من ذكر المستضعفين إلى سرية عبد الله بن جحش

    بص وطل
    بص وطل
    Admin

    عدد المساهمات : 1633
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    من ذكر المستضعفين إلى سرية عبد الله بن جحش Empty من ذكر المستضعفين إلى سرية عبد الله بن جحش

    مُساهمة من طرف بص وطل في الخميس أبريل 21, 2016 4:03 pm

    من ذكر المستضعفين إلى سرية عبد الله بن جحش Alathe10

    بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
    أحوال البلاد وأخبار العباد
    من ذكر المستضعفين إلى سرية عبد الله بن جحش
    من ذكر المستضعفين إلى سرية عبد الله بن جحش 1410
    ● [ ذكر تعذيب المستضعفين من المسلمين ] ●

    وهم الذين سبقوا إلى الإسلام ولا عشائر لهم تمنعهم ولا قوة لهم يمنعون بها، فأما من كانت له عشيرة تمنعه فلم يصل الكفار إليه، فلما رأوا امتناع من له عشيرة وثبت كل قبيلة على من فيها من مستضعفي المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ورمضاء مكة والنار ليفتنوهم عن دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء وقلبه مطمئن بالإيمان، ومنهم من يتصلب في دينه ويعصمه الله منهم.
    فمنهم: بلال بن رباح الحبشي مولى أبي بكر، وكان أبوه من سبي الحبشة، وأمه حمامة سبية أيضاً، وهو من مولدي السراة، وكنيته أبو عبد الله، فصار بلال لأمية بن خلف الجمحي، فكان إذا حميت الشمس وقت الظهيرة يلقيه في الرمضاء على وجهه وظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتلقى على صدره، ويقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب وهو يقول: أحد أحد. فيقول: أحد أحد والله يا بلال. ثم يقول لأمية: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حناناً. فرآه أبو بكر يعذب فقال لأمية بن خلف الجمحي: ألا تتقي الله في هذا المسكين ؟ فقال: أنت أفسدته فأبعدته. فقال: عندي غلام على دينك أسود أجلد من هذا أعطيكه به. قال: قبلت. فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذ بلالاً فأعتقه، فهاجر وشهد المشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    ومنهم: عمار بن ياسر أبو اليقظان العنسي، وهو بطن من مراد - وعنس هذا بالنون - ، أسلم هو وأبوه وأمه وأسلم قديماً ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، في دار الأرقم بن أبي الأرقم بعد بضعة وثلاثين رجلاً، أسلم هو وصحيب في يوم واحد، وكان ياسر حليفاً لبني مخزوم، فكانوا يخرجون عماراً وأباه وأمه إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء يعذبونهم بحر الرمضاء، فمر بهم النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة. فمات ياسر في العذاب وأغلظت امرأته سمية القول لأبي جهل، فطعنها في قلبها بحربة في يديه فماتت، وهي أول شهيد في الإسلام، وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة وبوضع الصخر على صدره أخرى وبالتغريق أخرى، فقالوا: لا نتركك حتى تسب محمداً وتقول في اللات والعزى خيراً، ففعل، فتركوه، فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، يبكي. فقال: ما وراءك ؟ قال: شر يا رسول الله، كان الأمر كذا وكذا. قال: فكيف تجد قلبك ؟ قال: أجده مطمئناً بالإيمان. فقال: يا عمار إن عادوا فعد، فأنزل الله تعالى: (إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ) النحل: 106؛ فشهد المشاهد كلها مع رسول الله وقتل بصفين مع علي وقد جاوز التسعين، قيل بثلاث، وقيل بأربع سنين.
    ومنهم: خباب بن الأرث، كان أبوه سوادياً من كسكر، فسباه قوم من ربيعة وحملوه غل مكة فباعوه من سباع بن عبد العزى الخزاعي حليف بني زهرة، وسباع هو الذي بارزه حمزة يوم أحد، وخباب تميمي، وكان إسلامه قديماً، قيل سادس ستة قبل دخول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم، فأخذه الكفار وعذبوه عذاباً شديداً، فكانوا يعرونه ويلصقون ظهره بالرمضاء ثم بالرضف، وهي الحجارة المحماة بالنار، ولووا رأسه، فلم يجبهم إلى شيء مما أرادوا منه، وهاجر وشهد المشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ونزل الكوفة، ومات سنة ست وثلاثين.
    ومنهم: صهيب بن سنان الرومي، ولم يكن رومياً، وإنما نسب إليهم لأنهم سبوه وباعوه، وقيل: لأنه كان أحمر اللون، وهو من النمر بن قاسط، كناه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا يحيى قبل أن يولد له، وكان ممن يعذب في الله، فعذب عذاباً شديداً. ولما أراد الهجرة منعته قريش، فافتدى نفسه منهم بماله أجمع، وجعله عمر بن الخطاب عند موته يصلي بالناس إلى أن يستخلف بعض أهله الشورى، وتوفي بالمدينة في شوال من سنة ثمان وثلاثين وعمره سبعون سنة.
    وأما عامر بن فهيرة فهو مولى الطفيل بن عبد الله الأزدي، وكان الطفيل أخا عائشة لأمها أم رومان، أسلم قديماً قبل دخول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم، وكان من المستضعفين يعذب في الله، فلم يرجع عن دينه، واشتراه أبو بكر وأعتقه، فكان يرعى غنماً له، وكان يروح بغنم أبي بكر إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وإلى أبي بكر لما كانا في الغار، وهاجر معهما إلى المدينة يخدمهما، وشهد بدراً وأحداً، واستشهد يوم بئر معونة وله أربعون سنة. ولما طعن قال: فزت ورب الكعبة ؟! ولم توجد جثته لتدفن مع القتلى، فقيل: إن الملائكة دفنته.
    ومنهم: أبو فكيهة، واسمه أفلح، وقيل يسار، وكان عبداً لصفوان بن أمية بن خلف الجمحي، أسلم مع بلال، فأخذه أمية بن خلف وربط في رجله حبلاً وأمر به فجر ثم ألقاه في الرمضاء، ومر به جعل فقال له أمية: أليس هذا ربك ؟ فقال: الله ربي وربك ورب هذا، فخنقه خنقاً شديداً، ومعه أخوه أبي بن خلف يقول: زده عذاباً حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره، ولم يزل على تلك الحال حتى ظنوا أنه قد مات، ثم أفاق، فمر به أبو بكر فاشتراه وأعتقه.
    وقيل: إن بني عبد الدار كانوا يعذبونه، وإنما كان مولى لهم، وكانوا يضعون الصخرة على صدره حتى دلع لسانه فلم يرجع عن دينه، وهاجر ومات قبل بدر.
    ومنهم: لبيبة جارية بني مؤمل بن حبيب بن عدي بن كعب، أسلمت قبل إسلام عمر بن الخطاب، وكان عمر يعذبها حتى تفتن ثم يدعها، ويقول: إني لم أدعك إلا سآمةً، فتقول: كذلك يفعل الله بك إن لم تسلم، فاشتراها أبو بكر فأعتقها.
    ومنهم: زنيرة، وكانت لبني عدي، وكان عمر يعذبها، وقيل: كانت لبني مخزوم، وكان أبو جهل يعذبها حتى عميت، فقال لها: إن اللات والعزى فعلا بك. فقالت: وما يدري اللات والعزى من يعبدهما ؟ ولكن هذا أمر من السماء وربي قادر على رد بصري، فأصبحت من الغد وقد رد الله بصرها، فقالت قريش: هذا من سحر محمد، فاشتراها أبو بكر فأعتقها.
    زنيرة بكسر الزاي، وتشديد النون، وتسكين الياء المثناة من تحتها، وفتح الراء.
    ومنهم: النهدية، مولاة لبني نهد، فصارت لامرأة من بني عبد الدار فأسلمت، وكانت تعذبها وتقول: والله لا أقلعت عنك أو يبتاعك بعض أصحاب محمد، فابتاعها أبو بكر فأعتقها.
    ومنهم: أم عبيس، بالباء الموحدة، وقيل عنيس، بالنون، وهي أمة لبني زهرة، فكان الأسود بن عبد يغوث يعذبها، فابتاعها أبو بكر فأعتقها.
    وكان أبو جهل يأتي الرجل الشرير ويقول له: أتترك دينك ودين أبيك وهو خير منك ! ويقبح رأيه وفعله ويسفه حلمه ويضع شرفه، وإن كان تاجراً يقول: ستكسد تجارتك ويهلك مالك، وإن كان ضعيفاً أغرى به حتى يعذب.
    ● [ ذكر المستهزئين ] ●
    ومن كان أشد الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم

