المقالة الثالثة [ الجزء الخامس من الفصل السابع ]

    شاطر
    avatar
    الإدارة
    Admin

    عدد المساهمات : 969
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    المقالة الثالثة [ الجزء الخامس من الفصل السابع ]

    مُساهمة من طرف الإدارة في الجمعة يناير 27, 2017 3:46 pm


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة الثقافة العلمية
    المناظر لابن الهيثم
    المقالة الثالثة
    أغلاط البصر
    فيما يدركه على استقامة وعللها

    ● [ تابع الفصل السابع ] ●
    غلط البصر من أجل خروج حجم المبصر

    غلط البصر في القياس من أجل خروج حجم المبصر عن عرض الاعتدال.
    البعد
    فأما كيف يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج حجم المبصر عن عرض الاعتدال فكالمبصرين اللذين يكونان على وجه الأرض، ويكون بعدهما عن البصر بعداً مقتدراً، ويكونان متجاورين، ويكون بعد أحدهما عن البصر يزيد على بعد الآخر بمقدار يسير ليس له قدر محسوس عند جملة البعد، وتكون المسافة من الأرض المسامتة لبعد المبصرين من المسافات التي يدركها البصر ويتيقن مقدارها إلا أنها تكون من أعظم المسافات التي يتيقن البصر مقاديرها ولا تكون من أصغرها. فإن البصر إذا أدرك المبصرين اللذين بهذه الصفة فإنه يدرك بعديهما متساويين ولا يحس بالاختلاف الذي بين بعديهما، إذا كان الاختلاف يسيراً ليس له قدر محسوس عند جملة البعد، وإن كان بعداهما من الأبعاد المعتدلة المتينة المقدار.
    وذلك لأن البعد المعتدل المتيقن المقدار هو الذي يخفى عند آخره مقدار له محسوس النسبة إلى جملة البعد. وإذا كان ذلك كذلك فقد يخفى من البعد المعتدل مقدار ليس نسبته محسوسة إلى جملة البعد. فإذا كان البعد المعتدل من أعظم الأبعاد المعتدلة فإن الجزء منه الذي ليس له قدر محسوس عند جملته، إذا كان في طرفه الأبعد، فقد يخفى عن البصر، وإن كان ذلك الجزء من المقادير التي يدركها البصر من بعد أقرب من ذلك البعد. فإذا أدرك البصر مبصرين وكان بعداهما من أعظم الأبعاد المعتدلة، وكان بعد أبعدهما يزيد على بعد الآخر بمقدار ليس له نسبة محسوسة إلى جملة البعد، فإن البصر يدرك ذينك المبصرين متساويي البعد بالاختلاف الذي بين بعديهما.
    وإذا أدرك البصر البعدين المختلفين متساويين فهو غالط في تساوي بعديهما، ويكون هذا الغلط غلطاً في القياس لأن البعد وتساوي الأبعاد يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج مقدار التفاوت الذي بين البعدين عن عرض الاعتدال، لأن الاختلاف بين البعدين إذا كان له مقدار مقتدر فإن البصر يدركه، ويدرك اختلاف البعدين، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذينك المبصرين وفي بعديهما في عرض الاعتدال.
