بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
السفر في نهر السند
والوصول الى بلاد الهند

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الوصول الى وادى السند
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة يرحمه الله تعالى:
ولما كان بتاريخ الغرة من شهر محرم مفتتح عام أربعة وثلاثين وسبعمائة وصلنا إلى وادي السند المعروف ببنج آب، ومعنى ذلك المياه الخمسة. وهذا الوادي من أعظم أودية الدنيا، وهو يفيض في أوان الحر، فيزرع أهل تلك البلاد على فيضه، كما يفعل أهل الديار المصرية في فيض النيل. وهذا الوادي هو أول عمالة السلطان المعظم محمد شاه ملك الهند والسند. ولما وصلنا إلى هذا النهر جاء إلينا أصحاب الأخبار الموكلون بذلك، وكتبوا بخبرنا إلى قطب الملك أمير مدينة ملتان، وكان أمير أمراء السند على هذا العهد مملوك للسلطان يسمى سرتيز، وهو من عرض المماليك، وبين يديه تعرض عساكر السلطان، ومعنى اسمه الحاد الرأس لأن سر " بفتح السين المهملة وسكون الراء ". هو الرأس، وتيز " بتاء معلوة وياء مد وزاي " معناه الحاد. وكان في حين قدومنا بمدينة سيوستان من السند. وبينها وبين ملتان مسيرة عشرة أيام، وبين بلاد السند وحضرة السلطان مدينة دهلي على مسيرة خمسين يوماً. وإذا كتب المخبرون إلى السلطان من بلاد السند يصل الكتاب إليه في خمسة أيام بسبب البريد.
ذكر البريد
والبريد ببلاد الهند صنفان، فأما بريد الخيل فيسمونه الولاق "أولاق " "بضم الواو وآخره قاف "، وهو خيل تكون للسلطان، في كل مسافة أربعة أميال، وأما بريد الرجالة، فيكون في مسافة الميل الواحد منه ثلاث رتب، ويسمونها الداوة " بالدال المهمل والواو "، والداوة هي ثلث ميل، والميل عندهم يسمى الكروة " بضم الكاف والراء "، وترتيب ذلك أن يكون في كل ثلث ميل قرية معمورة، ويكون بخارجها ثلاث قباب يقعد فيها الرجال، مستعدين للحركة، قد شدوا أوساطهم. وعند كل واحد منهم مقرعة مقدار ذراعين، بأعلاها جلاجل نحاس، فإذا خرج البريد من المدينة أخذ الكتاب بأعلى يده والمقرعة ذات الجلاجل باليد الأخرى يشتد بمنتهى جهده.
فإذا سمع الرجال الذين بالقباب صوت الجلاجل تأهبوا. فإذا وصلهم. أخذ أحدهم الكتاب من يده ومر بأقصى جهده، وهو يحرك المقرعة حتى يصل إلى الداوة الأخرى. ولا يزالون كذلك حتى يصل الكتاب إلى حيث يراد منه.
وهذا البريد أسرع من بريد الخيل وربما حملوا على هذا البريد الفواكه المستطرفة بالهند من فواكه خراسان يجعلونها في الأطباق، ويشتدون بها حتى تصل إلى السلطان. وكذلك يحملون الكبار من ذوي الرتب، يجعلون الرجل على سرير، ويرفعونه فوق رؤوسهم ويسيرون به شداً. وكذلك يحملون الماء لشرب السلطان، إذا كان بدولة أباد، يحملونه من نهر الكنك الذي تحج الهنود إليه، وهو على مسيرة أربعين يوماً منها.
وإذا كتب المخبرون إلى السلطان بخبر من يصل إلى بلاده، استوعبوا الكتاب وأمعنوا في ذلك، وعرفوه أنه ورد رجل صورته كذا ولباسه كذا، وكتبوا عدد أصحابه وغلمانه وخدامه ودوابه، وترتيب حاله في حركته وسكونه، وجميع تصرفاته لا يغادرون من ذلك كله شيئاً.
فإذا وصل الوارد مدينة ملتان، وهي قاعدة بلاد السند، أقام بها حتى ينفذ أمر السلطان بقدومه، وما يجري له من الضيافة، وإنما يكرم الإنسان هنالك بقدر ما يظهر من أفعاله وتصرفاته وهمته، إذ لا يعرف هنالك ما حسبه ولا آباؤه.
من عادة ملك الهند السلطان أبي المجاهد محمد شاه إكرام الغرباء ومحبتهم وتخصيصهم بالولايات والمراتب الرفيعة. ومعظم خواصه وحجابه ووزرائه وقضاته وأصهاره غرباء. ونفذ أمره بأن يسمى الغرباء في بلده الأعزة. فصار لهم ذلك اسماً وعلماً. ولا بد لكل قادم على هذا الملك من هدية يهديها إليه، ويقدمها وسيلة بين يديه. فيكافئه السلطان عليها بأضعاف مضاعفة، وسيمر من ذكر هدايا الغرباء إليه كثير. ولما تعود الناس ذلك منه، صار التجار الذين ببلاد السند والهند يعطون لكل قادم على السلطان الآلاف من الدنانير ديناً ويجهزونه بما يريد أن يهديه إليه أو يتصرف فيه لنفسه من الدواب للركوب والجمال والأمتعة ويخدمونهم بأموالهم وأنفسهم، ويقفون بين يديه كالحشم، فإذا وصل إلى السلطان أعطاه العطاء الجزيل، فقضى ديونهم ووفاهم حقوقهم، فنفقت تجارتهم وكثرت أرباحهم. وصار لهم ذلك عادة مستمرة. ولما وصلت إلى بلاد السند، سلكت ذلك المنهج، واشتريت من التجار الخيل والجمال والمماليك وغير ذلك. ولقد اشتريت من تاجر عراقي من أهل تكريت يعرف بمحمد الدوري بمدينة غزنة نحو ثلاثين فرساً وجملاً عليه حمل من النشاب، فإنه مما يهدى إلى السلطان، وذهب التاجر المذكور إلى خراسان ثم عاد إلى الهند، وهنالك تقاضى مني مائة، واستفاد بسببي فائدة عظيمة، وعاد من كبار التجار. ولقيته بمدينة حلب بعد سنين كثيرة. وقد سلبني الكفار ما كان بيدي فلم ألق منه خيراً.
ذكر الكركدن
ولما أجزنا نهر السند المعروف ببنج آب دخلنا غيضة قصب لسلوك الطريق لأنه في وسطها، فخرج علينا الكركدن، وصورته أنه حيوان أسود اللون عظيم الجرم، ورأسه كبير متفاوت الضخامة، ولذلك يضرب به المثل فيقال: الكركدن رأس بلا بدن، وهو دون الفيل ورأسه أكبر من رأس الفيل بأضعاف. وله قرن واحد بين عينيه، طوله نحو ثلاثة أذرع، وعرضه نحو الشبر. ولما خرج علينا عارضه بعض الفرسان في طريقه فضرب الفرس الذي كان تحته بقرنه فأنفذ فخذه وصرعه، وعاد إلى الغيضة فلم نقدر عليه. وقد رأيت الكركدن مرة ثانية في هذا الطريق بعد صلاة العصر، وهو يرعى نبات الأرض. فلما قصدناه هرب منا. ورأيته مرة أخرى ونحن مع ملك الهند، دخلنا غيضة قصب وركب السلطان على الفيل وركبنا معه الفيلة، ودخلت الرجالة والفرسان فأثاروه وقتلوه واستاقوا رأسه إلى المحلة.