    وهم جماعة من قريش فمنهم عمه أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب، كان شديداً عليه وعلى المسلمين، عظيم التكذيب له، دائم الأذى، فكان يطرح العذرة والنتن على باب النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان جاره، فكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: أي جوارٍ هذا يا بني عبد المطلب ! فرآه يوماً حمزة فأخذ العذرة وطرحها على رأس أبي لهب، فجعل ينفضها عن رأسه ويقول: صاحبي أحمق ! وأقصر عما كان يفعله لكنه يضع من يفعل ذلك.
    وما أبو لهب بمكة عند وصول الخبر بانهزام المشركين ببدر بمرض يعرف بالعدسة.
    ومنهم: الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهو ابن خال النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان من المستهزئين، وكان إذا رأى فقراء المسلمين قال لأصحابه: هؤلاء ملوك الأرض الذين يرثون ملك كسرى. وكان يقول للنبي، صلى الله عليه وسلم: أما كلمت اليوم من السماء يا محمد ! وما أشبه ذلك. فخرج من أهله فأصابه السموم فاسود وجهه، فلما عاد إليهم لم يعرفوه وأغلقوا الباب دونه، فرجع متحيراً حتى مات عطشاً. وقيل: إن جبرائيل أومأ إلى السماء فأصابته الأكلة فامتلأ قيحاً فمات.
    ومنهم: الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم السهمي، كان أحد المستهزئين الذين يؤذون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو ابن الغيطلة، وهي أمه، وكان يأخذ حجراً يعبده، فإذا رأى أحسن منه ترك الأول وعبد الثاني. وكان يقول: قد غر محمد أصحابه ووعدهم أن يحيوا بعد الموت، والله ما يهلكنا إلا الدهر، وفيه نزلت: (أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ)؛ وأكل حوتاً مملوحاً فلم يزل يشرب الماء حتى مات، وقيل: أخذته الذبحة، وقيل: امتلأ رأسه قيحاً فمات.
    ومنهم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وكان الوليد يكنى أبا عبد شمس، وهو العدل، لأنه كان عدل قريش كلها، لأن قريشاً كانت تكسو البيت جميعها وكان الوليد يكسوه وحده، وهو الذي جمع قريشاً وقال: إن الناس يأتونكم أيام الحج فيسألونكم عن محمد فتختلف أقواكم فيه، فيقول هذا: ساحرٌ، ويقول هذا: كاهنٌ، ويقول هذا: شاعرٌ، ويقول هذا: مجنون، وليس يشبه واحداً مما يقولون، ولكن أصلح ما قيل فيه ساحر لأنه يفرق بين المرء وأخيه وزوجته. وقال أبو جهل: لئن سب محمدٌ آلهتنا سببنا إلهه، فأنزل الله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَيْر عِلْمٍ) الأنعام: 108. ومات بعد الهجرة بعد ثلاثة أشهر وهو ابن خمس وتسعين سنة، ودفن بالحجون، وكان مر برجل من خزاعة يريش نبلاً له فوطئ على سهم منها فخدشه، ثم أومأ جبرائيل إلى ذلك الخدش بيده فانتقض ومات منه، فأوصى إلى بنيه أن يأخذوا ديته من خزاعة، فأعطت خزاعة ديته.
    ومنهم: أمية وأبي ابنا خلف، وكانا على شر ما عليه أحد من أذى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتكذيبه، جاء أبي إليه، صلى الله عليه وسلم، بعظم فخذ ففته في يده وقال: زعمت أن ربك يحيي هذا العظم، فنزلت: (قَالَ مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) يس: 78. وصنع عقبة بن أبي معيط طعاماً ودعا إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: لا أحضره حتى تشهد أن لا إله إلا الله، ففعل، فقام معه. فقال له أمية بن خلف: أقلت كذا وكذا ؟ فقال: إنما قلت ذلك لطعامنا، فنزلت: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ) الفرقان: 27. وقتل أمية يوم بدر كافراً، قتله خبيب وبلال، وقيل: قتله رفاعة بن رافع الأنصاري. وأما أخوه أبي فقتله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد، رماه بحربة فقتله.
    ومنهم: أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، وكان ممن يؤذي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويعين أبا جهل على أذاه، قتله حمزة يوم بدر.
    ومنهم: العاص بن وائل السهمي، والد عمرو بن العاص، وكان من المستهزئين، وهو القائل لما مات القاسم ابن النبي، صلى الله عليه وسلم: إن محمداً أبتر لا يعيش له ولد ذكر، فأنزل: (إنّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) الكوثر: 3. فركب حماراً له فلما كان بشعبٍ من شعاب مكة ربض به حماره فلدغ في رجله فانتفخت حتى صارت كعنق البعير، فمات منها بعد هجرة النبي، صلى الله عليه وسلم، ثاني شهر دخل المدينة وهو ابن خمس وثمانين سنة.
    ومنهم: النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار، يكنى أبا قائد، وكان أشد قريش في تكذيب النبي، صلى الله عليه وسلم، والأذى له ولأصحابه. وكان ينظر في كتب الفرس ويخالط اليهود والنصارى، وسمع بذكر النبي، صلى الله عليه وسلم، وقرب مبعثه، فقال: إن جاءنا نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم، فنزلت: (وَأقْسَمُوا بِاللِه جَهْد أيَمانِهِمْ)؛ الآية. وكان يقول: إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين، فنزل فيه عدة آيات. أسره المقداد يوم بدر وأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بضرب عنقه، فقتله علي بن أبي طالب صبراً بالأثيل.
    ومنهم: أبو جهل بن هشام المخزومي، كان أشد الناس عداوةً للنبي، صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم أذىً له ولأصحابه، واسمه عمرو، وكنيته أبو الحكم، وأما أبو جهل فالمسلمون كنوه به، وهو الذي قتل سمية أم عمار بن ياسر، وأفعاله مشهورة، وقتل ببدر، قتله ابنا عفراء، وأجهز عليه عبد الله بن مسعود.
    ومنهم: نبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وكانا على ما كان عليه أصحابهما من أذى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والطعن عليه، وكانا يلقيانه فيقولان له: أما وجد الله من يبعثه غيرك؟ إن ها هنا من هو أسن منك وأيسر. فقتل منبه، قتله علي بن أبي طالب ببدر، وقتل أيضاً العاص بن منبه بن الحجاج، قتله أيضاً علي ببدر، وهو صاحب ذي الفقار، وقيل منبه بن الحجاج صاحبه، وقيل نبيه. نبيه بضم النون، وفتح الباء الموحدة.
    ومنهم: زهير بن أبي أمية أخو أم سلمة لأبيها، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، وكان ممن يظهر تكذيب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويرد ما جاء به ويطعن عليه إلا أنه ممن أعان على نقض الصحيفة. واختلف في موته فقيل: سار إلى بدر فمرض فمات، وقيل: أسر ببدر فأطلقه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما عاد مات بمكة، وقيل: حضر وقعة أحد فأصابه سهم فمات منه، وقيل: سار إلى اليمن بعد الفتح فمات هناك كافراً.
    ومنهم: عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، ويكنى أبا الوليد، وكان من أشد الناس أذىً لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعداوة له وللمسلمين، عمد إلى مكتل فجعل فيه عذرة وجعله على باب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبصر به طليب بن عمير بن وهب بن عبد مناف بن قصي، وأمه أروى بنت عبد المطلب، فأخذ المكتل منه وضرب به رأسه وأخذ بأذنيه، فشكاه عقبة إلى أمه فقال: قد صار ابنك ينصر محمداً. فقالت: ومن أولى به منا ؟ أموالنا وأنفسنا دون محمد. وأسر عقبة ببدر فقتل صبراً، قتله عاصم بن ثابت الأنصاري، فلما أراد قتله قال: يا محمد من للصبية ؟ قال: النار. قتل بالصفراء، وقيل بعرق الظبية، وصلب، وهو أول مصلوب في الإسلام.
    ومنهم: الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وكان من المستهزئين، ويكنى أبا زمعة، وكان أصحابه يتغامزون بالنبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على كنوز كسرى وقيصر، ويصفرون به ويصفقون، فدعا عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يعمى ويثكل ولده، فجلس في ظل شجرة فجعل جبرائيل يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها وبشكوها حتى عمي، وقيل: أومأ إلى عينيه فعمي فشغله عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقتل ابنه معه ببدر كافراً، قتله أبو دجانة، وقتل ابن ابنه عتيب، قتله حمزة وعلي اشتركا في قتله، وقتل ابن ابنه الحارث بن زمعة بن الأسود، قتله علي، وقيل: هو الحارث بن الأسود، والأول أصح، وهو القائل:
    أتبكي أن يضلّ لها بعيرٌ ... ويمنعها من النّوم السّهود
    ومات والناس يتجهزون إلى أحد وهو يحرض الكفار وهو مريض.
    ومنهم: طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، يكنى أبا الريان، وكان ممن يؤذي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويشتمه ويسمعه ويكذبه، وأسر ببدر، وقتل كافراً صبراً، قتله حمزة.
    ومنهم: مالك بن الطلاطلة بن عمرو بن غبشان من المستهزئين، وكان سفيهاً، فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأشار جبرائيل إلى رأسه فامتلأ قيحاً فمات.
    ومنهم: ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب، كان شديد العداوة، لقي النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي بلغني عنك أمر ولست بكذاب، فإن صرعتني علمت أنك صادق، ولم يكن يصرعه أحد، فصرعه النبي، صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، ودعاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الإسلام، فقال: لا أسلم حتى تدعو هذه الشجرة. فقال لها رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أقبلي، فأقبلت تخد الأرض. فقال ركانة، ما رأيت سحراً أعظم من هذا، مرها فلترجع، فأمرها فعادت. فقال: هذا سحر عظيم.
    هؤلاء أشد عداوة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومن عداهم من رؤساء قريش كانوا أقل عداوة من هؤلاء، كعتبة وشيبة وغيرهما، وكان جماعة من قريش من أشد الناس عليه فأسلموا، تركنا ذكرهم لذلك. منهم: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية المخزومي أخو أم سلمة لأبيها، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان بن حرب، والحكم بن العاص، والد مروان، وغيرهم، أسلموا يوم الفتح.
    ● [ ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة ] ●