    الوضع
    وقد يعرض الغلط في وضع المبصر أيضاً من أجل خروج حجمه عن عرض الاعتدال. وذلك أن المبصر إذا كان في غاية الصغر وكان في مقدار الخردلة أو قريباً منها، وكان سطحه مع ذلك مسطحاً، فإن البصر إذا أدرك المبصر الذي بهذه الصفة، وكان سطحه مائلاً عن خطوط الشعاع ميلاً يسيراً، فإن البصر لا يدرك ميله، ولا يفرق بين وضعه إذا كان مائلاً ميلاً خفياً وبين وضعه إذا كان مواجهاً، بل إنما يدركه في الحالتين كأنه مواجه. وذلك أنا إذا توهمنا الخط المستقيم المعترض الذي يمر بوسط نهاية السطح المبصر الذي في غاية الصغر، الذي هو السطح المائل على خطوط الشعاع، ويكون هذا الخط عموداً على السهم المشترك، وهو الخط الذي يحد سمت المواجهة، فإن بعدي طرفي نهاية السطح المائل عن هذا الخط المعترض يكون كل واحد منهما في غاية الصغر. وإذا كان ميل هذا السطح يسيراً، وكان مقدار المبصر في غاية الصغر، كان مجموع هذين البعدين في حد من الصغر ليس للحس قدرة على إدراكه، وإن كان المبصر على وجه الأرض، وكان بعده مسامتاً لأجسام مرتبة، وكان بعده عن البصر من الأبعاد المعتدلة. ومجموع هذين البعدين هو يساوي على التقريب لاختلاف بعدي طرفي المبصر الذي بهذه الصفة عن البصر. وميل المبصر إنما يدركه البصر من إدراكه لاختلاف بعدي طرفيه. فإذا كان اختلاف بعدي طرفي المبصر غير محسوس فليس يدرك البصر ميل ذلك المبصر. فإذا أدرك البصر المبصر الصغير الحجم الذي على هذه الصفة التي وصفناها فليس يدرك ميله ولا يفرق بين وضعه المائل وبين الوضع المواجه.
    وإذا توهمنا هذا المبصر ممتداً في جهة التباعد والتقارب ومتزيداً في السعة، فإن طرفيه يبعدان عن الخط المعترض ويتزيد بعدهما بتزيد المبصر.وإذا بعد طرفا المبصر الذي بهذه الصفة عن الخط المعترض فسينتهيان إلى حد يصير مجموع البعدين بل كل واحد منهما محسوس القدر من ذلك البعد بعينه الذي لوسط المبصر، الذي لا يدرك منه البصر مجموع بعدي طرفي المبصر الذي في غاية الصغر. ومجموع بعدي طرفي السطح المائل هو اختلاف بعدي طرفي المبصر على التقريب. فإذا كان المبصر مقتدر الحجم، وكان سطحه مائلاً عن سمت المواجهة، فقد يدرك البصر ميله، وإن كان ميله مساوياً لميل المبصر الذي في غاية الصغر الذي لا يدرك البصر ميله. فإذا كان المبصر في غاية الصغر، وكان سطحه مسطحاً، وكان سطحه المسطح مائلاً عن سمت المواجهة ميلاً يسيراً، فإن البصر ليس يدرك ميله في أكثر الأحوال، وإنما يدركه كأنه مواجه للبصر.
    وإذا أدرك البصر المبصر المائل مواجهاً ولم يفرق بين ميله وبين مواجهته فهو غالط في وضعه. والغلط في الوضع هو غلط في وضعه. والغلط في الوضع هو غلط في القياس لأن الوضع يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج مقدار حجم المبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصر المقتدر الحجم الذي ميله مثل ميل المبصر الصغير الحجم، إذا أدركه البصر من بعد معتدل مساو للبعد الذي لا يدرك منه ميل المبصر الصغير الحجم، فإنه يدرك ميله على ما هو عليه ولا يعرض له الغلط في وضعه، إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك المبصر في عرض الاعتدال، كما تبين من الشرح الذي شرحناه الآن.
    الشكل
    وقد يعرض الغلط في شكل المبصر أيضاً من أجل خروج حجمه عن عرض الاعتدال. وذلك أن المبصر الذي في غاية الصغر كالذرة والخردلة أو ما جرى مجراهما في الصغر، وبالجملة أصغر المقادير التي يدركها البصر، إذا كان في المبصر منها تضاريس وزوايا، فإن البصر ليس يدرك التضاريس والزوايا التي تكون فيها، وإن كان يدرك جملتها، إذا كانت جملة المبصر من أصغر المقادير التي يدركها البصر. وذلك لأن المبصر إذا كان من أصغر المقادير التي يدركها البصر فأجزاؤه وخاصة الصغار منها هي من المقادير التي لا يدركها البصر. وإذا لم يدرك البصر الزوايا والتضاريس التي في المبصر فليس يدرك شكله على ما هو عليه، وإنما يدركه مستديراً أو مستطيلاً أو على شكل لا زوايا له ولا زوائد، جسماً كان المبصر أو سطحاً من سطوح الأجسام.
