بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الأسرة الثقافية
التحفة العراقية في الاعمال القلبية
أعمال القلوب


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
أما بعد : فهذه كلمات مختصرة في أعمال القلوب التي تسمى المقامات والأحوال وهي من أصول الايمان وقواعد الدين مثل محبة الله ورسوله والتوكل على الله وإخلاص الدين له والشكر له والصبر على حكمه والخوف منه والرجاء له وما يتبع ذلك اقتضى ذلك بعض من أوجب الله حقه من أهل الإيمان واستكتبها وكل منا عجلان فأقول: هذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق المأمورين في الأصل باتفاق أئمة الدين والناس في هذا على ثلاث درجات كما هم في أعمال الأبدان على ثلاث درجات ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات فالظالم لنفسه العاصي بترك مأمور وفعل محظور والمقتصد المؤدي الواجبات والتارك المحرمات والسابق بالخيرات المتقرب بما يقدر عليه من واجب ومسنون والتارك للمحرم والمكروه وإن كان كل من المقتصد والسابق قد تكون له ذنوب تمحى عنه بتوبة والله يحب التوابين ويحب المتطهرين إما بحسنات ماحية وإما بمصائب مفكرة وإما بغير ذلك وكل من الصنفين المقتصدين والسابقين من أولياء الله الذي ذكرهم في كتابه يونس فأولياء الله هم المؤمنون المتقون ولكن ذلك ينقسم إلى عام وهم المقتصدون وخاص وهم السابقون وإن كان السابقون هم أعلى درجات كالأنبياء والصديقين وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم القسمين في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعل ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه.
وأما الظالم لنفسه من أهل الإيمان ففيه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره، فالشخص الواحد قد تجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب والسيئات المقتضية للعقاب حتى يمكن أن يثاب ويعاقب، وهذا قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة الإسلام وأهل السنة والجماعة الذين يقولون إنه لا يخلد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وأما القائلون بالتخليد كالخوارج أو المعتزلة القائلين أنه لا يخرج من النار من دخلها من أهل القبلة وأنه لا شفاعة للرسول ولا لغيره في اهل الكبائر لا قبل دخول النار ولا بعدها، فعندهم لا يجتمع في الشخص الواحد ثواب وعقاب وحسنات وسيئات بل من اثيب لا يعاقب ومن عوقب لم يثب ودلائل هذا الأصل من الكتاب والسنة وإجماع الأمة كثير ليس هذا هو موضعه قد بسطناه في موضعه وينبني على هذا أمور كثيرة ولهذا من كان معه إيمان حقيقي فلا بد أن يكون معه من هذه الأعمال بقدر إيمانه وإن كان له ذنوب، كما رواه البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا كان يسمى حمارا وكان يُضحك النبي صلى الله عليه وسلم وكان يشرب الخمر ويجلده النبي صلى الله عليه وسلم فأتى به مرة فقال رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله.
فهذا بين أن المذنب بالشراب وغيره قد يكون محبا لله ورسوله وحب الله رسوله أوثق عرى الإيمان كما أن العابد الزاهد قد يكون لما في قلبه من بدعة ونفاق مسخوطا عند الله ورسوله من ذلك الوجه كما استفاض في الصحاح وغيرها من حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم انه ذكر الخوارج فقال: يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قارءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد.
وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم في الحديث الصحيح " تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين يقتلهم أدنى الطائفتين "، ولهذا قال أئمة المسلمين كسفيان الثوري أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها، ومعنى قولهم أن البدعة لا يتاب منها أن المبتدع الذي يتخذ دينا لم يشرعه الله ورسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنا لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيء ليتوب منه أو أنه ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو أمر استحباب ليتوب ويفعله فما دام يرى فعله حسنا وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب ولكن التوبة ممكنة وواقعه بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى سبحانه وتعالى من هدى من الكفار والمافقين وطوائف أهل البدع والضلال، وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم كما قال تعالى ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) محمد، وقال ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثيبتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ) النساء، وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ) الحديد، وقال تعالى ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) البقرة، وقال تعالى ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ) المائدة، الآية.
