بّسم الله الرّحمن الرّحيم
حكايات توتة الملتوتة
حكاية الخيرزان


وفاة الخيرزان
اصبح لفردوس تجارتها مما جعلها تشعر بقوة مكانتها، فأعدت نفسها لمغادرة الدار والإستقلال بحياتها مع اولادها بعد وفاة الخيرزان، خاصة وإن الخيرزان قد أصابها المرض فلازمت فراشها، ولكنها لاتزال تتحكم فى الدار وهى مريضة، وفردوس لا تريد ان تترك الدار فى حياة الخيرزان لكثرة أفضالها عليها، وتفرغت فردوس لخدمة الخيرزان خلال مرضها عرفآ بجميلها، فقالت لها الخيرزان: إذا قدر الله أن يكون هذا هو مرض موتى، بإنتهاء عمرى، فلا تغادرى الدار بعد موتى، حتى لا ينتزع يزيد منك اولادك، وإنتظرى حتى تكبر بناتك، او تقوى شوكتك فيهابك فلا يُقدم على ما يضرك ويضره، فقالت فردوس: حسبتك انك ستنصرين إبنك، فقالت الخيرزان: خِفت ان تتعجلى، فيدب الشجار بينكما، فتحل البغضاء محل المودة، فتقطى رحمك ورحم اولادك، فإبتسمت فردوس وقالت: وكيف تقوى شوكتى، فقالت الخيرزان: أعدى نفسك لإدارة الدار بعد وفاتى، فتقوى شوكتك إذا ادرتيها بالحكمة وليس بالعاطفة، فتخلفينى فى إدارتها، فتقوى شوكتك ويهابك يزيد ولكن إحترسى من الغرور والتصلت فتقضى على نفسك واولادك، ولا تنافسى إقبال ولا تهابيها فإنها مخلصة لك وتابعة لهواها، فإستفيدى من إخلاصها لك، ولا تجورى عليها فتظلمى نفسك، فبكت فردوس وقالت: إذا فقدتك لا قدر الله، فقد خسرت عمرى كله، فإبتسمت الخيرزان وقالت: كل شىء بقدر، ثم نامت فتركتها فردوس وخرجت وهى تتعجب من شخصية الخيرزان التى تحيرت فيها.
لم يكن هذا هو مرض الموت للخيرزان، فقد تعافت وعادت اليها عافيتها، وقد إطمئنت اليها فردوس الى ابعد الحدود، فصارحتها برغبتها فى ان تبيع كل مجوهراتها وتطلب من نافع تجهيز قافلة للتجارة الى بلاد الهند، فضحكت الخيرزان وقالت: ما شطح حتى نطح، امامك عشر سنوات حتى تكون لك قافلة الى الهند، فمجوهراتك قد تكفى لتجهيز قافلة الى بلاد الشام إذ امدك يزيد بالأبل وإلا فأمامك ثلاث سنوات على الأقل لتجهزى قافلة الى الشام، فقالت فردوس: لا اظن ان يزيد يرفض، فطلبت منها الخيرزان ان تنادى على يزيد، فلما حضر قالت له الخيرزان: إن فردوس ترغب فى ان يكون لها قافة الى بلاد الشام، فإصحبها لتبيع مجوهراتها، ثم إشترى لها مخزن، وإجعل رباح حارسآ عليه، فضحك يزيد ونظر الى فردوس وقال: تريدى ان تنافسينى فى اسواق الشام، فإضطربت فردوس، فأسرعت الخيرزان وقالت لها: إن يزيد يمزح، فليس له قوافل تتجه الى الشام، فإن قوافله كلها تتجه الى الهند والقليل منها الى اليمن وحضرموت، فضحكت فردوس وقالت: فإحترس منى، فقال يزيد لفردوس: إحتفظى بمجوهراتك لشراء البضائع، فإنى قد إشتريت مخزن عمرو ويمكنك ان تستخدميه وعندى من الإبل فائض يمكنك ان تستخدميه حتى يتيسر لك الشراء، فغمرت فردوس البهجة وقالت: جزاك الله عنى خيرآ، فما عند الله خير وأبقى، فأسعد يزيد قول فردوس فقال لأمه: سوف اجعل رباح الى جوار حارسى مهران على المخزن، فقالت: احسنت، فقال لفردوس: من ستجعلين على رأس القافلة، فقالت: نافع، فقالت الخيرزان: لا يصلح لقوافل الشام، ثم قالت ليزيد: أرسل احد عمالك الى السوق، واطلب منه ان يبحث عن رشيد الحمال ثم يحضره، فقال يزيد: اخاف ان يضيع مالها كما اضاع مال ابيه، فقالت الخيرزان: ارسله ولا تخاف، فأخذ يزيد اخوه المنصور وإنطلق الى الدكان ورباح يمشى خلفهما، فقال فردوس للخيرزان: من رشيد هذا، فتنهدت الخيرزان وقالت: شاب ضاع ماله فصبر، واصبح حمالآ بعد ان كان تاجرآ إبن تاجر مشهود له بالصدق والوفاء، فقد كان ابوه حرب تاجرآ له مكانته فى السوق، وكان له شريك فى تجارته يدعى زيدان، فكان يتبادل هو وشريكه الخروج بالقافلة الى بلاد الشام، وكان حرب حريص على ان يأخذ رشيد معه منذ صغره ليعلمه التجارة فيخلفه من بعده فى تجارته، وكان إذا خرج حرب بالقافلة حضرت جميلة زوجة زيدان لتقيم مع رومية فى الدار طوال النهار، ولا تعود الى دارها إلا عند الغروب، وكذلك كانت تفعل رومية إذا خرج زيدان بالقافلة، فتأخذ رشيدة لتقيم مع جميلة حتى الغروب، وكان كل من حرب وزيدان يحافظ على زوجة الأخر فى غيابه، وذات يوم حضرت زبيدة اخت زيدان الى دار جميلة لطلب حاجة لها من جميلة فلم تجدها فظنت انها فى دار حرب، فذهبت الى دار حرب لمقابلتها، فلما فتحت لها رومية الباب اخبرتها بأنها كانت عند جميلة طوال اليوم لخروج زيدان بالقافلة وقد تركتها فى دارها عند الغروب، فقالت زبيدة: هى ليست فى دارها، فقالت رومية: لعلها خرجت لبعض شؤنها وسوف تعود، ولكن زبيدة ارادت ان تدخل عنوة وقالت فى حدة: ما أرى إلا انها بالداخل وتتهرب منى، فدفعتها رومية وقالت لها: كيف تدخلى وزوجى داخل الدار يغتسل، اما تستحى، فثارت زبيدة وقالت: تدفعين اسيادك، ثم لطمت رومية على وجهها واسرعت بالإنصراف، فأسرعت رومية وإرتدت حجابها لتلحق بها فتلطمها كما لطمتها، ولكن حرب منعها، وقال: قد سمعت حواركما، فإتركى هذا الأمر حتى يعود اخوها، فلما عاد زيدان بالقافلة اسرعت زبيدة فتلقته على ابواب بغداد وقالت له: قد خانك الذى إستأمنته على زوجتك، فقد ذهبت الى دارك بعد الغروب لحاجة لى عند جميلة فلم اجدها، فذهبت اطلبها فى دار حرب فمنعتنى رومية ودفعتنى وقالت: لا تدخلى عليها فإنها تغتسل، فكيف تغتسل زوجتك فى غير دارها، فتملك زيدان الغضب واسرع وهو فوق بعيره الى داره لقتل جميلة ثم قتل حرب، فوجد مُصعب بالدار ومعه زوجته عقيلة، فإختلى زيدان بمُصعب وحدثه بما اخبرته به زبيدة، إنتفض مُصعب غاضبآ وقال: كانت اختى فى دارى تعود زوجتى لمرضها، وقد قضت ليلتها الى جوارها، فظن زيدان ان مُصعب يريد تخليص اخته من الفضيحة، فركب زيدان بعيره وتوجه الى الدكان فوجد حرب فى إنتظاره، فأخبره بلطم زبيدة لرومية عندما منعتها من دخول الدار وهو يغتسل،، فقال زيدان: ومع من كنت تغتسل، فقال حرب متعجبآ: ما هذا الكلام،فسل زيدان سيفه يريد قتل حرب وهو يقول: لن تسلم بفعلتك، ثم ضربه به، فإتقى حرب الضربة، ودفعة دفعة قوية، سقط على أثرها زيدان على الأرض، فنفذ سيفه داخل بطنه فقتله، وشهد من حضر بالواقعه امام القاضى فحكم القاضى بعدم مسؤلية حرب واخلى سبيله، ولكن زبيدة إستأجرت من قتل حرب إنتقامآ منه، فورث رشيد تجارة ابيها، فقالت فردوس: وكيف تحول من تاجر الى حمال، فقالت الخيرزان: إنتظرى حتى يحضر وإسأليه، ولم تمضى إلا الساعة حتى حضر رشيد، وكانت الخيرزان جالسة فى القاعة والى جوارها فردوس بينما اخذت إقبال البنات وسندس وشهد والمختار وجلسوا على رمال الشاطىء يتناولون طعامهم، فدخل رشيد الى القاعة وبيده قفصه فنظرت اليه فردوس وقد ارخت على وجهها ما يحجبه، فإذا هو شاب جميل المنظر، قوى البنية، مفتول العضلات، فارع الطول، فقالت فى نفسها: كيف يكون هذا حمالآ بالسوق، فوقف امام الخيرزان وقال ونظره لا يفارق الأرض: امر مولاتى الخيرزان، فقالت له الخيرزان: اريد ان أستأجرك لتكون حارسآ للدار، فقال: يشرفنى ان احرس دار مولاتى الخيرزان، ولكن مولاتى تعلم اننى حمال بالسوق ولست حارسآ للدور، فإبتسمت الخيرزان وقالت له: وهل انت حمال، فقال: بقضاء الله وقدره يا مولاتى، وقد رضيت به، فقالت له: اجلس يا رشيد، فجلس على الأرض، فقالت له: اجلس على المقعد، فقام وجلس على المقعد ولايزال بصره مُعلق بالأرض، وفردوس تتابع حوارهما بدهشة، فقالت الخيرزان: أخبر مولاتك فردوس كيف تحولت من تاجر الى حمال بالسوق، فقال رشيد: كنت تاجرآ ورثت تجارة ابى بعد مقتله، فانا اعرف اسواق دمشق كلها، وتجارها يعرفونى، ويفضلون التعامل معى لحسن سيرة ابى يرحمه الله، مما دفعنى الى ان أجمع كل مالى فى قافلة الى بلاد الشام، وقد إتخذت من الحرس ما يكفى لمخاطر الطريق، ولكنى لم اُحسن إختيار اعوانى، فقد كنت على علم بأن عقيل كان مواليآ لزيدان شريك أبى، ولكنى احسنت الظن به بعد أن إختار الإنضمام الى جانبى عند قسمة المال بين ورثة ابى وورثة شريكه زيدان، ولم اكن اعلم انه قد إنضم الى جانبى ينتقم منى، فخاننى بعد ان اعماه شر الإنتقام وغرته الدنيا ففضلها على الأخرة، فإتفق مع بعض لصوص القوافل على قتلى ونهب القافلة، فأخبرهم بمسير القافلة ومبيتها، فتسللوا تحت جنح الظلام فجردوا كل الحرس من سيوفهم، ثم هاجموا القافلة عند شروق الشمس، فلم نجد امامنا غير الإستسلام لهم، فلم يقتلونى ولكن ساقونى مكبلآ الى زعيمهم، فلما وقفت امامه قال لعقيل: ماذا بينك وبين هذا الرجل، فقال: قتل ابوه إبن عمى غيلة، فقلت: بل إبن عمه هو الذى قتل نفسه، فقتلوا ابى به ظلمآ، ومعى من الرجال من حضر النزاع ويشهد بذلك، فتقدم رجل من القافلة يدعى حنظلة فأخبر الزعيم بالواقعة، فقال الزعيم: لا احب الخيانة، وإن كنت لصآ، ثم امر رجاله فقتلوا عقيل، ثم ساق الإبل التى عليها البضائع، وترك لنا الإبل التى نركبها والتى عليها زادنا، فعدنا الى بغداد، وقد ضاع كل مالى بقدر الله، فحمدت الله على ان مصيبتى لم تكن فى دينى ولا فى أهلى، فبعت الدكان والمخزن وسددت ما علي من ديون للتجار عند تجهيز القافلة، وتحولت من تاجر الى حمال بالسوق ورزقى يكفينى والحمد لله، فقالت فردوس: انت شاب صابر مكافح ولن يضيع الله اجرك، وقد احسنت اختى ام يزيد فى اختيارك، فقالت الخيرزان: مولاتك فردوس تريدك ان تجهز لها قافلة الى بلاد الشام وتخرج بها ولك عُشر ربحها انت ورجالك، ففرح وقال: انا خادم مولاتى، وسوف اكون عند حسن ظنها، وسوف اثبت لمولاتى ان مولاتى الخيرزان قد احسنت الأختيار لها، فقالت الخيرزان: كم يلزمك من الوقت لتعد القافلة، فقال: إن وجد المخزن والإبل، فثلاث شهور تكفى إن شاء الله، فقالت الخيرزان: إحضر لمولاتك فردوس هودجآ وإنتظر حتى ترتدى ثوب خروجها، ثم إصحبها الى سوق الجواهر لبيع بعض مجوهراتها، ثم إصحبها فى طريق عودتها وإنتبه لسلامتها، فقال: لو إنتظرت مولاتى حتى أعاين المخزن واختار رجالى، وفى الغد اصحبها مع بعض رجالى الى سوق الجواهر لأضمن حمايتها من اللصوص، فإبتسمت فردوس وقالت للخيرزان: قد احسن القول، فقالت الخيرزان لرشيد: فإذهب الى سيدك يزيد فى دكانه وتدبر معه الأمر، فإنطلق رشيد وهو لا تسعه البهجة،
ومرت الشهور الثلاث، وإنتهى رشيد من تجهيز القافلة، وكانت امه قد تزوجت ورحلت مع زوجها الى البصرة، فلم يعد لأخته رشيدة غيره، فكيف يتركها ويخرج بالقافلة، ففكر فى ان يتركها فى دار يزيد حتى يعود من رحلته، فعرض الأمر على فردوس فرحبت وجعلتها لخدمة الخيرزان بعد أن عاد اليها المرض وإشتد عليها، وجعلت لها راتبآ ثلاث دنانير كل هلال، ففرح رشيد وأسرع كالريح المرسلة ثم عاد ومعه اخته رشيدة وقد اوصاها بعد الإختلاط بهنادى، وبالإخلاص فى خدمة الخيرزان والسهر على رعايتها، فلما دخل بها الى القاعة وجد فردوس جالسة بها تنتظر عودته برشيدة، فلما نظرت الي رشيدة وجدتها صبية جميلة حديثة المحيض، فقال رشيد: اختى رشيدة يامولاتى، فأسرعت رشيدة فقبلت يد فردوس، فسحبت فردوس يدها وأجلست رشيدة الى جوارها وقالت لها: انت لست خادمة فى دارى إنما انت ضيفتى حتى يعود رشيد، ثم اخذت بيدها ودخلت بها على الخيرزان، فأقامت رشيدة الى جوارها وسهرت على العناية بها، وخرج رشيد بالقافلة مع غروب شمس اليوم التالى، ولم تمكث الخيرزان بعد مغادرة رشيد بالقافلة إلا اسابيع قليلة وإنتهى اجلها وفارقت الحياة، وورث يزيد والمنصور المال كله، فحضر عمر ومعه زوجته، وبعد إلإنتهاء من واجب العزاء اخبره يزيد بأنه سوفت يتولى إدارة دكان بغداد، سوف يترك له إدارة دكان الموصل كما هو, فرحب عمر بذلك، وقبل ان يغادر عمر الدار، قال لزوجته ام الفاروق: إختلى بفردوس وأخبريها بضرورة زواجها، فإن إقامتها فى الدار بعد ان ماتت الخيرزان لا تصح، واخبريها بأنى افضل لها هارون، فهو رجل صالح ولا نزكى على الله احد، وسوف يحافظ على مالها وينميه إن شاء الله، فإختلت بها ام الفاروق وأخبرتها فقالت فردوس: إن يزيد قد جهز نفسه للخروج بقافلة تجارته الى الهند، لذلك سوف أنتظر عودة قافلة تجارتى من الشام وأشترى لى دار وأنتقل اليها إن شاء الله بعد عودة يزيد من رحلته، فأنا لا افكر فى الزواج الأن حتى تكبر بناتى، فإنشرح صدر عمر لقولها، فقال: هذا هو الصواب إن شاء الله، والله المستعان، ثم إنصرف يزوجته، فأخذت فردوس تبكى على فراق الخيرزان فكانت اشدهم حزنآ عليها، على الرغم من انها قد حلت محلها وتولت إدارة الدار واصبحت هى المتحكمة فيها،

● [ إنتهت حكاية الخيرزان ] ●
وتتبعها حكاية فردوس

مجلة توتة وحدوتة الإلكترونية . البوابة
الحكايات من تأليف رئيس تحرير المجلة