    ولما رأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانة من الله، عز وجل، وعمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم قال: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن فيها ملكاً لا يظلم أحد عنده، حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه.
    فخرج المسلمون إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام، فخرج عثمان بن عفان وزوجته رقية ابنة النبي، صلى الله عليه وسلم، معه، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ومعه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، والزبير العوام، وغيرهم تمام عشرة رجال، وقيل: أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وكان مسيرهم في رجب سنة خمس من النبوة، وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة، فأقاموا شعبان وشهر رمضان.
    وقدموا في شوال سنة خمس من النبوة، وكان سبب قدومهم إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه لما رأى مباعدة قومه له شق عليه وتمنى أن يأتيه الله بشيء يقاربهم به، وحدث نفسه بذلك، فأنزل الله: (وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى) النجم: 20؛ فلما وصل إلى قوله: (أفَرَأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَنَاةَ الثّالِثَةَ الأخْرَى)؛ ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فلما سمعت ذلك قريش سرهم والمسلمون مصدقون بذلك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يتهمونه ولا يظنون به سهواً ولا خطأً. فلما انتهى إلى سجدة سجد معه المسلمون والمشركون إلا الوليد بن المغيرة، فإنه لم يطق السجود لكبره، فأخذ كفاً من البطحاء فسجد عليها. ثم تفرق الناس. وبلغ الخبر من بالحبشة من المسلمين أن قريشاً أسلمت، فعاد منهم قوم وتخلف قوم، وأتى جبرائيل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما قرأ، فحزن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وخاف، فأنزل الله تعالى: (وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبيٍّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطَانُ في أمْنّيِتِهِ) الحج: 52؛ فذهب عنه الحزن والخوف.
    واشتدت قريش على المسلمين، فلما قرب المسلمون الذين كانوا بالحبشة من مكة بلغهم أن إسلام أهل مكة باطل، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفياً، فدخل عثمان في جوار أبي أحيحة سعيد بن العاص بن أمية، فأمن بذلك، ودخل أبو حذيفة بن عتبة بجوار أبيه، ودخل عثمان بن مظعون بجوار الوليد بن المغيرة، ثم قال: أكون في ذمة مشركٍ ! جوار الله أعز، فرد عليه جواره، وكان لبيد بن ربيعة ينشد قريشاً قوله:
    ألاّ كل شيءٍ ما خلا الله باطل
    فقال عثمان بن مظعون: صدقت، فلما قال:
    وكلّ نعيمٍ لا محالة زائل
    قال: كذبت ! نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش ما كانت مجالسكم هكذا ولا كان السفه من شأنكم. فأخبروه خبره وخبر ذمته، فقام بعض بني المغيرة فلطم عين عثمان، فضحك الوليد شماتةً به حيث رد جواره، وقال لعثمان: ما كان عن هذا ! فقال: إن عيني الأخرى لمحتاجة إلى مثل ما نالت هذه. فقال له: هل لك أن تعود إلى جواري ؟ قال: لا أعود إلى جوار غير الله. فقام سعد بن أبي وقاص إلى الذي لطم عين عثمان فكسر أنفه، فكان أول دم أريق في الإسلام في قولٍ.
    وأقام المسلمون بمكة يؤذون، فلما رأوا ذلك رجعوا مهاجرين إلى الحبشة ثانياً، فخرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون إلى الحبشة، فكمل بها تمام اثنين وثمانين رجلاً، والنبي، صلى الله عليه وسلم، مقيمٌ بمكة يدعو إلى الله سراً وجهراً، فلما رأت قريشٌ أنه لا سبيل لها إليه رموه بالسحر والكهانة والجنون وأنه شاعر، وجعلوا يصدون عنه من خافوا أن يسمع قوله، وكان أشد ما بلغوا منه ما ذكره عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: حضرت قريشٌ يوماً بالحجر فذكروا النبي، صلى الله عليه وسلم، وما نال منهم وصبرهم عليه، فبينما كذلك إذ طلع النبي، صلى الله عليه وسلم، ومشى حتى استلزم الركن، ثم مر بهم طائفاً، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها ثم الثالثة، فقال: أتسمعون يا معشر قريش ؟ والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح. قال: فكأنما على رؤوسهم الطير واقعٌ حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد. وانصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم حتى إذا أتاكم بما تكرهون تركتموه؛ فبينما هم كذلك إذ طلع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ فيقول: أنا الذي أقول ذلك، فأخذ عقبة ابن أبي معيط بردائه، وقام أبو بكر الصديق دونه يقول وهو يبكي: ويلكم ! (أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ؟) غافر: 28 ثم انصرفوا عنه. هذا أشد ما بلغت عنه.
    ● [ ذكر إرسال قريش إلى النجاشي ] ●
    في طلب المهاجرين

    لما رأت قريش أن المهاجرين قد اطمأنوا بالحبشة وأمنوا، وأن النجاشي قد أحسن صحبتهم، ائتمروا بينهم فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أمية ومعهما هدية إليه وإلى أعيان أصحابه، فسارا حتى وصلا الحبشة، فحملا إلى النجاشي هديته وإلى أصحابه هداياهم وقالا لهم: إن ناساً من سفهائنا فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد أرسلنا أشراف قومهم إلى الملك ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فاشيروا عليه بأن يرسلهم معنا من غير أن يكلمهم، وخافا إن يسمع النجاشي كلام المسلمين أن لا يسلمهم. فوعدهما أصحاب النجاشي المساعدة على ما يريدان.
    ثم إنهما حضرا عند النجاشي فأعلماه ما قد قالاه، فأشار أصحابه بتسليم المسلمين إليهما. فغضب من ذلك وقال: لا والله لا أسلم قوماً جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم وأسألهم عما يقول هذان، فإن كانا صادقين سلمتهم إليهما، وإن كانوا على غير ما يذكر هذان منعتهم وأحسنت جوارهم.
    ثم أرسل النجاشي إلى أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فدعاهم فحضروا، وقد أجمعوا على صدقه فيما ساءه وسره وكان المتكلم عنهم جعفر بن أبي طالب. فقال لهم النجاشي: ما هذا الدين الذين فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من الملل ؟ فقال جعفر: أيها الملك كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعاه لتوحيد الله وأن لا نشرك به شيئاً ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام. وعدد عليه أمور الإسلام، قال: فآمنا به وصدقناه وحرمنا ما حرم علينا وحللنا ما أحل لنا، فتعدى علينا وقمنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
    فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء ؟ قال: نعم، فقرأ عليه سطراً من كهيعص، فبكى النجاشي وأساقفته، وقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، والله لا أسلمهم إليكما أبداً ! فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غداً يبيد خضراءهم. فقال له عبد الله بن أبي أمية، وكان أتقى الرجلين: لا تفعل فإن لهم أرحاماً.
    فلما كان الغد قال للنجاشي: إن هؤلاء يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً. فأرسل النجاشي فسألهم عن قولهم في المسيح. فقال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فأخذ النجاشي عوداً من الأرض وقال: ما عدا عيسى ما قلت هذا العود. فنخرت بطارقته، فقال: وإن نخرتم. وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم آمنون، ما أحب أن لي جبلاً من ذهب وأنني آذيت رجلاً منكم. ورد هدية قريش وقال: ما أخذ الله الرشوة مني حتى آخذها منكم، ولا أطاع الناس في حتى أطيعهم فيه. وأقام المسلمون بخير دار.
    وظهر ملك من الحبشة فنازع النجاشي في ملكه، فعظم ذلك على المسلمين، وسار النجاشي إليه ليقاتله، وأرسل المسلمون الزبير بن العوام ليأتيهم بخبره، وهم يدعون له، فاقتتلوا، فظفر النجاشي، فما سر المسلمون بشيء سرورهم بظفره.
    قيل: إن معنى قوله إن الله لم يأخذ الرشوة مني، أن أبا النجاشي لم يكن له ولد غيره، وكان له عم قد أولد اثني عشر ولداً، فقالت الحبشة: لو قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وكان أخوه وأولاده يتوارثون الملك دهراً. فقتلوا أباه وملكوا عمه ومكثوا على ذلك حيناً، وبقي النجاشي عند عمه، وكان عاقلاً، فغلب على أمر عمه، فخافت الحبشة أن يقتلهم جزاء لقتل أبيه، فقالوا لعمه: إما أن تقتل النجاشي وإما أن تخرجه من بين أظهرنا فقد خفناه. فأجابهم إلى إخراجه من بلادهم على كرهٍ منه، فخرجوا إلى السوق فباعواه من تاجر بستمائة درهم. فسار به التاجر في سفينته. فلما جاء العشاء هاجت سحابة فأصابت عمه بصاعقة، ففزعت الحبشة إلى أولاده، فإذا هم لا خير فيهم، فهرج على الحبشة أمرهم، فقال بعضهم: والله لا يقيم أمركم إلا النجاشي، فإن كان لكم بالحبشة رأي فأدركوه.
    فخرجوا في طلبه حتى أدركوه وملكوه. وجاء التاجر وقال لهم: إما أن تعطوني مالي وإما أن أكلمه. فقالوا: كلمه. فقال: أيها الملك، ابتعت غلاماً بستمائة درهم ثم أخذوا الغلام والمال. فقال النجاشي: إما أن تعطوه دراهمه وإما أن يضع الغلام يده في يده فليذهبن به حيث شاء. فأعطوه دراهمه؛ فهذا معنى قوله. فكان ذلك أول ما علم من عدله ودينه.
    قال: ولما مات النجاشي كانوا لا يزالون يرون على قبره نوراً.
    ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلبثم إن أبا جهل مر برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو جالس عند الصفا، فآذاه وشتمه ونال منه وعاب دينه، ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فجلس في نادي قريش عند الكعبة، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل من قنصه متوشحاً قوسه، وكان إذا رجع لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان يقف على أندية قريش ويسلم عليهم ويتحدث معهم، وكان أعز قريش وأشدهم شكيمة. فلما مر بالمولاة، وقد قام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورجع إلى بيته، قالت له: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد من أبي الحكم بن هشام فإنه سبه وآذاه ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد. قال: فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج سريعاً لا يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالكعبة معداً لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به، حتى دخل المسجد، فرآه جالساً في القوم، فأقبل نحوه وضرب رأسه بالقوس فشجه شجة منكرة، وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول ؟ فاردد علي إن استطعت.
    وقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل، دعوا أبا عمارة فإني سببت ابن أخيه سباً قبيحاً. وتم حمزة على إسلامه.
    فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد عز، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.
    واجتمع يوماً أصحابه فقالوا: ما سمعت قريش القرآن يجهر لها به، فمن رجل يسمعهموه ؟ فقال ابن مسعود: أنا. فقالوا: نخشى عليك إنما نريد من له عشيرة يمنعونه. قال: إن الله سيمنعني. فغدا عليهم في الضحى حتى أتى المقام وقريش في أنديتها ثم رفع صوته وقرأ سورة الرحمن، فلما علمت قريش أنه يقرأ القرآن قاموا إليه يضربونه وهو يقرأ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك. فقال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم اليوم، ولئن شئتم لأغادينهم. قالوا: حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون.
    ● [ ذكر إسلام عمر بن الخطاب ] ●

