بّسم الله الرّحمن الرّحيم
حكايات توتة الملتوتة
حكاية الخيرزان


عمرو يتزوج فردوس
فلما حضر عمرو أخبرته الخيرزان واخذت تمدح له فى الصبية وروعة جمالها وطلبت منه ان يذهب فيطلب فردوس من ابيها، فطمع عمرو فى الزواج منها، فقال: دعونى حتى اسأل عن ابيها قبل ان اطلبها منه، ثم ذهب وقابل والد فردوس سرآ وطلب منه ان يزوجها له، وعرض عليه ضعف مهر أمثالها، ووعده بانه سوف يمده بالبضائع لينهض بدكانه، فإن رفض فسوف يحاربه فى السوق حتى يُفلسه ويغلق دكانه، فلم يجد والد فردوس امامه إلا ان يوافق على تزويجها له على الرغم من رفضها الزواج منه، وكتم عمرو الأمر، وقال ليزيد: لا مانع من زواجك منها، فقد علمت بحسن سيرة ابيها وطيب سمعته، فأسرعت الخيرزان الى دار والد فردوس لتخبرهم ويتم تحديد موعد زيارة يزيد وابوه لهم لخطبتها، ولكن والد فردوس قال لها: ان فردوس قد تم العقد عليها، والزواج نصيب، والصبايا كثير، فإنصرفت وهى مهمومة، فقال لها عمرو: الصبايا كثير، وصبايا التجار كُثر، وفيهم من هى اجمل منها، وارفع منها حسبآ، ولكن يزيد رفض الزواج من غيرها، وحزن على فردوس حزنآ شديدآ.
قرر يزيد الخروج على رأس قافلة للتجارة الى بلاد الهند، وكان هذا اول خروج له فى قوافل التجارة، فقد كانت امه ترفض خروجه فى القوافل من خوفها عليه، ولكنها وجدت فى ذلك مُتنفس له لينسى أمر فردوس، ورحب عمرو بذلك ليتمكن من إتمام زواجه بفردوس فى سرية، وما ان غادرت القافة حتى اخذت الخيرزان المنصور وذهبت الى الموصل من حزنها على يزيد، وتركت لنافع إدارة الدكان، وأوصت هنادى بمراقبة عمرو، فما إن وصلت الى الموصل حتى أخبرت عمر بما حدث، فخفف عنها، ولكنه خاف على يزيد من طرق القوافل لحداثة سِنه، فأسرع بالخروج فى قافلة للتجارة لكى يدرك يزيد فى الهند فيصحبه فى رحلة العودة.
أما عمرو فقد اصبحت الظروف مواتية له ليتم زواجه من فردوس بدون ان يشعر به أحد، فإشترى دار مليحة ذات طابقين فى اطراف بغداد، وكانت دار فاخرة، عالية البنيان، مشيدة الأركان، بابها من الأبنوس المصفح بصفائح النحاس الأحمر، ولها رحبة فسيحة، وتطل على بحيرة صغيرة معزولة وبعيدة عن الأنظار، فبنى عمرو حول الدار سور يحيط بها وبنى فى السور حجرة ليعيش فيها راجح مع زوجته ريم، فأما راجح فهو شاب قوى كان يعمل حمالآ فى السوق فخصصه عمرو لحراس الدار واحضار المشتريات من السوق، واما زوجته ريم، فهى فتاة صغيرة على قدر من الجمال قد تزوجها راجح حديثآ، فخصصها عمرو لخدمة فردوس واعداد الطعام.
