الباب الحادي والثلاثون

    شاطر
    avatar
    الإدارة
    Admin

    عدد المساهمات : 1072
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    الباب الحادي والثلاثون

    مُساهمة من طرف الإدارة في الأحد مايو 07, 2017 3:31 pm


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة الثقافة الأدبية
    أالأذكياء لابن الجوزي

    الباب الحادي والثلاثون
    في ذكر طرف من أخبار النساء والمتفطنات

    حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها قالت قلت يا رسول الله أرأيت لو نزلت وادياً فيه شجراً كل منها ووجدت شجراً لم يؤكل منها في أيها كنت ترتع بعيرك قال في التي لم يرتع منها نعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها. حدثنا القاسم بن محمد عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج في سفر أقرع بين نسائه فطارت القرعة على عائشة وحفصة فخرجتا معه جميعاً فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سار بالليل سار مع عائشة يتحدث معها فقالت حفصة لعائشة إلا تركبين بعيري وأركب بعيرك فتنظرين وانظر قالت بلى فركبت عائشة على بعير حفصة وركبت حفصة على بعير عائشة فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم ثم صار معها حتى نزلوا ففقدت النبي صلى الله عليه وسلم فغارت فلما نزلت جعلت تدخل رجليها بين الاذخر وتقول يا رب سلط عليّ عقرباً يلدغني رسولك لا أستطيع أن أقول شيئاً.
    ● عن عبد الله بن مصعب قال، قال عمر بن الخطاب لا تزيدوا في مهر النساء على أربعين أوقية وإن كانت بنت ذي الغصة يعني يزيد بن الحصين الصحابي الحارثي فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة من صنف النساء طويلة في أنفها فطس ما ذاك لك قال ولم قالت لأن الله عز وجل قال وآتيكم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً قال عمر امرأة أصابت ورجل أخطأ.
    ● عن محمد بن معين الغفاري قال أتت امرأة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت يا أمير المؤمنين إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه وهو يعمل بطاعة الله فقال لها نعم الزوج زوجك فجعلت تكرر عليه القول وهو يقرر عليها الجواب فقال له كعب الأسدي يا أمير المؤمنين هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه فقال له عمر كما فهمت كلامها فاقض بينهما فقال كعب عليّ بزوجها فأتى به فقال أن امرأتك هذه تشكوك قال أفي طعام أو شرب قال لا فقالت المرأة:
    يا أيها القاضي الحكيم أرشده ● إلهي خليلي عن فراشي مسجده
    زهده في مضجعي تعبده ● نهاره وليله ما يرقده
    ولست في أمر النساء أحمده
    فقال زوجها:
    زهدت في فراشها وفي الحجل ● إني امرؤ أذهلني ما قد نزل
    في سورة النمل وفي السبع الطول ● وفي كتاب الله تخويف جلل
    فقال كعب:
    إن لها حقاً عليك يا رجل ● تصيبها في أربع لمن عقل
    فأعطها ذاك ودع عنك العلل
    ثم قال إن الله عز وجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع فذلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك ولها يوم وليلة فقال عمر والله ما أدري من أي أمريك أعجب أفمن فهمك أمرها أم من حكمك بينهما اذهب فقد وليتك قضاء البصرة. عن عبد الله بن الزبير عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم قالت لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر حمل أبو بكر معه جميع ماله خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم فأتاني جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال أرى هذا والله قد فجعكم بن له مع نفسه فقلت كلا يا أبت قد ترك لنا خيراً كثيراً فعمدت إلى أحجار جعلها في كوة البيت كان أبو بكر يحصل ماله وغطيت على الأحجار بثوب ثم جئت به فأخذت بيده ووضعتها على الثوب وقلت ترك لنا هذا فجعل يجدمس الحجارة من وراء الثوب فقال أما إذا ترك لكم هذا فنعم ولا والله ما ترك لنا قليلاً ولا كثيراً.
    ● قال الأصمعي أتت امرأة حاتم بن عبد الله ابن أبي بكرة فقالت له أتيتك من بلاد شاسعة ترفعني رافعة وتخفضني خافضة لممات من الأمور حللن بي فبرين لحمي ووهن عظمي وتركتني والهة كالحريض قد ضاق بي البلد العريض هلك الوالد وغاب الوافد وعدم الطارف والتالد فسألت في حياء العرب عن المرجو سببه المحمود نائله الكريم شمائله فدللت عليك وأنا امرأة من هوزان فافعل بي أحد ثلاث إما أن تقيم أودي وإما أن تحسن صفدي وإما أن تردني إلى بلدي فقال بل أجمعهن إليك وحباً وكرامة.
    ● قال الأصمعي مات ابن لأعرابية فما زالت تبكي حتى خدد الدمع خدها ثم استرجعت فقالت اللهم إنك قد علمت فرط حب الوالدين لولدها فلذلك لم تأمرهما ببره وعرفت قدر عقوق الولد لوالديه فمن أجل ذلك حضضته على طاعتها اللهم إن ولدي كان من البار بوالديه على ما يكون الوالدان بولدهما فأجزه مني بذلك صلاة ورحمة ولقه سروراً ونضرة فقال لها أعرابي نعم ما دعوت له لولا أنك شبته من الجزع بما لا يجدي فقالت إذا وقعت الضرورات لم يجر عليها حكم المكتسبات وجزعي على ابني غير ممكن في الطاقة صرفه ولا في القدرة منعه والله ولي عذري بفضله فقد قال عز وجل فمن اضطر غير باغٍ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم.
    ● قال أبو الحسن المدائني دخل عمران بن حطان يوماً على امرأته وكان عمران قبيحاً ذميماً قصيراً وقد تزينت وكانت امرأة حسناء فلما نظر إليها ازدادت في عينه جمالاً وحسناً فلم يتمالك أن يديم النظر إليها فقالت ما شأنك قال لقد أصبحت والله جميلة فقالت أبشر فإني وإياك في الجنة قال ومن أين علمت ذلك قالت لأنك أعطيت مثلي فشكرت وابتليت سلامته بمثلك فصبرت والصابر والشاكر في الجنة. قال المصنف أدام الله سلامته كان عمران بن حطان أحد الخوارج وهو القائل يمدح عبد الرحمن بن ملجم على قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه بمنه وكرمه:
    يا ضربة من تقى ما أراد بها ● غلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
    إني لأذكره يوماً فأحسبه ● أوفى البرية عند الله ميزانا
    أكرم بقوم بطون الأرض أقبرهم ● لم يخلطوا دينهم بغياً وعدوانا
    فبلغت هذه الأبيات القاضي أبا الطيب الطبري فقال مجيباً له على الفور:
    إني لأبرأ مما أنت قائله ● على ابن ملجم الملعون بهتانا
    إني لأذكره يوماً فألعنه ● ديناً وألعن عمراناً وحطانا
    عليك ثم عليه الدهر متصلاً ● لعائن الله أسرار وأعلانا
    فأنتم من كلاب النار جاء به ● نص الشريعة تبياناً وبرهانا
    ● أشار أبو الطيب إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج كلاب النار قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي حدثني أبو المشيع قال خرج كثير يلتمس عزة ومعه شنينة فيها ماء فأخذه العطش فتناول الشنينة فإذا هي عظم، ما فيها شيء من الماء فرفعت له نار فأمها فإذا بقربها مظلة بفنائها عجوز فقالت من أنت قال أنا كثير قالت قد كنت أتمنى ملاقاتك فالحمد لله الذي أرانيك قال وما الذي تلتمسينه مني قالت ألست القائل:
    إذا ما أتينا خله كي نزيلها ● أبينا وقلنا الحاجبية أول
    سنوليك عرفاً إن أردت وصالنا ● ونحن لتلك الحاجبية أوصل
    قال بلى قالت أفلا قلت كما قال سيدك جميل:
    يا رب عارضة علينا وصلها ● بالجد تخلطه بقول الهازل
    فأجبتها في القول بعد تأمل ● حبي بثينة عن وصالك شاغلي
    لو كان في قلبي كقدر قلامة ● فضلاً لغيرك ما أتتك رسائلي
    قلت دعي هذا واسقيني قالت والله لا أسقيك شيئاً قلت ويحك أن العطش قد أضر بي قالت ثكلت بثينة إن طعمت إن عندي قطرة ماء فكان جهده أن ركض راحلته ومضى يطلب الماء فما بلغه حتى أضحى النهار وكاد يقتله العطش. قال دخل ذو الرمة الكوفة فبينا هو يسير في شوارعها على نجيب له إذ رأى جارية سوداء واقفة على باب دار فاستحسنها ووقعت بقلبه فدنا إليها فقال يا جارية اسقني ماء فأخرجت إليه كوزاً فشرب فأراد أن يمازحها ويستدعي كلامها فقال يا جارية ما أحر ماءك فقلت لو شئت لأقبلت على عيوب شعرك وتركت حر مائي وبرده فقال لها وأي شعري له عيب ألست ذا الرمة قال بلى قالت:
    فأنت الذي شبهت عنزاً بقفزة ● لها ذنب فوق استها أم سالم
    جعلت لها قرنين فوق جبينها ● وطبسين مسودين مثل المحاجم
    وساقين إن يستمكنا منك يتركا ● بجلدك يا غيلان مثل المآثم
    أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ● وبين النقا أأنت أم أم سالم
    قال نشدتك بالله إلا أخذت راحلتي وما عليها ولم تظهري هذا ونزل راحلته فدفعها إليها فذهب ليمضي فدفعتها إليه وضمنت له ألا تذكر لأحد ما جرى.
    ● قال زهير بن حسن مولى الربيع بن يونس قدم الحجاج على الوليد بن عبد الملك فصلى عنده ركعتين وركب الوليد فمشى الحجاج بين يديه فقال له الوليد اركب يا أبا محمد فقال يا أمير المؤمنين دعني أستكثر من الجهاد فإن ابن الزبير وابن الأشعث شغلاني عن الجهاد زمناً طويلاً فعزم عليه الوليد أن يركب ودخل فركب مع الوليد فبينا هو يتحدث ويقول ما فعلت بأهل العراق وفعلت أقبلت جارية فنادت الوليد ثم انصرفت فقال الوليد يا أبا محمد أتدري ما قالت الجارية قال لا قال قالت أرسلتني إليك أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أن مجالستك هذا الأعرابي وهو في سلاحه وأنت في غلاله غرر فأرسلت إليها أنه الحجاج بن يوسف فراعها ذلك وقالت والله لأن يخلو بن ملك الموت أحب إليّ من أن يخلو بك الحجاج وقد قتل أحباء الله له وأهل طاعته ظلماً وعدواناً فقال الحجاج يا أمير المؤمنين إنما المرأة ريحانة وليست بقهرمانة لا تطلعهن على سرك ولا تستعملهن بأكثر من وثبهن ولا تكثرن مجالستهن صغاراً وذلائم ثم نهض فخرج ودخل الوليد على أم البنين فأخبرها بمقالته فقالت إني أحب أن تأمره بالتسليم علي فسيبلغك بالذي يكون بيني وبينه فغدا الحجاج على الوليد فقال الوليد ائت أم البنين فقال اعفني يا أمير المؤمنين قال فلتفعلن فأتاها فحجبته طويلاً ثم أذنت له ثم قالت له يا حجاج أنت تفتخر على أمير المؤمنين بقتل ابن الزبير وابن الأشعث أما والله لولا أن الله علم أنك أهون خلقه عليه ما ابتلاك بقتل ابن ذات النطاقين ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن الأشعث فلعمري لقد استعلى عليك حتى عجعجت ووالى عليك الهرار حتى عويت فلولا أن أمير المؤمنين نادى في أهل اليمن وأنت في أضيق من القرن فأظلتك رماحهم وعلاك كفاحهم لكنت مأسوراً قد أخذ الذي فيه عيناك وعلى هذا فإن نساء أمير المؤمنين قد نفضن العطر عن غدائرهن وبعنه في أعطية أوليائه وإماماً أشرت على أمير المؤمنين من قطع لذاته وبلوغ أوطاره من نسائه فإن يكن إنما ينفرجن عن مثل أمير المؤمنين فغير مجيبك إلى ذلك وإن كن ينفرجن عن مثل ما انفرجت به أمك البظراء عنك من ضعف الغريزية وقبح المنظر في الخلق والخلق يالكع فما أحقه أن يقتدي بقولك قاتل الله الذي يقول:
    أسد علي وفي الحروب نعامة ● فتخاء تنفر من صفير الصافر
    هلا برزت إلى غزالة في الوغا ● أو قد كان قلبك في جناحي طائر
    ثم أمرت جارية لها فأخرجته فلما دخل على الوليد قال ما كنت فيه يا أبا محمد فقال والله يا أمير المؤمنين ما سكتت حتى كان بطن الأرض أحب إلى من ظهرها قال إنها بنت عبد العزيز. قال ابن السكيت عزم محمد بن عبد الله بن طاهر على الحج فخرجت إليه جارية شاعرة فبكت لما رأت آلة السفر فقال محمد بن عبد الله:
    دمعة كاللؤلؤ الرط ● ـب على الخد الأسيل
    هطلت في ساعة البيـ ● ن من الطرف الكحيل
    ثم قال أجيزي فقالت:
    حين هم القمر البا ● هر بالأفول
    إنما يفتح العشـ ● اق في وقت الرحيل
    ● قال أيوب الوزان قال المفضل دخلت على الرشيد وبيد يديه طبق ورد وعنده جارية مليحة شاعرة أديبة قد أهديت إليه فقال يا مفضل قل في هذا الورد شيئاً تشبهها به فأنشأت أقول:
    كأنه خد مرقوق بقلبه ● فم الحبيب وقد أبدى به خجلا
    فقالت الجارية
    كأنه لون خدي حين يدفعني ● كف الرشيد لأمر يوجب الغسلا
    فقال يا مفضل قم فاخرج فإن هذه الماجنة قد هيجتنا فقمت وأرخيت الستور. قال الأصمعي لما قدم الرشيد البصرة يريد الخروج إلى مكة فخرجت معه فلما صرنا بضرية إذا أنا على شفير الوادي بصبية قدامها قصعة لها وإذا هي تقول:
    طحنتنا طواحن العوام ● ورمتنا نوائب الأيام
    فأتينا كمو لمذ أكفا ● لفضالات زادكم والطعام
    فاطلبوا الأجر والمثوبة فينا ● أيها الزائرون بيت الحرام
    من رآني فقد رآني ورحلي ● فارحموا غربتي وذل مقامي
    قال فرجعت إلى أمير المؤمنين فقلت صبية على شفير الوادي وأنشدته ما قالت فعجب فقلت يا أمير المؤمنين أفآتيك بها قال لا بل نحن نذهب إليها قال الأصمعي فوق فعليها أمير المؤمنين فقلت لها أنشديه ما كنت تقولينه فأنشدته ولم تهيه فقال يا مسرور املأ قصعتها دنانير قال فملأها حتى فاضت يميناً وشمالاً.
    ● حدثنا ابن الشيظمي قال حججت في سنة قحطة جدبة فبينا أنا أطوف بالكعبة إذ أبصرت جارية من أحسن الناس قداً وقواماً وخلقاً وهي متعلقة بأستار الكعبة تقول إلهي وسيدي ها أنا أمتك الغريبة وسائلتك الفقيرة حيث لا يخفي عليك بكائي ولا يستتر عنك سوء حالي قد هتكت الحاجة حجابي وكشفت الفاقة نقابي فكشفت وجهاً رقيقاً عند الذل وذليلاً عند المسألة طال وعزتك ما حجبه عنه ماء الغنا وصانه ماء الحياء قد جمدت عني كف المرزوقين وضاقت بي صدود المخلوقين فمن حرمني لم ألمه ومن وصلني وكلته إلى مكافأتك ورحمتك وأنت أرحم الراحمين قال فدنوت منها فبررتها ثم قلت لها من أنت وممن أنت فقالت إليك عني من قل ما له وذهب رجاله كيف يكون حاله ثم أنشأت تقول:
    بعض بنات الرجال أبرزها ● الدهر لما قد ترى وأخرجها
    أبرزها من جليل نعمتها ● فابتزها ملكها وأحوجها
    وطالما كانت العيون إذا ● ما خرجت تستشف هودجها
    إن كان قد ساءها وأحز ● نها فطالما سرها وأبهجها
    الحمد لله رب معسرة ● قد ضمن الله أن يفرجها
    قال فسألت عنها فأخبرت أنها من ولد الحسين بن علي رضوان الله عليهم أجمعين. بلغنا أن كثير عزة لقي جميلاً فقال له متى عهدك ببثينة قال ما لي بها عهد منذ عام أول وهي تغسل ثوباً بوادي الدوم فقال له كثير تحب أن أعهدها لك الليلة قال نعم فأقبل راجعاً إلى بثينة فقال له أبوها يا فلان ما ردك أما كنت عندنا قبيل قال بلى ولكن حضرتني أبيات قلتها في عزة قال وما هي قلت:
    فقلت لها يا عز أرسل صاحبي ● على باب داري والرسول موكل
    أما تذكرين العهد يوم لقيتكم ● بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل
    فقالت بثينة اخسأ فقال أبوها ما هاجك يا بثينة قالت كلب لا يزال يأتينا من وراء الجبل بالليل وأنصاف النهار قال فرجع إليه فقال قد وعدتك من وراء هذا الجبل بالليل وأنصاف النهار فالقها إذا شئت. قال مؤلف الكتاب قلت ومن هذا الفن حكي أن أعرابياً بعث غلاماً له إلى امرأة يواعدها موضعاً يأتيها فيه فذهب لغلام وأبلغها الرسالة فكرهت المرأة أن تقر للغلام بما بينهما فقالت والله لئن أخذتك لأعركن أذنك عركة تبكي منها وتستند إلى تلك الشجرة ويغشى عليك إلى وقت العتمة فلم يعرف الغلام معنى هذا الكلام وانصرف إلى صاحبه وحكى له فعلم أنها واعدته تحت الشجرة وقت العتمة قال الصولي سمعت المبرد يقول كنا عند المازني فجاءته أعرابية كانت تغشاه ويهب لها فقالت أنعم الله صاحبك أبا عثمان هل بالرمال أوشال فقال لها يجيء الله بها فقالت:
    تعلمن أني والذي حج القوم ● لولا خيال طارق عند النوم
    والشوق من ذكراك ما جئت اليوم
    فقال المازني قاتلها الله ما أفطنها جاءتني مستمنحة فلما رأت أن لا شيء جعلت المجيء زيارة تمن علينا بها.