وسرنا من نهر السند يومين ووصلنا إلى مدينة جناني " وضبط اسمها بفتح الجيم والنون الأولى وكسر الثانية " مدينة كبيرة على ساحل نهر السند لها أسواق مليحة، وسكانها طائفة يقال لهم السامرة، استوطنوها قديماً واستقر بها أسلافهم حين فتحها على أيام الحجاج بن يوسف، حسبما أثبت المؤرخون في فتح السند. وأخبرني الشيخ الإمام العالم العامل العابد الزاهد ركن الدين أبو الشيخ الفقيه الصالح شمس الدين ابن الشيخ الإمام العابد الزاهد بهاء الدين زكريا القرشي، وهو أحد الثلاثة الذين أخبرني الشيخ الولي الصالح برهان الدين الأعرج بمدينة الإسكندرية أني سألقاهم في رحلتي فلقيتهم والحمد لله، أن جده الأعلى كان يسمى بمحمد بن قاسم القرشي، وشهد فتح السند في العسكر الذي بعثه لذلك الحجاج بن يوسف أيام إماراته على العراق، وأقام بها وتكاثرت ذريته. وهؤلاء الطائفة المعرفون بالسامرة لا يأكلون مع أحد ولا ينظر إليهم أحد حين يأكلون، ولا يصاهرون أحداً من غيرهم، ولا يصاهر إليهم أحد. وكان لهم في هذا العهد أمير يسمى ونار " بضم الواو وفتح النون "، وسنذكر خبره. ثم سافرنا من مدينة جناني إلى أن وصلنا إلى مدينة سيوستان " وضبط اسمها بكسر السين الأول المهمل وياء مد وواو مفتوح وسين مكسور وتاء معلوة وآخره نون " وهي مدينة كبيرة وخارجها صحراء ورمال، لا شجر بها إلا شجر أم غيلان. ولا يزرع على نهرها شيء ما عدا البطيخ. وطعامهم الذرة والجلبان ويسمونه المشنك " بميم وشين معجم مضمومين ونون مسكن "، ومنه يصنعون الخبز، وهي كثيرة السمك والألبان الجاموسية. وأهلها يأكلون السقنقور، وهي دويبة شبيهة بأم حبين التي يسميها المغاربة حنيشة الجنة إلا أنها لا ذنب لها. ورأيتهم يحتفرون الرمل ويستخرجونها منه ويشقون بطنها ويرمون بما فيه ويحشونه بالكركم، وهم يسمونه زردشوبة، ومعناه العود الأصفر، وهو عندهم عوض الزعفران. ولما رأيت تلك الدويبة وهم يأكلونها استقذرتها فلم آكلها. ودخلنا هذه المدينة في احتدام القيظ وحرها الشديد. فكان أصحابي يقعدون عريانين، يجعل أحدهم فوطة على وسطه وفوطة على كتفيه مبلولة بالماء، فما يمضي اليسير من الزمان حتى تيبس تلك الفوطة، فيبلها مرة أخرى. وهكذا أبداً. ولقيت بهذه المدينة خطيبها المعروف بالشيباني، وأراني كتاب أمير المؤمنين الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لجده الأعلى بخطابة هذه المدينة. وهم يتوارثونها من ذلك العهد حتى الآن.
ونص الكتاب:
هذا ما أمر به عبد الله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لفلان وتاريخه سنة تسع وتسعين، وعليه مكتوب بخط أمير المؤمنين لفلان عمر بن عبد العزيز الحمد لله وحده على ما أخبرني الخطيب المذكور. ولقيت بها الشيخ المعمر محمد البغدادي وهو بالزاوية التي على قبر الشيخ الصالح عثمان المرتدي. وذكر أن عمره يزيد على مائة وأربعين سنة، وأنه حضر مقتل المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس رضي الله عنهم لما قتله الكافر هلاون بن تنكيز التتري . وهذا الشيخ على كبر سنه قوي الجثة يتصرف على قدميه.
حكاية
كان يسكن بهذه المدينة الأمير ونار السامري الذي تقدم ذكره، والأمير قيصر الرومي، وهما في خدمة السلطان، ومعهما نحو ألف وثمانمئة فارس. وكان يسكن بها كافر من الهنود اسمه رتن " بفتح الراء وبفتح التاء المعلوة والنون "، وهو من الحذاق بالحساب والكتابة. فوفد على ملك الهند مع بعض الأمراء، فاستحسنه السلطان وسماه عظيم السند، وولاه بتلك البلاد، وأقطعه سيوستان وأعمالها، وأعطاه المراتب، وهي الأطبال والعلامات كما يعطى كبار الأمراء. فلما وصل إلى تلك البلاد عظم على ونار وقيصر وغيرهم تقديم الكافر عليهم، فأجمعوا على قتله. فلما كان بعد أيام من قدومه أشاروا إليه بالخروج إلى أحواز المدينة ليتطلع على أمورها فخرج معهم. فلما جن الليل أقاموا ضجة بالمحلة، وزعموا أن السبع ضرب عليها. وقصدوا ضرب الكافر فقتلوه، وعادوا إلى المدينة فأخذوا ما كان بها من مال السلطان، وذلك اثنا عشر لكاً واللك مائة ألف دينار، وصرف اللك عشرة آلاف دينار من ذهب الهند. وصرف الدينار الهندي ديناران ونصف دينار من ذهب المغرب. وقدموا على أنفسهم ونار المذكور، وسموه ملك فيروز، وقسم الأموال على العسكر. ثم خاف على نفسه لبعده عن قبيلته، فخرج فيمن معه من أقاربه، وقصد قبيلته، وقدم الباقون من العسكر على أنفسهم قيصر الرومي. واتصل خبرهم بعماد الملك سرتيز مملوك السلطان، وهو يومئذ أمير أمراء السند وسكناه بملتان. فجمع العساكر وتجهز في البر وفي نهر السند. وبين ملتان وسيوستان عشرة أيام، وخرج إليه قيصر، فوقع اللقاء وانهزم قيصر ومن معه أشنع هزيمة، وتحصنوا بالمدينة، فحاصرهم ونصب المجانيق عليهم، واشتد عليهم الحصار، فطلبوا الأمان بعد أربعين يوماً من نزوله عليهم فأعطاهم الأمان. فلما نزلوا إليه غدرهم وأخذ أموالهم وأمر بقتلهم. فكان كل يوم يضرب أعناق بعضهم ويوسط البعض ويسلخ آخرين منهم ويملأ جلودهم تبناً ويعلقها على السور. فكانت تلك الجلود مصلوبة، ترعب من ينظر إليها. وجمع رؤوسهم في وسط المدينة، فكانت مثل التل هنالك. ونزلت بتلك المدينة إثر هذه الوقعة بمدرسة فيها كبيرة، وكنت أنام على سطحها فإذا استيقظت من الليل أرى تلك الجلود المصلوبة فتشمئز النفس منها، ولم تطب نفسي بالسكنى بالمدرسة فانتقلت عنها. وكان الفقيه الفاضل العادل علاء الملك الخراساني المعروف بفصيح الدين قاضي هراة في متقدم التاريخ، قد وفد على ملك الهند فولاه مدينة لاهري وأعمالها من بلاد السند، وحضر هذه الحركة مع عماد الملك سرتيز بمن معه من العساكر. فعزمت على السفر معه إلى مدينة لاهري. وكان له خمسة عشر مركباً قدم بها في نهر السند تحمل أثقاله فسافرت.

