القسم الأول: الجملة الرابعة : الشرايين

    شاطر
    avatar
    الإدارة
    Admin

    عدد المساهمات : 820
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    القسم الأول: الجملة الرابعة : الشرايين

    مُساهمة من طرف الإدارة في الأحد ديسمبر 11, 2016 4:38 pm


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    شرح تشريح القانون لإبن سينا
    تأليف : إبن النفيس
    الجملة الرابعة : الشرايين

    ● [ الفصل الأول ] ●
    كلام كلّي في صفة الشرّيان

    قد كان ينبغي للشيخ أنه بعد الفراغ من الكلام في العصب أن يتكلم في الأربطة واللحم ليستوفي الكلام في أجزاء العضل وإنما لم يفعل ذلك لما عرف من كلامه في العضل كما قلناه.
    ونحن نبتدئ به في ذلك ها هنا، ونبسط الكلام في هذا وأشباهه في الكتاب الكبير الذي نعمله في الصناعة الطبية إن شاء الله تعالى. والله ولي التوفيق.
    قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه العروق الضوارب وهي الشرايين ... إلى آخر الفصل.
    الشرح
    قد تكلمنا فيما سلف من شرحنا للكتاب الأول من كتب القانون في حقيقة الشرايين وهيئتها ما يستغنى به عن الإطالة ها هنا فليراجع ذلك من كلامنا في الأعضاء.
    وقد كان ينبغي أن يكون الكلام في الشرايين قبل الكلام في الأعصاب لأن الابتداء بفروع ما هو أشد رئاسة أولى، وإنما قدم العصب لأن الكلام فيها من تتمة الكلام في العضل.
    والله ولي التوفيق.


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    ● [ الفصل الثاني ] ●
    صفة الشّريان الورّيدي

    والكلام فيه يشتمل على ثلاثة مباحث :