    قال إسماعيل بن حمادة بن أبي حنيفة ما ورد علي مثل امرأة تقدمت فقالت أيها القاضي ابن عمي زوجني من هذا ولم أعلم فلما علمت رددت فقلت لها ومتى قالت وقت ما علمت قلت متى علمت قالت وقت ما رددت فما رأيت مثلها قال حدثنا علي ابن القاسم القاضي قال سمعت أبي يقول كان موسى بن إسحاق لا يرى متبسماً قط فقالت له امرأة أيها القاضي لا يحل أن تحكم بين اثنين وأنت غضبان قال ولم قالت لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان فتبسم.
    ● عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال سليمان بن عبد الملك يوماً والشعراء عند قد قلت نصف بيت فأجيزوه.
    قال: يروح إذا راحوا ويغدوا إذا غدوا، فلم يصنعوا شيئاً، فدخل إلى جارية له فأخبرها فقالت كيف قلت فأنشدها فقالت: وعما قليل لا يروح ولا يغدو.
    ● قال الأصمعي كنت عند أمير المؤمنين الرشيد إذ دخل رجل ومعه جارية للبيع فتأملها الرشيد ثم قال خذ جاريتك فلولا كلف في وجهها وخنس في أنفها لاشتريتها فانطلق بها فلما بلغت الستر قالت يا أمير المؤمنين ارددني إليك أنشدك بيتين حضراني فردها فأنشأت تقول:
    ما سلم الظبي على حسنه ● كلا ولا البدر الذي يوصف
    الظبي فيه خنس بين ● والبدر فيه كلف يعرف
    فأعجبته بلاغتها فاشتراها وقرب منزلها وكانت أحظى جواريه عنده.
    ● قال الجاحظ رأيت بالعسكر امرأة طويلة القامة جداً ونحن على طعام فأردت أن أمازحها فقلت انزلي حتى تأكلي معنا قالت وأنت فاصعد حتى ترى الدنيا قال الجاحظ أيضاً رأيت امرأة جميلة فقلت ما اسمك قالت مكة فقلت أتأذنين لي أن أقبل الحجر الأسود منك قالت لا إلا بالزاد والراحلة قال مؤلف الكتاب وقد رويت لنا هذه الحكاية على وجه آخر قال الجاحظ رأيت جارية بسوق النخاسين ببغداد ينادي عليها وعلى خدها خال فدعوت بها وجعلت أقلبها فقلت لها ما اسمك قالت مكة فقلت الله أكبر قرب الحج أتأذنين أقبل الحجر الأسود قالت له إليك عني ألم تسمع قول الله تعالى لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس.
    ● قال الأصمعي أتي المنصور بسارق فأمر بقطع يده، فانشأ يقول:
    يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ● بحقويك من عار عليها يشينها
    فلا خير في الدنيا ولا في نعيمها ● إذا ما شمال فارقتها يمينها
    فقال يا غلام اقطع هذا حد من حدود الله وحق من حقوقه لا سبيل إلى تعطيله قالت أم الغلام واحدي وكادي وكاسبي قال بئس الواحد واحدك وبئس الكاد كادك وبئس الكاسب كاسبك يا غلام اقطع فقالت أم السارق يا أمير المؤمنين أما لك ذنوب تستغفر الله منها قال بلى قالت هبه لي واجعل هذا من ذنوبك التي تستغفر الله منها.
    ● وقد رويت لنا هذه الحكاية عن عبد الملك بن مروان فإنه أتى بسارق وثبتت عليه البينة فانشد هذا الشعر وقالت أمه هذا الكلام فقال خلواً سبيله أنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي:
    وسائلة عن ركب حسان كلهم ... ليبلغ حسان بن زيد سؤالها
    قال وهي تحب حسان فكرهت أن تخصه فسألت عن الركب جميعاً حتى صارت إليه قال هارون بن عبد الملك بن المأمون لما عرضت الخيزران على المهدي قال لها والله يا جارية إنك لعلى غاية المتمني ولكنك خمشة الساقين فقالت يا أمير المؤمنين إنك أحوج ما يكون إليهما لا تراهما فقال اشتروها فحظيت عنده فأولدها موسى وهارون وحكى أبو بكر الصولي أن المهدي اشترى جارية فاشتد شغفه بها وكانت به أشغف وكانت تتجافاه كثير فدس إليها من عرف ما في نفسها فقالت أخاف أن يملني ويدعني فأموت فأنا أمنع نفسي بعض لذتها منه لأعيش فقال المهدي:
    ظفرت بالقلب مني ● غادة مثل الهلال
    كلما صح لها ود ● ي جاءت باعتلال
    لا تحب الهجر مني ● والتنائي عن وصالي
    بل لمأمنها على ● حبي لها خوف الملال
    ● قال أبو نواس استقبلتني امرأة فأسفرت عن وجهها فكانت على غاية الحسن فقالت ما اسمك قلت وجهك فقالت أنت الحسن إذن. حدثنا رجل من تغلب قال كان فينا رجل له ابنة شابة وكان له ابن أخ يهواها وتهواه فمكثا كذلك دهراً ثم إن الجارية خطبها بعض الأشراف فأرغب في المهر فأنعم أبو الجارية واجتمع القوم للخطبة فقالت الجارية لأمها يا أماه ما يمنع أن يزوجني من ابن عمي قالت أمر كان مقضياً قالت والله ما أحسن رباه صغيراً ثم تدعوه كبيراً ثم قالت لها يا أماه إني والله حامل فاكتمي إن شئت أو نوحي فأرسلت الأم إلى الأب فأخبرته الخبر فقال اكتمي هذا الأمر ثم خرج إلى القوم فقال يا هؤلاء إني كنت أجبتكم وأنه قد حدث أمر رجوت أن يكون فيه الأجر وأنا أشهدكم أني قد زوجت ابنتي فلانة من ابن أخي فلان فلما انقضى ذلك قال الشيخ أدخلوها عليه فقالت الجارية هي بالرحمن كافرة إن دخل عليها من سنة أو تبين حملها قال فما دخل عليها إلا بعد حول فعلم أبوها أنها احتالت عليه.