ذكر السفر في نهر السند وترتيب ذلك
وكان للفقيه علاء الملك في جملة سفنه سفينة تعرف بالأهورة " بفتح الهمزة والهاء وسكون الواو وفتح الراء "، وهي نوع من الطريدة عندنا إلا أنها أوسع منها وأقصر وعلى نصفها مرعش من خشب يصعد له على درج، وفوقه مجلس مهيأ لجلوس الأمير، ويجلس أصحابه بين يديه. ويقف المماليك يمنة ويسرة، والرجال يقذفون وهم نحو أربعين. ويكون مع هذه الأهورة أربعة من السفن عن يمينها ويسارها، اثنان منها فيهما مراتب الأمير، وهي العلامات والطبول والأبواق والأنفار والصرنايات وهي الغيطات، والآخران فيهما أهل الطرب فتضرب الطبول والأبواق نوبة، ويغني المغنون نوبة. ولا يزالون كذلك من أول النهار إلى وقت الظهر. فإذا كان وقت الغداء اجتمعت المراكب، ووصل بعضها ببعض، ووضعت بينهما الإصقالات، وأتى أهل الطرب إلى أهورة الأمير، فيغنون إلى أن يفرغ من أكله، ثم يأكلون وإذا فرغوا من الأكل عادوا إلى سفنهم وشرعوا في المسير على ترتيبهم إلى الليل. فإذا كان الليل ضربت المحلة على شاطئ النهر ونزل الأمير إلى خيامه ومد السماط وحضر الطعام معظم العسكر، فإذا صلوا العشاء الأخيرة سمر السمار بالليل نوباً، فإذا أتم أهل النوبة منهم نوبتهم نادى مناد منهم بصوت عال يا خوند ملك، قد مضى من الليل كذا من الساعات ثم يسمر أهل النوبة الأخرى، فإذا أتموها نادى مناديهم أيضاً معلماً بما مر من الساعات. فإذا كان الصبح ضربت الأبواق والطبول وصليت صلاة الصبح وأتي بالطعام. فإذا فرغ الأكل، أخذوا في المسير. فإن أراد الأمير ركوب النهر ركب على ما ذكرناه من الترتيب، وإن أراد المسير في البر ضربت الأطبال والأبواق، وتقدم حجابه، ثم تلاهم المشاؤون بين يديه، ويكون بين أيدي الحجاب ستة من الفرسان، عند ثلاثة منهم أطبال قد تقلدوها وعند ثلاثة صرنايات. فإذا أقبلوا على قرية أو ما هو من الأرض مرتفع ضربوا تلك الأطبال والصرنايات. ثم تدق أطبال العسكر وأبواقه، ويكون عن يمين الحجاب ويسارهم المغنون يغنون نوباً، فإذا كان وقت الغداء نزلوا.
وسافرت مع علاء الملك خمسة أيام، ووصلنا إلى موضع ولايته، وهو مدينة لاهري " وضبط اسمها بفتح الهاء وكسر الراء " مدينة حسنة على ساحل البحر الكبير، وبها يصب نهر السند في البحر، فيلتقي بها بحران، ولها مرسى عظيم، يأتي إليه أهل اليمن وأهل فارس وغيره. بذلك عظمت جباياتها وكثرت أموالها. أخبرني الأمير علاء الملك المذكور أن مجبي هذه المدينة ستون لكاً في السنة، وقد ذكرنا مقدار اللك، وللأمير من ذلك نم " نيم " ده يك، ومعناه نصف العشر. وعلى ذلك يعطي السلطان البلاد لعماله يأخذون منها لأنفسهم نصف العشر.
ذكر غريبة رأيتها بخارج هذه المدينة
وركبت يوماً مع علاء الملك فانتهينا إلى بسيط من الأرض على مسافة سبعة أميال منها يعرف بتارنا، فرأيت هنالك ما لا يحصره العد من الحجارة على مثل صور الآدميين والبهائم، وقد تغير كثير منها ودثرت أشكاله، فيبقى منه صورة رأس أو رجل أو سواهما. ومن الحجارة أيضاً على صورة الحبوب من البر والحمص والفول والعدس، وهنالك آثار سور وجدران دور، ثم رأينا رسم دار فيها بيت من حجارة منحوتة وفي وسطه دكانة حجارة منحوتة كأنها حجر واحد عليها صورة آدمي، إلا أن رأسه طويل وفمه في جانب من وجهه، ويداه خلف ظهره كالمكتوف. وهنالك مياه شديدة النتن، وكتابة على بعض الجدران بالهندي. وأخبرني علاء الملك أن أهل التاريخ يزعمون أن هذا الموضع كانت فيه مدينة عظيمة أكثر أهلها الفساد فمسخوا حجارة، وأن ملكهم هو الذي على الدكانة في الدار التي ذكرناها، وهي الآن تسمى دار الملك، وأن الكتابة التي في بعض الحيطان بالهندي هي تاريخ هلاك أهل تلك المدينة وكان ذلك منذ ألف سنة أو نحوها. وأقمت بهذه المدينة مع علاء الملك خمسة أيام، ثم أحسن في الزاد وانصرفت عنه إلى مدينة بكار " بفتح الباء الموحدة "، وهي مدينة حسنة يشقها خليج من نهر السند. وفي وسط ذلك الخليج زاوية حسنة فيها الطعام للوارد والصادر. عمرها كشلوخان أيام ولايته على بلاد السند، وسيقع ذكره. ولقيت بهذه المدينة الفقيه الإمام صدر الدين الحنفي، ولقيت بها قاضيها المسمى بأبي حنيفة، ولقيت بها الشيخ العابد الزاهد شمس الدين محمد الشيرازي، وهو من المعمرين، ذكر لي أن سنه يزيد على مائة وعشرين عاماً. ثم سافرت من مدينة بكار فوصلت إلى مدينة أوجه " وضبط اسمها بضم الهمزة وفتح الجيم " وهي مدينة كبيرة على نهر السند، لها أسواق حسنة وعمارة جيدة. وكان الأمير بها إذ ذاك الملك الفاضل الشريف جلال الدين الكيجي أحد الشجعان الكرماء، وبهذه المدينة توفي بعد سقطة سقطها عن فرسه.
