بّسم الله الرّحمن الرّحيم
حكايات توتة الملتوتة
حكاية الخيرزان


مقتل عمرو غريقآ
احس عمرو بضعف موقفه فى السوق، فقد اقترب من الإفلاس بعد ان توقف عن الخروج فى القوافل وارسال كاظم بدلآ منه، لذلك جهز قافلة للتجارة الى الهند، جمع فيها كل ما لديه من اموال بل وتداين بديون طائلة، وقرر ان يخرج بها ومعه كاظم وجمع معه معظم رجاله لحماية القافلة، واوصى فردوس بعدم الخروج من الدار وقد ظهر على فردوس حملها، وطلب من كاظم ان يرسل إقبال للإقامة مع فردوس اثناء غيابهما، فأرسلها على الفور، فأوصاها بمرافقة فردوس اينما ذهبت، وان يأخذا معهما العبد لحراستهما،
وتحركت القافلة مع غروب الشمس، وما إن غادرت القافلة حتى أقبلت ام يزيد ومعها حفصة لزيارة فردوس لتشكرها على ما فعلته معها، فمنعهما العبد من الدخول، ولكن فردوس سمعت حديثهم، فأسرعت ونهرت العبد وأحسنت استقبالهما، وزادت إقبال من الحفاوة بأم يزيد. ومرت الشهور، وام يزيد تداوم على زيارة فردوس ومعها هنادى، خاصة بعد ان ولدت فردوس طفلها الثالث فجاء ذكرآ فأطلقت عليه اسم المختار وهو اسم ابيها، وكل مرة تسأل فردوس أم يزيد عن أخبار القافلة، فتقول لها: ان الأخبار قد إنقطعت، فتضطرب فردوس، الى ان وصل الخبر بأن التتار قد قطعوا طربق القوافل ما بين الهند وبغداد، فذهبت ام يزيد لتخبر فردوس بذلك لتعد نفسها لغيبة طويلة لعمرو، فهو لا يستطيع العودة من الهند حتى يترك التتار الطريق، فوقع الخبر على فردوس كالصاعقة، فلا هى ولا إقبال تجد ما تنفق، فإن عمرو لم يترك من الأموال ما يكفى للنفقة لفترة طويلة، وليس امام فردوس من سبيل غير ان تبيع من مجوهرات زواجها، او ان تبيع العبد، فخافت ان يغضب عمرو عند عودته، إذا باعت من مجوهرات زواجها، لذلك طلبت من ام يزيد ان تعينها على بيع العبد لننفق من ثمنه حتى عودة عمرو، فقالت ام يزيد: ان طالت غيبة عمرو فلن يكفيكما ثمن العبد للنفقة، ثم طلبت ام يزيد من فردوس مفاتيح دكان عمرو، ثم توجهت الى الدكان ومعها فردوس وإقبال، وارسلت الى نافع وطلبت منه فتح الدكان، فوجدوا الدكان خالية من البضائع، فطلبت ام يزيد من نافع ان يجلب الى الدكان البضائع ويتولى هو إدارتها بنفسه، وان يرسل بالربح الى فردوس عن طريق زوجته، ويحتفظ برأس المال ليزيد، فلما سمعت فردوس ذلك كادت تطير من الفرحة وقبلت ام يزيد وقالت لها: هذا جميل لن انساه لك ابدآ،
ومر على رحيل القافلة ما يقارب الثلاث سنوات ولا اخبار، ولولا ما يصل الى فردوس من ارباح الدكان، لباعت مجوهرات زواجها لتجد هى واختها ما تنفق، ثم وصل الخبر، بأن عمرو عندما يأس من العودة بالقافلة باع بضائعها فى الهند وإشترى بثمنها جواهر من اللؤلؤ والأحجار الكريمة، ثم قرر العودة هو وكاظم عن طريق البحر خوفآ من غارات التتار، ولكن المركب التى ركبوها غرقت، فنجا منها من نجى وغرق منها من غرق، فكان عمرو وكاظم من الغارقين ووصل الخبر مع الناجين.
