الحديث الخمسون وهو ختام الكتاب

    بص وطل
    بص وطل
    Admin

    عدد المساهمات : 1633
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    الحديث الخمسون وهو ختام الكتاب Empty الحديث الخمسون وهو ختام الكتاب

    مُساهمة من طرف بص وطل في الخميس يناير 17, 2019 9:31 am

    الحديث الخمسون وهو ختام الكتاب Game10

    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة الحديث الشريف
    جامع العلوم والحكم
    الحديث الخمسون وهو ختام الكتاب 1410
    ● [ الحديث الخمسون ] ●

    عَنْ عبدِ الله بن بُسْرٍ قال : أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجلٌ ، فقالَ : يا رَسولَ اللهِ إنَّ شرائعَ الإسلامِ قد كَثُرَتْ علينا ، فبَابٌ نَتَمسَّكُ به جامعٌ ؟ قال : ( لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكر الله - عز وجل - ).
    خرَّجه الإمامُ أحمدُ (1) بهذا اللَّفظِ .
    وخرَّجه الترمذي ، وابنُ ماجه ، وابنُ حبان في " صحيحه " (2) بمعناه ، وقال الترمذي : حسن غريب ، وكُلُّهم خرَّجه من رواية عمرو بن قيس الكندي ، عن عبد الله بن بُسر .
    وخرَّج ابنُ حبان في " صحيحه " (3) وغيره (4) من حديث معاذ بن جبل ، قال : آخِرُ ما فارقتُ عليه رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ قلتُ له : أيُّ الأعمال خيرٌ وأقربُ إلى الله ؟ قال : ( أنْ تموتَ ولِسانُكَ رَطْبٌ من ذكر الله - عز وجل - ) .
    وقد سبق في هذا الكتاب مفرقاً ذكرُ كثيرٍ من فضائل الذكر ، ونذكر هاهنا فضل إدامته ، والإكثار منه .
    __________
    (1) في " مسنده " 4/188 و190 .
    (2) ابن ماجه ( 3793 ) ، والترمذي ( 3375 ) ، وابن حبان ( 814 ) .
    (3) برقم ( 818 ) .
    (4) أخرجه : البخاري في " خلق أفعال العباد " : 72 ، والطبراني في " الكبير " 20/( 181 ) و( 208 ) و( 212 ) و( 213 ) وفي " مسند الشاميين " ، له ( 2035 ) و( 3521 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 516 ) .

    الشرح
    قد أمر الله سبحانه المؤمنين بأنْ يذكروه ذكراً كثيراً ، ومَدَحَ من ذكره كذلك ؛ قالَ تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } (1)، وقال تعالى : { وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (2)، وقال تعالى : { وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } (3) ، وقال تعالى : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } (4) .
    وفي " صحيح مسلم " (5) عن أبي هريرة : أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على جبلٍ يقالُ له : جُمْدَان ، فقال : ( سِيروا هذا جُمدان (6) ، قد سبق المُفرِّدونَ ) . قالوا : ومن المفرِّدون يا رسول الله ؟ قالَ : ( الذاكرون الله كثيرا والذَّاكرات ) .
    وخرَّجه الإمام أحمد (7) ، ولفظه : ( سبقَ المفَرِّدونَ ) قالوا : وما المفردون ؟ قال : ( الذينَ يُهْتَرونَ(8) في ذكرِ اللهِ ) .
    وخرَّجه الترمذي (9) ، وعنده : قالوا : يا رسول الله ، وما المفرِّدون ؟ قالَ : ( المُستَهتَرونَ في ذِكرِ الله يَضعُ الذِّكر عنهم أثقالهم ، فيأتون يومَ القيامة خِفافاً ).
    __________
    (1) الأحزاب : 41 - 42 .
    (2) الجمعة : 10 .
    (3) الأحزاب : 35 .
    (4) آل عمران : 191 .
    (5) 8/63 ( 2676 ) ( 4 ) .
    (6) جمدان : هو جبل بين ينبع والعيص ، على ليلة من المدينة ، وهو بضم الجيم ، ثم سكون الميم . مراصد الاطلاع 1/345 .
    (7) في " مسنده " 2/323 و411 من حديث أبي هريرة .
    (8) أي : يولعون .
    (9) في " جامعه " ( 3596 ) من حديث أبي هريرة .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وروى موسى بنُ عبيدة عن أبي عبد الله القَرَّاظ ، عن معاذ بن جبل قال : بينما نَحنُ مَعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نَسيرُ بالدّفِّ من جُمْدان إذ استنبه ، فقال : ( يا مُعاذُ ، أينَ السابقون ؟ ) فقلت : قد مَضَوا ، وتخلَّف ناسٌ . فقال : ( يا معاذ إنَّ السابقين الذين يُستَهتَرون بذكر الله - عز وجل - ) (1) خرّجه جعفر الفِرياني .
    ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث ، فإنَّه لمَّا سبق الركب ، وتخلف بعضهم ، نبه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على أنَّ السابقين على الحقيقة هم الذين يُديمون ذكرَ الله ، ويُولَعون به ، فإنَّ الاستهتار بالشيء : هو الولوعُ به ، والشغفُ ، حتى لا يكاد يُفارِق ذكره ، وهذا على رواية من رواه ( المستهترون ) ورواه بعضُهم ، فقال فيه : ( الذين أُهتِروا في ذكرِ الله ) وفسّر ابنُ قتيبة الهترَ بالسَّقْطِ في الكلام (2) ، كما في الحديث : ( المستبان شيطانان يتكاذبان ويتهاتَران ) (3) .
    قال : والمرادُ من هذا الحديث من عُمِّر وخَرِفَ في ذكر الله وطاعته ، قال : والمراد بالمفرِّدين على هذه الرواية من انفرد بالعمر عن القَرنِ الذي كان فيه ، وأما على الرواية الأولى ، فالمراد بالمفرِّدين المتخلين من الناس بذكر الله تعالى ، كذا قال ، ويحتمل - وهو الأظهر - أنَّ المرادَ بالانفرادِ على الروايتين الانفراد بهذا العمل وهو كثرةُ الذكرِ دونَ الانفراد الحسي ، إما عن القَرنِ أو عن المخالطة ، والله أعلم .
    __________
    (1) أخرجه : الطبراني في " الكبير " 20/( 326 ) ، وموسى بن عبيدة ضعيف ، وانظر : مجمع الزوائد 10/75 .
    (2) في غريب الحديث 1/321 – 322 بهذا المعنى .
    (3) أخرجه : أحمد 4/162 و266 ، والبخاري في " الأدب المفرد " ( 427 ) و( 428 ) ، وابن حبان ( 5726 ) و( 5727 ) ، والطبراني في " الكبير " 17/( 1001 ) و( 1002 ) عن عياض بن حمار .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ومن هذا المعنى قولُ عمرَ بنِ عبد العزيز ليلةَ عرفة بعرفة عندَ قرب الإفاضة : ليس السابقُ اليوم من سبق بعيرُه ، وإنَّما السابق من غُفر له (1) .
    وبهذا الإسناد عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( من أحبَّ أنْ يرتع في رياض الجنَّة ، فليُكثر ذكرَ الله - عز وجل - ) (2) .
    وخرَّج الإمام أحمد والنَّسائي ، وابنُ حبان في " صحيحه " (3) من حديث أبي سعيد الخدري : أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( استكثروا منَ الباقياتِ الصَّالحات ) قيل : وما هُنَّ يا رسولَ الله ؟ قالَ : ( التكبيرُ والتسبيحُ والتَهليلُ والحمدُ لله ، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله ) .
    وفي " المسند " و" صحيح ابن حبان " (4) عن أبي سعيد الخدري أيضاً عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( أكثروا ذِكرَ الله حتّى يقولوا : مجنون ) .
    وروى أبو نعيم في " الحلية " (5) من حديث ابن عباس مرفوعاً : ( اذكروا الله ذكراً يقول المنافقون : إنَّكم تُراؤون ) .
    __________
    (1) انظر : فتح الباري 3/660 .
    (2) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 29457 ) و( 35059 ) ، والطبراني في " الكبير " 20/( 326 ) ، وفيه موسى بن عبيدة ضعيف ، وانظر : مجمع الزوائد 10/75 .
    (3) أحمد 3/75 ، وابن حبان ( 840 ) وبهذا اللفظ لم يخرجه النسائي حيث لم أجده في المطبوع من " السنن الكبرى " ولا " عمل اليوم والليلة " ، وكذا قال محقق تحفة الأشراف 3/340 هامش ( 3 ) ، وساقه الهيثمي في " مجمع الزوائد " 10/87 ونسبه إلى أحمد وأبي يعلى ، وهذا دليل على عدم وجوده عند النسائي لكن المزي في " التحفة " 3/340 ( 4066 ) عزاه للنسائي فلعله في بعض النسخ ، والحديث ضعيف لضعف دراج أبي السمح في روايته عن أبي الهيثم .
    (4) أحمد 3/68 و71 ، وابن حبان ( 817 ) ، وهو حديث ضعيف لضعف دراج أبي السمح في روايته عن أبي الهيثم .
    (5) 3/80 - 81 ، وهو ضعيف .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وخرَّج الإمام أحمد والترمذي (1) من حديث أبي سعيد ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه سئل : أيُّ العباد أفضلُ درجةً عندَ الله يوم القيامة ؟ قالَ : ( الذاكرون الله كثيراً ) ، قيل : يا رسول الله ، ومِنَ الغازي في سبيل الله ؟ قال : ( لو ضربَ بسيفه في الكفَّار والمشركين حتّى ينكسر ويتخضَّب دماً ، لكان الذاكرون للهِ أفضلَ منه درجةً ) .