مكرمة لهذا الملك
ونشأت بيني وبين هذا الملك الشريف جلال الدين مودة، وتأكدت بيننا الصحبة والمحبة، واجتمعنا بحضرة دهلي. فلما سافر السلطان إلى دولة أباد، كما سنذكره، وأمرني بالإقامة بالحضرة، قال لي جلال الدين: إنك تحتاج إلى نفقة كبيرة، والسلطان تطول غيبته، فخذ قريتي واستغلها حتى أعود، ففعلت ذلك. واستغللت منها نحو خمسة آلاف دينار، جزاه الله أحسن الجزاء.
ولقيت بمدينة أوجه الشيخ العابد الزاهد الشريف قطب الدين حيدر العلوي، وألبسني الخرقة، وهو من كبار الصالحين. ولم يزل الثوب الذي ألبسنيه معي، إلى أن سلبني كفار الهنود في البحر. ثم سافرت من أوجه إلى مدينة ملتان " وضبط اسمها بضم الميم وتاء معلوة "، وهي قاعدة بلاد السند، ومسكن أمير أمرائه. وفي الطريق إليها على مسافة عشرة أميال الوادي المعروف بخسرو أباد، وهو من الأودية الكبار، لا يجاز إلا بالمراكب. وبه يبحث عن أمتعة المجتازين أشد البحث وتفتش رحالهم. وكانت عادتهم حين وصلنا إليها أن يأخذوا الربع من كل ما يجلبه التجار، ويأخذوا على كل فرس سبعة دنانير مغرماً.
ثم بعد وصولنا إلى الهند بسنتين رفع السلطان تلك المغارم، وأمر أن لا يؤخذ من الناس إلا الزكاة والعشر، لما بايع للخليفة أبي العباس العباسي. ولما أخذنا في إجازة هذا الوادي وفتشت الرحال، عظم علي تفتيش رحلي، لأنه لم يكن فيه طائل، وكان يظهر في أعين الناس كبيراً، فكنت أكره أن يطلع عليه. ومن لطف الله تعالى أن وصل أحد كبار الأجناد من جهة قطب الملك صاحب ملتان، فأمر أن لا يعرض لي ببحث ولا تفتيش، فكان كذلك. فحمدت الله على ما هيأه لي من لطائفه. وبتنا تلك الليلة على شاطئ الوادي، وقدم علينا في صبيحتها ملك البريد واسمه دهقان، وهو سمرقندي الأصل، وهو الذي يكتب للسلطان بأخبار تلك المدينة وعمالتها وما يحدث بها ومن يصل، فتعرفت به ودخلت بصحبته إلى أمير ملتان.
ذكر أمير ملتان وترتيب حاله
وأمير ملتان هو قطب الملك من كبار الأمراء وفضلائهم. لما دخلت قام إلي وصافحني وأجلسني إلى جانبه. وأهديت له مملوكاً وفرساً وشيئاً من الزبيب واللوز، وهو من أعظم ما يهدى إليهم، لأنه ليس ببلادهم، وإنما يجلب من خراسان. وكان جلوس هذا الأمير على دكانة كبيرة عليها البسط، وعلى مقربة منه القاضي، ويسمى سالارو، والخطيب ولا أذكر اسمه، وعن يمينه ويساره امراء الأجناد، وأهل السلاح وقوف على رأسه، والعساكر تعرض بين يديه. وهناك قسي كثيرة. فإذا أتى من يريد أن يثبت في العسكر رامياً أعطي قوساً من تلك القسي ينزع فيها، وهي متفاوتة في الشدة. فعلى قدر نزعه يكون مرتبه. ومن أراد أن يثبت فارساً، فهنالك طبلة منصوبة، فيجري فرسه ويرميها برمحه. وهناك أيضاً خاتم معلق في حائط صغير، فيجري فرسه حتى يحاذيه. فإن رفعه برمحه فهو الجيد عندهم، ومن أراد أن يثبت رامياً فارساً فهنالك كرة موضوعة في الأرض، فيجري فرسه ويرميها، وعلى قدر ما يظهر من الإنسان في ذلك من الإصابة يكون مرتبه. ولما دخلنا على هذا الأمير وسلمنا عليه، كما ذكرناه، أمر بإنزالنا في دار خارج المدينة، هي لأصحاب الشيخ العابد ركن الدين الذي تقدم ذكره، وعادتهم أن لا يضيفوا أحداً حتى يأتي أمر السلطان.
ذكر من اجتمعت به في هذه المدينة
من الغرباء الوافدين على حضرة ملك الهند
فمنهم خداوند زاده قوام الدين قاضي ترمذ، قدم بأهله وولده، ثم ورد عليه بها إخوته عماد الدين وضياء الدين وبرهان الدين، ومنهم مبارك شاه أحد كبار سمرقند، ومنهم أرن بغا أحد كبار بخارى، ومنهم ملك زاده ابن أخت خداوند زاده، ومنهم بدر الدين الفصال، وكل واحد من هؤلاء معه أصحابه وخدامه وأتباعه، ولما مضى من وصولنا إلى ملتان شهران، وصل أحد حجاب السلطان، وهو شمس الدين البوشنجي، والملك محمد الهروي الكتوال، بعثهما السلطان لاستقبال خداوند زاده. وقدم معهم ثلاثة من الفتيان بعثتهم المخدومة جهان أم السلطان لاستقبال زوجة خداونده زاده المذكور. وأتوا بالخلع لهما ولأولادهما، ولتجهيز من قدم من الوفود، وأتوا جميعاً إلي، وسألوني لماذا قدمت، فأخبرتهم أني قدمت للإقامة في خدمة خوند عالم، وهو السلطان، وبهذا يدعى في بلاده. وكان أمر أن لا يترك أحد ممن يأتي من خراسان يدخل بلاد الهند، إلا إن كان برسم الإقامة. فلما أعلمتهم أني قدمت للإقامة، استدعوا القاضي والعدول، وكتبوا عقداً علي وعلى من أراد الإقامة من أصحابي. وأبى بعضهم من ذلك وتجهزنا للسفر إلى الحضرة.