وتزوج عمرو فردوس فى هذه الدار فى سرية تامة، فلم يقم وليمة ولم يعلق زينة، ومنع فردوس من مغادرة الدار، فكانت تقضى يومها داخل الدار او على شاطىء البحيرة وقد تنزع ثيابها وتسبح فى البحيرة فلا يراها احد لكون البحيرة مُغلقة ومعزولة، وريم قائمة على خدمتها، وراجح يحضر المشتريات من السوق فيعطيها لزوجته ثم يجلس عند الباب للحراسة ولا يدخل الدار ابدآ، وفى المساء تخرج اليه زوجته لتبيت معه فى حجرة الحارس عند الباب ثم تدخل الى الدار فى الصباح ومعها المشتريات التى احضرها راجح من السوق، ولم يكن يزور فردوس احد غير اختها إقبال، فتقضى عندها بضع ساعات تعرف منها احوالها ثم تنصرف،
عاشت فردوس داخل الدار حياة مُتقلبة بين السعادة والتعاسة، وقد عاد عمرو الى فجوره فأخذ يراود ريم وهى تمتنع عنه وتهدده بإخبار زوجها وفردوس فيخاف ولكنه لا يرتدع فيعيد الكرة، وهى على حالها من الإمتناع. وإستمر الحال على ذلك وقد ولدت فردوس طفلتها الأولى سندس، فحضرت إقبال ومعها زوجها كاظم ليباركا المولودة، فلما شاهد عمرو إقبال بعد ان رفعت حجاب وجهها ولم يكن قد شاهد وجهها من قبل، شغله جمالها، فوسوس اليه شيطانه فقال لكاظم: بلغنى انك خارج غدآ فى قافلة شيخ التجار، فقال كاظم: قد طلبت ان يعفينى ولكنه اصر، فقال عمرو: هو يثق فيك لأمانتك ولحسن تدبيرك للأمور، فسكت كاظم، ثم قال: الحمد لله، فقالت فردوس لإقبال: جهزى نفسك للإقامة بجانبى حتى عودة زوجك، فقالت إقبال: دارى خير لى، فقالت فردوس: ستقيمين فى الضيافة، وليابها غالق من الداخل، فقال لها كاظم: كونى الى جوار اختك فترة نفاسها، ثم عودى الى دارك، فقالت إقبال: كما ترى، ثم انصرفوا على ان تحضر إقبال غدآ بعد سفر زوجها، وقد تم لعمرو مراده، فتسلل عند منتصف الليل ونزع الغالق الداخلى لحجرة الضيافة،
وغادرت القافة بغداد عند غروب الشمس، فأرسل عمرو احد الحمالين الى دار إقبال فحمل من متاعها ما يلزمها للإقامة فى دار اختها، وإقبال تتبعه، فلما دخلت إقبال الضيافة ووضعت متاعها، اغلقت الباب لتستبدل ثيابها، فلاحظت عدم وجود الغالق الداخلى للباب، فلم تستبدل ثيابها وذهبت الى حجرة فردوس فدخلت ونظرت خلف بابها فوجدت ان غالق الباب فى مكانه، فأخذت فردوس من يدها ودخلت بها الى الضيافة ثم قالت لها وهى تشير الى مكان الغالق: من نزع هذا، فإندهشت فردوس من عدم وجود الغالق، فقالت لإقبال: عودى الى دارك، فتركت إقبال ما احضرته من متاعها وإنطلقت عائدة الى دارها، فلما حضر عمرو لم يجدها فسأل عنها، فقالت فردوس: دارها خير لها، وانا لست فى حاجة اليها، فقال: لماذا تغير قولك، واختك من المحارم، فقالت: لا، إنما التحريم ان تجمع بيننا، وهى متزوجة من رجل سافر وقد وثق فيك، فظن انها ستكون فى آمان، فلما نزعت غالق الباب، زال هذا الأمان، فتغير قولى، فعلم عمرو أن مكره قد إنكشف، لم يجد ما يجادل به فسكت، ثم قال: الحجرات كثيرة وجميعها بأبوابها غالق، فنظرت اليه فردوس مُبتسمة فى سخرية، فتركها ونزل فجلس فى القاعة وهو بين الحيرة والندم، فأغلقت فردوس باب الحجرة بالغالق وإتخذت مضجعها.
عاد عمرو الى الحجرة فوجدها مُغلقة فقضى ليلته بالحجرة المجاورة، وفى الصباح عاد ليدق الباب على فردوس ليرتدى ثياب خروجه، فوجد ثيابه عند باب الحجرة، فإرتدى ثيابه وذهب الى دكانه، وما كاد عمرو ان يغادر الدار حتى اخذت فردوس بنتها وذهبت الى دار إبيها، وكان عمرو قد ذهب الى الدكان واحضر ثلاثة من رجاله ليكسروا باب الحجرة، ولكنه لم يجد فردوس ووجد الحجرة مفتوحة، فذهب الى دار إقبال ومعه رجاله، ثم دق الباب فرفضت إقبال ان تفتح له الباب، فأمر رجاله ان يكسروا الباب، فكسروه فدخل هو ووقفوا هم بالخارج، فوقفت إقبال ترتجف، فقال لها: اين فردوس، فقالت وهى لازال ترتجف: ليست فى الدار، فأخذ عمرو يبحث عنها فلم يجدها، فجلس على احد المقاعد وقد سكت عنه غضبه وقال: فلما فزعك، وإمتناعك عن فتح الباب، فقالت: لأن صاحب الدار غير موجود، فإعتذر لها وارسل احد رجاله فأحضر النجار فأصلح الباب ثم ذهب الى دار والد فردوس فوجد الدار مغلقة، فعادت اليه ثورته وعاد الى دكانه وقد ركبه الشيطان، فوجد راجح ينتظره، فأخبره ان مولاته فردوس فى الدار ومعها ابوها، فأسرع عمرو اليها، فلما شاهدها سكت عنه غضبه، ورحب بوالدها واخذ يعتذر، فقال له المختار والد فردوس: احضرتها لأننى لا اقر لزوجة ان تترك دار زوجها بدون إذنه، فلا تدفعها لتكرار ذلك مرة اخرى، ثم انصرف، فأخذ عمرو يعتذر لفردوس وإنه لم يضمر لأختها شر، وانه نزع الغالق ليستبدله بمن هو اقوى منه، فتجاوزت فردوس عما حدث لأجل بنتها وعادت حياتهما الى طبيعتها، وأوصت إقبال بعدم ذكر ما حدث لزوجها عند حضوره،
أما عمر فقد لحق بيزيد فى الهند وصاحبه فى رحلة العودة، فتوجهت القافلة فى رحلة عودتها الى الموصل ولم تتجه الى بغداد لرغبة يزيد فى ذلك، فوصول الموصل بحمد الله وإستقر بها، وقد مضى على مُغادرته بغداد ما يقارب السنتين، ولا احد منهم يعلم شىء عن زواج عمرو، وعمرو حريص على ان لا يخرج فى قوافل التجارة ويرسل من يحل محله خوفآ من حضور الخيرزان الى بغداد فتعلم بزواجه من فردوس، مما أثر على تجارته سلبآ.