    وخرَّج الإمام أحمد (2) من حديث سهلٍ بن معاذ ، عن أبيه ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : أنَّ رجلاً سأله فقال : أيُّ الجهاد أعظمُ أجراً يا رسول الله ؟ قال : ( أكثرُهم للهِ ذِكراً ) ، قال : فأيُّ الصَّائمين أعظمُ ؟ قال : ( أكثرهم لله ذِكراً ) ، ثم ذكر لنا الصَّلاة والزَّكاة والحجَّ والصدقة كلٌّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( أكثرهم لله ذكراً ) ، فقال أبو بكر : يا أبا حفص ، ذهب الذاكرون بكلِّ خيرٍ ، فقال رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( أجل ) .
    وقد خرَّجه ابنُ المبارك (3) ، وابنُ أبي الدنيا من وجوه أُخَر مرسلة بمعناه .
    وفي " صحيح مسلم " (4) عن عائشة ، قالت : كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كلِّ أحيانِهِ .
    __________
    (1) أحمد 3/75 ، والترمذي ( 3376 ) ، وهو ضعيف لضعف ابن لهيعة ، ولضعف دراج في روايته عن أبي الهيثم .
    (2) في " مسنده " 3/438 ، وهو ضعيف لضعف ابن لهيعة وزبان بن فائد .
    (3) في " الزهد " ( 1429 ) عن أبي سعيد المقبري .
    (4) 1/194 ( 373 ) ( 117 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقال أبو الدرداء : الذين لا تزال ألسنتهم رطبةً من ذكر الله ، يدخل أحدهم الجنَّةَ وهو يضحك (1) ، وقيل له : إنَّ رجلاً أعتق مئة نسمة ، فقال : إنَّ مئة نسمة من مالِ رجلٍ كثيرٌ ، وأفضلُ من ذلك إيمانٌ ملزومٌ بالليل والنَّهار ، وأنْ لا يزالَ لسانُ أحدكم رطباً مِنْ ذِكر الله - عز وجل - (2) .
    وقال معاذ : لأن أذكر الله من بكرة إلى الليل أحبُّ إليَّ من أنْ أحملَ على جياد الخيل في سبيل الله من بكرة إلى الليل (3) .
    وقال ابن مسعود في قوله تعالى : { اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } (4) قال : أنْ يُطاعَ فلا يُعصى ، ويُذكر فلا يُنسى ، ويُشكر فلا يكفر (5) ، وخرَّجه الحاكم (6) مرفوعاً وصحَّحه ، والمشهورُ وقفُه .
    وقال زيدُ بنُ أسلم : قال موسى - عليه السلام - : يا ربِّ قد أنعمتَ عليَّ كثيراً ، فدُلني على أنْ أشكرك كثيراً ، قال : اذكُرني كثيراً ، فإذا ذكرتني كثيراً ، فقد شكرتني ، وإذا نسيتني فقد كفرتني (7) .
    وقال الحسن : أحبُّ عبادِ الله إلى اللهِ أكثرهم له ذكراً وأتقاهم قلباً .
    __________
    (1) أخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 1126 ) ، وابن أبي شيبة ( 29459 ) و( 34587 ) و( 35052 ) ، وأحمد في " الزهد " ( 726 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/219 .
    (2) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 29464 ) و( 35057 ) ، وأحمد في " الزهد " ( 730 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/219 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 627 ) .
    (3) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 29458 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/235 .
    (4) آل عمران : 102 .
    (5) أخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 22 ) ، وابن أبي شيبة ( 34553 ) ، وعبد بن حميد كما في " الدر المنثور " 2/105 ، والطبري في " تفسيره " ( 5947 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 7/238 و238 - 239 .
    (6) في " المستدرك " 2/294 .
    (7) أخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 711 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وقال أحمد بنُ أبي الحواري : حدَّثني أبو المخارق ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( مررتُ ليلة أُسري بي برجل مُغيَّبٍ في نور العرش ، فقلتُ : من هذا ؟ مَلَكٌ ؟ قيل : لا ، قلت : نبيٌّ ؟ قيل : لا ، قلتُ : من هو ؟ قال : هذا رجل كان لسانه رطباً من ذكر الله ، وقلبُه معلَّق بالمساجد ، ولم يستسبَّ لوالديه قطّ ) (1) .
    وقال ابن مسعود : قال موسى - عليه السلام - : ربِّ أيُّ الأعمال أحبُّ إليك أنْ أعملَ به ؟ قالَ : تذكرني فلا تنساني (2) .
