بّسم الله الرّحمن الرّحيم
حكايات توتة الملتوتة
مجموعة حكايات من تأليف فتحى السيد الوكيل
رئيس تحرير مجلة توتة وحدوتة الإلكترونية
الجزء الأول : حكاية الخيرزان


عمرو يتزوج الخيرزان
كان فى مدينة بغداد وقت ان كانت مقر للخلافة العباسية، فتاة متوسطة الجمال تسمى الخيرزان، مات والدها وهى صبية صغيرة وترك لها مال وفير وثروة ضخمة، فتولى عمها عبد الرحمن إدارة مالها، وطلب من والدتها ان تنتقل هى والخيرزان الى الموصل لتعيش الخيرزان الى جوار أهل ابيها، ولكن الخيرزان فضلت ان تبقى فى بغداد حيث مسقط رأسها، ففكر عبد الرحمن فى وسيلة يحافظ بها على مال الخيرزان وينميه لها، فاشترى من مالها دكان كبيرة فى سوق بغدار واخرى فى سوق الموصل، وكتبهما بأسمها، وجلب اليهما من بضائع الهند والسند، وكلف ابنه عمرو بإدارة دكان بغداد، وإبنه عمر بإدارة دكان الموصل، واوصاهما بالمحافظة على مال إبنة اخيه، ووضع مع كل منهما رجل يثق فى امانته ليراقب عمليات البيع والشراء ويبلغه إذا حدث ما يخل بهما، وبذلك ضمن المحافظة على مالها، ولم تمضى إلا شهور قليلة حتى لحقت ام الخيرزان بزوجها، وبذلك فقدت الخيرزان امها وابيها فى عام واحد، وطمع عمرو فى مال الخيرزان ففكر فى وسيلة يتخلص بها من الرجل الذى وضعه ابوه ليراقبه، لينفرد بمال الخيرزان فينهب منه بغير رقيم من الناس، فطلب من ابيه ان يزوجه من الخيرزان، فرفض ابوه لأنه يعلم ان ابنه عمرو شاب فاسق فاسد وقد عجز عن إصلاحه، فذهب عمرو الى دار الخيرزان وابلغها برغبته فى الزواج منها، وكان عمرو شابآ وسيمآ يحسن طيب الكلام الذى يخدع به الصبايا فتتعلق به، فإنخدعت الخيرزان بكلامه، ورغبت فى الزواج منه، ولكن عبد الرحمن اصر على رفضه، وقال لها: إن كنت راغبة فى الزواج فإن عمر خير لك منه، فهو شاب راشد صالح مستقيم، اما عمرو فهو شاب فاسق سكير، ولا يغرك حسن كلامه، فلما علم عمرو بكلام ابيه للخيرزان اسرع الى عمر واخذ يتوسل إليه ليشفع له عند ابيه ليزوجه من الخيرزان، واقسم له يانه سوف يستقيم ويحافظ على مالها، ولكن عبد الرحمن رفض وساطة عمر، وقال له: إنها أمانة، فإن لم ترغب فى الزواج منها، زوجتها لمن يحافظ عليها وعلى مالها، ولكن الخيرزان مالت الى عمرو وإنخدعت به فاخذت تتوسل الى عمها وترجوه ان يعدل عن رفضه ويوافق لتعلقها بعمرو ورغبتها فى الزواج منه، فلم يجد عبد الرحمن امامه من سبيل إلا ان يوافق، فعقد لعمرو على الخيرزان وجعل للخيرزان الحق فى تطليق نفسها من عمرو ليضمن عدم تحكم عمرو فى الخيرزان بعد ان يتزوجها.