    ● [ البحث الأول ] ●
    كلام خاص بهذا الشّريان

    قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأول ما ينبت من التجويف الأيسر ... إلى قوله وأما الشريان الأكبر وهو الأكبر وتسميته.
    الشرح
    إن هذا العرق شبيه بالأوردة وشبيه بالشريان.
    أما شبهه بالأوردة فلأنه من طبقة واحدة، وأن جرمه سخيف، وأنه على قوام ينفذ فيه الدم لغذاء عضو.
    وأما شبهه بالشرايين فلأنه ينبض وينبت على قولهم من القلب، وينفذ فيه هواء التنفس، ولما كان نبض العروق من خواص الشرايين لا جرم، كان إلحاق هذا العرق بالشرايين أولى. ولذلك سمي شرياناً وريدياً لا وريداً شريانياً.
    ونقول إن العروق التي تنبت في الرئة تخالف جميع عروق البدن، وذلك لأنه في جميع الأعضاء يكون للعرق الضارب طبقتان ولغير الضارب طبقة واحدة والضارب مستحصف وغير الضارب سخيف. وعروق الرئة بالعكس من هذا. واختلفوا في سبب ذلك فقال إسقليبيداس: إن ذلك لأن شرايين الرئة شديدة الحركة كثيرتها جداً فتهزل. وذلك لأنها تنقبض بنفسها وتنبسط وتنقبض تبعاً لانبساط الرئة وانقباضها والحركة المفرطة تهزل. وأما أو ردتها فإنها تتحرك تبعاً لحركة الرئة فقط.
    والحركة المعتدلة مسمنة مغلظة للجرم. وأما في باقي الأعضاء فإن الشرايين إنما تتحرك بنفسها فقط. فتكون حركتها متوسطة فتحصف وتغلظ. والأوردة ساكنة دائماً. وذلك مهزل مذبل للأعضاء. وقد أفسد هذا جالينوس بأمرين: أحدهما: أنه لو كان كذلك لكان الاختلاف إنما هو بزيادة الغلظ وقلته لا بعدد الطبقات.
    وثانيهما: أنه لو كان كذلك لكانت هذه العروق قبل عروض هذه الحركة متساوية في الرئة وغيرها، وذلك كما في الأجنة، فإن رئاتهم لم تكن بعد تحركت، ومع ذلك فإن عروقها تخالف عروق سائر الأعضاء.
    والذي ذهب إليه جالينوس أن سبب ذلك هو أن شرايين الرئة الحاجة إليها جذب الهواء إلى القلب ودفع فضوله فيحتاج أن تكون سهلة الإجابة لمتابعة الرئة في انبساطها وانقباضها، ولا كذلك الأوردة فإن المقصود منها تنفيذ الغذاء. وذلك ما يضر فيه الحركة. فلذلك ينبغي أن تكون أبعد عن قبول متابعة الرئة في الحركة.
    والذي نقوله نحن الآن، والله أعلم، أن القلب لما كان من أفعاله توليد الروح وهي إنما تكون من دم رقيق جداً، شديد المخالطة لجرم الهواء فلا بد وأن يجعل في القلب دم رقيق جداً وهو اء ليمكن أن يحدث الروح من الجرم المختلط منهما وذلك حيث تولد الروح، وهو في التجويف الأيسر من تجويفي القلب.
    ولا بد في قلب الإنسان ونحوه مما له رئة من تجويف آخر يتلطف فيه الدم ليصلح لمخالطة الهواء فإن الهواء لو خلط بالدم وهو على غلظه لم يكن من جملتهما جسم متشابه الأجزاء، وهذا التجويف هو التجويف الأيسر حيث يتولد الروح. ولكن ليس بينهما منفذ، فإن جرم القلب هناك مصمت ليس فيه منفذ ظاهر كما ظنه جماعة، ولا منفذ غير ظاهر يصلح لنفوذ هذا الدم كما ظنه جالينوس فإن مسام القلب هناك مستحصفة وجرمه غليظ فلا بد وأن يكون هذا الدم إذا لطف نفذ في الوريد الشرياني إلى الرئة لينبث في جرمها ويخالط الهواء ويتصفى ألطف ما فيه، وينفذ إلى الشريان الوريدي ليوصله إلى التجويف الأيسر من تجويفي القلب، وقد خالط الهواء وصلح لأن تتولد منه الروح وما يبقى منه الروح أقل لطافة تستعمله الرئة في غذائها. ولذلك جعل الوريد الشرياني شديد الاستحصاف ذا طبقتين ليكون ما ينفذ من مسامه شديد الرقة وجعل الشريان الوريدي سخيفاً ذا طبقة واحدة ليسهل قبوله لما يخرج من ذلك الوريد. ولذلك جعل بين هذين العرقين منافسة محسوسة.
    قوله: وأول ما ينبت من التجويف الأيسر شريانان المراد بهذا أن هذين الشريانين أنهما أو ل شرايين البدن كله، إلا أن هذا التجويف تنبت منه أشياء منها هذان الشريانان.
    أولهما: وإنما كان نبات هذين التجويف الأيسر لأن الشريان المطلق منهما ينفذ فيه الروح إلى الأعضاء الأخر.
    وإنما يمكن ذلك بأن يكون تجويفه مبتدئاً من التجويف الذي يتم فيه تكون الروح وذلك هو التجويف الأيسر من تجويفي القلب.
    وأما الشريان الوريدي فلأنه عندهم لأجل نفوذ الروح إلى الرئة وأخذ الهواء منها وعندنا أنه كذلك، ولكن الهواء الذي يأخذه من الرئة لا بد وأن يكون مخالطاً للدم مخالطة تصلح معها لأن يتكون منهما الروح.
    واعلم أن نبات هذين الشريانين ليس من التجويف الأيسر بل من الجرم الذي بين بطني القلب لكنهما مع ذلك مائلان إلى التجويف الأيسر حتى يكون تجويفهما متصلاً بذلك التجويف مؤرباً كان النافذ من ذلك التجويف منحرفاً إلى اليمين قليلاً حتى يدخل في تجويفهما، ومعنى كونهما نابتين من هناك لا أنهما ناشئان من هناك كما ينشأ النبات من الأرض كما يقولون، بل أنهما متصلان بذلك الموضع كاتصال النبات وكذلك قولنا في العصب ونحوه إنه ينبت من موضع كذا من النخاع أو من الدماغ إنما نريد بذلك هذا المعنى لا ما والمشهور بين الأطباء كما بيناه في شرحنا للأعضاء.
    قوله: واتصال الدم الذي يغذو الرئة إلى الرئة من القلب.
    هذا هو الرأي المشهور. وهو عندنا باطل. فإن غذاء الرئة لا يصل إليها من هذا الشريان لأنه لا يرتفع إليها من التجويف الأيسر من تجويفي القلب إذ الدم الذي في هذا التجويف إنما يأتي إليه من الرئة لا أن الرئة تأخذه منه فأما نفوذ الدم من القلب إلى الرئة فهو في الوريد الشرياني الذي نذكره بعد.
    قوله: وليكون أطوع ليرشح منه ما يرشح منه إلى الرئة من الدم اللطيف.
    هذا أيضاً على الرأي المشهور.
    والحق: أنه ليس كذلك، بل ليكون أطوع لقبول ما ينفذ فيه من الدم والهواء الذي يوصله من الرئة إلى القلب.
    والله ولي التوفيق.