    وقال أبو إسحاق عن ميثم : بلغني أنَّ موسى - عليه السلام - ، قالَ : ربِّ أيُّ عبادكَ أحبُّ إليكَ ؟ قال : أكثرُهم لي ذكراً (3) .
    وقال كعب : من أكثر ذكر الله ، برئ من النفاق (4) ، ورواه مؤمَّل ، عن حماد بن سلمة ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة مرفوعاً (5) .
    __________
    (1) أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الأولياء " ( 95 ) .
    (2) أخرجه : محمد بن فضيل الضبي في " الدعاء " ( 102 ) .
    (3) أخرجه : محمد بن فضيل الضبي في " الدعاء " ( 103 ) .
    (4) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 29292 ) عن رجل من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - .
    (5) أخرجه : الطبراني في " الأوسط " ( 6931 ) وفي " الصغير " ، له ( 954 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 576 ) ، وإسناده ضعيف جداً لا يصح ، محمد بن سهل ، عن مؤمل بن إسماعيل يروي الموضوعات ، وانظر : لسان الميزان 7/189 ( 6891 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وخرَّج الطبراني (1) بهذا الإسناد مرفوعاً : ( مَنْ لَمْ يُكثِرْ ذِكْرَ الله فقد برئ من الإيمان ) . ويشهد لهذا المعنى أنَّ الله تعالى وصف المنافقين بأنَّهم لا يذكرون الله إلا قليلاً ، فمن أكثر ذكرَ الله ، فقد بايَنَهُم في أوصافهم ، ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله ، وأنْ لا يُلهي المؤمنَ عن ذلك مالٌ ولا ولدٌ ، وأنَّ من ألهاه ذلك عن ذكر الله ، فهو من الخاسرين .
    قال الربيعُ بنُ أنس ، عن بعض أصحابه : علامةُ حبِّ الله كثرةُ ذكره ، فإنَّك لنْ تحبَّ شيئاً إلا أكثرت ذكره (2) .
    قال فتح الموصِلي : المحبُّ لله لا يَغفُلُ عن ذكر الله طرفةَ عين ، قال ذو النون : من اشتغل قلبُه ولسانُه بالذِّكر ، قذف الله في قلبه نورَ الاشتياق إليه (3) .
    قال إبراهيم بن الجنيد : كان يُقال : من علامة المحبِّ للهِ دوامُ الذكر بالقلب واللسان ، وقلَّما وَلعَ المرءُ بذكر الله - عز وجل - إلا أفاد منه حبَّ الله . وكان بعضُ السَّلف يقول في مناجاته : إذا سئم البطالون من بطالتهم ، فلنْ يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك .
    __________
    (1) انظر التعليق السابق ، وسلسلة الأحاديث الضعيفة ( 890 ) .
    (2) أخرجه : المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 744 ) عن الربيع بن أنس عن بعض أصحابه موقوفاً .
    ... وأخرجه : ابن عدي في " الكامل " 4/128 عن أنس .
    وأخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 409 ) عن أنس بن مالك معلقاً .
    وفي ( 419 ) عن أحمد بن أبي الحواري ، موقوفاً .
    ورواه أيضاً في ( 501 ) عن مالك بن دينار ، موقوفاً .
    (3) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 9/378 – 379 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 885 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    قال أبو جعفر المحَوَّلي : وليُّ الله المحبُّ لله لا يخلو قلبُه من ذكر ربِّه ، ولا يسأمُ من خدمته (1) . وقد ذكرنا قولَ عائشة : كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كلِّ أحيانه (2) ، والمعنى : في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه ، وسواء كان على طهارةٍ أو على حدث .
    وقال مِسعر : كانت دوابُّ البحر في البحر تَسكُنُ ، ويوسفُ - عليه السلام - في السجن لا يسكن عن ذكر الله - عز وجل - .
    وكان لأبي هريرة خيطٌ فيه ألفا عُقدة ، فلا يُنام حتّى يُسبِّحَ به (3) .
    وكان خالد بنُ معدان يُسبِّحُ كلَّ يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن ، فلما مات وضع على سريره ليغسل ، فجعل يُشير بأصبعه يُحركها بالتسبيح (4) .
    وقيل لعمير بن هانئ : ما نرى لسانَك يَفتُرُ ، فكم تُسبِّحُ كلَّ يوم ؟ قال : مئة ألف تسبيحة ، إلا أنْ تُخطئ الأصابع ، يعني أنَّه يَعُدُّ ذلك بأصابعه (5) .
    وقال عبد العزيز بنُ أبي رَوَّاد : كانت عندنا امرأةٌ بمكة تُسبح كلّ يوم اثني عشرة ألف تسبيحة ، فماتت ، فلما بلغت القبر ، اختُلِست من بين أيدي الرجال (6) .