وتم الزفاف وتحدثت بغداد كلها بما اقامه عبد الرحمن من ولائم وزينات وحفوات، وعاشت الخيرزان مع عمرو أيامآ سعيدة تعمها البهجة والسرور، قبل ان تكتشف حقيقة عمرو التى لم تتغير وصدق نصيحة عمها فى أن عمرو لم يكن مناسبآ لها، وان عمر كان خيرآ لها منه، فقد زاد المال من فساد حال عمرو فعاد الى فسقه وكان قد أقلع عنه، فأخذ يدس الخمر فى طعام الخيرزان وشرابها ليرغبها فى شربه فلا تنكر عليه عندما يشربه، وكانت الخيرزان جاهلة بأمر الخمر وتاثيره على شاربه مما جعلها تتحير فى امرها، ولكن حدث ان زارها عمها عبد الرحمن وهى فى حال سكرها، فضربها ثم انتظر حتى ذهب عنها اثر الخمر، فوجدها جاهلة بأمرها، فعلم بتدبير عمرو، فطرده من دكانها وارغمه على تطليقعا، ولكن الخيرزان كانت قد حملت من عمرو، فإخذت ترجوا عمها ان يعيدها اليه لأجل طفلها، فوافق بعد ان اخذ عليه المواثيق، فخاف عمرو وإستقام الى ان ولدت الخيرزان مولوها الأول فأطلق عليه عمرو إسم عبد الرحمن تقربآ لأبيه، وقدر الله ان ينتهى أجل عبد الرحمن قبل ان يتم السنة من عمره، ثم لحق به عبد الرحمن الجد، فعاد عمرو الى فساده، مما اغضب الخيرزان فهددته بفضيحته عند اخيه عمر، فخاف واظهر الإستقامة، فسترت عليه ولم تبلغ عمر وإكتفت بأن إعتزلت فراشه حتى تتأكد من صدق إستقامته، ولكنها خافت ان تكون ظالمة له وقد إعتزلت فراشه بغير حق، فعادت الى فراشه، فقدر الله لها ان تحمل للمرة الثانية، فلما اخبرته بحملها عاهدها على الإستقامة وقد عقد العزم على ذلك،
وبينما هو فى دكان الخيرزان بالسوق أقبلت إمرأة على قدر كبير من الجمال لتشترى منه احد الأثواب، فإنشغل بها واخذ ينظر اليها وتنظر اليه، فأعطاها الثوب بدون ان يأخذ الثمن، فضحكت ثم اخذت الثوب وانصرفت، فسأل عنها فعلم انها هنادى زوجة دخيل الحمال بالسوق، فإستعمل زوجها عنده فى الدكان، واغدق عليه المال، ثم طلب منه ان تحضر زوجته لخدمة الخيرزان وسوف يعطيها اجر وفير، فوافق دخيل، ولكن الخيرزان رفضت، فأخذ عمرو يذكر لها حملها وضرورة وجود خادمة لها، ويذكر لها مدى صلاح هذه المرأة ومدى فقر زوجها، فوافقت الخيرزان على ان تحضر الى الدار بعد ان يغادر هو وأن تغادر الدار قبل ان يحضر، ولا تبيت فى الدار مهما كان الحال، فلم يجد عمرو امامه غير ان يوافق،
وحضرت هنادى، وإستقام الأمر على شروط الخيرزان عدة أيام حتى وثقت الخيرزان فى هنادى فأحبتها وعطفت عليها، ورغبت فى إستمرار وجودها، فطلب عمرو من هنادى ان تطلب من الخيرزان ان تسمح لها بالمبيت فى الدار لسفر زوجها، فوافقت الخيرزان، وكان عمرو قد طلب من دخيل المبيت فى الدكان لحراستها ليلآ مقابل ضعف أجره ففرح، ووافق، فأخبرته هنادى انها سوف تبيت فى دار الخيرزان لغيابه فرحب بذلك، وهكذا أعد عمرو كل شىء لفجوره ونسى ان الله تعالى يراقب مكره،
ذهب عمرو الى العطار وأخبره بأنه يصيبه الأرق وطلب منه ان يعطيه ما يعينه على النوم، فأعطاه بعض الأعشاب ووضعها له فى قراطيس، وطلب منه ان يزيب قرطاس واحد فقط منها فى كوب من العصير ثم يشربه كلما شعر بالأرق وسوف يغلبه النوم سريعآ،