    ● [ البحث الثانى ] ●
    الشريان المسمى أورطيوهو الأبهر

    قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما الشريان الآخر ... إلى قوله: وعلى مخرج أورطيأغشية ثلاثة.
    الشرح
    لما كان الدم والهواء النافذان في الشريان الوريدي يجب أن يكونا قليلين. إما على قولهم فلأن ذلك الدم هو والنافذ في الوريد الشرياني لغذاء الرئة وهي عضو واحد. وإما على الحق فلأن ذلك الدم هو والهواء ينفذان إلى التجويف الأيسر من القلب فلو لم يكونا قليلين لزم ذلك اختناق الروح التي في ذلك التجويف فانطفأ الحار الغريزي فلذلك لا بد وأن يكون هذا الشريان صغيراً جداً بالنسبة إلى الشريان الآخر وهو المسمى أورطيلان هذا تنفذ فيه الروح إلى الأعضاء كلها.
    ولا بد وأن يكون مع هذا الروح دم رقيق كما بيناه في شرحنا للكتاب الأول فلذلك يجب أن يكون أورطيعظيماً جداً، ولأن ما سوى التجويف الأيسر من القلب فهومحتاج إلى نفوذ الروح إليه، فلذلك لا بد إليه وأن ينفذ في جرم القلب شعبتان إحداهما ظاهرة فلا بد وأن تكون محيطة به وإنما كان كذلك إذا استدارت عليه. وثانيتهما إلى باطنه وذلك هوالبطن الأيمن. وأما الجدار الذي بين البطنين فيكفيه ما يدخل في خلله من الروح التي في البطن الأيسر ويجب أن يكون خروج هاتين الشعبتين من أورطيفإن الشريان الوريدي لتخلخه لا يصلح لتنفيذ الروح إلى غير الرئة، فلا يكواتصالها به، واتصالهما بجرم القلب تلزمه زيادة في الثقوب، وذلك يلزمه ضعف جرم القلب، ولأنه أورطيتنفذ فيه الروح إلى جميع الأعضاء، فلا بد وأن يكون متصلاً بها جميعاً. فلا بد وأن يكون منه ما ينزل إلى الأعضاء التي دون القلب، ومنه ما يصعد إلى التي فوقه، ويجب أن يكون هذا التقسيم إلى قرب صعوده من القلب لأنه لو تأخر عن ذلك كثيراً لكان لهذا الشريان إما أن يأخذ في الصعود فتطول المسافة على الجزء النازل أو في النزول فتطول المسافة على الجزء الصاعد وذلك ضرر لا فائدة فيه. ويجب أن الجزء النازل أعظم من الصاعد لأن الأعضاء التي دون القلب أكبر كثيراً من التي هي فوقه.
    والله ولي التوفيق.