    ● قال الصولي قال العتبي رأيت امرأة أعجبتني صورتها فقلت ألك بعل قالت لا قلت أفترغبين في التزويج قالت نعم ولكن لي خصلة أظنك لا ترضاها قلت وما هي قالت بياض برأسي قال فثنين عنان فرسي وسرت قليلاً فنادتني أقسمت عليك لتقفن ثم أتت موضع خالٍ فكشفت عن شعر كأنه العناقيد السوناي فقلت والله ما بلغت العشرين ولكنني عرفتك أنا نكره منك ما تكره منا قال فخجلت وسرت وأنا أقول:
    فجعلت أطلب وصلها بتملق ● والشيب يغمزها بأن لا تفعلي
    ● حدثنا العتبي قال قال رجل من ولد علي عليه السلام لامرأة أمرك بيدك ثم ندم فقالت أما والله لقد كان بيدك عشرين سنة فأحسنت حفظه وصحبه فلن أضيعه إذا كان بيدي ساعة من نهار وقد رددته إليك فأعجب بذلك من قولها وأمسكها. قال أراد شعيب أن يتزوج امرأة فقال لها إني سيء الخلق فقالت أسوأ منك خلقاً من أحوجك أن تكون سيئاً قال أنت امرأتي قال سمعت الفضل بن إبراهيم يقول مر شاعر بنسوة فأعجبه شانهن فجعل يقول:
    إن النساء شياطين خلقن لنا ● نعوذ بالله من شر الشياطين
    قال فأجابته واحدة منهن وجعلت تقول:
    إن النساء رياحين خلقن لكم ● وكلكم يشتهي شم الرياحين
    ● قال أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي كان لرجل من الأعراب ابنة وكان له غلام فراودها عن نفسها فوعدته الليل وأعدت له شفرة حدتها فلما جاءها للميعاد فجبته فخرج يعوي فسمعه مولاه فقال من فعل بك، قال ابنتك فدخل عليها ما صنعت بهذا الغلام فقالت يا أبت إن العبد من نوكه يشرب من سقاء لم يوكه ومن ورد غير مائه صدر بمثل دائه فقال لها شللاً.
    ● قال الشرقي بن فطامي كان شن من دهاة العرب فقال والله لأطوفن حتى أجد امرأة مثلي فأتزوجها فسار حتى لقي رجلاً يريد قرية يريدها شن فصحبه فلما انطلقا قال له شن أتحملني أم أحملك فقال الرجل يا جاهل كيف يحمل الراكب الراكب فسارا حتى رأيا زرعاً قد استحصد فقال شن: أترى هذا الزرع قد أكل أم لا فقال يا جاهل أما تراه قائماً فمرا بجنازة فقال أترى صاحبها حياً أو ميتاً فقال ما رأيت أجهل منك أتراهم حملوا إلى القبور حياً ثم سار به الرجل إلى منزله وكانت له ابنة تسمى طبقة فقص عليها القصة فقالت أما قوله أتحملني أم أحملك فأراد تحدثني أم أحدثك حتى تقطع طريقنا وأما قوله أترى هذا الزرع قد أكل أم لا فأراد باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا وأما قوله في الميت فإنه أراد اترك عقبا يحيا به ذكره أم لا فخرج الرجل فحادثه ثم أخبره بقول ابنته فخطبها إليه فزوجه إياها فحملها إلى أهله فلما عرفوا عقلها ودهاءها قالوا وافق شن طبقة.
    ● قال حدثني أبو محمد بن داسته أن رجلاً اعترض جارية في الطريق فقال لها أبيدك صنعة قالت لا ولكن برجلي تعني أنها رقاصة. قال المحسن وحدثني أنه سمع امرأة تخاصمت مع زوجها فقالت له طلقني فقال لها أنت حبلى حتى إذا ولدت طلقتك قالت ما عليك منه قال فإيش تعملين به قالت اقعده على باب الجنة فقاعي فقلت لعجوز كانت تتوسط بينهما إيش معنى هذا قالت تريد أنها تشرب ماء السداب وتتحمل سداباً عليه أدوية لتسقط فيلحق الصبي بالجنة فيكون كالفقاعي.
    ● قال أبو بكر ابن الأزهر حدثني بعض إخواني أن رجلاً كان بالأهواز وكان له ثروة ونعمة وأهل فسار إلى البصرة مرة فتزوج بها فكان يأتي تلك المرأة في السنة مرة أو مرتين وكان للبصرية عم يكاتبه فوقع كتاب منه في يد الأهوازية فعملت الحال فكتبت إليه من حمية البصري بأن امرأتك قد ماتت فالحق فقرأه ثم أخذ في إصلاح أمره ليخرج فقالت الأهوازية إني أراك مشغول القلب وأظن أن لك بالبصرة امرأة، فقال: معاذ الله فقالت لا أقنع بقولك دون يمينك فتحلف بطلاق كل امرأة لك غائبة أو حاضرة فحلف لها ظناً أن تلك قد ماتت فقالت له لا حاجة لك في الخروج فإن تلك بانت وهي في الحياة.
    ● قال علي بن الجهم اشتريت جارية فقلت لها ما أحسبك إلا بكراً فقالت يا سيدي كثرت الفتوح في زمان الواثق وقلت لها ليلة كم بيننا وبين الصبح قالت عناق مشتاق، ونظرت إلى الشمس كاسفة فقالت احتشمت محاسني فانتقبت وقلت لها ليلة نجعل مجلسنا الليلة في القمر فقالت ما أولئك بالجمع بين الضرائر وكانت تكره الحلي وتقول تستر المحاسن كما تغطي القبائح. عرض على المتوكل جارية فقال لها أبكراً أنت أم إيش فقالت أم إيش يا أمير المؤمنين فضحك وابتاعها.
    ● وضع المعتضد رأسه في حجر بعض جواريه فجعلت تحت رأسه مخدة ونهضت فلما انتبه قال لم فعلت ذاك وأكبره فقالت كذا علمنا أن لا يقعد قاعد بحضرة من ينام ولا ينام بحضرة قاعد فاستحسن المعتضد ذلك منها واستعقلها. بلغنا عن غريب وكان يقال إنها ابنة جعفر بن يحيى البرمكي وكانت مغنية ذكية شاعرة اشتراها المعتصم بمائة ألف وأعتقها فكتبت إلى بعض الناس أردت ولولا ولعلي، فكتبت تحن أردت ليت وتحت لولا ماذا وتحت لعلي أرجو فمضت إليه قال أبو الحسن بن هلال الصابي حدثنا أبو محمد الحارثي قال كان عندنا بواسط رجل موسر يقال له أبو محمد وكانت عنده مغنية تغني: خليلي هيا نصطبح بسواد فقال لها بالله غني لي: خليلي هيا نصطبح بسهاد، فقالت له إذا عزمت فوجدك.