    كان الحسن البصري كثيراً ما يقول إذا لم يُحدث ، ولم يكن له شغل : سبحان الله العظيم ، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة ، فقال : إنَّ صاحبكم لفقيه ، ما قالها أحدٌ سبعَ مرَّاتٍ إلاّ بُني له بيتٌ في الجنَّة .
    وكان عامةُ كلام ابن سيرين : سبحان الله العظيم ، سبحان الله وبحمده .
    __________
    (1) قال العارفون : ومن علامات صحة القلب أن لا يغتر عن ذكر ربه ولا يسأم من خدمته ولا يأنس بغيره . فيض القدير 1/2 - 7 .
    (2) سبق تخريجه وهو عند أحمد 6/70 و153 ، والترمذي ( 3384 ) .
    (3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 1/383 .
    (4) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 5/210 .
    (5) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 5/157 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 719 ) .
    (6) أخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 720 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وكان المغيرة بنُ حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون ، نزل إلى البحر ، وقام في الماء يذكر الله مع دوابِّ البحر (1) .
    نام بعضُهم عند إبراهيم بن أدهم قال : فكنتُ كلَّما استيقظتُ من الليل ، وجدتُه يذكر الله ، فأغتمّ ، ثم أُعزِّي نفسي بهذه الآية : { ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } (2) .
    المحبُّ اسم محبوبه لا يغيبُ عن قلبه ، فلو كُلّف أنْ ينسى تذكُّره لما قدر ، ولو كلف أنْ يكفّ عن ذكره بلسانه لما صبر .
    كَيْفَ يَنسى المُحبُّ ذِكرَ حَبيبٍ . اسمُه في فُؤاده مَكتوبُ
    كان بلالٌ كلَّما عذَّبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول : أحدٌ أحدٌ ، فإذا قالوا له قل : اللات والعُزَّى ، قال : لا أحسنه (3) .
    يُراد مِنَ القَلبِ نِسيانُكُم . وتَأْبَى الطِّباعُ على النَّاقِلِ
    كلَّما قويت المعرفةُ ، صار الذكرُ يجري على لسان الذاكر من غير كُلفة ، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه : الله الله ، ولهذا يُلهم أهلُ الجنة التَّسبيح ، كما يُلهمون النفسَ ، وتصيرُ ( لا إله إلا الله ) لهم ، كالماء البارد لأهل الدنيا ، كان الثوري ينشد :
    لا لأَنِّي أَنساكَ أُكثرُ ذِكرا . ك ولكنْ بِذاكَ يَجري لِساني
    __________
    (1) لم أهتديه عن المغيرة بن حكيم ، ووجدته عن الحكم بن أبان . أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 10/141 .
    وذكره : ابن الجوزي في " صفة الصفوة " 2/177 .
    (2) المائدة : 54 .
    (3) أخرجه : ابن سعد في " الطبقات " 3/175 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    إذا سمِعَ المحبُّ ذكر اسم حبيبه من غيره زاد طربه ، وتضاعف قَلَقُه ، قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعودٍ : ( اقرأ عليَّ القرآن ) ، قال : أقرأ عليكَ وعَلَيكَ أُنزل ؟ قال : ( إنِّي أُحبُّ أنْ أسمعه من غيري ) (1) ، فقرأ عليه ، ففاضت عيناه .
    سمع الشبلي قائلاً يقولُ : يا الله يا جَوادُ ، فاضطرب (2) :
    وداعٍ دعا إذ نَحْنُ بالخَيفِ مِن منى . فهَيَّجَ أشجانَ الفُؤادِ وما يَدري
    دَعا بِاسم لَيلَى غَيرَها فكأَنَّما . أطارَ بِليلى طائراً كان في صدري(3)
    النبض ينْزعج عند ذكر المحبوب :
    إذا ذُكِر المحبوب عندَ حبيبه . تَرنَّحَ نَشوانٌ وحَنَّ طرُوبُ
    ذكر المحبين على خلاف ذكر (4) الغافلين : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } (5) .
    وإنِّي لَتَعْروِني لِذكْرَاكِ هِزَّةٌ . كَما انتفضَ العُصفورُ بَلَّلهُ القطْرُ
    أحد السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله : ( رجلٌ ذكرَ الله خالياً ، ففاضت عيناه ) (6) .
    __________
    (1) أخرجه : أحمد 1/374 و380 و432 ، والبخاري 6/57 ( 4582 ) ، ومسلم 2/196
    ( 800 ) ( 248 ) ، والترمذي ( 3025 ) وفي " الشمائل " ، له ( 323 ) بتحقيقي ، والنسائي في " الكبرى " ( 8075 ) و( 8078 ) و( 8079 ) و( 11105 ) وفي " التفسير " ، له ( 125 ) .