وانتشر فى السوق، فاقبلت ام يزيد على فردوس بعد ان علمت وهى ترتدى ثياب الحداد والى جوارها يزيد والمنصور، وكانت ام يزيد قد اخبرت يزيد بان المرأة التى تزوجها ابوه هى فردوس، وطلبت منه ان ينسى ما كان بينهما فهى الأن ارملة ابيه وفى منزلة امه تمامآ، فتفهم يزيد الأمر وقال لها: لا تخشى شىء، فهى الأن كما قلتى، فلما دخلوا الدار وكانت فردوس قد علمت الخبر من هنادى عندما اقبلت لتعطيها المال، فإستقبلتهم فردوس وإقبال بالترحاب وهما فى ثياب الحداد، وقد نسيت فردوس كل ما كان بينها وبين يزيد، فقالت ام يزيد: قد ظلمك عمرو بعد ان اضاع ماله على النساء وها هو باقى ماله قد غرق معه، فقالت فردوس: قد افضى الى عمله، فاطلبى له الرحمة، فقالت ام يزيد: اى رحمة وقد هتك الأعراض واغرقنا فى الديون، فقد تداين ليخرج بالقافلة ليحجب عنى اسواق الهند، فان لم اسدد ديونه فإن هذه الدار سوف يتم بيعهما لسداد ما عليه من ديون ولن تكفى، ودكانه كما شاهدتى قد تركها خاوية، ففزعت فردوس وقالت: واين اذهب انا وبناتى، فقالت ام يزيد: بناتك بناتى ولكن اين تذهبى انت، ومن اين تنفقى، فقال يزيد: ما هذا الكلام يا امى، هى ارملة ابى ولها حق علينا، فأحسنى معاملتها، وسوف اشترى لها هذه الدار لتعيش فيها مع اخواتى معززة مكرمة، فقالت ام يزيد: وهى ابنتى حبيبتى، وانما اردت ان انبهها الى حقيقة عمرو الذى خدعها وافسد حياتنا، فقال يزيد: ليس الأن وقت هذا الكلام يا امى، فيجب ان نعد الدار لإستقبال العزاء، فقالت إقبال: احسنت القول وظهر طيب اصلك، وانشغل الجميع فى العزاء، وبعد ان انصرف من حضر للعزاء، أرادت إقبال ان تنصرف، فطلبت منها الخيرزان البقاء حتى إنتهاء ايام العزاء، ثم طلبت من هنادى إعداد الطعام، وإلتف الجميع حول والطعام، وقد اجلست ام يزيد فردوس الى جوارها، وقالت لها: لا تؤاخذينى يا ابنتى بما قلت، انما اردت تنبيهك الى حقيقة الأمر، فقالت لها فردوس: اعلم ذلك فأنت اختى وعالية القدر عندى ولا انسى فضلك ابدآ، فقال يزيد: هذا حقك علينا، فلا تضخمى الأمور، فاسرعت شهد وجلست على حجر يزيد فاخذ يطعمها وهو يضحك، فرفعت إقبال حجاب وجهها لتتناول الطعام فأبهر جمالها يزيد، فإقبال قريبة الشبه بفردوس ولكنها أجمل منها، وتكبرها بعام واحد، وهى أصغر من يزيد بثلاث سنوات، فتعلق نظر يزيد بها، فلما إنتبهت إقبال الى ذلك أسدلت حجاب وجهها وأخذت تأكل من تحت الحجاب، مما اصاب يزيد بالحرج، فأرادت فردوس ان تتدارك الأمر فقالت وهى تضحك: هكذا أختى تستحى إذا اكلت فى جماعة حتى فى بيتنا وليس معنا إلا أبى وأمى، فضحكت ام يزيد وقالت: لها ذلك طوال إقامتها بيننا، ولكن لا تحرمنا من وجودها بيننا، فلما انتهوا من الطعام، أشارت ام يزيد الى حجرة كبيرة فى الطايق الأول وكانت هذه الحجرة مخصصة لفردوس وقالت لهنادى: ضعى فى هذه الحجرة سريرين فسوف يقيم فيها يزيد والمنصور فترة العزاء، وسوف اقيم انا فى الضيافة فأنا لا استطيع الصعود، وعندكم الطابق الأعلى فإجتمعوا فيه فهو يكفيكم ويزيد، فوجدت فردوس ان مع ام يزيد الحق فسكتت، ثم دخلت ام يزيد الضيافة واغلقتها عليها وإنطلق يزيد والمنصور الى حجرتهما، فوجدا المختار على السرير فأخذ يزيد يداعبه