    ● [ البحث الثالث ] ●
    الأغشية التي في مخارج الشرايين

    قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وعلى مخرج أورطي أغشية ... إلى آخر الفصل.
    الشرح
    إن القلب تخرج منه أربعة عروق. وأما الشريان الوريدي منها فعلى مخرجه غشاءان. وأما الثلاثة الأخر فعلى مخرج كل واحد منها ثلاثة أغشية ونحن قد تكلمنا في هذه الأغشية في كلامنا في النبض كلاماً مختصراً وتمام تحقيق الكلام فيها يأتي في تشريح القلب إن شاء الله تعالى عز وجل.
    والله ولي التوفيق.


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    ● [ الفصل الثالث ] ●
    تشريح الشريان الصاعد

    قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه أما الجزء الصاع د.. إلى آخر الفصل.
    الشرح
    القسم الأكبر من القسم الصاعد من أورطي أخذ نحو اللثة كما قاله. وأما الأصغر فإنه يتفرق في كتف اليد اليسرى وفي الجانب الأيسر من الرقبة وفي سائر ما هناك من الأعضاء. قوله: حتى إذا بلغ اللحم الرخو التوتي الذي هناك انقسم ثلاثة أقسام: اثنان منها هما الشريانان المسميان بالسباتيين. السبب في انقسامه ها هنا إلى هذه الأقسام الثلاثة أنه يحتاج أن يصعد إلى الدماغ مقدار كبير من هذا الشريان لأجل إمكان حدوث الروح النفساني من الروح الحيواني النافذ فيه، ولا يمكن ذلك بأن يكون صعوده، وهو قسم واحد، إذ لو كان واحداً لكان صعوده إما في جانب واحد فيكون بعيداً عن الأعضاء التي في الجانب الآخر فيكون قسمة الروح غير عادلة أو في الوسط فيكون غير موافق لشيء من الأوداج في سلوكه فإن الأوداج موضوعة في الجانبين على ما تعرفه بعد، ولو كان كذلك لبطل استمداده الدم من الأوداج الذي لا بد منه كما بينا فيما سلف أن سلوك الشرايين يحتاج أن يكون مع الأوردة فلذلك احتيج أن يكون الصاعد إلى الدماغ قسمين، ولا بد من قسم آخر يتفرق في الأعضاء التي ذكرناها وهي القص والأضلاع والرقبة واليدان. قوله: وأما القسم الأصغر من قسم أورطيا لصاعد فإنه يأخذ إلى ناحية الإبط ولقائل أن يقول: ما السبب في احتياج هذه الأعضاء العالية إلى قسمين من الشرايين وهلا لها قسم واحد منهما? أما هذا الذي ينفصل أو لاً من الشريان الصاعد أو الذي هو الثالث من تلك الأقسام الثلاثة فإن قيل إن الواحد من هذين لا يكفي لصغره فتحتاج تلك الأعضاء إلى الآخر قلنا قد كان يمكن أن يكون أحد هذين عظيماً يقوم مقام الاثنين.
    وجوابه: أن هذين القسمين يصعد الأول منهما وهو المفضل قبل صعود الشريان إلى اللثة إلى تلك الأعضاء من الجانب الأيسر لأنه أقرب إلى هذا الجانب ويصعد الآخر وهو المنفصل عن اللثة إلى تلك الأعضاء من الجانب الأيمن، لأن هذا الجانب أقرب إلى هذا القسم الأول.
    ولو كان الأول يصعد إلى الجانبين بأن يتفرق إليهما لكان وصول أجزائه إلى الجانب الأيسر قبل وصلها إلى الجانب الأيمن، لأن هذا القسم صعوده هو من الجانب الأيسر ويلزم ذلك أن تكون قسمة الروح على الجانبين غير عادلة.
    قوله: اثنان منها هما: الشريانان المسميان بالسباتيين ويصعدان يمنة ويسرة، مع الوداجين الغائرين أما وجوب صعود هذين مع وداجين أي صحبتهما فلما قلناه في وجوب مصاحبة الشريانين للأوردة وأما وجوب أن تكون هذه الصحبة للوداجين الغائرين دون الظاهرين فلأن نفوذ هذين إلى داخل الدماغ إنما هو في مؤخره، ومن قرب مؤخره فيجب أن يكون سلوكهما مما هو أقرب إلى مؤخر الدماغ. والوداجان الغائران كذلك بخلاف الظاهرين فلذلك وجب أن يكون سلوك هذين السباتيين في صحبة الوداجين الغائرين لا الظاهرين.
    والله ولي التوفيق.