    (2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 10/373 بنحوه .
    (3) الشعر لمجنون بن عامر . انظر : أخبار مكة للفاكهي 4/272 ، وتاريخ بغداد 12/335 ، وسير أعلام النبلاء 4/7 .
    (4) سقطت من ( ص ) .
    (5) الأنفال : 2 .
    (6) أخرجه : البخاري 1/168 ( 660 ) ، ومسلم 3/93 ( 1031 ) ( 91 ) عن أبي هريرة .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    قال أبو الجلد : أوحى الله - عز وجل - إلى موسى - عليه السلام - : إذا ذكرتني ، فاذكرني ، وأنت تنتفض أعضاؤُك ، وكُن عندَ ذكري خاشعاً مطمئناً ، وإذا ذكرتني ، فاجعل لِسانك من وراء قلبك (1) .
    وصف عليٌّ يوماً الصحابة ، فقال : كانوا إذا ذكروا الله مادُوا كما يميد الشجرُ في اليوم الشديد الريح ، وجرت دموعهم على ثيابهم (2) .
    قال زهير البابي : إنَّ لله عباداً ذكروه ، فخرجت نفوسُهم إعظاماً واشتياقاً ، وقوم ذكروه ، فوجِلَتْ قلوبهم فرقاً وهيبة ، فلو حُرِّقوا بالنَّار ، لم يجدوا مَسَّ النار ، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده ، فارفضّوا عرقاً من خوفه ، وقومٌ ذكروه ، فحالت ألوانهم غبراً ، وقومٌ ذكروه ، فجَفَّتْ أعينُهم سهراً .
    صلَّى أبو يزيد الظهر ، فلما أراد أنْ يُكبِّر ، لم يقدر إجلالاً لاسم الله ، وارتعدت فرائصه حتى سمعت قعقعةُ عظامه (3) .
    __________
    (1) أخرجه : أحمد في " الزهد " ( 348 ) ، وابن أبي عاصم في " الزهد " : 67 و68 ( طبعة دار الريان للتراث ) .
    (2) هذا باطل موضوع مكذوب على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعلى الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، والخبر فيه عدة علل وعلته الرئيسة عمرو بن شمر الجعفي الكوفي الشيعي قال عنه الجوزجاني : ( زائغ كذاب ) ، وقال ابن حبان : ( رافضي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات ) ، وقال البخاري : ( منكر الحديث ) ، وقال النسائي والدارقطني وغيرهما
    : ( متروك الحديث ) ، وقال السليماني : ( كان عمرو يضع على الروافض ) .= = ... أخرجه : ابن أبي الدنيا في "التهجد" ( ق 170/أ ) ، والدينوري في " المجالسة " ( 1466 ) ، وابن عدي في " الكامل " 1/447 ، وأبو نعيم في " الحلية " 1/76 ، والخطيب في " الموضح " 2/330 ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " 42/491-492 ، وابن الجوزي في " التبصرة " 1/500 ، ولم يصنع صواباً المصنف حينما ذكره .
    (3) انظر : صفة الصفوة لابن الجوزي 4/74 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    كان أبو حفص النَّيْسابوري إذا ذكر الله تغيَّرت عليه حالُه حتى يرى ذلك جميع من عنده ، وكان يقولُ : ما أظن محقاً يذكر الله عن غير غفلة ، ثم يبقى حياً إلا الأنبياء ، فإنَّهم أيدوا بقوَّة النبوَّة وخواصِّ الأولياء بقوَّة ولايتهم (1) .
    إذا سمِعَتْ باسمِ الحَبيبِ تَقعقعت . مَفاصِلُها مِنْ هَولِ ما تَتذَكَّرُ
    وقف أبو يزيد ليلةً إلى الصباحِ يجتهد أنْ يقول : لا إله إلا الله ، فما قدر إجلالاً وهيبةً ، فلما كان عند الصباح ، نزل ، فبال الدَّم (2) .
    وما ذكرتُكُمُ إلاّ نَسيتُكُم . نسيانَ إجلال لا نِسيانَ إهمالِ
    إذا تَذكَّرتُ مَنْ أنتُم وكيف أنَا . أَجْلَلتُ مِثلَكُم يَخطُرْ على بالي
    الذكر لذَّة قلوب العارفين . قال - عز وجل - : { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } (3) . قال مالك بنُ دينار : ما تلذَّذ المتلذذون بمثل ذكر الله - عز وجل - (4) .
    وفي بعض الكتب السالفة : يقول الله - عز وجل - : معشر الصدِّيقين بي فافرحوا ، وبذكري فتنعَّموا (5) . وفي أثرٍ آخر سَبَق ذكره : ويُنيبون إلى الذِّكر كما تُنيب النسورُ إلى وُكورها .
    وعن ابن عمر قال : أخبرني أهلُ الكتاب أنَّ هذه الأمة تُحبُّ الذِّكْرَ كما تُحبُّ الحمامةُ وكرَها ، ولهُم أسرعُ إلى ذكر الله من الإبل إلى وردها يوم ظِمئِها (6) .
    __________
    (1) انظر : صفة الصفوة لابن الجوزي 4/80 – 81 .
    (2) انظر : صفة الصفوة لابن الجوزي 4/75 .
    (3) الرعد : 28 .
    (4) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 2/294 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " 1/456 .
    (5) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/217 .
    (6) ذكره الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول " 1/154 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    قلوبُ المحبين لا تطمئنُّ إلاّ بذكره ، وأرواحُ المشتاقين لا تَسكُنُ إلاّ برؤيته ، قال ذو النون : ما طابتِ الدنيا إلا بذكره ، ولا طابت الآخرةُ إلا بعفوه ، ولا طابت الجنَّة إلاّ برؤيته (1) .
    أبداً نُفوس الطَّالبيـ . ـن إلى طلُولكم تَحِنُّ
    وكَذَا القُلُوبُ بِذكركُم . بَعْدَ المَخافةِ تَطمئنُّ
    جُنَّتْ بحُبِّكُمُ ومَنْ . يَهوى الحَبيبَ ولا يُجَنُّ ؟
    بِحياتِكُم يا سادتي . جُودُوا بِوصْلِكُم ومُنُّوا
    قد سبق حديث : ( اذكروا الله حتى يقولوا : مجنون ) ولبعضهم:
    لقد أكثرتُ من ذِكرا . كَ حتَّى قِيلَ وَسْوَاسُ
    كان أبو مسلم الخولاني كثيرَ الذِّكر ، فرآه بعضُ الناس ، فأنكر حالَه ، فقال لأصحابه : أمجنون صاحبُكم ؟ فسمعه أبو مسلم ، فقال : لا يا أخي ، ولكن هذا دواءُ الجنون (2).
    وحُرمَة الودِّ مالي مِنكُم عِوَضٌ . ولَيسَ لي في سِواكُم سَادتِي غَرَضُ
    وقَدْ شَرَطْتُ على قومٍ صَحِبتُهُم . بأنَّ قلبي لَكُمْ مِن دونِهم فرضُوا
    ومِنْ حديثي بكُم قالوا : به مَرَضٌ . فقُلْتُ : لا زالَ عنِّي ذلك المَرَضُ
    المحبون يستوحشون من كلِّ شاغلٍ يَشغَلُ عن الذكر ، فلا شيءَ أحبَّ إليهم من الخلوة بحبيبهم .
    قال عيسى - عليه السلام - : يا معشر الحواريين كلِّموا الله كثيراً ، وكلموا الناس قليلاً ، قالوا : كيف نكلِّم الله كثيراً ؟ قال : اخلوا بمناجاته ، اخلوا بدُعائه (3) .
    __________
    (1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 9/372 . وانظر : صفة الصفوة 4/225 .
    (2) أخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 696 ) .
    (3) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 6/94 و195 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وكان بعضُ السَّلف يُصلِّي كلَّ يوم ألف ركعة حتى أُقعِدَ من رجليه ، فكان يُصلي جالساً ألف ركعة ، فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة ، ويقول : عجبتُ للخليقة كيف أَنِسَتْ بسواك ، بل عَجِبْتُ للخليقة كيف استنارت قلوبُها بذكر سِواك (1) .
    وكان بعضُهم يَصومُ الدَّهرَ ، فإذا كان وقتُ الفطور ، قال : أحسُّ نفسي تخرُج لاشتغالي عن الذكر بالأكل .
    قيل لمحمد بن النضر : أما تستوحِشُ وحدَك ؟ قال : كيف أستوحِشُ وهو يقول : أنا جليسُ من ذكرني (2) .
    كَتمتُ اسم الحبيب من العبادِ . ورَدَّدتُ الصَّبابةَ في فُؤادي
    فَوَاشَوقاً إلى بَلدٍ خَلِيٍّ . لعلِّي باسم مَنْ أَهوى أُنادي
    فإذا قَوِي حالُ المحبِّ ومعرفته ، لم يشغَلْهُ عن الذكر بالقلب واللسان شاغل ، فهو بَينَ الخلق بجسمه ، وقلبه معلق بالمحلِّ الأعلى ، كما قال عليٌّ - رضي الله عنه - في وصفهم : صَحِبوا الدُّنيا بأجسادٍ أرواحُها معلقة بالمحلِّ الأعلى (3) ، وفي هذا المعنى قيل :
    جِسمي معي غير أنَّ الروحَ عندكم . فالجِسمُ في غُربةٍ والرُّوحُ في وطن
    وقال غيره :
    ولقَد جَعلتُكَ في الفُؤاد مُحدِّثي . وأَبحْتُ جِسمي من أراد جُلوسي
    فالجِسمُ منِّي للجَليس مُؤَانسٌ . وحَبيبُ قلبي في الفؤاد أنيسي (4)
    وهذه كانت حالة الرسل والصدِّيقين ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً } (5) .