وشواهد هذا كثيرة في الكتاب والسنة وكذلك من أعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه تبعا لهواه فإن ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح كما قال تعالى ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) الصف، الآية وقال تعالى ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ) البقرة، وقال تعالى ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) الأنعام، الآية وهذا استفهام نفي وإنكار أي وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون وإنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة على قراءة من قرأ إنها بالكسر تكون جزما بأنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ولهذا قال من قال من السلف كسعيد بن جبير إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدق يستلزم البر وأن الكذب يستلزم الفجور وقد قال تعالى ( إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم ) الانفطار، ولهذا كان بعض المشايخ إذا أمر متبعيه بالتوبة وأحب أن لا ينفر ويتعب قلبه أمره بالصدق ولهذا يكثر في كلام مشايخ الدين وأئمته ذكر الصدق والإخلاص حتى يقولون قل لمن لا يصدق لا يتبعني ويقولون الصدق سيف الله في الأرض ما وضع على شيء إلا قطعه ويقول يوسف بن اسباط وغيره ما صدق الله عبد إلا صنع له وأمثال هذا كثير والصدق والإخلاص هما تحقيق الإيمان والإسلام فإن المظهرين الإسلام ينقسمون إلى مؤمن ومنافق فالفارق بين المؤمن والمنافق هو الصدق كما في قوله ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) إلى قوله ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) الحجرات، وقال تعالى ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ) الحشر، فأخبر أن الصادقين في دعوى الإيمان هم المؤمنون الذين لم يتعقب إيمانهم به وجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم وذلك أن هذا هو العهد المأخوذ على الأولين والآخرين كما قال تعالى ( وإذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ) آل عمران، الآية قال ابن عباس: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته ليؤمنن به ولينصرنه، وقال تعالى ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز ) الحديد، فذكر تعالى أنه أنزل الكتاب والميزان وأنه أنزل الحديد لأجل القيام بالقسط وليعلم الله من ينصره ورسله ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هاديا ونصيرا والكتاب والحديد وإن اشتركا في الإنزال فلا يمنع أن يكون أحدهما نزل من حيث لم ينزل الآخر حيث نزل الكتاب من الله كما قال تعالى فى أول الزمر ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) وقال تعالى فى أول هود ( كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ) وقال ( وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) النمل، والحديد أنزل من الأماكن التي يخلق فيها،
وكذلك وصف الصادقين في دعوى البر الذي هو جماع الدين في قوله ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ) إلى قوله ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) البقرة، وأما المنافقون فوصفهم بالكذب في آيات متعددة كقوله ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) البقرة، وقوله ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) المنافقون، وقال ( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) التوبة، ونحو ذلك من القرآن كثير.
ومما ينبغي أن يعرف أن الصدق والتصديق يكون في الأقوال والأعمال كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح " كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر والأذنان تزنيان وزناهما السمع واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه "، ويقال حملوا على العدو حملة صادقة إذا كان إرادتهم القتال ثابتة صادقة ويقال فلان صادق الحب والمودة ونحو ذلك ولهذا يراد بالصادق الصادق في إرادته وقصده وطلبه وهو الصادق في عمله ويريدون الصادق في خبره وكلامه والمنافق ضد المؤمن الصادق وهو الذي يكون كاذبا في خبره أو كاذبا في عمله كالمرائي في عمله قال الله تعالى ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ) النساء، الآيتين.
وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا لغيره كما قال تعالى ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان ) الزمر، الآية، فمن لم يستسلم له فقد استكبر ومن استسلم لله ولغيره فقد أشرك وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام والإسلام ضد الشرك والكبر وذلك في القرآن كثير،
ولهذا كان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وهي متضمنة عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من أحد من الأولين والآخرين دينا سواه كما قال تعالى ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) آل عمران، وقال ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام ) آل عمران،
وهذا الذي ذكرنا مما يبين أن أصل الدين في الحقيقة هو الأمور الباطنة من العلوم والأعمال وأن الأعمال الظاهرة لا تنفع بدونها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده " الإسلام علانية والإيمان في القلب "، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " الحلال بين والحرام بين وبين ذلك امور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لك ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد وهي القلب "، وعن أبي هريرة قال القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث خبثت جنوده


أمراض القلوب . تأليف : ابن تيمية
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم