بّسم الله الرّحمن الرّحيم
حكايات توتة الملتوتة
حكاية الخيرزان


خوف عمر على فردوس
قام يزيد فى الصباح وقد تحسنت صحته فدخلت عليهم امه وهى مفزوعة تبحث عنه، بعد ان دخلت حجرته فلم تجده، فوجدت الفراش وكان لايزال على بساط الأرض، فقالت: لمن هذا الفراش، فقالت فردوس: قد كان يزيد مريضآ بالأمس، فطلبت منه ان يضجع هنا حتى ألاحظه، فقالت ام يزيد: سلمتى يا ابنتى، والله انك لمن بيت طيب، واهل كرام، فأصاب فردوس الخجل ونظرت الى الأرض، فقال يزيد لأمه: والله لقد صدقتى، فقد فعلت ما تفعله الأم لإبنها، فقام يزيد وتوجه لحجرته ليأخذ المنصور وينصرفا الى اعمالهما، فقالت فردوس لأم يزيد: سوف امر على إقبال فأخذها، فتعالى فتناولى معنا الطعام على شاطىء البحيرة، فقالت: هواء البحيرة يتعبنى فسوف اتناوله فى حجرتى، وإنصرفت، فإنطلقت فردوس الى الشاطىء تتبعها إقبال واولادها، فوجدوا المنصور جالسآ على الرمال، فأخبرته ان يزيد يبحث عنه فإنطلق، فجلسوا يتناولون الطعام، وبعد تناول الطعام أخذت إقبال شهد وسندس نزلت بهما البحيرة وهم جميعآ فى ثيابهم، فلما إطمئنت فردوس لخلو المكان، قامت فنزلت الى الماء وأخذت تسبح فى الماء وهى فى ثيابها وقد ظهرت عليها السعادة، وإقبال تسابقها، حتى اكتفوا فخرجوا من الماء فضربت إقبال كلآ من شهد وسندس بيدها على مؤخرة كل منهما وهى تضحك فأسرعتا تجريان الى داخل الدار وإقبال خلفهما وفردوس خلفهما تحمل المختار، وعند الدخول الى القاعة للصعود الى الطابق الأعلى، وجدوا ام يزيد جالسة وعليها كامل حجابها فى القاعة وعلى المقعد المجاور جلس رجل عليه الوقار قد اختلط سواد لحيته ببياضها، والى جواره إمرأة فى نقابها، فما إن شاهدت إقبال وفردوس ذلك حتى أسرعا الى الدرج وأخذت كل منهما تجرى حتى كادت فردوس ان تسقط من فوق الدرج، او يسقط إالمختار من يدها الى ان دخلت فردوس حجرتها ومن خلفها إقبال وهما فى شدة الإضطراب، فالثياب عليهما مبتلة بالماء وقد التصق بعضها بجسمهما، أما الشيخ فقد حول بصره بسرعة واخذ يستعيذ بالله، ثم قال وقد إنتابه الغضب: ما هذا الذى يحدث فى دار اخى يا ام يزيد، فقالت: إنما هو زنبى، ولا شىء عليهما، فقد غفلت عن ان اخبرهما بوجودك، وقالت زوجته: المرء فى داره على راحته، يا شيخ عمر، فذهب عنه غضبه وقال لأم يزيد: لا تؤاخذينى، فقد فاجئنى ما رأيت، فقالت: إنما رغبوا فى السباحة ولم يعلموا بحضورك، وقد شاهدت ما إنتابهما عندما شاهدوك، ففردوس إمراة مؤمنة عفيفة قابضة على دينها، وكذلك اختها، ولا نزكى على الله احد، فقال: احسنتى، ثم سألها عن يزيد والمنصور، وهل يقيمان معهم، فقالت: نعم، فالتحريم بينهم على التأبيد، فثار وقال: أغلقوا باب الشيطان، فقد طلبها إبنك للزواج قبل ابيه، فلا ينبغى ان يأتى احدهم الى هذه الدار ابدآ، إلا زائرآ محتشمآ يزور ثم ينصرف، وليذهبا فيقيما فى دارك، وإياك وان يختلى احدهم بها، فهى ليست امه، إنما هى أرملة ابيه، ثم قال: الأفضل ان أخذها هى وأولادها لتعيش فى دار مستقلة بها، معززة مكرمة فى الموصل، وسط اهلنا حتى تنتهى عدتها، ويقدر الله لها الزواج، فلا