    ● وقال أبو حنيفة خدعتني امرأة أشارت إلى كيس مطروح في الطريق فتوهمت أنه لها فحملته إليها فقالت احتفظ به حتى يجيء صاحبه. لما قتل كمري وزيره بزر جمهر أراد أن يتزوج ابنته فقالت للثقات لو كان ملككم حازماً لما دخل بين شعاره ودثار مأثوره قال رجل لجارية أراد شراءها لا يريبك هذا الشيب الذي ترينه فإن عندي قرة عين فقالت الجارية أيسرك إن عندك عجوزاً مغتلمة. قال ابن المبارك بن أحمد خرج رجل على سبيل الفرجة فقعد على الجسر فأقبلت امرأة من جانب الرصافة متوجهة إلى الجانب الغربي فاستقبلها شاب فقال لها رحم الله علي بن الجهم فقالت المرأة في الحال رحم الله أبا العلاء المعري وما وقفا ومرا مشرقة ومغرباً فتبعت المرأة وقلت لها إن لم تقولي ما قلتما وإلا فضحتك وتعلقت بك فقالت قال لي الشاب رحم الله علي ابن الجهم أراد به قوله:
    عيون المها بين الرصافة والجسر ● جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
    وأردت أنا بتر حمي على المعري قوله:
    فيا دارها بالحزن مزارها ● قريب ولكن دون ذلك أهوال
    ● قال ابن الزبير لامرأة من الخوارج أخرجي المال من تحت استك، قال فالتفتت إلى من بحضرتها وقالت أنشدكم الله أهذا من كلام الخلفاء، قالوا لا قالت لابن الزبير كيف ترى هذا الخلع الخفي.
    ● قال المتنبي قال لي رجل من الهاشميين كتبت إلى امرأتي وأنا في السفر كتاباً تمثلت فيه ببيت لك:
    بن التعلل لا أهل ولا وطن ● ولا نديم ولا كأس ولا سكن
    فكتبت إليّ والله ما أنت كما ذكرته في هذا البيت بل أنت كما قال الشاعر:
    سهرت بعد رحيلي ووحشة لكم ● ثم استمر مريري وارعوى الوسن
    ● ونقلت من خط الشيخ أبي الوفاء بن عقيل قال كان بعض قضاة الحنيفة من مذهبه، أنه إذا ارتاب بالشهود فرقهم فشهد عنده رجل وامرأتان فيما يشهد فيه النساء فأراد أن يفرق بين المرأتين على عادته فقالت إحداهما أخطأت لأن الله تعالى قال فتذكر إحداهما الأخرى فإذا فرقت زال المعنى الذي قصده الشرع فأمسك. ذكر أن رجلاً دعا المبرد بالبصرة مع جماعة فغنت جارية من وراء الستار وأنشأت تقول:
    وقالوا لها هذا حبيبك معرضاً ● فقالت إلا إعراضه أيسر الخطب
    فما هي إلا نظرة بتبسم ● فتصطك رجلاه ويسقط للجنب
    فطرب كل من حضر إلا المبرد فقال له صاحب المجلس كنت أحق الناس بالطرب فقالت الجارية: دعه يا مولاي فإنه سمعني أقول هذا حبيبك معرضاً فظنني لحنت ولم يعلم أن ابن مسعود قرأ وهذا بعلي شيخاً قال فطرب المبرد إلى أن شق ثوبه.
    ● قال بعضهم حضرت رفيقتين وكانت إحداهما تعبث بكل من تقدر عليه والأخرى ساكتة فقلت للساكتة رفيقتك هذه ما تستقر مع واحد فقالت نعم وهي تقول بالسنة والجماعة وأنا أقول بإثبات القدر. غضب المأمون يوماً على عبد الله بن طاهر فأراد طاهر أن يقصده فورد عليه كتاب من صديق له مقصور على السلام وفي حاشيته يا موسى فجعل يتأمله ولا يعلم معنى ذلك فقالت له جارية وكانت فطنة أراد يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فتيقظ عن قصد المأمون.
    ● عرض على رجل جاريتان بكر وثيب فمال إلى البكر، فقالت الثيب لم رغبت فيها وما بيني وبينها إلا يوم، فقالت البكر وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون فأعجبتاه فاشتراهما.
    ● قال خاصمت امرأة زوجها في تضييقه عليها وعلى نفسه فقالت والله ما يقيم الفأر في بيتك إلا لحب الوطن وإلا فهو يسترزق من بيوت الجيران. قال الجاحظ قلت لجارية ببغداد أبكر أنت نعوذ بالله من الكساد يعني الثيوبة.
    ● جاءت دلالة إلى قوم فقالت عقدي زوج يكتب بالحديد ويختم بالزجاج فرضوا به وزوجوه فإذا هو حجام. قالت دلالة لرجل عندي امرأة كأنها طاقة نرجس فتزوجها فإذا هي عجوز قبيحة فقال كذبت عليّ وغششتيني فقالت لا والله ما فعلت إنما شبهتها بطاقة نرجس لأن شعرها أبيض ووجهها أصفر وساقها أخضر.