    وكذلك إن كان في سطح المبصر الذي بهذه الصفة تحديب يسير أو تقعير فإنه يدركه مسطحاً ولا يتحقق هيئة سطحه ولا يفرق بين سطح المحدب والمقعر، إذا كان في غاية الصغر، وبين السطح المسطح.
    وإذا أدرك البصر شكل المبصر على خلاف ما هو عليه فهو غالط في شكله، والغلط في الشكل على هذه الصفة هو غلط في القياس. وعلة هذا الغلط هو خروج حجم المبصر عن عرض الاعتدال، لأن المبصر إذا كان مقتدر الحجم فإن البصر يدرك شكله على ما هو عليه، ويدرك ما فيه من الزوايا والزوائد، ولا يعرض له غلط في شكله، إذا كانت المعاني الباقية التي فيه في عرض الاعتدال.
    العظم
    وقد يعرض الغلط في عظم المبصر أيضاً من أجل خروج عظم المبصر عن عرض الاعتدال. وذلك أن البصر إذا أدرك مبصرين من المبصرات معاً، وكان المبصران مختلفين في المقدار إما في طوليهما أو في عرضيهما أو في الطول والعرض معاً، وكان الاختلاف الذي بينهما يسيراً، فإن البصر ربما ظن بالمبصرين اللذين بهذه الصفة أنهما متساويا المقدار وأنه ليس بينهما اختلاف في مقداريهما، وذلك لصغر مقدار الاختلاف الذي بين مقداري المبصرين اللذين في غاية الصغر. والبصر ليس يدرك الاختلاف الذي بين المقادير إلا إذا كان الاختلاف مقتدر الحجم، وكان مع ذلك مقتدر النسبة إلى كل واحد من المقدارين. وكذلك ليس تتحقق مقادير الأجسام إلا بعد أن تقاس بمقياس. ولو كان تساوي المقادير واختلافها ومقادير اختلافها يدركها البصر إدراكاً محققاً لا يقع فيه غلط على تصاريف الأحوال لاستغني عن تقدير الأجسام بالمقاييس.
    وإذا أدرك البصر المبصرين المختلفين متساويين فهو غالط في مقداريهما أو في مقدار أحدهما. والغلط في المقدار هو غلط في القياس. وعلة هذا الغلط هو خروج مقدار الاختلاف الذي بين المبصرين عن عرض الاعتدال بالتفاوت في الصغر، لأن المبصرين المختلفين إذا كان الاختلاف الذي بين مقداريهما مقتدر المساحة فإن البصر يدرك الاختلاف الذي بينهما إذا كانت المعاني الباقية التي فيها في عرض الاعتدال.
    التفرق
    وقد يعرض الغلط في التفرق أيضاً من أجل الصغر المفرط. وذلك أن الإناء الزجاج إذا كان خالياً وكان باطنه شعرة سوداء ملتصقة بجسم الإناء، ونظر البصر إلى الإناء، فإنه ربما ظن بالشعرة أنها صدع في الزجاج إذا لم يكن قد تقدم علمه بأنها شعرة. وإنما يعرض له لهذا الغلط لفرط دقة الشعرة، لنه إذا كان مكان الشعرة جسم غليظ مقتدر الحجم ملتصق بالإناء من باطنه فليس يظنه البصر صدعاً في الزجاج. وإذا ظن البصر بالإناء الصحيح أنه مصدوع فهو غالط فيما يظنه من انصداعه.