    ثم أسلم عمر بعد تسعة وثلاثين رجلاً وثلاث وعشرين امرأة، وقيل: أسلم بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة، وقيل: أسلم بعد خمسة وأربعين رجلاً وإحدى وعشرين امرأة، وكان رجلاً جلداً منيعاً، وأسلم بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة. وكان أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يقدرون يصلون عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشاً حتى صلى عندها وصلى معه أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم.
    وكان قد أسلم قبله حمزة بن عبد المطلب، فقوي المسلمون بهما، وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمين.
    قالت أم عبد الله بنت أبي حثمة، وكانت زوج عامر بن ربيعة، إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته، إذ أقبل عمر وهو على شركه حتى وقف علي، وكنا نلقى منه البلاء أذىً وشدة، فقال: أتنطلقون يا أم عبد الله ؟ قالت: قلت: نعم والله لنخرجن في أرض الله، فقد آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجاً. قالت: فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة وحزناً. قالت: فلما عاد عامر أخبرته وقلت له: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا ! قال: أطمعت في إسلامه ؟ قلت: نعم. قال: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب، لما كان يرى من غلظته وشدته على المسلمين، فهداه الله تعالى فأسلم فصار على الكفار أشد منه على المسلمين.
    وكان سبب إسلامه أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت تحت سعيد بن زيد بن عمرو العدوي، وكانا مسلمين يخفيان إسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام قد أسلم أيضاً وهو يخفي إسلامه فرقاً من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة يقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً ومعه سيفه يريد النبي، صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، وهم مجتمعون في دار الأرقم عند الصفا، وعنده من لم يهاجر من المسلمين في نحو أربعين رجلاً، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر ؟ فقال: أريد محمداً الذي فرق أمر قريش وعاب دينها فأقتله. فقال نعيم: والله لقد غرتك نفسك، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً؟ أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم ؟ قال: وأي أهلي ؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة، فقد والله أسلما.
    فرجع عمر إليهما وعندهما خباب بن الأرت يقرئهما القرآن. فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب وأخذت فاطمة الصحيفة فألقتها تحت فخذيها، وقد سمع عمر قراءة خباب. فلما دخل قال: ما هذه الهينمة ؟ قالا: ما سمعت شيئاً ؟ قال: بلى، قد أخبرت أنكما تابعتما محمداً، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته لتكفه، فضربها فشجها، فلما فعل ذلك قالت له أخته: قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما شئت.
    ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم وقال لها: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرأون فيها الآن حتى أنظر إلى ما جاء به محمد. قالت: إنا نخشاك عليها، فحلف أنه يعيدها. قالت له، وقد طمعت في إسلامه: إنك نجسٌ على شركك ولا يمسها إلا المطهرون، فقام فاغتسل. فأعطته الصحيفة وقرأها، وفيها: طه، وكان كاتباً، فلما قرأ بعضها قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ؟! فلما سمع خباب خرج إليه وقال: يا عمر إني والله لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: (اللهمّ أيّد الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي الحكم بن هشام) الله يا عمر ! فقال عمر عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم. فدله خباب، فأخذ سيفه وجاء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فضرب عليهم الباب، فقام رجل منهم فنظر من خلل الباب، فرآه متوشحاً سيفه، فأخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، بذلك فقال حمزة: إئذن له، فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه له، وإن أراد شراً قتلناه بسيفه.
    فأذن له، فنهض إليه النبي، صلى الله عليه وسلم، حتى لقيه فأخذ بمجامع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة وقال: ما جاء بك ؟ ما أراك تنتهي حتى ينزل الله عليك قارعةً. فقال عمر: يا رسول الله جئت لأؤمن بالله وبرسوله، فكبر، صلى الله عليه وسلم، تكبيرة عرف من في البيت أن عمر أسلم. فلما أسلم قال: أي قريش أنقل للحديث ؟ قيل: جميل بن معمر الجمحي، فجاءه فأخبره بإسلامه، فمشى إلى المسجد وعمر وراءه وصرخ: يا معشر قريش ألا إن ابن الخطاب قد صبأ. فيقول عمر من خلفه: كذب ولكني أسلمت، فقاموا، فلم يزل يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس وأعيا، فقعد وهم على رأسه، فقال: افعلوا ما بدا لكم، فلو كنا ثلاثمائة نفر تركناها لكم أو تركتموها لنا، يعني مكة.
    فبينما هم كذلك إذ أقبل شيخ عيه حلة فقال: ما شأنكم ؟ قالوا: صبأ عمر. قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا ؟ خلوا عن الرجل. وكان الرجل العاص بن وائل السهمي.
    قال عمر: لما أسلمت أتيت باب أبي جهل بن هشام فضربت عليه بابه، فخرج إلي وقال: مرحباً بابن أخي ! ما جاء بك ؟ قلت: جئت لخبرك أني قد أسلمت وآمنت بمحمد، صلى الله عليه وسلم، وصدقت ما جاء به. قال: فضرب الباب في وجهي وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به ! وقيل في إسلامه غير هذا.
    ● [ ذكر أمر الصحيفة ] ●

    ولما رأت قريش الإسلام يفشو ويزيد، وأن المسلمين قووا بإسلام حمزة وعمر، وعاد إليهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أمية من النجاشي بما يكرهون من منع المسلمين عنهم، وأمنهم عنده، ائتمروا في أن يكتبوا بينهم كتاباً يتعاقدون فيه على أن لا ينكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوا إليهم ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم شيئاً. فكتبوا بذلك صحيفةً وتعاهدوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً لذلك الأمر على أنفسهم، فلما فعلت قريش ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا.
    وخرج من بني هاشم أبو لهب بن عبد المطلب إلى قريش، فلقي هنداً بنت عتبة فقال: كيف رأيت نصري اللات والعزى ؟ قالت: لقد أحسنت. فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً حتى جهدوا لا يصل إلى أحد منهم شيء إلا سراً.
    وذكروا أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد ومعه قمحٌ يريد به عمته خديجة، وهي عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الشعب، فتعلق به وقال: والله لا تبرح حتى أفضحك. فجاء أبو البختري بن هشام فقال: ما لك وله ؟ عنده طعام لعمته أفتمنعه أن يحمله إليها ؟ خل سبيله. فأبى أبو جهل، فنال منه. فضربه أبو البختري بلحى جملٍ فشجه ووطئه وطأً شديداً، وحمزة ينظر إليهم، وهم يكرهون أن يبلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، ذلك فيشمت بهم هو والمسلمون. ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يدعو الناس سراً وجهراً، والوحي متتابع إليه، فبقوا كذلك ثلاث سنين.
    وقام في نقض الصحيفة نفر من قريش، وكان أحسنهم بلاء فيه هشام بن عمرو بن لحارث بن عمرو بن لؤي، وهو ابن أخي نضلة بن هشام بن عبد مناف لأمه، وكان يأتي بالبعير قد أوقره طعاماً ليلاً ويستقبل به الشعب ويخلع خطامه فيدخل الشعب. فلما رأى ما هم فيه وطول المدة عليهم مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، أخي أم سلمة، وكان شديد الغيرة على النبي، صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث علمت ؟ أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم، يعني أبا جهل، ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إيه ما أجابك أبداً. فقال: فماذا أصنع ؟ وإنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لنقضتها. فقال: قد وجدت رجلاً. قال: ومن هو ؟ قال: أنا. قال زهير: ابغنا ثالثاً، فذهب إلى المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقال له: أرضيت أن يهلك بطنان من بني عدي ابن عبد مناف وأنت شاهد ذلك موافق فيه ؟ أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعاً. قال: ما أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانياً. قال: من هو ؟ قال: أنا. قال: ابغنا ثالثاً. قال: قد فعلت. قال: من هو ؟ قال: زهير بن أبي أمية. قال: ابغنا رابعاً. فذهب إلى أبي البختري بن هشام وقال له نحواً مما قال للمطعم، قال: وهل من أحد يعين على هذا ؟ قال: نعم. قال: من هو ؟ قال: أنا وزهير والمطعم. قال: ابغنا خامساً. فذهب إلى زمعة بن الأسود المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم، قال: وهل على هذا الأمر معين ؟ قال: نعم، وسمى له القوم، فاتعدوا خطم الحجون الذي بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة. فقال زهير: أنا أبدأكم.
    فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم ؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل: كذبت والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا بها حين كتبت. قال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها. قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غي ذلك. وقال هشام بن عمرو نحواً من ذلك. قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليلٍ وأبو طالب في ناحية المسجد.
    فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان: باسمك اللهم، كانت تفتتح بها كتبها، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، فشلت يده.
    وقيل: كان سبب خروجهم من الشعب أن الصحيفة لما كتبت وعلقت بالكعبة اعتزل الناس بني هاشم وبني المطلب، وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو طالب ومن معهما بالشعب ثلاث سنين، فأرسل الله الأرضة وأكلت ما فيها من ظلم وقطيعة رحم وتركت ما فيها من أسماء الله تعالى، فجاء جبرائيل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأعلمه بذلك، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، لعمه أبي طالب، وكان أبو طالب لا يشك في قوله، فخرج من الشعب إلى الحرم، فاجتمع الملأ من قريش، وقال: إن ابن أخي أخبرني أن الله أرسل على صحيفتكم الأرضة فأكلت ما فيها من قطيعة رحمٍ وظلمٍ وتركت اسم الله تعالى، فأحضروها، فإن كان صادقاً علمتم أنكم ظالمون لنا قاطعون لأرحامنا، وإن كان كاذباً علمنا أنكم على حق وأنا على باطل.
    فقاموا سراعاً وأحضروها، فوجدوا الأمر كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقويت نفس أبي طالب واشتد صوته وقال: قد تبين لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة. فنكسوا رؤوسهم ثم قالوا: إنما تأتوننا بالسحر والبهتان، وقام أولئك النفر في نقضها كما ذكرنا؛ وقال أبو طالب في أمر الصحيفة وأكل الأرضة ما فيها من ظلم وقطيعة رحم أبياتاً منها:
    وقد كان في أمر الصحيفة عبرةٌ ... متى ما يخبّر غائب القوم يعجب
    محا الله منهم كفرهم وعقوقهم ... وما نقموا من ناطق الحقّ معرب
    فأصبح ما قالوا من الأمر باطلاً ... ومن يختلق ما ليس بالحقّ يكذب