وفى الصباح غادر عمرو الدار ليذهب الى الدكان ولكنه تربص خارج الدار واخذ يراقبها حتى خرجت هنادى للذهاب الى السوق لشراء حاجات الدار من السوق فلحق بها فى الطريق واعطاها الأعشاب وطلب منها ان تزيب قرطاس منها فى العصير وتقدمه الليلة للخيرزان، فترددت هنادى من خوفها، وظنت انه يريد قتل الخيرزان، فأخبرها عمرو ان الخيرزان مريضة وتمتنع عن تناول الدواء، فوافقت، وما كادت الخيرزان تمسك بالعصير لتشربه حتى أقبل من يدق الباب بقوة ليخبر عمرو بأن اللصوص قد هجموا على الدكان فسرقوا منها ما سرقوا وقتلوا دخيل واسرعوا بالفرار، فلما سمعت هنادى بمقتل زوجها أخذت تصرخ وتلطم فسقط العصير من يد الخيرزان واسرع عمرو الى الدكان ليتدبر أمرها. وغادرت هنادى دار الخيرزان وهى تصرخ وتولول وعادت الى دارها. ولم تعد تبيت فى دار الخيرزان، بل عاد الأمر الى ما كان عليه من قبل، فهى تحضر بعد مغادرة عمرو وتغادر قبل حضوره، وقد خاف عمرو ان ينتظرها خارج الدار فيحدثها فى الأمر فتخبر الخيرزان بذلك.
وولدت الخيرزان مولودها الثانى فكان عوضآ لها عن فقد مولودها الأول، فاطلق عليه عمرو اسم يزيد، وخرج عمرو فى قافة للتجارة، فأرسلت الخيرزان الى عمر تطلب منه ان يرسل لها من يدير دكانها فأرسل لها نافع وهو من التجار الذين يثق عمر فى امانته وخبرته، فتولى إدارة الدكان.
وشعرت الخيرزان بحاجتها الى هنادى لتخدمها وتؤنس وحدتها فأرسلت اليها فحضرت لتعيش معها فى الدار، وخلال إحدى ليالى السمر بينهما أخبرت هنادى الخيرزان بما كان يدبر عمرو وأقسمت على صدق كلامها وأنها قد تابت وندمت عما حدث فسامحتها الخيرزان وفى منتصف إحدى الليالى تسلل أحد اللصوص الى داخل دار الخيرزان ، فلم يشعر به أحد إلا وهو فى حجرة الخيرزان، ففزعت منه، فقال: لا تخافى فلن اضرك، ثم اعطاها قطعة من الحلى الثمين المرصع بالجوهر التى سرقها من احد تجار المجوهرات ويخاف ان يبيعها فى السوق فيقبضوا عليه، وطلب منها ان تشتريها منه لأنه فى حاجة لثمنها، فأعطته ثمنها وكان اربعمائة دينار، فأخذ المال ثم انصرف بعد ان حذرها من ان تصرخ فيعود فيقتلها،
فلما اصبحت الخيرزان تحيرت فيما تفعله بقطعة الحلى، فلم تجد امامها غير انها يجب ان تذهب الى الموصل، فأخبرت هنادى بذلك فطلبت هنادى منها ان تذهب معها فليس لها فى بغداد احد بعد مقتل زوجها، وعلى الفور ذهبت الخيرزان بإبنها تصحبها هنادى الى الموصل، وفور وصولها اخبرت عمر بما حدث ليتدبر الأمر، فهون عليها الأمر، وأخذ قطعة الحلى وذهب بها الى القاضى فقص عليه الأمر، فطلب منه ان يحتفظ بها حتى يظهر صاحبها، فطلب عمر من الخيرزان ان تبقى فى دارها بالموصل ولا تعود الى بغداد إلا بعد ان يعود عمرو من رحلة تجارته، فعاشت الخيرزان فى دارها بالموصل والندم يعصرها لرفضها نصيحة عمها ورفضها عمر وموافقتها على عمرو.