    وقد يعرض الغلط في الاتصال أيضاً من أجل صغر الحجم وذلك أن الأجسام المتضامة المنطبق بعضها على بعض ربما كانت الفصول التي بينها في غاية الصغر غلا تظهر للبصر ولا يحس بها البصر، كأوراق الدفاتر إذا كانت مخزومة مهندمة الحواشي فإن الفصول التي بين كل ورقتين منها ليس يدركها البصر في الأكثر لدقتها وضيقها، ويظهر سمك جملة الأوراق إذا كان مهندماً بعضها على بعض كأنها جسم واحد متصل. فإذا أدرك البصر سمك الأوراق التي بهذه الصفة، وكانت جملة الدفتر التي تلك أراقه مستتراً، ولم يكن قد تقدم علم الناظر في ذلك الموضع بشيء من الدفاتر، فإن البصر إذا أدرك سمك أوراق التي بهذه الصفة فإنه يظن أنها جسم واحد متصل ولا يشك في ذلك إذا لم يكن قد تقدم علم الناظر بحال تلك الأوراق بعينها. وذلك إنما هو للتفاوت المفرط في دقة الفصول التي بين الأوراق إذا كانت شديدة الالتصاق بعضها ببعض. وإذا أدرك البصر الأوراق الكثيرة المتضامة كأنها جسم واحد متصل ولم يحس بمواضع انفصال بعضها من بعض فهو غالط فيما يدركه من اتصالها وغالط في عددها أيضاً.
    والغلط في التفرق والاتصال وفي العدد هي أغلاط القياس لأن التفرق والاتصال والعدد يدرك بالقياس. وعلة هذه الأغلاط هو خروج مواضع التفرق عن عرض الاعتدال بالإفراط في الدقة، لأن هذه المبصرات إذا كان التفرق الذي بينها والأجسام الدقاق التي تشبه التفرق مقتدرة المقدار فإن البصر يدركها على ما هي عليه إذا كانت المعاني الباقية التي فيها في عرض الاعتدال.
    الحركة
    وقد يعرض الغلط في الحركة أيضاً من أجل الصغر المفرط.وذلك أن البصر إذا أدرك مبصرين متحركين على مسافتين متشابهتين، وقطع المبصران في زمان واحد جزء ين من المسافتين المتشابهتين، وكان الجزءان اللذان قطعهما المبصران المتحركان يختلفان بمقدار يسير في غاية الصغر بالقياس إلى جملة كل واحد من ذينيك الجزء ين، فإن البصر يدرك الحركتين اللتين بهذه الصفة متساويين ولا يشك في أن المتحركين الذين بهذه الصفة متساويا الحركة، وحركتاهما مع ذلك مختلفتان، لصغر التفاضل الذي بين المسافتين اللتين قطعهما ذانك المتحركان.
    وإذا أدرك البصر الحركتين المختلفتين متساويتين فهو غالط في تساويهما، والغلط في الحركات وفي تساوي الحركات واختلافها هو غلط في القياس لأن الحركات وتساويها واختلافها يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو خروج التفاضل الذي بين المسافتين اللتين قطعهما المتحركان في زمان واحد عن عرض الاعتدال. لأن المتحركين اللذين يقطعان مسافتين متشابهتين في زمان واحد، إذا كان التفاضل الذي بينهما مقتدر المساحة، فإن البصر يدرك اختلاف حركتيهما ولا يشتبه عليه ذلك إذا كانت المعاني الباقية التي في تينك المسافتين وفي ذينك المتحركين في عرض الاعتدال.
    السكون والحركة
    وقد يعرض الغلط في السكون أيضاً من أجل الصغر المفرط. وذلك أن البصر إذا أدرك بعوضة أو ذرة وكانت تلك البعوضة أو تلك الذرة في غاية الصغر، وكانت ثابتة في موضع واحد، وكانت تلك البعوضة أو تلك الذرة مع ذلك تحرك أعضاءها أو شيئاً من أعضائها، فإن البصر ليس يدرك أعضائها في أكثر الأحوال. وإذا لم يدرك البصر حركة أعضائها وكانت ثابتة في موضع واحد فإنه يظنها ساكنة.