وبين ملتان وبينها مسيرة أربعين يوماً في عمارة متصلة. وأخرج الحاجب وصاحبه الذي بعث معه ما يحتاج إليه في ضيافة قوام الدين، واستصحبوا من ملتان نحو عشرين طباخاً. وكان الحاجب يتقدم ليلاً إلى كل منزل، فيجهز الطعام وسواه، فما يصل خداوند زاده حتى يكون الطعام متيسراً. وينزل كل واحد ممن ذكرناهم من الوفود على حدة، بمضاربه، وأصحابه. وربما حضروا الطعام الذي يصنع لخداوند زاده. ولم أحضره أنا إلا مرة واحدة. وترتيب ذلك الطعام أنهم يجعلون الخبز، وخبزهم الرقاق وهو شبه الجراديق، ويقطعون اللحم المشوي قطعاً كبيرة، بحيث تكون الشاة أربع قطع أو ستاً، ويجعلون أمام كل رجل قطعة. ويجعلون أقراصاً مصنوعة بالسمن تشبه الخبز المشترك ببلادنا، ويجعلون في وسطها الحلواء الصابونية، ويغطون كل قرص منها برغيف حلواء يسمونه الخشتي، ومعناه الآجري، مصنوع من الدقيق والسكر والسمن. ثم يجعلون اللحم المطبوخ بالسمن والبصل والزنجبيل الأخضر في صحاف صينية ثم يجعلون شيئاً يسمونه سموسك، وهو لحم مهروس مطبوخ باللوز والجوز والفستق والبصل والأبازير، موضوعة في جوف رقاقة مقلوة بالسمن. يضعون أمام كل إنسان خمس قطع من ذلك أو أربعاً، ثم يجعلون المطبوخ بالسمن عليه الدجاج، ثم يجعلون لقيمات القاضي ويسمونه الهاشمي، ثم يجعلون القاهرية. ويقف الحاجب على السماط قبل الأكل، ويخدم إلى الجهة التي فيها السلطان، ويخدم جميع من حضر لخدمته. والخدمة عندهم حط الرأس نحو الركوع، فإذا فعلوا ذلك جلسوا للأكل. ويوتى بأقداح الذهب والفضة والزجاج مملوءة بماء النبات وهو الجلاب محلولاً في الماء، ويسمون ذلك الشربة، ويشربونه قبل الطعام. ثم يقول الحاجب: بسم الله: فعند ذلك يشرعون في الأكل. فإذا أكلوا أتوا بأكواز الفقاع فإذا شربوه، أتوا بالتنبول والفوفل: وقد تقدم ذكرهما، فإذا أخذوا التنبول والفوفل قال الحاجب: بسم الله. فيقومون ويخدمون مثل خدمتهم أولاً، وينصرفون.
ثم سافرنا من مدينة ملتان، وهم يجرون هذا الترتيب على ما سطرناه، إلى أن وصلنا إلى بلاد الهند. وكان أول بلد دخلناه مدينة أبوهر " بفتح الهاء "، وهي أول تلك البلاد الهندية، صغيرة حسنة كثيرة العمارة، ذات أنهار وأشجار. وليس هنالك من أشجار بلادنا شيء. ما عدا النبق، لكنه عندهم عظيم الجرم، تكون الحبة منه بمقدار حبة العفص، شديد الحلاوة. ولهم أشجار كثيرة، ليس يوجد منها شيء ببلادنا ولا بسواها.
ذكر أشجار بلاد الهند وفواكهها
فمنها العنبة " بفتح العين وسكون النون وفتح الباء الموحدة "، وهي شجرة تشبه أشجار النارنج، إلا أنها أعظم أجراماً وأكثر أوراقاً وظلها أكثر الظلال، غير أنه ثقيل فمن نام تحته وعك. وثمرها على قدر الإجاص الكبير. فإذا كان أخضر قبل تمام نضجه أخذوا ما سقط منه، وجعلوا عليه الملح ، وصيروه كما يصير الليم والليمون ببلادنا. وكذلك يصيرون أيضاً الزنجبيل الأخضر وعناقيد الفلفل. ويأكلون ذلك مع الطعام، يأخذون بأثر كل لقمة يسيراً من هذه المملوحات فإذا نضجت العنبة في أوان الخريف، اصفرت جباتها فأكلوها كالتفاح. فالبعض يقطعها بالسكين، والآخر يمصها مصاً. وهي حلوة يمازج حلاوتها يسير حموضة. ولها نواة كبيرة يزرعونها فتنبت منها الأشجار، كما تزرع نوى النارنج وغيرها. والشكي والبركي " بفتح الشين المعجم وكسر الكاف، وفتح الباء الموحدة وكسر الكاف ". وهي أشجار عادية، أوراقها كأوراق الجوز، وثمرها يخرج من أصل الشجر، فما اتصل منه بالأرض فهو البركي، وحلاوته أشد وطعمه أطيب، وما كان فوق ذلك فهو الشكي وثمره يشبه القرع الكبار، وجلوده تشبه جلود البقر، فإذا اصفر في أوان الخريف قطعوه وشقوه. فيكون في داخل كل حبة المائة والمائتان. فما بين ذلك من حبات تشبه الخيار، بين كل حبة وحبة صفاق أصفر اللون، ولكل حبة نواة تشبه الفول الكبير، وإذا شويت هذه النواة أو طبخت يكون طعمها كطعم الفول، إذ ليس يوجد هنالك. ويدخرون هذه النوى في التراب الأحمر فتبقى إلى سنة أخرى. وهذا الشكي والبركي هو خير فاكهة ببلاد الهند. والتندو " بفتح التاء المثناة وسكون النون وضم الدال " وهو ثمر شجر الأبنوس، وحباته قدر حبات المشمش، ولونها، وهو شديد الحلاوة، والجوز " بضم الجيم المعقودة " وأشجار. عادية ويشبه ثمرة الزيتون، وهو أسود اللون، ونواه واحدة كالزيتون، والنارنج الحلو، وهو وعندهم كثير. وأما النارنج الحامض فعزيز الوجود. ومنه صنف ثالث يكون بين الحلو والحامض، وثمره على قدر الليم وهو طيب جداً، وكنت يعجبني أكله، ومنها المهوا " وبفتح الميم والواو " وأشجار عادية وأوراقه كأوراق الجوز، إلا أن فيها حمرة وصفرة، وثمره مثل الأجاص الصغير شديد الحلاوة. وفي أعلى كل حبة منه حبة صغيرة بمقدار حبة العنب مجوفة وطعمها كالعنب.
إلا أن الإكثار من أكلها يحدث في الرأس صداعاً، ومن العجب أن هذه الحبوب إذا يبست في الشمس كان طعمها كطعم التين، وكنت آكلها عوضاً عن التين إذ لا يوجد ببلاد الهند. وهم يسمون هذه الحبة الأنكور " بفتح الهمزة وسكون النون وضم الكاف المعقودة والواو والراء "، وتفسيره بلسانهم العنب. والعنب بأرض الهند عزيز جداً، ولا يكون بها إلا في موضع بحضرة دهلي، وببلاد أخرى، ويثمر مرتين في السنة. ونوى هذا الثمر يصنعون منه الزيت، ويستصبحون به. ومن فواكههم فاكهة يسمونها كسيرا " بفتح الكاف وكسر السين المهمل وياء مد وراء " يحفرون عليها الأرض، وهي شديدة الحلاوة تشبه القسطل. وببلاد الهند من فواكه بلادنا الرمان، ويثمر مرتين في السنة. ورأيته ببلاد جزائر ذيبة المهل لا ينقطع له ثمر، وهم يسمونه أنار " بفتح الهمزة والنون "، وأظن ذلك هو الأصل في تسمية الجلنار، فإن جل بالفارسية الزهر، ونار الرمان.