    بص وطل
    بص وطل
    Admin

    عدد المساهمات : 1633
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    من ذكر المستضعفين إلى سرية عبد الله بن جحش Empty تابع من المستضعفين إلى سرية عبد الله بن جحش

    مُساهمة من طرف بص وطل في الثلاثاء أبريل 09, 2019 9:02 am

    ● [ ذكر وفاة أبي طالب وخديجة ] ●
    وعرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على العرب

    توفي أبو طالب وخديجة قبل الهجرة بثلاث سنين وبعد خروجهم من الشعب، فتوفي أبو طالب في شوال أو في ذي القعدة وعمره بضع وثمانون سنة، وكانت خديجة ماتت قبله بخمسة وثلاثين يوماً، وقيل: كان بينهما خمسة وخمسون يوماً، وقيل: ثلاثة أيام، فعظمت المصيبة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بهلاكهما، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ما نالت قريش مني شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب)، وذلك أن قريشاً وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته حتى ينثر بعضهم التراب على رأسه، وحتى إن بعضهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصي، وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يخرج ذلك على العود ويقول: أي جوار هذا يا بني عبد مناف ! ثم يلقيه بالطريق.
    فلما اشتد عليه الأمر بعد موت أبي طالب خرج ومعه زيد بن حارثة إلى ثقيف يلتمس منهم النصر. فلما انتهى إليهم عمد إلى ثلاثة نفر منهم، وهم يومئذٍ ساده ثقيف، وهم إخوةٌ ثلاثة: عبد ياليل ومسعود وحبيب بنو عمر وبن عمير، فدعاهم إلى الله وكلمهم في نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه، فقال أحدهم: ماردٌ يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال آخر: أما وجد الله من يرسله غيرك ! وقال ثالث: والله لا أكلمك كلمة أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك، ولئن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك.
    فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد يئس من خير ثقيف، وقال لهم: إذا أبيتم فاكتموا علي ذلك، وكره أن يبلغ قومه، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم. فاجتمعوا إليه وألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهو البستان، وهما فيه، ورجع السفهاء عنه، وجلس إلى ظل حبلة وقال: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، اللهم يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ! ولكن عافيتك هي أوسع، إني أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل بي سخطك.
    فلما رأى ابنا ربيعة ما لحقه تحركت له رحمهما فدعوا غلاماً لهما نصرانياً اسمه عداس فقالا له: خذ قطفاً من هذا العنب واذهب به إلى ذلك الرجل، ففعل. فلما وضعه بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وضع يده فيه وقال: بسم الله، ثم أكل، فقال عداس: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة. فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: من أي بلاد أ،ت وما دينك ؟ قال: أنا نصراني من أهل نينوى. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ قال له: وما يدريك ما يونس ؟ قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ذلك أخي كان نبياً وأنا نبي، فأكب عداس على يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورجليه يقبلها فعاد.
    فيقول ابنا ربيعة أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاء عداس قالا له: ويحك ما لك تقبل يديه ورجليه ؟ قال: ما في الأرض خيرٌ من هذا الرجل. قالا: ويحك إن دينك خير من دينه ! ثم انصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، راجعاً إلى مكة حتى إذا كان في جوف الليل قام قائماً يصلي، فمر به نفرٌ من الجن، وهم سبعة نفر من جن نصيبين، رائحين إلى اليمن فاستمعوا له، فلما فرغ من صلواته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا.
    وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عاد من ثقيف أرسل إلى المطعم بن عدي ليجيره حتى يبلغ رسالة ربه، فأجاره، وأصبح المطعم قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه فدخلوا المسجد، فقال له أبو جهل: أمجير أم متابع ؟ قال: بل مجير. قال: قد أجرنا من أجرت. فدخل النبي، صلى الله عليه وسلم، مكة وأقام بها فدخل يوماً المسجد الحرام والمشركون عند الكعبة. فلما رآه أبو جهل قال: هذا نبيكم يا بني عبد مناف. فقال عتبة بن ربيعة: وما ينكر أن يكون منا نبي وملك ؟ فأخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بذلك، فأتاهم فقال: أما أنت يا عتبة فما حميت لله وإنما حميت لنفسك، وأما أنت يا أبا جهل فوالله لا يأتي عليك غير بعيد حتى تضحك قليلاً وتبكي كثيراً، وأما أنتم يا معشر قريش فوالله لا يأتي عليكم غير كثير حتى تدخلوا فيما تكرون وأنتم كارهون، فكان الأمر كذلك.
    وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب، فأتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح، فدعاهم إلى الله وعرض نفسه عليهم، فأبوا عليه. فأتى كلباً إلى بطن منهم يقال لهم: بنو عبد الله فدعاهم إلى الله وعرض نفسه عليهم، فلم يقبلوا ما عرض عليهم. ثم إنه أتى بني حنيفة وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم: أرأيت إن نحن تابعناك فأظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. قال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا ؟ لا حاجة لنا بأمرك.
    فلما رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم كبير فأخبروه خبر النبي، صلى الله عليه وسلم، ونسبه، وضع يده على رأسه ثم قال: يا بني عامر هل من تلاف ؟ والذي نفسي بيده ما تقولها إسماعيلي قط وإنها لحق، وأين كان رأيكم عنه ! ولم يزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يعرض نفسه على كل قادم له اسم وشرف ويدعوه إلى الله. وكان كلما أتى قبيلة يدعوهم إلى الإسلام تبعه عمه أبو لهب، فإذا فرغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من كلامه يقول لهم أبو لهب: يا بني فلان، إنما يدعوكم هذا إلى أن تستحلوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن إلى ما جاء به من الضلالة والبدعة فلا تطيعوه ولا تسمعوا له.
    ● [ ذكر أول عرض رسول الله ] ●
    صلى الله عليه وسلم نفسه على الأنصار وإسلامهم

    فقدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف بطن من الأوس مكة حاجاً ومعتمراً، وكان يسمى الكامل لجلده وشعره ونسبه، وهو القائل:
    ألا ربّ من تدعو صديقاً ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري
    مقالته كالسحر إذ كان شاهداً ... وبالغيب مأثورٌ على ثغرة النّحر
    يسرّك باديه وتحت أديمه ... نميمة غشّ تبتري عقب الطّهر
    تبين لك العينان ما هو كاتمٌ ... وما جنّ بالبغضاء والنّظر الشّزر
    فرشني بخيرٍ طالما قد بريتني ... فخير الموالي من يريش ولا يبري
    فتصدى له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعاه إلى الإسلام، وقرأ عليه القرآن، فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتله الخزرج، قتل يوم بعاث، فكان قومه يقولون: قتل وهو مسلم.
    بعاث بالباء الموحدة المضمومة، والعين المهملة، وهو الصحيح.
    وقدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة مع فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، فأتاهم النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: هل لكم فيما هو خير لكم مما جئتم له ؟ ودعاهم إلى الاسم، وقرأ عليهم القرآن، فقال إياس، وكان غلاماً حدثاً: هذا والله خير مما جئنا له. فضرب وجهه أبو الحيسر بحفنة من البطحاء وقال: دعنا منك فلقد جئنا لغير هذا. فسكت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلبث إياس أن هلك، فسمعه قومه يهلل الله ويكبره حتى مات، فما يشكون أنه مات مسلماً.
    ● [ ذكر بيعة العقبة الأولى ] ●
    وإسلام سعد بن معاذ