    ● أعطت امرأة جاريتها درهماً وقالت اشتري هريسة فرجعت فقالت يا سيدتي سقط الدرهم مني فضاع فقالت يا فاعلة تكلميني بفمك كله وتقولين ذهب الدرهم فأمسكت الجارية نصف فمها بيدها وقالت بالنصف الآخر وانكسرت يا سيدتي الزبدية كان رجل يقف تحت روشن امرأة وهي تكره وقوفه قالت فجاء في بعض الأيام وعليه قميص ديبقي قد غسله عند المطري وسقاه نشا وتحته قميص رومي قالت وكان للناس أترج سوسي في الأترجة ثلاثون رطلاً فأخرجت بطيخة وأشارت إليه تعال خذ هذه فجاء فوقف تحت الروشن فقالت أمسك حجرك صلباً حتى لا يقع فتنكسر فلزم حجره فأخرجت البطيخة كأنها ترمي بها وأخذت أترجة فرصت بها في حجره فلم يردها شيء سوى الأرض فجمعه وهرب مستحياً وما عاد بعدها. بكت عجوز على ميت فقيل لها بماذا استحق هذا منك فقالت جاورنا وما فينا إلا من تجب عليه الزكاة. كانت جارية لبعض الأكابر وكانت عفيفة إلا أنها كانت تفحش في مجونها فقال لها مولاها اقصري من هذا الفحش بمحضر من الرجال فقالت أفحش منه عندهم أخذك دراهمهم بسببي وقال لها بعض الحاضرين وكان شيخاً:
    يا أحسن الناس وجهاً ● مني علي بقبلة
    فأجاب مسرعة:
    يا أسمج الناس وجهاً ● وأسخن الناس مقله
    إذا سمحت لما رمـ ● ته فأني بذله
    وكيف يوجد بين الحـ ● مار والخشف وصله
    فلا تطف بالغواني ● فما يردنك خمله
    وكل شيخ تصابى ● على الصبايا فأبله
    ● قال رجل لجارية أراد شراءها فسألها عن ثمنها فقال يا جارية كم دفعوا فيك فقالت وما يعلم جنود ربك إلا هو قال حدثني أبو القاسم عبد الله بن محمد الكاتب قال: حدثني بعض الأشراف بالكوفة أنه كان بها رجل حسني يعرف بالأدرع شديد القلب جداً قال وكان في خرائب الكوفة شيء يظهر للمجتازين فيه نار يطول تارة ويقصر أخرى يقولون هو غولة يفزع منه الناس فخرج الأدرع ليلة راكباً في بعض شأنه قال لي الدرع فاعترض لي السواد والنار فطال الشخص في وجهي فأنكرته ثم رجعت إلى نفسي فقلت أما شيطان وغولة فهوس وليس إلا إنساناً فذكرت الله تعالى وصليت على نبيه صلى الله عليه وسلم وجمعت عنان الفرس وقرعته بالمقرعة وطرحته على الشخص فازداد طوله وعظم الضوء فيه فنفر الفرس، فقرعته فطرح نفسه عليه فقصر الشخص حتى عاد على قدر قامة فلما كاد الفرس يخالطه ولى هارباً فحركت خلفه فانتهى إلى خربة فدخلها فدخلت خلفه فإذا هو قد نزل سرداباً فيها فنزلت عن فرسي وشددته ونزلت وسيفي مجرد فحين حصلت في السرداب أحسست بحركة الشخص يريد الفرار مني فطرحت نفسي عليه فوقعت يدي على بدن إنسان فقبضت عليه فأخرجته فإذا هي جارية سوداء فقلت أي شيء أنت وإلا قتلتك الساعة قالت قبل كل شيء أنت إنسي أم جني فما رأيت أقوى قلباً منك قط فقلت أي شيء أنت قالت أمة لآل فلان قوم بالكوفة أبقت منهم سنين فتغربت في هذه الخربة فولد لي الفكر أن أحتال بهذه الحيلة وأوهم الناس أني غولة حتى لا يقرب الموضع أحد وأتعرض ليلاً للأحداث وربما رمى أحدهم منديلاً أو إزاراً فآخذه فأبيعه نهاراً وأقتات به أياماً، قلت فما هذا الشخص الذي يطول ويقصر والنار التي تظهر، قالت كساء معي طويل أسود فأخرجته من السرداب وقضبان مهندية أدخل بعضها في بعض في الكساء وارفعه فيطول فإذا أردت تقصيره رفعت من الأنابيب واحدة واحدة فيقصر والنار فتيلة شمع معي في يدي لا أخرج إلا رأسها مقدار ما يضيء الكساء وأرتني الشمعة والكساء والأنابيب ثم قالت قد جازت هذه الحيلة نيفاً وعشرين سنة واعترضت فرسان الكوفة وشجعانها وكل واحد وكل أحد فما أقدم أحد علي غيرك ولا رأيت أشد قلباً منك فحملها الأدرع إلى الكوفة فردها إلى مواليها فكانت تحدث بهذا الحديث ولم ير بعد ذلك أثر غولة فعلم أن الحديث حق.
    ● قال أبو حامد الخراساني القاضي بنى ابن عبد السلام الهاشمي بالبصرة داراً كبيرة ولم يتم له تربيعها إلا بسكن لطيف كان لعجوز في جواره امتنعت من بيعه فبذل لها أضعاف ثمنه فأقامت على الامتناع فشكا إليّ ذلك فقلت هذا أيسر الأمر أنا أوجب عليها بيعة فاضطرها إلى أن تسألك وزن الثمن ثم استدعيتها فقلت يا هذه إن قيمة دارك دون ما دفع لك وقد ضاعفها أضعافاً فإن لم تقبليه حجزن عليك لأن هذا تضييع منك فقالت جعلت فداك فهلا كان هذا الحجر منك على من يزن فيما يساوي درهماً عشرة وتركت منزلي فما أختار بيعه فانقطعت في يدها قال نزل رجل من أهل الحجاز مللاً فسأل أي ماء هذا فقيل له ملل وإذا بين يديه صبية سوداء تلفظ العجم تريد النوي فقال قاتل الله الذي يقول:
    أخذت على ما الشعيرة والهوى ● على ملل يا لهف قلبي على ملل
    أي بأبي إنه والله كان له بها شجن لم يكن لك فإن المبرد كان يسار الكواعب عبد الإناس من بني الحرث بن سعد بن قُضاعة وكان راعياً في أبلهم فبعث ببعض نسائهم وكان أسود فخدعته امرأة منهم وأرته إنها قد قبلته وواعدته ليوم فعلم به بعض أصحابه من الرعاة فنهاه عنها وقال له يا يسار كل من لحم الجوار واشرب من لبن العشاء ودع عنك بنات الأحرار فقال له يسار إني إذا جئتها زحكت أراد ضحكت ولاعبتني. فأتاها في اليوم الذي واعدته فيه فقالت مكانك حتى أطيبك فعمدت إليه فجدعت أنفه وأذنه فرجع إلى صاحبه الذي كان نهاه فأنكره فقال من أنت ويلك قال يسار قال فيسار كان لا أنف له ولا أذنين قال أفما ترى ويحك وبيض العينين، فذهبت مثلاً وسمي يسار الكواعب ممن ذكره جرير حين تزوج الفرزدق إحدى بني نساء شيبان وزاد في مهرها فعيره جرير بذلك فقال:
    وإني لأخشى إن خطبت اليهمو ● عليك الذي لاقى يسار الكواعب
    ● قال ابن قتيبة جاءتني جارية بهدية فقلت لها قد علم مولاك إني لا أقبل الهدية قالت ولم قلت أخشى أن يستمد مني علماً لأجل هديته فقالت ما استمد الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر وقد كان يقبل الهدية فقبلتها فكانت الجارية أفقه مني.