    وإذا أدرك البصر الحيوان المتحرك ساكناً فهو غالط فيما يدركه من سكونه، ويكون ذلك غلطاً في القياس لأن السكون يدرك بالقياس. وعلة هذا الغلط هو صغر أعضاء البعوض والذر وخروجها عن عرض الاعتدال بالإفراط في الصغر، لأن الحيوان المقتدر الحجم الذي أعضاؤه ولا تشتبه حركتها عليه إذا كانت المعاني الباقية التي في ذلك الحيوان في عرض الاعتدال.
    الخشونة والملاسة
    وقد يعرض الغلط في الخشونة والملاسة من اجل الصغر المفرط وذلك أن المبصر إذا كان في غاية الصغر كالبعوض أو عضو من أعضاء البعوض أو الذرة أو جزء من الذرة، فإن البصر إذا أدرك المبصر من هذه المبصرات فإنه لا يحس بهيئة سطحه ولا بخشونته إن كان خشناً ولا بملاسته إن كان أملس، لأن الخشونة والملاسة إنما يدركها البصر من إدراكه لأجزاء السطح وإدراكه لاختلاف وضع أجزائه أو تشابه أوضاعها، أو من إدراكه لاختلاف صورة الضوء الذي يظهر في السطح أو تشابه صورته. وإذا كان المبصر في غاية الصغر فليس يدرك البصر أجزاء سطحه، وإذا لم يدرك البصر أجزاء السطح فليس يحس بخشونته ولا بملاسته، فإن ظن البصر بشيء من هذه المبصرات أنه خشن فربما كان أملس وإن ظن بشيء منها أنه أملس فربما كان خشناً.
    وإذا كان ذلك كذلك فالبصر قد يغلط في خشونة ما هذه صفته من المبصرات وفي ملاسته إذا حدس على خشونته وملاسته، فيكون غلطه غلطاً في القياس لأنه ليس يحدس البصر على خشونة شيء من الأشياء ولا على ملاسته إلا بأمارة يستدل بها على ما يظنه من خشونة ذلك المبصر أو ملاسته، أو من تشبيهه بغيره من المبصرات الخشنة أو الملس. وعلة هذا الغلط إذا عرض للبصر إنما هو الصغر المفرط، لأن المبصر إذا كان مقتدر الحجم فإن البصر يدرك خشونته وملاسته على ما هي عليه إذا كانت المعاني التي فيه عرض الاعتدال.
    الشفيف
    فأما الشفيف فإن المبصر إذا كان في غاية الصغر وكان ذلك من الأحجار، وكان لونه شبيهاً بلون الأحجار المشفة، فإن البصر ربما ظنه من جملة الأحجار المشفة، وإن لم يكن مشفاً، إذا كان لونه وصورته تشبه الأحجار المشفة المتلونة كالجواهر المشفة. وإنما يتم على البصر هذا الغلط إذا لم يتمكن من استشفاف ذلك المبصر لصغر حجمه المفرط في الصغر، وإذا لم يتمكن من استشفافه وعول على المعاني الظاهرة التي هي اللون والصقال الذي يشبه ألوان الجواهر المشفة وصقالها ظنه من جملة الأحجار المشفة.