    فلما أراد الله إظهار دينه وإنجاز وعده خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على القبائل كما كان يفعله، فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وقد كانت يهود معهم ببلادهم، وكان هؤلاء أهل أوثان، فكانوا إذا كان بينهم شر تقول اليهود: إن نبياً يبعث الآن نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وثمود. فقال أولئك النفر بعضهم لبعض: هذا والله النبي الذي توعدكم به اليهود، فأجابوه وصدقوه وقالوا له: إن بين قومنا شراً، وعسى الله أن يجمعهم بك، فإن اجتمعوا عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عنه، وكانوا سبعة نفر من الخزرج: أسعد بن زرارة بن عدس أبو أمامة، وعوف بن الحارث بن رفاعة، وهو ابن عفراء، كلاهما من بني النجار، ورافع بن مالك بن عجلان، وعامر بن عبد حارثة بن ثعلبة بن غنم، كلاهما من بني زريق، وقطبة بن عامر بن حديدة بن سواد من بني سلمة - سلمة هذا بكسر اللام - ، وعقبة بن عامر بن نابئ من بني غنم، وجابر بن عبد الله بن رياب من بني عبيدة.
    رياب بكسر الراء والياء المعجمة باثنتين من تحت وبالباء الموحدة.
    فلما قدموا المدينة ذكروا لهم النبي، صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوه بيعة النساء، وهم: أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ ابنا الحارث، وهما ابنا عفراء، ورافع بن مالك بن عجلان، وذكوان بن عبد قيس من بني زريق، وعبادة بن الصامت من بني عوف بن الخزرج، ويزيد بن ثعلبة بن خزمة أبو عبد الرحمن من بلي حليف لهم، وعباس بن نضلة من بني سالم، وعقبة بن عامر بن نابئ، وقطبة بن عامر بن حديدة، وهؤلاء من الخزرج، وشهدها من الأوس أبو الهيثم بن التيهان، حليف لبني عبد الأشهل، وعويم بن ساعدة حليف لهم.
    فانصرفوا عنه، وبعث، صلى الله عليه وسلم، معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، فنزل بالمدينة على أسعد بن زرارة، فخرج به أسعد بن زرارة فجلس في دار بني ظفر، واجتمع عليهما رجالٌ ممن أسلم. فسمع به سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وهما سيدا بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك، فقال سعد لأسيد: انطلق إلى هذين اللذين أتيا دارنا فانههما، فإنه لولا أسعد بن زرارة، وهو ابن خالتي، كفيتك ذلك. فأخذ أسيد حربته ثم أقبل عليهما، فقال: ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلا عنا. فقال مصعب: أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمراً قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره ! فقال: أنصفت ثم جلس إليهما، فكلمة مصعب بالإسلام، فقال: ما أحسن هذا وأجله ! كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين ؟ قالا: تغتسل وتطهر ثيابك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين، ففعل ذلك وأسلم. ثم قال لهما: إن ورائي رجلاً إن تبعكما لم يتخلف عنكما أحد من قومه، وسأرسله إليكما، سعد بن معاذ.
    ثم انصرف إلى سعد وقومه، فلما نظر إليه سعد قال: أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ! فقال له سعد: ما فعلت قال: كلمت الرجلين، والله ما رأيت بهما بأساً، وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه. فقام سعد مغضباً مبادراً لخوفه مما ذكر له، ثم خرج إليهما، فلما رآهما مطمئنين عرف ما أرد أسيد، فوقف عليهما وقال لأسعد بن زرارة: لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني. فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمراً قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ! فجلس فعرض عليه مصعب الإسلام وقرأ عليه القرآن فقال لهما: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين ؟ فقالا له ما قالا لأسيد، فأسلم وتطهر ثم عاد إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرامٌ حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فوالله ما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً أو مسلمة.
    ورجع مصعب إلى منزل أسعد ولم يزل يدعو إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من بني أمية ابن زيد ووائل وواقف، فإنهم أطاعوا أبا قيس بن الأسلت، فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر النبي، صلى الله عليه وسلم، ومضت بدر وأحد والخندق وعاد مصعب إلى مكة.
    أسيد بضم الهمزة، وفتح السين. وحضير بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة،وتسكين الياء تحتها نقطتان، وفي آخره راء.
    ● [ ذكر بيعة العقبة الثانية ] ●

    لما فشا الإسلام في الأنصار اتفق جماعةٌ منهم على المسير إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، مستخفين لا يشعر بهم أحد، فساروا إلى مكة في الموسم في ذي الحجة مع كفار قومهم واجتمعوا به وواعدوه أوسط أيام التشريف بالعقبة.
    فلما كان الليل خرجوا بعد مضي ثلثه مستخفين يتسللون حتى اجتمعوا بالعقبة، وهم سبعون رجلاً، معهم امرأتان: نسيبة بنت كعب أم عمارة وأسماء أم عمرو بن عدي من بني سلمة وجاءهم رسول الله ومعه عمه العباس ابن عبد المطلب، وهو كافر أحب أن يتوثق لابن أخيه، فكان العباس أول من تكلم فقال: يا معشر الخزرج، وكانت العرب تسمى الخزرج والأوس به، إن محمداً منا حيث قد علمتم في عز ومنعة، وإنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه فأنتم وذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة.
    فقال الأنصار: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك وربك ما أحببت.
    فتكلم وتلا القرآن ورغب في الإسلام ثم قال: تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
    ثم أخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أهل الحرب.
    فاعترض الكلام أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالاً، وإنا قاطعوها، يعني اليهود، فهل عسيت إن أ؟هرك الله عز وجل أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال: بل الدم الدم والهدم الهدم، أنتم مني وأنا منكم، أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم. وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أخرجوا إلى اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم، فأخرجوهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس.
    وقال لهم العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبةً وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن فهو والله خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة.
    قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله ؟ قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك، فبايعوه.
    وما قال العباس بن عبادة ذلك إلا ليشد العقد له عليهم. وقيل: بل قاله ليؤخر الأمر ليحضر عبد الله بن أبي بن سلول فيكون أقوى لأمر القوم.
    فكان أول من بايعه أبو أمامة أسعد بن زرارة، وقيل: أبو الهيم بن التيهان، وقي: البراء بن معرور. ثم بايع القوم فبايعوا، فلما بايعوه صرخ الشيطان من رأس العقبة: يا أهل الجباجب، هل لكم في مذممٍ والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم ؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أما والله لأفرغن لك أي عدو الله ! ثم قال: ارفضوا إلى رحالكم. فقال له العباس بن عبادة: والذي بعثك بالحق نبياً لئن شئت لنميلن غداً على أهل منىً بأسيافنا. فقال: لم نؤمر بذلك، فرجعوا.
    فلما أصبحوا جاءهم جلة قريش فقالوا: قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من أحياء العرب أبغض إلينا أن تنشب بيننا وبينهم الحرب منكم. فحلف من هناك من مشركي الأنصار ما كان من هذا شيء.
    فلما سار الأنصار من مكة قال البراء بن معرور: يا معشر الخزرج ! قد رأيت أن لا أستدبر الكعبة في صلاتي. فقالوا له: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يستقبل الشام، فنحن لا نخالفه، فكان يصلي إلى الكعبة، فلما قدم مكة سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن ذلك فقال: لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها. فرجع إلى قبلة رسول الله. فلما بايعوه ورجعوا إلى المدينة، كان قدومهم في ذي الحجة، فأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة بقية ذي الحجة والمحرم وصفر، وهاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول، وقدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت منه.
    وقد كانت قريش لما بلغهم إسلام من أسلم من الأنصار اشتدوا على من بمكة من المسلمين وحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهدٌ شديد، وهي الفتنة الآخرة؛ وأما الأولى فكانت قبل هجرة الحبشة.
    وكانت البيعة في هذه العقبة على غير الشروط في العقبة الأولى، فإن الأولى كانت على بيعة النساء، وهذه البيعة كانت على حرب الأحمر والأسود.
    ثم أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فكان أول من قدمها أبو سلمة بن عبد الأسد، وكانت هجرته قبل البيعة بسنة، ثم هاجر بعده عامر بن ربيعة حليف بني عدي مع امرأته ليلى ابنة أبي حثمة، ثم عبد الله بن جحش ومعه أخوه أبو أحمد وجميع أهله، فأغلقت دارهم وتتابع الصحابة، ثم هاجر عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة فنزلا في بني عمرو بن عوف، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة بالمدينة، وكان أخاهما لأمهما، فقالا له: إن أمك قد نذرت أنها لا تستظل ولا تمتشط. فرق لها وعاد وتتابع الصحابة بالهجرة إلى أن هاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    ● [ ذكر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ] ●

    لما تتابع أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالهجرة أقام هو بمكة ينتظر ما يؤمر به من ذلك، وتخلف معه علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق. فلما رأت قريش ذلك حذروا خروج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا في دار الندوة، وهي دار قصي بن كلاب، وتشاوروا فيها، فدخل معهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا من أهل نجد سمعت بخبركم فحضرت وعسى أن لا تعدموا مني رأياً.
    وكانوا عتبة وشيبة وأبا سفيان وطعيمة بن عدي وحبيب بن مطعم والحارث بن عامر والنضر بن الحارث وأبا البختري بن هشام وربيعة بن الأسود وحكيم بن حزام وأبا جهل ونبيهاً ومنبهاً ابني الحجاج وأمية بن خلف وغيرهم.
    فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما كان، وما نأمنه على الوثوب علينا بمن اتبعه، فأجمعوا فيه رأياً، فقال بعضهم: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه باباً ثم تربصوا به ما أصاب الشعراء قبله. فقال النجدي: ما هذا لكم برأي، لو حبستموه يخرج أمره من وراء الباب إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم. فقال آخر: نخرجه وننفيه من بلدنا ولا نبالي أين وقع إذا غاب عنا. فقال النجدي: ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه ؟ لو فعلتم ذلك لحل على حي من أحياء العرب فيغلب عليهم بحلاوة منطقه ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم ويأخذ أمركم من أيديكم. فقال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتىً نسيباً ونعطي كل فتى منهم سيفاً ثم يضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه، فإذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلها فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً ورضوا منا بالعقل. فقال النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا رأي غيره؛ فتفرقوا على ذلك.
    فأتى جبرائيل النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تبت الليلة على فراشك. فلما كان العتمة اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رآهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي واتشح ببردي الأخضرى، فنم فيه فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه، وأمره أن يؤدي ما عنده من وديعة وأمانة وغير ذلك. وخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخذ حفنةً من تراب فجعله على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من (يس وَالقُرْآنِ الحَكِيمِ)، إلى قوله: (فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) يس: 1 - 9. ثم انصرف لم يروه، فأتاهم آتٍ فقال: ما تنتظرون ؟ قالوا: محمداً. قال: خيبكم الله، خرج عليكم ولم يترك أحداً منكم إلا جعل على رأسه التراب وانطلق لحاجته ! فوضعوا أيديهم على رؤوسهم فرأوا التراب وجعلوا ينظرون فيرون علياً نائماً وعليه برد النبي، صلى الله عليه وسلم، فيقولون: إن محمداً لنائمٌ، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا. فقام علي عن الفراش، فعرفوه، وأنزل الله في ذلك: (وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ) الآية الأنفال: 30.
    وسأل أولئك الرهط علياً عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: لا أدرين أمرتموه بالخروج فخرج. فضربوه وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعةً ثم تركوه، ونجى الله رسوله من مكرهم وأمره بالهجرة، وقام علي يؤدي أمانة النبي، صلى الله عليه وسلم، ويفعل ما أمره.
    وقالت عائشة: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يخطئه أحد طرفي النهار أن يأتي بيت أبي بكر إما بكرةً أو عشيةً، حتى كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة فأتانا بالهاجرة، فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء هذه الساعة إلا لأمر حدث. فلما دخل جلس على السرير وقال: أخرج من عندك. قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي، وما ذاك ؟ قال: إن الله قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله ! قال: الصحبة، فبكى أبو بكر من الفرح، فاستأجر عبد الله بن أرقد، من بني الديل بن بكر، وكان مشركاً، يدلهما على الطريق، ولم يعلم بخروج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غير أبي بكر وعلي وآل أبي بكر، فأما علي فأمره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يتخلف عنه حتى يؤدي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الودائع التي كانت عنده ثم يلحقه.
    وخرجا من خوخة في بيت أبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع لهما بمكة نهاره ثم يأتيهما ليلاً، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يأتيهما بها ليلاً، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بطعامهما مساء، فأقاما في الغار ثلاثاً.
    وجعلت قريش مائة ناقةٍ لمن رده عليهم.
    وكان عبد الله بن أبي بكر إذا غدا من عندهما اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي. فلما مضت الثلاث وسكن الناس أتاهما دليلهما ببعيريهما، فأخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أحدهما بالثمن فركبه، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاماً فحلت نطاقها فجعلته عصاماً وعلقت السفرة به، وكان يقال لأسماء ذات النطاقين لذلك.
    ثم ركبا وسارا، وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة يخدمهما في الطريق، فساروا ليلتهم ومن الغد إلى الظهر، ورأوا صخرة طويلة، فسوا أبو بكر عندها مكاناً ليقيل فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وليستظل بظلها، فنام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحرسه أبو بكر حتى رحلوا بعدما زالت الشمس.
    وكانت قريش قد جعلت لمن يأتي بالنبي، صلى الله عليه وسلم، ديةً، فتبعهم سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي فلحقهم وهم في أرض صلبة، فقال أبو بكر: يا رسول الله أدركنا الطلب ! فقال: (ولاَ تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَا) التوبة: 40، ودعا عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فارتطمت فرسه إلى بطنها وثار من تحتها مثل الدخان. فقال: ادع لي يا محمد ليخلصني الله ولك علي أن أرد عنك الطلب، فدعا له فتخلص، فعادي تبعهم، فدعا عليه الثانية فساخت قوائم فرسه في الأرض أشد من الأولى، فقال: يا محمد قد علمت أن هذا من دعائك علي، فادع لي ولك عهد الله أن أرد عنك الطلب. فدعا له فخلص وقرب من النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا رسول الله خذ سهماً من كنانتي وإن إبلي بمكان كذا فخذ منها ما أحببت. فقال: لا حاجة لي في إبلك.
    فلما أراد أن يعود عنه قال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كيف بك يا سراقة إذا سورت بسواري كسرى ؟ قال: كسرى بن هرمز ؟ قال: نعم. فعاد سراقة فكان لا يلقاه أحد يريد الطلب إلا قال: كفيتم ما ها هنا، ولا يلقى أحداً إلا رده.
    قالت أسماء بنت أبي بكر: لما هاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أتانا نفرٌ من قريش فيه أبو جهلٍ فوقفوا على باب أبي بكر فقالوا: أين أبوك ؟ قلت: لا أدري، فرفع أبو جهل يده فلطم خدي لطمةً طرح قرطي، وكان فاحشاً خبيثاً. ومكثنا ملياً لا ندري أين توجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى أتى رجل من الجن من أسفل مكة والناس يتبعونه يسمعون صوته ولا يرون شخصه وهو يقول:
    جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين حلاّ خيمتي أمّ معبد
    هما نزلا بالهدي واغتديا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمّد
    ليهنئ بني كعبٍ مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
    قالت: فلما سمعنا قوله عرفنا أن وجهه كان إلى المدينة.
    وقدم بهما دليلهما قباء فنزل على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول يوم الاثنين حين كادت الشمس تعتدل، فنزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على كلثوم بن الهدم، أخي بني عمرو بن عوف، وقيل: نزل على سعد بن خيثمة، وكان عزباً، وكان ينزل عنده العزاب من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان يقال لبيته بيت العزاب، والله أعلم.
    ونزل أبو بكر على خبيب بن إساف بالسنح، وقيل: نزل على خارجة بن زيد أخي بني الحارث بن الخزرج.
    وأما علي فإنه لما فرغ من الذي أمره به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هاجر إلى المدينة، فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى قدم المدينة وقد تفطرت قدماه، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: ادعوا لي علياً. قيل: لا يقدر أن يمشي. فأتاه النبي، صلى الله عليه وسلم، واعتنقه وبكى رحمةً لما بقدميه من الورم وتفل في يديه وأمرهما على قدميه، لم يشتكهما بعد حتى قتل. ونزل بالمدينة على امرأة لا زوج لها، فرأى إنساناً يأتيها كل ليلة ويعطيها شيئاً، فاستراب بها، فسألها عنه فقالت: هو سهل بن حنيف، قد علم أني امرأة لا زوج لي فهو يكسر أصنام قومه ويحملها إلي ويقول: احتطبي بهذه. فكان علي يذكر ذلك عن سهل بن حنيف بعد موته.
    وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة، وقيل: أقام عندهم أكثر من ذلك. والله أعلم. وأدركت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي ببطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة.
    قال ابن عباس: ولد النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين.
    واختلف العلماء في مقامه بمكة بعد أن أوحي إليه، فقال أنس وابن عباس، رضي الله عنهما، من رواية أبي سلمة عنه وعائشة: إنه أقام بمكة عشر سنين، ومثلهم قال من التابعين ابن المسيب والحسن وعمرو بن دينار، وقيل: أقام ثلاث عشرة سنة؛ قاله ابن عباس من رواية أبي جمرة وعكرمة أيضاً عنه، ولعل الذي قال أقام عشر سنين أراد بعد إظهار الدعوة، فإنه بقي سنين يسيرة، ومما يقوي هذا القول قول صرمة بن أنس الأنصاري، شعر:
    ثوى في قريشٍ بضع عشرة حجّةً ... يذكّر لو يلقى صديقاً مواتيا
    فهذا يدل على مقامه ثلاث عشرة سنة لأنه قد زاد على عشر سنين، فلو كان خمس عشرة لصح الوزن، وكذلك ست عشرة وسبع عشرة، وحيث لم يستقم الوزن بأن يقول ثلاث عشرة قال بضع عشرة، ولم ينقل في مقام زيادة على عشر سنين إلا ثلاث عشرة وخمس عشرة.
    وقد روي عن قتادة قول غريب جداً، وذلك أنه قال: نزل القرآن على النبي: صلى الله عليه وسلم، بمكة ثماني سنين، ولم يوافقه غيره.
    ● [ ذكر ما كان من الأمور ] ●
    أول سنة من الهجرة