وولدت فردوس إبنتها الثانية شهد، فلم يزد عمرو للقابلة فى العطاء كما فعل فى سندس، فذهبت القابلة الى هنادى واخبرتها يزواج عمرو وان لديه بنتان وارشدتها الى الدار، فأرادت هنادى ان تذهب الى الموصل فتخبر الخيرزان ولكن نافع منعها وقال لها: اتركى هذا الامر لى، وحذرها من إخبار الخيرزان، واخذ يحارب عمرو فى السوق ليفلسه، مما دفع عمرو للذهاب الى الموصل ليطلب من الخيرزان منع نافع من محاربته فى السوق، فطلب عمر من الخيرزان ان تعود الى بغداد مع زوجها، فعادوا جميعآ مما اوقع عمرو فى حيرة فإمتنع عن المبيت عند فردوس وإكتفى بأنه يقضى معظم النهار عندها، وقد حملت للمرة الثالثة،
لم تصبر هنادى على كتمان سر زواج عمرو فأخبرت الخيرزان، وعلى الفور ودون ان تُحدث الخيرزان عمرو فى ذلك، ذهبت لتستطلع من تلك التى تزوجها عمرو عليها، واخذت هنادى معها لترشدها الى الدار، فلما شاهدت الخيرزان فردوس عرفتها فقالت لها: الستى فردوس ابنة المختار، فتنبهت فردوس لام يزيد وتذكرتها فقالت لها: انت ام يزيد، فقالت هنادى: مولاتى الخيرزان سيدة نساء بغداد بعد نساء أمير المؤمنين حفظه الله، فقالت الخيرزان: نعم، انا أم يزيد، ثم انصرفت تتبعها هنادى، ولم تخبر الخيرزان يزيد بذلك وحذرت هنادى من إخبار احد، ومنعت عمرو من دخول دارها، وأطلقت بد نافع فى محاربنة وكانت قد منعته من ذلك، مما اضعف مركز عمرو فى السوق، فعاد الى فساده اشد مما كان، فأخذ يلاحق النساء، فطلبت منه فردوس ان يطلقها، فثار ثورته وتوعدها واغلق عليها الدار، وهدد راجح وتوعده بالقتل ان هربت فردوس من الدار، فخافت ريم ودخلت تجرى الى فردوس واخبرتها واخذت ترجوها بالبقاء فى الدار وإلا قتل عمرو زوجها،
فلما عاد عمرو عند الغروب وقد ذهب عنه شيطانه للحظات قالت له فردوس: قد فتح الله لك باب الحلال، فلماذا تغلقه وتتمسك بالحرام، فقال: ماذا تقصدين، فقالت: تزوج، فقد احل الله لك من النساء اربعة، فضحك وقال: انت التى قلتى، فلا تغضبى إذا تزوجت، فقالت: كيف ارضى بالحرامه واغضب من الحلاله، فضحك وقال: فأخطبى لى، فطلبت فردوس من الخاطبة ان ترشدها الى صبية جميلة ليتزوجها عمرو لتعفه بها، فقالت الخاطبة: لا اجد افضل من حفصة بنت عبد الوهاب، فهى صبية جميلة ان تزوجها فاز بها، فأخبرت فردوس عمرو فطلب منها ان تذهب لمشاهدتها، فلما عادت قالت له: هى صبية لم ارى من هى فى جمالها، فلما ذهب عمرو لمشاهدتها بهره جمالها وتعلق بها ولكن ابوها على الرغم من كونه رجل فقير، إلا انه رفض ان يزوجها له لسوء سمعته، فعاد عمرو الى الدار وقد تطاير الشرر من عينيه من شدة غضبه، فقالت له فردوس: اصرف نظرك عنها، وسوف ابحث لك عن غيرها من ذوات الجمال والحسب، ولكنه تعلق بها اكثر، فأرسل من رجاله من خطفها وقتل ابوها، فأصبح الناس يتحدثون بفقد حفصة ومقتل ابوها، وان ابوها رفض ان يزوجها لعمرو، فذهب صاحب الشرطة ليحدث عمرو فى ذلك ولكنه