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    ● [ الفصل الرابع ] ●
    تشريح الشريانين السباتيين

    والكلام فيه يشتمل على بحثين :

    ● [ البحث الأول ] ●
    هيئة تصعد الشريانين إلى الرأس

    قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وكل واحد من الشريانين ... إلى قوله: بل تنتسج عنه الشبكة عروقاً.
    الشرح
    إن الغرض بخلقة هذين الشريانين إيصال لروح الحيواني إلى الدماغ، وإلى الأعضاء الظاهرة من الرأس والباطنة منه، وإلى التي هي منه قداماً وخلفاً. وذلك لأن هذه الأعضاء جميعها تحتاج إلى الروح الحيواني كما يحتاج إليه غيرها من الأعضاء ويحتاج الدماغ خاصة إلى أن تكون هذه الروح فيه أكثر ليحيلها إلى مزاج تصلح به لأن تصدر عنها الأفعال النفسية مضافاً إلى ما يحتاج إليه منها لاستفادته منها الحياة فلذلك هذان الشريانان يحتاجان أن يكون ما يتفرق منهما من الأجزاء كافياً لجميع أعضاء الرأس، ما ظهر منها، وما بطن وما هو من قدام، وما هو من خلف، ومع ذلك يكون ما يدخل منهما إلى داخل الدماغ كثيراً ليكون ما ينفذ إلى داخل الدماغ من الروح الحيواني كثيراً جداً، فلذلك ينقسم هذان الشريانان في تصعدهما التقسيم المذكور في الكتاب.
    والفائدة من تلاقي الأجزاء المتصعدة إلى قمة الرأس أعني تلاقي فوهات الصاعدة من اليمين لفوهات الصاعدة من اليسار أن يكون ما ينقص من الروح الحيواني لو زيد في فروع الصاعد من اليمين أو من اليسار يمكن أن يعدل بما في فروع الصاعدة من الجانب الآخر فلا تكون هذه الروح ناقصة في أحد الجانبين عن الآخر، وإنما كان نفوذ ما ينفذ إلى داخل الدماغ من هذه الشرايين ليس ينفذ من مقدم الدماغ بل إما من مؤخره أو من قرب مؤخره لأن الحق أن هذه الروح تكون عند مؤخر الدماغ على طبيعتها غير متغيرة تغيراً كثيراً، وتغيرها الكثير إنما يكون في مقدم الدماغ، والمشهور غير هذا وهيئة التشريح تصدق ما قلناه، وسنبرهن على ذلك كما ينبغي إذا نحن تكلمنا في تشريح الدماغ. إن شاء الله عز وجل.
    والله ولي التوفيق.

    ● [ البحث الثانى ] ●
    هيئة الشبكة التي تحت الدماغ

    قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه بل تنتسج عند الشبكة عروقاً في عروق طبقات من غضون على غضون ... إلى آخر الفصل.
    الشرح
    الغرض من هذه الشبكة تعديل الروح الصاعد إلى الدماغ، وهو الروح الحيواني معدلاً عن حرارة الزائدة حتى يقارب الاعتدال فيقرب بذلك من الاستعداد لأن تصدر عنه الأفعال النفسية، وإنما جعلت تحت الدماغ لا فوقه ولا إلى جانب لأن تبرد ما يوضع تحت الجسم المبرد أكثر كثيراً من برد ما يوضع فوقه أو إلى جانبه، لأن البارد وأجزاءه من شأنها التسفل لا غير، وإنما فرقت هذه العروق كالشبكة ليتفرق ما فيها من الروح إلى أجزاء صغيرة، فتكون أقبل للانفعال.
    وإنما احتيج إلى ذلك مع أن الروح وإن كانت شديدة اللطافة فإنها شديدة الحرارة، وتبرد الحار عن البارد الضعيف البرد من غير مداخلة ومخالطة بطيء جداً وعسر، فلذلك احتيج إلى هذا التفرق، ولذلك خلقت هذه الشبكة من شرايين لا تخالطها أو ردة وذلك لئلا تخالط هذه الروح الدم فيغلظ قوامها، ويلزم ذلك قلة استعدادها بسرعة الانفعال، وجعلت هذه الشبكة بين العظام الموضوعة تحت الدماغ وبين الأم الجافية المحيطة بالدماغ من أسفل، وإنما فعل كذلك لأنها لو وضعت فوق الأم الجافية لكانت مع أنها أقرب إلى جوهر الدماغ، فإنها تجاوز الدم الذي يكون في البركة التي هي المعصرة، فإن هذه المعصرة، على ما نبينه بعد هي وهذه تحدث من أسفل موضع من الأم الجافية، وذلك الموضع المتسفل مملوء من الدم، فلو جعلت الشبكة فوقه تسخنت به فإن الحرارة من شأن حاملها التصعد كما أن البرودة من شأن حاملها التسفل. وكان أيضاً تكثير ما يخالطها من الأبخرة المتصعدة من ذلك الدم لأجل حرارته، فكانت الأرواح منها تغلظ، ويقل قبولها بسرعة الانفعال، فلذلك احتيج أن يكون وضع هذه الشبكة تحت الأم الجافية، ووضع المعصرة فوق تلك الأم، ثم إذا تعدلت هذه الروح واحتيج إلى تصعدها إلى الدماغ، وجب أن تجتمع عروقها وتصير كما كانت أو لاً زوجاً، وذلك لأن هذه العروق لما كانت موضوعة تحت الأم الجافية، فإنما يمكن نفوذها إلى الدماغ بأن يخرق أو لاً تلك الأم، ولو خرقتها وهي على حالها متفرقة لزم ذلك حدوث ثقوب كثيرة جداً في الأم الجافية ولزم ذلك وهن جرمها جداً، وإنما وجب أن تكون هذه العروق بعد تجمعها زوجاً ليكون كل فرد منه يصعد من جانب فتكون قسمة الروح على الجانبين عادلة، وإنما لم يجعل منها زوج آخر أحد فرديه قدام الدماغ، والآخر خلفه، لأن هذا الزوج يجب أن يكون تصعدها أو لاً إلى البطن المؤخر من الدماغ فلذلك يكون تصعدها من قرب جانبيه فقط.
    والله ولي التوفيق.


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    ● [ الفصل الخامس ] ●
    تشريح الشريان النازل من الأورطي

    قال الشيخ الرئيس رحمة الله عليه وأما القسم الثاني ... إلى آخر الفصل.
    الشرح
    قد عرفت مما سلف أن الشريان العظيم المسمى أورطي ينقسم إلى قسمين: أصغرهما إلى أعالي البدن ويتفرق فيها، ويسمى الشريان الصاعد. وأعظمها ينزل إلى أسافل البدن، ويسمى الشريان النازل، وفائدة ذلك إيصال الروح الحيواني إلى جميع الأعضاء، لإفادتها الحياة والحياة الغريزية.
    وينبغي أن يكون نزول هذا الشريان إلى أسفل من أقرب الطرق وأحرزها والطريق الأقرب هي المستقيمة، وأحرز الطرق أن تكون قدام عظام الصلب ملاقياً لها، وإنما كانت هذه الطريق أحرز، لأنه يكون فيها من خلف محروزاً بعظام الصلب. وأما من قدام، فإن أعلاه يكون محروزاً بعظام القص، وأسفله محروزاً بالأحشاء الموضوعة أمامه.
    وأما من الجانبين فإن أعلاه يكون محروزاً بالأضلاع، وأسفله محروزاً بالأحشاء التي في جانبيه.
    وإنما احتيج أن يكون المحرز له من خلف أكبر وأعظم وهو عظام الصلب لأنه من خلف غائب عن حراسة الحس، وإنما لم يجعل أسفله محروزاً بعظام من قدامه وجانبيه كما في أعلاه لأن ذلك غير ممكن إذ لو فعل في أسا فل تنور البدن، عظام من قدامه وجانبيه لتعذر مع ذلك انحناء البدن وانعطافه إلى جهة من الجهات، وكان ذلك مانعاً من الأعمال الإنسانية ونحوها.
    فلذلك تعذر أن يكون أسفله محروزاً من قدامه، وجانبيه بعظام كما في أعلاه، وأما في أعلاه، فإن ذلك ممكن لأنه لا يعاوق عن الأعمال الإنسانية ونحوها. ولما كان القلب موضع مخرج هذا الشريان منه غير ملاق لعظام الصلب احتاج هذا الشريان في نفوذه إلى ملاقاة تلك العظام التي توجه إليها. وينبغي أن يكون ذلك على الاستقامة لئلا تطول المسافة التي هو فيها غير متكئ على عظام، وموضع انفصال هذا الشريان من الشريان الآخر الصاعد إلى محاذاة الفقرة الخامسة من فقار الظهر، فلذلك يجب أن يكون نفوذ هذا الشريان في توجهه إلى عظام الصلب، وهو إلى هذه الفقرة.
    وعند نفوذه إليها يحتاج أن ينعطف لينزل إلى أسفل فلذلك يحدث له هناك زاوية، وملاقاة تلك الزاوية لعظام الصلب مضر لا محالة لهذا الشريان، فلذلك خلقت هناك غدّة تسمى التوتة. لتكون بهذا لشريان وطئاً، وهناك يرتبط لا محالة بعظام الصلب، ويمتد عليها إلى حيث يمكنه النفوذ إلى الرجلين على الاستقامة، وذلك عند فقرات العجز فلذلك هذا الشريان يمتد على عظام الصلب من الفقرة الخامسة من فقرات الظهر إلى فقرات العجز. ولما كان النخاع جزءاً من الدماغ وجب أن تكون حاجته إلى كثرة الأرواح الحيولية قريبة من حاجة الدماغ فلذلك احتيج أن ينفذ إليه شعب كثيرة من هذا لشريان إلى النخاع شعب من كل فقرة يمر عليها. ولذلك ترسل شعباً أخر إلى الأعضاء التي يمر على محاذاتها على ما هو مذكور في الكتاب.
    قوله: ثم من بعد ذلك تنفصل منه ثلاثة شرايين: الصغير منها يختص الكلية اليسرى. السبب في اختصاص هذه الكلية بذلك أنها في الجانب الأيسر، وبقرب الطحال، فلو لم يختص بهذه الشعب تسخنها لكانت تبرد، فتخالف كثيراً لمزاج الكلية اليمنى.