    فمن ذلك تجميعه صلى الله عليه وسلم، بأصحابه الجمعة في اليوم الذي نزل فيه من قباء في بني سالم في بطن وادٍ لهم، وهي أول جمعة جمعها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الإسلام وخطبهم، وهي أول خطبة.
    وكان رحل من قباء يريد المدينة فركب ناقته وأرخى زمامها، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة والمنعة. فيقول: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، فبركت على باب مسجده، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين في حجر معاذ بن عفراء، وهما سهل وسهل ابنا عمرو من بني النجار، فلما بركت لم ينزل عنها، ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، واضع لها زمامها لا يثنيها به، فالتفتت خلفها ثم رجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ووضعت جرانها، فنزل عنها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واحتمل أبو أيوب الأنصار رحله، وسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم عن المربد فقال معاذ بن عفراء: هو ليتيمين لي وسأرضيهما من ثمنه، فأمر به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يبنى مسجداً، وأقام عند أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه.
    وقيل: إن موضع المسجد كان لبني النجار فيه نخل وحرث وقبور المشركين، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ثامنوني به. فقالوا: لا يبغى به إلا ما عند الله. فأمر به فبنى مسجده، وكان قبله يصلي حيث أدركته الصلاة، وبناه هو والمهاجرون والأنصار، وهو الصحيح.
    وفيها بني مسجد قباء.
    وفيها أيضاً توفى كلثوم بن الهدم. وتوفي بعده أسعد بن زرارة، وكان نقيب بني النجار، فاجتمع بنو النجار، وطلبوا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يقيم لهم نقيباً، فقال لهم: أنتم إخواني وأنا نقيبكم، فكان فضيلة لهم. وفيها مات أبو أحيحة بالطائف، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي بمكة مشركين.
    وفيها بني النبي، صلى الله عليه وسلم، بعائشة بعد مقدمة المدينة بثمانية أشهر، وقيل بسبعة أشهر في ذي القعدة، وقيل في شوال، وكان تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة خديجة وهي ابنة ست سنين، وقيل ابنة سبع سنين.
    وفيها هاجرت سودة بنت زمعة زوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبناته ما عدا زينب، وهاجر أيضاً عيال أبي بكر ومعهم ابنه عبد الله وطلحة بن عبيد الله. وفيها زيد في صلاة العصر ركعتان بعد مقدمة المدينة بشهر. وفيها ولد عبد الله بن الزبير، وقيل في السنة الثانية في شوال، وكان أول مولود للمهاجرين بالمدينة، وكان النعمان بن بشير أول مولود للأنصار بعد الهجرة، وقيل: إن المختار بن أبي عبيد وزياد ابن أبيه ولدا فيها.
    وفيها على رأس سبعة أشهر عقد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعمه حمزة لواء أبيض في ثلاثين رجلاً من المهاجرين ليعرضوا عير قريش، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة رجل فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان يحمل اللواء أبو مرثد، وهو أول لواء عقده. وفيها أيضاً عقد لواء لعبيدة بن الحارث بن المطلب، وكان أبيض يحمله مسطح بن أثاثة، فالتقى هو والمشركون، فكان بينهم الرمي دون المسايفة، وكان سعد بن أبي وقاص أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان مسلمين وهما بمكة، فخرجا مع المشركين يتوصلان بذلك، فلما لقيهم المسلمون انحازا إليهم. وقال بعضهم: كان لواء أبي عبيدة أول لواء عقده، وإنما اشتبه ذلك لقرب بعضها ببعض، وكان على المشركين أبو سفيان بن حرب، وقيل مكرز بن حفص بن الأخيف، وقيل عكرمة بن أبي جهل.
    والأخيف، بالخاء المعجمة والياء المثناة من تحتها.
    وفيها عقد لواء لسعد بن أبي وقاص وسيره إلى الأبواء، وكان يحمل اللواء المقداد بن الأسود، وكان مسيره في ذي القعدة وجميع من معه من المهاجرين فلم يلق حرباً.
    جعل الواقدي هذه السرايا جميعها في السنة الأولى من الهجرة، وجعلها ابن إسحاق في السنة الثانية، فقال: على رأس اثني عشر شهراً من مقدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة خرج غازياً واستخلف على المدينة سعد بن عبادة فبلغ ودان يريد قريشاً وبني ضمرة من كنانة، وهي غزاة الأبواء، بينهما ستة أميال، فوادعته فيها بنو ضمرة، ورئيسهم مخشي بن عمرو، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً، وذكر ابن إسحاق بعد هذه الغزوة غزوة عبيدة بن الحارث، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب.
    وفيها كان غزاة بواط، خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم في مائتين من أصحابه في شهر ربيع الآخر، يعني سنة اثنتين، يريد قريشاً حتى بلغ بواط من ناحية رضوى، وكان في عير قريش أمية بن خلف الجمحي في مائة رجل ومعهم ألفان وخمسمائة بعير، فرجع ولم يلق كيداً، وكان يحمل لواء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سعد بن أبي وقاص، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ.
    بواط بفتح الباء الموحدة وبالطاء المهملة.
    وفيها غزا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غزوة العشيرة من ينبع في جمادي الأولى يريد قريشاً حين ساروا إلى الشام، فلما وصل العشيرة وادع بني مدلج وحلفاءهم من مضرة ورجع ولم يلق كيداً، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وكان يحمل لواءه حمزة، وفي هذه الغزوة كنى النبي صلى الله عليه وسلم علياً أبا تراب في قول بعضهم. وفيها أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى بلغ وادياً يقال له سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز، وكان لواؤه مع علي، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة. وفيها بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سعد بن أبي وقاص في سرية ثمانية رهط فرجع ولم يلق كيداً. وفيها جاء أبو قيس بن الأسلت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه الإسلام، فقال: ما أحسن ما تدعو إليه ! سأنظر في أمري ثم أعود. فلقيه عبد الله بن أبي المنافق فقال: كرهت قتال الخزرج. فقال أبو قيس: لا أسلم إلى سنة، فمات في ذي القعدة. ثم دخلت السنة الثانية من الهجرة في هذه السنة غزا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في قول بعض أهل السير، غزوة الأبواء، ويقال ودان، وبينهما ستة أميال، واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة سعد بن عبادة، وكان لواؤه أبيض مع حمزة بن عبد المطلب، وقد تقدم ذكرها.
    وفيها زوج علي بن أبي طالب فاطمة في صفر.
    ● [ ذكر سرية عبد الله بن جحش ] ●

    أمر رسول الله أبا عبيدة بن الجراح أن يتجهز للغزو، فتجهز، فلما أراد المسير بكى صبابة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبعث مكانه عبد الله بن جحش في جمادى الآخرة معه ثمانية رهط من المهاجرين، وقيل اثنا عشر رجلاً وكتب له كتاباً، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يكره أحداً من أصحابه، ففعل ذلك، ثم قرأ الكتاب وفيه يأمره بنزول نخلة بين مكة والطائف فيرصد قريشاً ويعلم أخبارهم، فأعلم أصحابه، فساروا معه، وأضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما يعتقبانه فتخلفا في طلبه، ومضى عبد الله ونزل بنخلة، فمرت عير لقريش تحمل زبيباً وغيره فيها عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل والحكم بن كيسان، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وقد حلق رأسه. فلما رأوه قالوا: عمارٌ لا بأس عليكم منهم، وذلك آخر يوم من رجب، فرمى واقد بن عبد الله التيمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان والحكم، وهرب نوفل، وغنم المسلمون ما معهم، فقال عبد الله بن جحش: إن لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، خمس ما غنمتم، وذلك قبل أن يفرض الخمس، وكانت أول غنيمة غنمها المسلمون وأول خمس في الإسلام.
    وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسرى إلى المدينة. فلما قدموا قال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فوقف العير والأسيرين، فسقط في أيديهم، وعنفهم المسلمون، وقال قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام. وقالت اليهود تفأأل بذلك على رسول الله، صلى الله عليه وسلم: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله: عمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد وقدت الحرب. فأنزل الله: (يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) الآية البقرة: 217. فلما نزل القرآن وفرج الله عن المسلمين قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، العير، وكانت أول غنيمة أصابوها، وفدى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الأسيرين. فأما الحكم فأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم وحسن اسلامه حتى قتل يوم بئر معونة.
    وقيل: كان قتلهم عمرو بن الحضرمي وأخذ العير آخر يوم من جمادى وأول ليلة من رجب.
    وفيها صرفت القبلة من الشام إلى الكعبة، وكان أول ما فرضت القبلة إلى بيت المقدس والنبي، صلى الله عليه وسلم، بمكة، وكان يحب استقبال الكعبة، وكان يصلي ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس. فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه ذلك، وكان يؤثر أن يصرف إلى الكعبة، فأمره الله أن يستقبل الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من قدومه المدينة، وقيل: على رأس ستة عشر شهراً في صلاة الظهر.
    وفيها أيضاً في شعبان فرض صوم شهر رمضان، وكان لما قدم المدينة رأى اليهود تصوم عاشوراء فصامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان لم يأمرهم بصوم عاشوراء ولم ينههم.
    وفيها أمر الناس بإخراج زكاة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين. وفيها خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المصلى فصلى بهم صلاة العيد، وكان ذلك أول خرجة خرجها، وحملت بين يديه العنزة، وكانت للزبير وهبها له النجاشي، وهي اليوم للمؤذنين في المدينة.

    من ذكر المستضعفين إلى سرية عبد الله بن جحش Fasel10

    مختصر الكامل في التاريخ لابن الأثير
    منتدى نافذة ثقافية - البوابة
    من ذكر المستضعفين إلى سرية عبد الله بن جحش E110


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أكتوبر 24, 2019 3:37 am