ثم اعطاه لأمه فأخذته وصعدت هى وبنتيها وإقبال الى الطابق الأعلى، فإختارت فردوس حجرة كبيرة بالطابق الأعلى فأغلقتها عليها وعلى اولادها، وإتخذت إقبال الحجرة المجاورة، وإضجعت فردوس على السرير والى جوارها اولادها ثم اخذت تفكر فى حالها فهى ترملت ولم تتجاوز بعد الثالثة وعشرين من عمرها، فحمدت الله على حالها ثم انشغلت بأولادها حتى غلبهم النوم، أما يزيد فلم يستطيع النوم فذهب الى الضيافة وإستأذن على أمه، فإستيقظت من النوم وأذنت له، فكلمها فى رغبته فى الزواج من إقبال، فنصحته بان ينصرف عنها لكونها ثيب، وسوف تختار له من هى أجمل منها من الأبكار، ولكنه رفض، فخافت أن تكسر قلبه للمرة الثانية، فوافقت، وأخبرته ان ينتظر حتى تنتهى العدة، فإنه لا يحل الحديث فى ذلك الأن، فطلب منها ان تُعرض لها فى الكلام بذلك، ولا تدعها تترك الدار حتى تنتهى العدة، فوافقت ووعدته بذلك، وبشرته بإن إقبال سوف تكون له إن شاء الله، فعاد الى حجرته وهو مرتاح البال وقد نسى فردوس وتبدد حبه السابق لها، فغلبه النوم سريعآ. أما فردوس فقد نامت حتى ايقظها صياح أولادها فى الصباح يطلبون الطعام، فأنتبهت من نومها وقد ذهب عنها حزنها ونسيت عمرو وايامه، فاخذت أولادها ونادت على إقبال ونزلوا جميعآ لتناول الطعام، فوجدوا ام يزيد جالسة فى القاعة والى جوارها المنصور، فأسدلت إقبال حجاب وجهها، فقالت ام يزيد للمنصور: خذ اخوتك فلاعبهم، فأخذهم المنصور وذهب الى شاطىء البحيرة، فأجلست ام يزيد كل من فردوس وإقبال الى جوارها، فرفعت إقبال حجاب وجهها وقالت: إسمحى لى بالمغادرة اليوم، فضحكت أم يزيد وقالت: أمللتى منا فى يوم، فكيف إذا عشتى معنا طوال العمر، فإبتسمت إقبال وإحمر وجهها وخفضت بصرها، فضحت فردوس وقالت: والله ما اسعد الحياة الى جواركم، فقالت أم يزيد لفردوس: احسنتى، ورفع الله قدرك، وأحسن اليك إذ أذهب عنك الحزن، فليس بالحزن يحفظ الأنسان نفسه واهله، وانما بالعقل والحكمة، فعمرو ابن عمى قبل ان يكون زوجى وزوجك وقد مات، فإطرحى الماضى خلفك وأستقبلى حياتك، فقالت فردوس: تعلمى ما اخشاه، فقالت الخيرزان: لا تخشى شىء فقد اوصيت يزيد قبل ان يغادر بأن يشترى الدكان من الدائنين ويكتبها بأسمك، فإعتبريه ميراثك وميراث اولادك الذى غرق مع عمرو، فهى اصلح لك من الدار، وسوف يشترى الدار وتعيشين فيها ولكنها ستبقى ملكه هو واخوه المنصور، فأرادت فردوس ان تقبل يد الخيرزان فجزبت الخيرزان يدها، ثم ضمت فردوس وإقبال اليها وقبلتهما وقالت: انتما بنتى اللتين كنت اتمنى ان ارزقهما، فقامتا فقبتلا رأسها، فإندفعت ام يزيد فى البكاء وقالت: مات عمرو الذى لم احب فى حياتى غيره، فجحد حبى وكسر قلبى، فأخذت فردوس تخفف عنها وقالت: قد يعوض الله عليك بمن هو خير منه، فتوقفت ام يزيد عن البكاء وقالت: قد لاقى جزاء عمله، فضحكت فردوس وقالت: بناتك جياع، فتبسمت ام يزيد وقالت: تعجلى الطعام فلست انا الذى اعده، فقامت فردوس تتعجل الطعام، ونادت ام يزيد على المنصور ليحضر الأولاد وينصرف ليلحق بيزيد فى الدكان. وإقبال قد شغلها وأسعدها كلام أم يزيد وتلميحها حتى إنها لم تشعر بما تأكل، وفإختلت بنفسها طوال يومها تتقلب بين الأحلام والأمانى.