    ● قال وبلغنا أن رجلاً ابتلى بمحبة امرأة فأتى أبا حنيفة فأخبره أن ماله قليل وأنهم إن علموا بذلك لم يزوجوه فقال له أبو حنيفة أتبيعني أحيلك باثني عشر ألف درهم قال لا قال فأخبر القوم إني أعرفك فمضى فخطبها فقالوا من يعرفك فقال أبو حنيفة فسألوا أبا حنيفة عنه فقال ما أعرفه إلا أنه حضر عندي يوماً فسووم في سلعة له باثني عشر ألف درهم فلم يبع فقالوا هذا يدل على أنه ذو مال فزوجوه فلما تيقنت المرأة حاله قالت لا يضيق صدرك وهذا مالي بحكمك ثم مضت إلى أبي حنيفة في حليها وحللها فقالت: فتوى، فدخلت فأسفرت عن وجهها فقال تستري فقالت ما يمكن قد وقعت في أمر لا يخلصني منه ألا أنت أنا بنت هذا البقال الذي على رأس الدرب وقد بلغت عمراً واحتجت إلى الزوج وهو لا يزوجني ويقول لمن يخطبني ابنتي عوراء قرعاء شلاء ثم حسرت عن وجهها ورأسها ويديها ويقول بنتي زمنة وكشفت عن ساقيها وأريد أن تدبرني فقال ترضين أن تكوني لي زوجة فقبلت قدميه وقالت من لي بغلامك فقال امضي في دعة الله فخرجت فأحضر البقال ودفع إليه خمسين ديناراً وقال زوجني ابنتك فكتب كتاباً بمائة دينار فقال البقال يا سيدي استر ما ستر الله أنا لي بنت أزوجك قال دع هذا عنك رضيت بابنتك القرعاء الشلاء الزمنة فزوجه على المائة والخمسين ومضى فحدث زوجته فقالت والله لا كان إلا يكون هذا إلا على يد أبي حنيفة فلما كان عشية تلك الليلة أجلسها أبوها في صن وحملها بينه وبين غلامه فلما رآها أبو حنيفة قال ما هذا فقال البقال اشهد على طلاق أمها إن كانت بنت غيرها فقال أبو حنيفة هي طالق ثلاثاً أعد على الكتاب وأنت في حل من الخمسين وبقي أبو حنيفة متفكر أشهراً ثم جاءت تلك المرأة إليه فقال ما حملك على ما فعلت فقالت وأنت ما حملك على أن غررتنا برجل فقير.
    ● قال أبو الحسن البيبي مؤذن المسترشد بالله قال حدثني بعض التجار المسافرين قال كنا نجتمع من بلاد شتى في جامع عمرو بن العاص نتحدث، فبينما نحن جلوس يوماً نتحدث وإذا بامرأة بقربنا في أصل سارية فقال لها رجل من التجار من البغداديين ما شأنك فقالت أنا امرأة وحيدة غاب عني زوجي منذ عشر سنين ولم أسمع له خبراً فقصدت القاضي ليزوجني فامتنع وما ترك لي زوجي نفقة وأريد رجلاً غريباً يشهد لي هو وأصحابه أن زوجي مات أو طلقني لأتزوج أو يقول أنا زوجها ويطلقني عند القاضي لأصبر مدة العدة وأتزوج فقال لها الرجل تعطيني ديناراً حتى أصير معك إلى القاضي وأذكر له إني زوجك وأطلقك فبكت وقالت والله ما أملك غير هذه وأخرجت أربع رباعيات فأخذها منها ومضى معها إلى القاضي وأبطأ علينا فلما كان من الغد لقيناه فقلنا ما أبطأك فقال دعوني فإني حصلت في أمر ذكره فضيحة قلنا أخبرنا قال حضرت معها إلى القاضي فادعت علي الزوجية والغيبة عشر سنين وسألت أن أخلي سبيلها فصدقتها على ذلك، فقال لها القاضي أتبرئينه قالت لا والله لي عليه صداق ونفقة عشر سنين وأنا أحق بذلك فقال لي القاضي أديها حقها ولك الخيار في طلاقها أو إمساكها فورد على ما بلسني ولم أتجاسر أن أحكي صورتي معها فلا أصدق فتقدم القاضي بتسليمي إلى صاحب الشرطة فاستقر الأمر على عشرة دنانير أخذتها مني وغرمت للوكلاء وأعوان القاضي الأربع رباعيات التي أعطتني ومثلها من عندي فضحكنا منه فخجل وخرج من مصر فلم يعرف له خبر.
    ● قال ونقل من خط الشيخ أبي الوفاء بن عقيل قال حكي لي بعض الأصدقاء أن امرأة جلست على باب دكان بزار أعزب إلى أن أمست فلما أراد غلق الدكان تراءت له فقال لها ما هذا المساء فقالت والله مالي مكان أبيت فيه فقال لها تمضين معي إلى البيت فقالت نعم فمضى بها إلى بيته وعرض عليها التزويج فأجابت فتزوجها وبقيت عنده أياماً وإذا قد جاء في اليوم الرابع رجل ومعه نسوة فطلبوها فأدخلهم وأكرمهم وقال من أنتم منها فقالوا أقاربها ابن عم وبنات عم وقد سررنا بما سمعنا من الوصلة غير أنا نسألك أن تتركها تزورنا لعرس بعض أقاربنا فدخل إليها فقالت لا تجبهم إلى ذلك وأحلف بطلاقي إنك لا خرجت من داري شهر ليمضي زمن العرس فأنه أصلح لي ولك وإلا أخذوني وأفسدوا قلبي عليك فإني كنت غضبى وتزوجت إليك بغير مشاروتهم ولا أدري من قد دلهم إليك فخرج فحلف كما ذكرت له فخرجوا مأيوسين وأغلق الباب وخرج إلى الدكان وقد علق قلبه بالمرأة فخرجت ولم تستصحب من الدار شيئاً فجاء فلم يجدها فقال قائل ترى ما الذي قصدت قال أبو الوفاء لعلها مستحلة به لأجل زوج طلقها ثلاثاً فليتخوف الإنسان من مثل هذا وليطلع به على غوامض حيل الناس.


    كتاب : الأذكياء
    لابن الجوزي
    منتدى حُكماء رحُماء . البوابة



      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 17, 2017 10:02 pm