    قوله: والآخران يصيران إلى الكليتين لتجذب الكلية منهما مائية الدم فإنهما كثيراً ما يجتذبان من المعدة والأمعاء دماً غير نقي، لا شك أن هذين الشريانين، مع أنهما يفيدان الكليتين الحياة والحرارة، فإنهما ينتفع بهما في الكليتين لأنهما يجتذبان منهما مائية كثيرة فتنقى بسبب ذلك ما في الشرايين من الدم عن تلك المائية وأما سبب هذه المائية التي تحتاج إلى اجتذاب الكليتين لها فليس ما قاله. فإن الشرايين ليس من شأنها اجتذاب الدم المائي، بل سبب ذلك أن الدم الذي يصل إلى القلب لا بد من أن يكون كثير المائية. ولذلك سبب فاعلي، وسبب غائي.
    أما السبب الفاعلي: فهو أن الدم الذي يأتي القلب إنما يأتيه من الوريد الصاعد. ودم هذا الوريد لا يخلو من مائية كثيرة خاصة عند قرب الكبد، وذلك لأن هذا الوريد يتصل به ما يصفي الدم من المائية كما في الوريد النازل على ما تعرفه بعد.
    وأما السبب الغائي: فهو أن القلب يحتاج إلى أن يتصعد منه أجزاء كثيرة من الدم وينفذ إلى الرئة فيخالط الهواء، ويحدث من ذلك جرم مستعد لأن يصير في القلب روحاً وتصعد هذه الأجزاء يكون بالتبخر، وكثرة المائية في الدم مهيئة لذلك التبخير فإن الأجسام الأرضية يقل تصعدها بالحرارة ومخالطة المائية للأرضية تهيئها لذلك فلذلك احتيج أن يكون الدم الواصل إلى القلب كثير المائية، وجرم القلب كثير الأرضية فلا بد من أن يكون اغتذاؤه بما يناسبه من ذلك الدم، فلذلك تكثر المائية في الدم الذي يتصعد منه إلى الرئة لأجل انصراف الأرضية إلى غذاء القلب.
    فلذلك يكون ما ينفذ إلى التجويف الأيسر من القلب من الأجزاء الدموية المخالطة للأجزاء الهوائية كثير المائية جداً، فلذلك يكون النافذ من ذلك التجويف إلى الشرايين كذلك وهذه المائية الزائدة تجعل الدم مستعداً للفساد والعفونة، فلذلك تحتاج إلى تنقيته منها، والعضو الذي من شأنه جذب المائية من الدم هو الكلي فلذلك يحتاج أن ينفذ إلى كل شعبة من الشرايين لتجتذب منها المائية المخالطة لدم الشرايين.
    قوله: فالآتي إلى اليسرى منهما يستصحب دائماً من الآتي إلى الكلية اليسرى. السبب في ذلك أن الجانب الأيسر أكثر برداً من الأيمن، فلو لم يكن ما يأتي البيضة اليسرى من الشرايين أزيد مما يأتي الكلية اليمنى، لكانت البيضة اليسرى أبرد كثيراً من اليمنى. ولو كان كذلك لكان ما يخرج منها من المني مخالفاً جداً في المزاج لما يخرج من البيضة اليمنى، ولو كان كذلك لكان المني الخارج منهما غير متشابه المزاج، ولأجل كثرة الشرايين في البيضة اليسرى صارت مشاركتها للقلب أكثر من مشاركة البيضة اليمنى له، ولأجل الشعبة الآتية إليها من الكلية صارت البيضة اليسرى مشاركة للكلية اليسرى ولا كذلك الكلية اليمنى فإنها لا تشاركها البيضة اليمنى كثير مشاركة.

    ● [ تمت الجملة الرابعة : الشرايين ] ●

    شرح تشريح القانون لإبن سينا
    تأليف : إبن النفيس
    منتدى حُكماء رُحماء الطبى . البوابة



      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أبريل 28, 2017 3:26 am