    الكثافة
    وقد يعرض الغلط في الكثافة أيضاً من أجل الصغر المفرط. وذلك ان المبصر إذا كان في غاية الصغر وفي مقدار جزء من أجزاء الخردلة، وكان فيه شفيف يسير، وكان لونه قوياً وكان مع ذلك منكسفاً، وكان على وجه الأرض، فإن البصر إذا أدرك المبصر الذي بهذه الصفة وهو على وجه الأرض أو على جسم من الأجسام الكثيفة فإنه لا يدرك الشفيف الذي فيه، لأنه إذا كان وراءه جسم كثيف فليس يظهر الضوء من ورائه. وإذا كان في غاية الصغر، وكان مع ذلك قوس اللون، فإن لون الجسم الذي وراءه والذي تحته إن كان يشف من ورائه فليس يتميز للبصر لونه من لون ذلك الجسم إذا كان الجسم في غاية الصغر. فليس يدرك البصر شفيف الجسم المفرط الصغر إذا كان مشفاً في أكثر الأحوال وكان مع ذلك متلوناً، وإذا لم يظهر شفيف الجسم وكان الجسم متلوناً وكان لونه منكسفاً وكان البصر يدركه ويدرك لونه فإن البصر يدركه كثيفاً.
    وإذا أدرك البصر المبصر المشف كثيفاً فهو غالط فيما يظنه من كثافته. والغلط في الشفيف وفي الكثافة هما غلطان في القياس لأن الشفيف والكثافة يدركان بالقياس. وعلة هذين الغلطين على الوجوه التي وصفناها هو الصغر المفرط المانع للبصر من تأمل أحوال المبصرات التي بهذه الصفة، لأن المبصر إذا كان مقتدر الحجم فإن البصر يدرك شفيفه إذا كان مشفاً، ويدرك كثافته إذا كان كثيفاً، إذا كانت المعاني الباقية التي فيه في عرض الاعتدال.
    الظل والظلمة
    وقد يعرض الغلط في الظل والظلمة أيضاً من أجل الصغر المفرط على وجه من الوجوه. وذلك أن الحيطان البيض والأبواب والأخشاب إذا كان فيها نقط سود أو منكسفة اللون، ربما ظنها البصر ثقوباً صغاراً دقاقاً، وإذا كانت سوداً بذلك السواد أنه ظلمة دواخل تلك الثقوب، وإذا كانت منكسفة الألوان ولم تكن شديدة السواد وكان على سطح ذلك الجسم ضوء قوي ظن بذلك اللون أنه دواخل الثقوب لن الضوء لا يصل إلى دواخل الثقوب في أكثر الأحوال.
    وإذا أدرك البصر النقط التي بهذه الصفة وظن أنها ثقوب وأن سوادها إنما هو ظلمة وأن ما كان منها منكسف اللون فهو للظل الذي في داخلها فإنه غالط فيما يظنه من الظل والظلمة على هذه الصفة. ويكون غلطه غلطاً في القياس لأن الظل والظلمة تدركان بالقياس. وعلة هذا الغلط هو صغر مقادير تلك النقط، لأن النقط التي تكون في سطوح الأجسام إذا كانت مقتدرة الحجم فإن البصر يدركها نقطاً ولا يعرض الغلط فيها إذا كانت المعاني الباقية التي فيها في عرض الاعتدال.
    الحسن والقبح
    وقد يعرض الغلط في الحسن والقبح أيضاً من أجل الصغر المفرط. وذلك ان المبصر إذا كان في غاية الصغر وكان شكله شكلاً مستقبحاً وكان ذا زوايا وزوائد في غاية الصغر، أو كانت فيه معان لطيفة في غاية الدقة من وشوم ونمش ومسامير وأجزاء متميزة، وكانت تلك الزوايا وتلك الزوائد وتلك المعاني اللطيفة تقبح صورته وتشينه، وكانت تلك الزوايا والزوائد والمعاني اللطيفة التي تشينه تخفى عن البصر لفرط صغرها ودقتها، فإن البصر يدرك شكل المبصر وصورته على خلاف ما هي عليه ولا يدرك المعاني اللطيفة التي تكون فيه التي هو بها مستقبح. وإذا لم يدرك البصر المعاني اللطيفة التي من أجلها تقبح صورة ذلك المبصر فليس يدرك البصر قبح ذلك المبصر. فإذا كان ما يظهر من شكل ذلك المبصر وما يظهر من لونه ومن جملة صورته مستحسناً فهو يدرك ذلك المبصر مستحسناً. وإذا أدرك البصر المبصر القبيح مستحسناً فهو غالط فيما يدركه من حسنه.