ذكر الحبوب التي يزرعها أهل الهند ويقتاتون بها
وأهل الهند يزرعون مرتين في السنة. فإذا نزل المطر عندهم في أوان القيظ زرعوا الزرع الخريفي، وحصدوه بعد ستين يوماً من زراعته. ومن هذه الحبوب الخريفية عندهم الكذرو " بضم الكاف وسكون الذال المعجم وضم الراء وبعدها واو "، وهو نوع من الدخن. وهذا الكذور هو أكثر الحبوب عندهم. ومنها القال " بالقاف " وهو أشبه أنلي، ومنها الشاماخ " بالشين والخاء المعجمتين " وهو أصغر حباً من القال. وربما نبت هذا الشاماخ من غير زراعة، وهو طعام الصالحين وأهل الورع والفقراء والمساكين. يخرجون لجمع ما نبت منه من غير زراعة، فيمسك أحدهم قفة كبيرة بيساره، وتكون بيمناه مقرعة يضرب بها الزرع فيسقط في القفة، فيجمعون منه ما يقتاتون به جميع السنة. وحب هذا الشاماخ صغير جداً، وإذا جمع جعل في الشمس، ثم يدق في مهارس الخشب. فيطير قشره. ويبقى لبه أبيض، ويصنعون منه عصيدة يطبخونها بحليب الجواميس، وهي أطيب من خبزه. وكنت آكلها كثيراً ببلاد الهند وتعجبني. ومنها الماش، وهو نوع من الجلبان، ومنها المنج " بميم مضموم ونون وجيم "، وهو نوع من الماش، إلا أن حبوبه مستطيلة ولونه صافي الخضرة، ويطبخون المنج مع الأرز ويأكلونه بالسمن ويسمونه كشرى " بالكاف والشين المعجم والراء "، وعليه يفطرون في كل يوم. وهو عندهم كالحريرة ببلاد المغرب. ومنها اللوبيا وهي نوع من الفول، ومنها الموث " بضم الميم " وهو مثل الكذرو، إلا أن حبوبه أصغر، وهو من علف الدواب عندهم، وتسمن الدواب بأكله، والشعير عندهم لا قوة له، وإنما علف الدواب من هذا الموت، أو الحمص ويجرشونه ويبلونه بالماء ويطعمونه الدواب، ويطعمونها عوضاً من القصيل أوراق الماش، بعد أن تسقى الدابة السمن عشرة أيام، في كل يوم مقدار ثلاثة أرطال أو أربعة، ولا تركب في تلك الأيام. وبعد ذلك يطعمونها أوراق الماش كما ذكرنا شهراً أو نحوه وهذه الحبوب التي ذكرناها هي الخريفية وإذا حصدوها بعد ستين يوماً من زراعتها ازدرعوا الحبوب الربيعية، وهي القمح والشعير والحمص والعدس. وتكون زراعتها في الأرض التي كانت الحبوب الخريفية مزدرعة فيها. وبلادهم كريمة طيبة التربة. وأما الأرز فانهم يزرعونه ثلاث مرات في السنة، وهو من أكبر الحبوب عندهم. ويزدرعون السمسم وقصب السكر مع الحبوب الخريفية التي تقدم ذكرها.
" ولنعد إلى ما كنا بسبيله فأقول " سافرنا من مدينة أبوهر، في صحراء مسيرة يوم، في أطرافها جبال منيعة يسكنها كفار الهنود، وربما قطعوا الطريق. وأهل بلاد الهند أكثرهم كفار. فمنهم رعية تحت ذمة المسلمين، يسكنون القرى، ويكون عليهم حاكم من المسلمين يقدمه العامل أو الخديم الذي تكون القرية في إقطاعه، ومنهم عصاة محاربون يمتنعون بالجبال ويقطعون الطريق.
ذكر غزوة لنا بهذا الطريق
وهي أول غزوة شهدتها ببلاد الهند
ولما أردنا السفر من مدينة أبوهر، خرج الناس منها أول النهار، وأقمت بها إلى نصف النهار في لمة من أصحابي، ثم خرجنا، ونحن اثنان وعشرون فارساً. منهم عرب ومنهم أعاجم، فخرج علينا في تلك الصحراء ثمانون رجلاً من الكفار وفارسان. وكان أصحابي ذوي نجدة وعتي، فقاتلناهم أشد القتال، فقتلنا أحد الفارسين منهم وغنمنا فرسه، من رجالهم نحو اثني عشر رجلاً وأصابتني نشابة، وأصابت فرسي نشابة ثانية ومن الله بالسلامة منها، لأن نشابهم لا قوة لها، وجرح لأحد أصحابنا فرس عوضناه له بفرس الكافر، وذبحنا فرسه المجروح، فأكله الترك من أصحابنا. وأوصلنا تلك الرؤوس إلى حصن أبي بكهر فعلقناها على سوره. وكان وصولنا في نصف الليل إلى حصن أبي بكهر المذكور " وضبط اسمه بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف وفتح الهاء وآخره راء ". وسافرنا منه فوصلنا بعد يومين إلى مدينة أجودهن " وضبط اسمها بفتح الهمزة وضم الجيم وفتح الدال المهمل والهاء وآخره نون "، مدينة صغيرة هي للشيخ الصالح فريد الدين البذاوني الذي أخبرني الشيخ الصالح الولي برهان الدين الأعرج بالإسكندرية أني سألقاه، فلقيته والحمد لله، وهو شيخ ملك الهند، وأنعم عليه بهذه المدينة. وهذا الشيخ مبتلى بالوسواس والعياذ بالله، فلا يصافح أحداً ولا يدنو منه، وإذا ألصق ثوبه بثوب أحد غسل ثوبه. دخلت زاويته ولقيته وأبلغته سلام الشيخ برهان الدين، فعجب وقال: أنا دون ذلك. ولقيت ولديه الفاضلين معز الدين، وهو أكبرهما ولما مات أبوه تولى الشياخة بعده، وعلم علم الدين. وزرت قبر جده القطب الصالح فريد الدين البذاوني، منسوبة إلى مدينة " بذاون " بلد السنبل. " وهي بفتح الباء الموحدة والذال المعجم وضم الواو وآخرها نون " ولما أردت الانصراف عن هذه المدينة، قال لي علم الدين: لا بد لك من رؤية والدي فرأيته وهو في أعلى سطح له، وعليه ثياب بيض وعمامة كبيرة لها ذؤابة وهي مائلة إلى جانب. ودعا لي وبعث إلي بسكر ونبات.