غنى لها عنه ليعفها ويعصمها، فإستطلعى رأيها، وكانت فردوس فى حجرتها تستمع الى كلام عمر، فقالت لها إقبال: لا توافقى وتتركينى، فلما دخلت عليها ام يزيد لتخبرها، نزلت معها فردوس وهى فى كامل حجابها، فلما جلست، قال لها: تكلمى يا إبنتى، ماذا تختارين، فقالت: ابقى هنا الى جوار أختى إقبال واختى ام يزيد حتى تنتهى عدتى، ان شاء الله، ثم بعدها احضر ان شاء الله لأقيم بينكم، فهذه رغبتى، وهذا اختيارى، فقال عمر: اتم الله عليك بنعمة وعافية يا ابنتى، وحافظى على نفسك فإنى خائف عليك وراغبآ فى ان تعيدى التفكير ودار ام يزيد فى الموصل تسع الجميع، وهناك اموال ام يزيد التى اديرها لها، فانا اشعر ان الخير ان شاء الله فى ذلك، واخاف من استمرار وجودك فى هذه الدار، ثم قال لأم يزيد: حافظي عليها يا ام يزيد، فهى امانة عندك حتى تنتهى عدتها، ثم قام لينصرف، والى جواره زوجته أم الفاروق، فقالت ام يزيد: اقضوا معنا اليوم، فقال: قد قضيت ما حضرت من اجله، ثم إنصرف، فأخذت ام يزيد تبكى، فقالت فردوس: من اى شىء تبكين وقد نفذت طلبكما، فقالت: طلبنى عمر فرفضته وفضلت عليه عمرو، فإندهشت فردوس وقالت: وهل مثله يُرفض ويُفضل عليه عمرو، لولا النصيب، فقالت ام يزيد: نعم، إنه النصيب الذى جاء من سوء الإختيار، ثم سكتت من حزنها،
واقبل يزيد والمنصور مع الغروب، فتلقته امه وأخبرته بزيارة عمه وما حدث فيها، فقال: وهل اخبرتيه برغبتى فى الزواج من إقبال، وأننى قد نسيت كل ما مضى من امر فردوس، وانها الأن لا تزيد عن كونها أرملة ابى، فقالت: غاب عنى ذكر ذلك، فقال: إطمأنى يا امى، فوجودى انا والمنصور ضرورة لحمايتكم، فكيف تعيشون بدون رجل محرم لكم، ففرحت الخيرزان وإستبشرت خبرآ. فأعطاها الفالوزج ولحم الشواء ثم دخل الى حجرته، ولم يخرج لتناول الطعام، فلما جلسوا لتناول الطعام أصروا جميعآ على عدم تناول الطعام يدونه، وكانت فردوس فى ثوب الدار وإقبال فى حجابها، فخرج لهم يزيد وعاد الأمر الى طبيعته.
واصبح يزيد وقد عقد العزم على السفر الى الموصل لإخبار عمه بالأمر، فدخل على أمه واخبرها بذلك، فنصحته ان ينتظر حتى تحدث فردوس فى ذلك، فلما حدثتها وأخبرتها صراحة وبدون تعريض برغبة يزيد فى الزواج بإقبال بعد إنتهاء عدتها، ففرحت وقالت: لا داعى للسفر الى الموصل، فالأمر يخصنا، وقد رضيت وإطمئننت لقولك، فنزلت الخيرزان وأبلغته فذهب الى دكانه، وعرضت فردوس لإقبال برغبة يزيد فى الزواج منها، فظهر عليها القبول، وظهرت الفرحة على وجهها، فإستبشرت فردوس خير.
وحضر يزيد فى المساء فى موعده، فما إن دخل الدار حتى اسرعت إليه شهد وسندس فإعتنقما وأخذ يضحك ويمازحهما ويداعبهما ثم جلس فى القاعة واخذ يطعمهما الفالوزج، وفردوس تنظر ولا تسعها الفرحة، فمالت عليها إقبال وهمست لها: رُب ضارة نافعة، فلما انتهوا من تناول طعامهم وإنصرفوا، إضجع يزيد على فراش الأرض فى القاعة، فغلبه النوم حتى إنتصف الليل ثم إنتبه فذهب الى حجرته فقضى ما تبقى من الليل.

● [ يتبعها ● يزيد يتزوج إقبال ] ●

مجلة توتة وحدوتة الإلكترونية . البوابة
الحكايات من تأليف رئيس تحرير المجلة