    وكذلك إذا كان المبصر في غاية الصغر، وكان ظاهر صورته مستقبحاً، وكانت فيه معان لطيفة تحسن صورته، وكان البصر لا يدرك تلك المعاني اللطيفة لفرط صغرها، فإن البصر يدرك المبصر مستقبحاً. وإذا كان ذلك المبصر حسن الصورة بما فيه من المعاني اللطيفة، وكان ظاهر صورته مستقبحاً، وكان البصر يدرك صورته ولا يدرك المعاني اللطيفة التي فيه، ويظن من اجل ما يظهر من صورته انه قبيح الصورة فهو غالط فيما يظنه من قبحه.
    والغلط في الحسن والقبح هو غلط في القياس لأن الحسن والقبح يدركان بالقياس، ولأن هذا الغلط إنما هو لتعويل البصر على المعاني الظاهرة وسكونه إلى نتائجها. وعلة هذا الغلط هو الصغر المفرط لأن البصر المقتدر الحجم ليس يخفى عن البصر محاسنه ومقابحه إذا كانت المعاني الباقية التي فيه في عرض الاعتدال.
    التشابه والاختلاف
    وقد يعرض الغلط في التشابه والاختلاف أيضاً من أجل الصغر المفرط على هذا الوجه. وذلك أن المبصرين إذا كانا في غاية الصغر وكانا متساويين فيما يظهر من صورتيهما، وكان فيهما مع ذلك معان في غاية اللطافة يختلفان فيها، وكان البصر لا يدرك المعاني اللطيفة التي في ذينك المبصرين التي بها يختلفان لفرط صغرها ولطافتها ويدرك ظاهر الصورتين، فإن البصر يظن بذينك المبصرين أنهما متشابهان ولا يحكم لهما بشيء من الاختلاف. وإذا أدرك البصر المبصرين المختلفين متشابهين فهو غالط في تشابههما.
    وكذلك إذا كان المبصران مختلفي الصورتين فيما يظهر من صورتيهما، وكان فيهما مع ذلك معان لطيفة يتشابهان فيها، وكان البصر لا يدرك تلك المعاني الطيفة لفرط دقتها ولطافتها، ويدرك ظاهر الصورتين، فإن البصر يظن بذينك المبصرين أنهما مختلفان ولا يحكم لهما بشيء من التشابه. وإذا أدرك البصر المبصرين المتشابهين مختلفين على الإطلاق فهو غالط فيما يظنه من اختلافهما.
    والغلط في التشابه والاختلاف هو غلك في القياس، لأن التشابه والاختلاف يدركان بالقياس ولأن هذا الغلط هو لتعويل البصر على المعاني الظاهرة وسكونه إلى نتائجها. وعلة هذا الغلط هو الصغر المفرط، لن المبصرين إذا كانا مقتدري الحجم وكانا متشابهين أو مختلفين بمعان لطيفة تكون فيهما نظيرة للمعاني التي تكون في المبصر الذي في غاية الصغر ومناسبة للمبصر المقتدر الحجم، فإن البصر يدرك تشابه المتشابهين فيهما ويدرك اختلاف المختلفين إذا كانت المعاني الباقية التي فيهما في عرض الاعتدال.
    فعلى هذه الصفات وأمثالها يكون غلط البصر في القياس من أجل خروج حجم المبصر عن عرض الاعتدال، أو خروج حجم المعاني التي في المبصر عن عرض الاعتدال.

    ● [ لهذا الفصل بقية ] ●


    المناظر . تأليف : ابن الهيثم
    مجلة نافذة ثقافية . البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين مايو 29, 2017 5:05 am