ذكر أهل الهند الذين يحرقون أنفسهم بالنار
ولما انصرفت عن هذا الشيخ، رأيت الناس يهرعون من عسكرنا، ومعهم بعض أصحابنا. فسألته ما الخبر، فأخبروني أن كافراً من الهنود مات، وأججت النار لحرقه، وامرأته تحرق نفسها معه. ولما احترقا جاء أصحابي وأخبروا أنها عانقت الميت حتى احترقت معه. وبعد ذلك كنت في تلك البلاد أرى المرأة من كفار الهنود متزينة راكبة، والناس يتبعونها من مسلم وكافر، والأطبال والأبواق بين يديها، ومعها البراهمة، وهم كبراء الهنود. وإذا كان ذلك ببلاد السلطان استأذنوا السلطان في إحراقها فيؤذن لهم فيحرقونها. ثم اتفق بعد مدة أني كنت بمدينة أكثر سكانها الكفار تعرف بأبجري ، وأميرها مسلم من سامرة السند، وعلى مقربة منها الكفار العصاة، فقطعوا الطريق يوماً، وخرج الأمير المسلم لقتالهم، وخرجت معه رعية من المسلمين والكفار، ووقع بينهم قتال شديد، مات فيه من رعية الكفار سبعة نفر - وكان لثلاثة منهم ثلاث زوجات، فاتفقن على إحراق أنفسهن. وإحراق المرأة بعد زوجها عندهم أمر مندوب إليه غير واجب لكن من أحقرت نفسها بعد زوجها أحرز أهل بيتها شرفاً بذلك، ونسبوا إلى الوفاء، ومن لم تحرق نفسها، لبست خشن الثياب، وأقامت عند أهلها بائسة ممتهنة لعدم وفائها. ولكنها لا تكره على إحراق نفسها. ولما تعاهدت النسوة الثلاث اللائي ذكرناهن على إحراق أنفسهن، أقمن قبل ذلك ثلاثة أيام في غناء وطرب وأكل وشرب، كأنهن يودعن الدنيا. ويأتي إليهن النساء من كل جهة. وفي صبيحة اليوم الرابع أتيت كل واحدة منهن بفرس فركبته، وهي متزينة متعطرة، وفي يمناها جوزة نارجيل تلعب بها، وفي يسراها مرآة تنظر فيها وجهها، والبراهمة يحفون بها، وأقاربها معها، وبين يديها الأطبال والأبواق والأنفار. وكل إنسان من الكفار يقول لها: أبلغي السلام إلى أبي أو أخي أو أمي أو صاحبي، وهي تقول: نعم، وتضحك إليهم. وركبت مع أصحابي لأرى كيفية صنعهن في الاحتراق. فسرنا معهن نحو ثلاثة أميال، وانتهينا إلى موضع مظلم كثير المياه والأشجار متكاثف الظلال، وبين أشجاره أربع قباب، في كل قبة صنم من الحجارة. وبين القباب صهريج ماء قد تكاثفت عليه الظلال، وتزاحمت الأشجار فلا تتخللها الشمس. فكان ذلك الموضع بقعة من بقع جهنم، أعاذنا الله منها. ولما وصلن إلى تلك القباب، نزلن إلى الصهريج، وانغمسن فيه، وجردن ما عليهن من ثياب وحلي، فتصدقن به. وأتيت كل واحدة منهن بثوب قطن خشن غير مخيط، فربط بعضه على وسطها، وبعضه على رأسها وكتفيها. والنيران قد أضرمت على قرب من ذلك الصهريج، في موضع منخفض، وصب عليها روغن كنجت " كنجد "، وهو زيت الجلجلاان فزاد في اشتعالها. وهنالك نحو خمسة عشر رجلاً بأيديهم حزم من الحطب الرقيق، ومعهم نحو عشرة بأيديهم خشب كبار، وأهل الأطبال والأبواق وقوف ينتظرون مجيء المرأة، وقد حجبت النار بملحفة، يمسكها الرجال بأيديهم لئلا يدهشها النظر إليها. فرأيت إحداهن لما وصلت إلى تلك الملحفة، نزعتها من أيدي الرجال بعنف وقالت لهم: مارا ميترساني ازاطش " آنش " من ميدانم أواطاش است رهكاني مارا؛ وهي تضحك، ومعنى هذا الكلام أبالنار تخوفونني ? أنا أعلم أنها نار محرقة. ثم جمعت يديها على رأسها خدمة للنار، ورمت بنفسها فيها. وعند ذلك ضربت الأطبال والأنفار والأبواق، ورمى الرجال ما بأيديهم من الحطب عليها، وجعل الآخرون تلك الخشب من فوقها لئلا تتحرك، وارتفعت الأصوات وكثر الضجيج. ولما رأيت ذلك كدت أسقط عن فرسي لولا أصحابي تداركوني بالماء. فغسلوا وجهي وانصرفت. وكذلك يفعل أهل الهند أيضاً في الغرق. يغرق كثير منهم أنفسهم في نهر الكنك، وهو الذي إليه يحجون. وفيه يرمى برماد هؤلاء المحرقين. وهم يقولون: إنه من الجنة. وإذا أتى أحدهم ليغرق نفسه يقول لمن حضره " لا تظنوا أني أغرق نفسي لأجل شيء من أمور الدنيا أو لقلة مال، إنما قصدي التقرب إلى كساي، وكساي " بضم الكاف والسين المهمل " اسم الله عز وجل بلسانهم، ثم يغرق نفسه. فإذا مات أخرجوه وأحرقوه ورموا برماده في البحر المذكور.
ولنعد إلى كلامنا الأول، فنقول: سافرنا من مدينة أجودهن فوصلنا بعد مسيرة أربعة أيام منها إلى مدينة سرستي " وضبط اسمها بسينين مفتوحين بينهما راء ساكنة ثم تاء مثناة مكسورة وياء " مدينة كبيرة كثيرة الأرز، وأرزها طيب ومنها يحمل إلى حضرة دهلي، ولها مجبى كثير جداً. أخبرني الحاجب شمس الدين البوشنجي بمقداره ونسيته. ثم سافرنا منها إلى مدينة حانسي " وضبط اسمها بفتح الحاء المهملة وألف ونون ساكن وسين مهمل مكسور وياء " وهي من أحسن المدن وأتقنها وأكثرها عمارة، ولها سور عظيم ذكروا أن بانيه رجل من كبار سلاطين الكفار يسمى تورة " بضم التاء المعلوة وفتح الراء ". وله عندهم حكايات وأخبار. من هذه المدينة كمال الدين صدر الجهان قاضي قضاة الهند، وأخوه قطلوخان معلم السلطان، وأخواهما نظام الدين وشمس الدين الذي انقطع إلى الله وجاور بمكة حتى مات. ثم سافرنا من حانسي فوصلنا بعد يومين إلى مسعود أباد. وهي على عشرة أميال من حضرة دهلي، وأقمنا بها ثلاثة أيام، وحانسي ومسعود أباد هما للملك المعظم هوشنج " بضم الهاء وفتح الشين المعجم وسكون النون وبعدها جيم " ابن الملك كمال كرك، وكرك " بكافين معقودين أولاهما مضمومة " ومعناه الذئب، وسيأتي ذكره. وكان سلطان الهند الذي قصدنا حضرته غائباً عنها بناحية مدينة قتوج، وبينها وبين حضرة دهلي عشرة أيام، وكانت بالحضرة والدته وتدعى المخدومة جهان، وجهان اسم الدنيا. وكان بها أيضاً وزيره خواجه جهان المسمى بأحمد بن إياس، الرومي الأصل. فبعث الوزير إلينا أصحابه ليتلقونا، وعين للقاء كل واحد منا من كان من صنفه. فكان من الذين عينهم للقائي الشيخ البسطامي، والشريف المازندراني وهو حاجب الغرباء، والفقيه علاء الدين الملتاني المعروف بقنرة " بضم القاف وفتح النون وتشديدها " وكتب إلى السلطان بخبرنا، وبعث الكتاب مع الدواة، وهي بريد الرجالة، حسبما ذكرناه، فوصل إلى السلطان، وأتاه الجواب في تلك الأيام الثلاثة التي أقمناها بمسعود أباد، وبعد تلك الأيام خرج إلى لقائنا القضاة والفقهاء والمشايخ وبعض الأمراء، وهم يسمون الأمراء ملوكاً. فحيث يقول أهل ديار مصر وغيرها الأمير يقولن هم الملك. وخرج إلى لقائنا الشيخ ظهير الدين الزنجاني، وهو كبير المنزلة عند السلطان. ثم رحلنا من مسعود أباد فنزلنا بمقربة من قرية تسمى بالم " بفتح الباء المعقودة وفتح اللام " وهي للسيد الشريف ناصر الدين مطهر الأوهري، أحد ندماء السلطان، وممن له عنده الحظوة التامة. وفي غد ذلك اليوم وصلنا إلى حاضرة دهلي قاعدة بلاد الهند "وضبط اسمها بكسر الدال المهمل وسكون الهاء وكسر اللام"، وهي المدينة العظيمة الشأن الضخمة الجامعة بين الحسن والحصانة، وعليها السور الذي لا يعلم له في بلاد الدنيا نظير، وهي أعظم مدن الهند بل مدن الإسلام كلها بالمشرق.