وعاد عمرو من رحلة تجارته فعلم بوجود الخيرزان فى الموصل فأسرع اليها، فلما شاهدته قالت له: طلقنى، وإلا ذهبت الى القاضى فطلقت نفسى منك، فلما شاهد هنادى الى جوارها علم انها اخبرتها، فسكت وأطرق برأسه الى الأرض، فقالت: طلقنى قبل ان يلحقنى فسادك، واحصد ثمار خيانتك، ويكفينى ما لحقنى من سوء اختيارى، فاخذ يسترضيها ويعدها بالإستقامة، وأقسم امام عمر على التوبة والإستقامة، فعادت الخيرزان معه الى بغداد، فما ان وصل الى الدكان حتى حاول طرد نافع فمنعته الخيرزان وهددته فسكت عنه.
وإستمرت هنادى تخدمها وتراقب عمرو وتنقل اليها اخباره، وقد زوجتها الخيرزان من نافع ومدتها بالأموال التى تعينها على مراقبة عمرو، وعمرو مستمر على الإستقامة خوفآ من الخيرزان ومن بطش عمر الذى تعهد للخيرزان بذلك.
وولدت الخيرزان مولودها الثالث فاطلق عليه عمرو اسم المنصور على اسم والد الخيرزان ليتودد لها، ولم تحمل الخيرزان بغيرهما. وسعى عمرو الى ان تكون له دكان يدير فيها تجارته الى جانب إدارة دكان الخيرزان ليأمن بطشها به. وهى على علم بكل ذلك، فالأخبار تنقلها اليها هنادى بعد ان إستعانت بمن يراقب عمرو عن قرب ويزودها بالأخبار فتدفع له المال إذا صدقت أخباره.
وما ان إشتد عود يزيد وأصبح شابآ قويآ راشآ حتى طلبت الخيرزان من نافع ان يعلمه اصول التجارة، ولم تمر شهور قليلة على ذلك حتى تولى يزيد إدارة دكان أمه على الرغم من تحذير عمرو لها من تعرض تجارتها للخسارة لصغر سن يزيد وحداثة خبرته، ولكن الخيرزان اصرت، وهددت عمرو واخبرته بأنها لن تتراجع عن ذلك حتى ولو خسرت كل مالها، فوافق عمرو على مضض وقد اضمر السوء ليزيد وحاول ان يحاربه فى السوق بإستخدام غيره من التجار، ولكن يزيد قد ادرك حيلهم لإستعانته الدائمة بنافع، فهو لا يقضى شىء حتى يستشيره ويعمل بقوله، مما جعله يحقق ارباحآ مضاعفة، مما اسعد امه واحزن ابوه.
وذات يوم أقبلت صبية حديثة المحيض وجهها كأنه القمر، تطلب ثوبآ موصليآ، فخطفت قلب يزيد وشغلت قؤاده، فوقف هو ليبيعه لها، وبعد ان اشترت الصبية الثوب وانصرفت سأل عنها، فقيل له: إنها فردوس بنت المختار احد صغار التجار، فترك يزيد الدكان وعاد الى الدار فأخبر امه بأمرها ورغبته الشديدة فى زواجها، فذهبت الخيرزان من يومها لتراها، وبعد عودتها اخذت تمدح فيها وقالت له: يا بنى ان تتزوجها فقد فزت بها، فلم ارى فى حياتى صبية فى جمالها وادبها وحشمتها، فتلهف يزيد على الزواج منها،

● [ يتبعها ● عمرو يتزوج فردوس ] ●

مجلة توتة وحدوتة الإلكترونية . البوابة
الحكايات من تأليف رئيس تحرير المجلة