حضر يزيد فى المساء ومعه المنصور وقد احضر معه الفالوزج ولحم الشواء وكانوا جميعآ جالسين فى القاعة يتسامرون ويضحكون ففرح لفرحهم فدخل المنصور بلحم الشواء الى المطيخ وأعطاه لهنادى ودخل يزيد الى حجرته لإستبدال ثيابه فلحقت به أمه وأخبرته بتلميحها لإقبال، وبشرته بموافقتها، فغمرته الفرح, فقالت له الخيرزان: هل إشتريت الدار والدكان من الدائنين، فقال: ليس بعد، فأنا افاوضهم حتى لا يطمعوا، فقالت: إذا إشتريت الدكان، فإشتريها لصالح فردوس وأشهد شيخ التجار وسجل البيع عند المحتسب، اما الدار فإشتريها لصالحك، فقال: حاضر، ثم خرجت الخيرزان ولحق بها يزيد ومعه الفالوزج، فاجلس شهد على حجره واخذ يطعمها الفالوزج، فقالت له فردوس: انزلها عن حجرك فلو تعودت عليه فلن تتركه ابدآ، فضحك يزيد وقال لشهد: لا تتركيه ولو تزوجتى، ففرحت شهد واخذت تهتز وهى جالسة على حجره، ثم اخذ يطعمها حتى شبعت فأنزلها عن حجره واجلس سندس فأخذ سندس الحرج ففالت لها فردوس: لا تخجلى فيزيد اخوك، فاطعمها حتى شبعت ثم انزلها عن حجره، فقالت ام يزيد: اشم رائحة لحم الشواء، فهل احضرته، فضحك وقال: وهل اتأخر عن طلبك يا احب الناس الى قلبى ، ففرحت فردوس لأنها تحب لحم الشواء، فنادى يزيد على هنادى بأن تسرع فى إعداد المائدة، وبعد الإنتهاء من الطعام دخلت ام يزيد الى حجرتها، فصعدت إقبال وفردوس كل منهما الى حجرتها، ودخل يزيد والمنصور الى حجرتهما.
وفى الصباح طلبت فردوس من هنادى إعداد الطعام على شاطىء البحيرة فقد تعودت على ذلك، واخذت شهد وسندس تلعبان فى الماء وقد نزعت كل منهما ثيابها إلا ما يستر عورة الطفلة، وجلس المختار الى جوار امه يلعب فى الرمال، فأقبلت إقبال فجزبت فردوس لتنزل معها الى البحيرة، وكل منهما فى ثوبها، فقالت لها فردوس: اين يزيد والمنصور، فقالت: قد خرجا، فقامت فردوس ونزلت معها البحيرة، وفى الماء حدثت إقبال فردوس فى كلام ام يزيد لتعرف رأيها، فأخبرتها فردوس بانها لن تجد لها من هو افضل من يزيد، ولكن عليها الأن ان تنسى كلام ام يزيد حتى تنتهى عدتها، فوجدت إقبال أن الصواب فى قول إختها.
وفى المساء اقبل يزيد وقد ظهر عليه الأرهاق، فتحامل على نفسه وصعد الى الطابق الأعلى ودخل على فردوس حجرتها لأول مرة فإندهشت فردوس فأعطاها الفالوزج لتطعم أولادها، فلما نظرت اليه فردوس اصابها الفزع وقالت له: ما بك، فقال: قدمى يؤلمنى، فقالت: لا بأس عليك، وهل علمت امك بذلك، فقال: مررت عليها لاعطيها نصيبها من الفالوزج فوجدتها قد نامت فكرهت ان اوقظها فتركته بجوارها وإنصرفت، فقالت له فردوس: اجلس حتى احضر لك الطعام، فقال: لا استطيع، فقدمى تؤلمنى، ثم سقط على الأرض ولكنه لم يفقد وعيه، فإضجع على بساط الأرض، فوقعت فردوس فى حيرة، فقالت له: تحامل على نفسك وإضجع على السرير، وسوف ابيت انا واخوتك فى الحجرة المجاورة لحجرة إقبال فهى خالية، فقال: لا والله لا تغادروا حجرتكم، وقام ليذهب الى حجرته فسقط على الأرض مرة اخرى، فعلمت فردوس انه لن يستطيع ان يضجع على السرير، ففرشت فراش على بساط الأرض فتقلب يزيد حتى نام فوقه، ونامت شهد وسندس والمختار على السرير، وقضت فردوس معظم ليلها تبلل قطعة من القماش بالماء البارد وتضعها على جبينه، حتى علمت انه فد غلبه النوم، فقامت فنامت فى الحجرة المجاورة.

● [ يتبعها ● خوف عمر على فردوس ] ●

مجلة توتة وحدوتة الإلكترونية . البوابة
الحكايات من تأليف رئيس تحرير المجلة