ذكر وصف دهلي
ومدينة دهلي كبيرة الساحة كثيرة العمارة، وهي الآن أربع مدن متجاورات متصلات، إحداها المسماة بهذا الاسم دهلي، وهي القديمة من بناء الكفار. وكان افتتاحها سنة أربع وثمانين وخمسمائة، والثانية تسمى سيري " بكسر السين المهمل والراء بينهما ياء مد "، وتسمى أيضاً دار الخلافة، وهي التي أعطاها السلطان لغياث الدين حفيد الخليفة المستنصر العباسي لم قدم عليه، وبها كان سكنى السلطان علاء الدين وابنه قطب الدين، وسنذكرهما، والثالثة تسمى تغلق أباد باسم بانيها السلطان تغلق والد سلطان الهند الذي قدمنا عليه. وكان سبب بنائه لها أنه وقف يوماً بين يدي السلطان قطب الدين، فقال له: يا خوند عالم، كان ينبغي أن تبني هنا مدينة. فقال له السلطان متهكماً: إذا كنت سلطاناً فابنها. فكان من قدر الله أن كان سلطاناً فبناها، وسماها باسمه. والرابعة تسمى جهان بناه، وهي مختصة بسكنى السلطان محمد شاه ملك الهند الآن الذي قدمنا عليه. وهو الذي بناها. وكان أراد أن يضم هذه المدن الأربع تحت سور واحد فبنى منه بعضاً وترك بناء باقيه، لعظم ما يلزم في بنائه.
ذكر سور دهلي وأبوابها
والسور المحيط بمدينة دهلي لا يوجد له نظير. عرض حائطه أحد عشر ذراعاً. وفيه بيوت يسكنها السمار وحفاظ الأبواب. وفيها مخازن للطعام ويسمونها الأنبارات، ومخازن للعدد، ومخازن للمجانيق، والرعادات ويبقى الزرع بها مدة طائلة لا يتغير، ولا تطرقه آفة. ولقد شاهدت الأرز يخرج من بعض تلك المخازن ولونه قد اسود، ولكن طعمه طيب. ورأيت أيضاً الكذرو يخرج منها. وكل ذلك من اختزان السلطان بلبن منذ تسعين سنة. ويمشي في داخل السور الفرسان والرجال من أول المدينة إلى آخرها. وفيه طيقان مفتحة إلى جهة المدينة يدخل منها الضوء وأسفل هذا السور مبني بالحجارة، وأعلاه بالآجر، وأبراجه كثيرة متقاربة. ولهذه المدينة ثمانية وعشرون باباً، وهم يسمون الباب دروازة. فمنها دروازة بذاون، وهي الكبرى، ودروازة المندوي، وبها رحبة الزرع، ودروازة جل " بضم الجيم " وهي موضع البساتين، ودروازة شاه: اسم رجل، ودروازة بالم: اسم قرية قد ذكرناها، ودروازة نجيب: اسم رجل، ودروازة كمال كذلك، ودروازة غزنة، نسبة إلى مدينة غزنة التي في طرف خراسان، وبخارجها مصلى العيد وبعض المقابر، ودروازة البجالصة " بفتح الباء والجيم والصاد المهمل "، وبخارج هذه الدروازة مقابر دهلي، وهي مقبرة حسنة يبنون بها القباب. ولا بد عند كل قبر من محراب، وإن كان لا قبة له، ويزرعون بها الأشجار المزهرة مثل قل كل شنبو وريبول راي بيل والنسرين وسواها. والأزاهير هنالك لا تنقطع في فصل من الفصول.
ذكر الحوضين العظيمين بخارجها
وبخارج دهلي الحوض العظيم المنسوب إلى السلطان شمس الدين للمش، ومنه يشرب أهل المدينة، وهو بالقرب من مصلاها. وماؤها يجتمع من ماء المطر. وطوله نحو ميلين وعرضه على النصف من طوله. والجهة الغربية من ناحية المصلى مبنية بالحجارة مصنوعة أمثال الدكاكين، بعضها أعلى من بعض، وتحت كل دكان درج ينزل عليها إلى الماء، وبجانب كل دكان قبة حجارة فيها مجالس للمتنزهين والمتفرجين. وفي وسط الحوض قبة عظيمة من الحجارة المنقوشة مجعولة طبقتين. فإذا كثر الماء في الحوض، ولم يكن سبيل إليها إلا في القوارب، فإذا قل الماء دخل إليها الناس، وداخلها مسجد. وفي أكثر الأوقات يقيم بها الفقراء المنقطعون إلى الله المتوكلون عليه، وإذا جف الماء في جوانب هذا الحوض زرع فيها قصب السكر والخيار والقثاء والبطيخ الأخضر والأصفر وهو شديد الحلاوة صغير الجرم. وفيما بين دهلي ودار الخلافة حوض الخاص وهو أكبر من حوض السلطان شمس الدين. وعلى جوانبه نحو أربعين قبة، ويسكن حوله أهل الطرب، وموضعهم يسمى طرب أباد. ولهم سوق هنالك من أعظم الأسواق، ومسجد جامع ومساجد سواه كثيرة. وأخبرت أن النساء المغنيات لساكنات هنالك يصلين التراويح في شهر رمضان بتلك المساجد مجتمعات، ويؤم بهن الائمة، وعددهن كبير، وكذلك الرجال المغنون. ولقد شاهدت الرجال أهل الطرب في عرس الأمير سيف الدين غدا بن مهنا. لكل واحد منهم مصلى تحت ركبته، فاذا سمع الأذان قام فتوضأ وصلى.

[ رحلات إبن بطوطة : الجزء الثانى ]