انكر، ولم يجد صاحب الشرط على عمرو ما يدينه، وما كاد ان يعود عمرو الى الدار حتى جزبته فردوس واخذت تهدده وتكلمه بحدة لم يسبق لها ان تكلمت معه بها، فقد كانت تهابه وتخشى بطشه وقالت له: كفا ما فعلت، وأعد الفتاة الى دارها، وإلا ارسلت الى الخيرزان فأخبرتها بكل ما حدث، وانت تعلم ماذا يمكن للخيرزان ان تفعل، فخاف عمرو من فردوس لأول مرة فى حياته، بعد ما وجد من إصرارها وغضبها، فامر راجح ان يذهب الى احد رجاله فيأمره بإطلاق حفصة وإعادتها الى دارها، فقالت فردوس: بل تحضرها الى هنا حتى اراها قبل ان تعود الى دارها، فإنطلق راجح وبعد غياب ساعة عاد ومعه حفصة، فقالت لها فردوس: هل انت على حالك، فقالت: نعم يا مولاتى، فقبلتها فردوس فأخذت حفصة تبكى من فرحتها بنجاتها، وحزنآ لمقتل ابيها، ثم غادرت الدار، وكان المقداد يراقب دار يزيد بعد إختفاء اخته فشاهدها عند عودة راجح بها، فظن ان راجح هو الذى خطفها وقتل ابوه بأمر من يزيد، فتسلل المقداد اليه فى منتصف الليل ودخل عليه حجرته فقتله ثم هرب عائدآ الى اصحابه،
وفى الصباح خرج عمرو ليتوجه الى دكانه فلم يجد راجح عند الباب، فظن انه قد ذهب الى السوق ولم يرجع بعد، فإنصرف بدون ن ينظر داخل الحجرة، وما إن إنصرف عمرو حتى نظرت فردوس من نافذة حجرتها فلم تجد راجح فظنت انه قد تأخر فى السوق، فأسرعت ارتدت ثوب خروجها ثم اخذت بنتيها وذهبت الى دار ابيها، وخرجت ريم لتبحث عن راجح بعد ان زاد تأخره فوجدته قتيلآ داخل الحجرة فأسرعت تولول الى دكان عمرو فأخبرته، فأبلغ صاحب الشرطة الذى ابلغ بدوره القاضى فأمر بدفن راجح والبحث عن القاتل. وما إن تم دفن راجح حتى اسرع عمرو الى دار المختار والد فردوس ليعلم سبب تركها للدار بدون إذنه، وقد نفذ لها ما طلبت، فأخبرته بأنها لا تقيم فى دار على بابها راجح وداخلها ريم، فأخبرها بمقتل راجح وترك ريم للدار بعد مقتل زوجها، فعادت فردوس معه الى الدار، وفى الصباح وقبل ان يذهب عمرو الى دكانه ذهب الى سوق النخاسة وطلب من النخاس عبد قوى امسح ليأمنه على زوجته، فعرض عليه رباح وهو عبد حبشي قوى البنية فارع الطول، كأنه مارد، فإشتراه وعاد به الى الدار، فلما شاهدته فردوس من نافذة حجرتها فزعت منه، وطلبت من عمرو ان يبدله، فرفض، فكانت فردوس تخاف ان تنظر اليه عندما تناوله طعامه، فطلبت من عمرو أن يحضر لها من تخدمها متناول رابح طعامه، فأرسل اليها ريم، ولكن فردوس رفضتها، فأخذت ريم تبكى وتشتكى حالها بعد مقتل زوجها الذى لم تتمكن الشرطة من معرفة قاتله لعدم وجود ما يدين المقداد، بعد ان شهد اصحابه بانه قد قضى ليلته معهم فى الصيد، وكان المقداد قد غافلهم ثم ذهب فقتل راجح ثم عاد اليهم فظنوا انه كان يطارد الصيد. فرق قلب فردوس لها، فوافقت لتتخلص من النظر الى رباح.

● [ يتبعها ● مقتل عمرو غريقآ ] ●

مجلة توتة وحدوتة الإلكترونية . البوابة
الحكايات من تأليف رئيس تحرير المجلة