كل من كان بالمدينة، وكان يوم الفصح، فاستوهب هوذة منه مائة رجل فكساهم وأطلقهم يوم الفصح. فقال الأعشى من قصيدة يمدح هوذة:
    بهم يقرّب يوم الفصح ضاحيةً ... يرجو الإله بما أسدى وما صنعا
    فصار يوم المشقر مثلاً، وهو يوم الصفقة لإصفاق الباب، وهو إغلاقه. وكان يوم الصفقة وقد بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو بمكة بعد لم يهاجر.
    ● [ يتم متابعة أيام العرب في الجاهلية ] ●

    ذكر أيام العرب في الجاهلية [ 2 ] Fasel10

    مختصر الكامل في التاريخ لابن الأثير
    منتدى نافذة ثقافية - البوابة
    ذكر أيام العرب في الجاهلية [ 2 ] E110


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أكتوبر 24, 2019 3:36 am