    __________
    (1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 6/195 . وانظر : فيض القدير للمناوي 4/325 .
    (2) انظر : صفة الصفوة لابن الجوزي 3/79 ، وسير أعلام النبلاء 8/175 ، والمقاصد الحسنة للسخاوي : 96 .
    (3) انظر : تذكرة الحفاظ 1/12 .
    (4) نسبه ابن الجوزي لرابعة العدوية في " صفة الصفوة " 4/301 .
    (5) الأنفال : 45 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وفي " الترمذي " (1) مرفوعاً : ( يقول الله - عز وجل - : إنَّ عبدي كُلَّ عبدي الذي يذكرني وهو مُلاقٍ قِرنَهُ (2) ) .
    وقال تعالى : { فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } (3) يعني : الصلاة في حال الخوف ، ولهذا قال : { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } (4) ، وقال تعالى في ذكر صلاة الجمعة : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (5) ، فأمر بالجمع بين الابتغاء من فضله ، وكثرة ذكره .
    ولهذا ورد فضلُ الذكر في الأسواق ومواطن الغفلة كما في " المسند " و" الترمذى " و" سنن ابن ماجه " عن عمرَ مرفوعاً (6) : ( مَنْ دخلَ سوقاً يُصاحُ فيه ويُباع ، فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له المُلك وله الحمدُ يُحيي ويُميت وهو حيّ لا يموتُ بيده الخير وهُو على كلِّ شيءٍ قدير ، كتب الله له ألفَ ألفَ حسنة ، ومحا عنه ألفَ ألفَ سيئة ، ورفع له ألف ألفِ درجة ) .
    __________
    (1) في " الجامع الكبير " ( 3580 ) ، وإسناده ضعيف لضعف عفير بن معدان ، وقال الترمذي : ( غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه ، وليس إسناده بالقوي ) .
    (2) بكسر القاف وسكون الراء عدوه القارن المكافيء له في الشجاعة والحرب فلا يغفل عن ربه حتى في حال معاينة الهلاك . انظر : تحفة الأحوذي 10/40 .
    (3) النساء : 103 .
    (4) النساء : 103 .
    (5) الجمعة : 10 .
    (6) أحمد 1/47 ، وابن ماجه ( 2235 ) ، والترمذي ( 3429 ) ، وهو حديث ضعيف جداً ضعفه الأئمة وفي إسناده عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير منكر الحدحيث ، وانظر : علل الحديث لابن أبي حاتم ( 2006 ) و( 2038 ) ، وعلل الدارقطني 2/48 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وفي حديث آخر : ( ذاكِرُ الله في الغافلين كمثلِ المقاتل عن الفارين ، وذاكرُ الله في الغافلين كمثل شجرة خضراء في وسط شجر يابس ) (1) .
    قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود : ما دام قلبُ الرجل يذكر الله ، فهو في صلاة ، وإنْ كان في السوق وإن حرّك به شفتيه فهو أفضل (2) .
    وكان بعضُ السَّلف يقصِدُ السُّوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة .
    والتقى رجلان منهم في السوق ، فقال أحدهما لصاحبه : تعالَ حتّى نذكر الله في غفلة الناس ، فخلَوا في موضع ، فذكرا الله ، ثم تفرَّقا ، ثم ماتَ أحدهما ، فلقيه الآخر في منامه ، فقال له : أشعرت أنَّ الله غفر لنا عشية التقينا في السُّوق ؟ (3)
    __________
    (1) أخرجه : ابن عدي في " الكامل " 6/67 ، وأبو نعيم في " الحلية " 6/181 ، وهو ضعيف جداً في سنده عمران القصير قال فيه البخاري : ( منكر الحديث ) .
    (2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 4/204 .
    (3) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 35692 ) .

    بص وطل
    بص وطل
    Admin

    عدد المساهمات : 1633
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    الحديث الخمسون وهو ختام الكتاب Empty ختام الكتاب

    مُساهمة من طرف بص وطل في الخميس يناير 17, 2019 9:33 am

    ● [ فصل ] ●
    في وظائف الذكر الموظفة في اليوم والليلة

    معلومٌ أنَّ الله - عز وجل - فرض على المسلمين أنْ يذكروهُ كلَّ يوم وليلة خمس مرَّات ، بإقامة الصلوات الخمس(4) في مواقيتها الموقتة ، وشَرَعَ لهم مع هذه الفرائض الخمس أنْ يذكروه ذكراً يكونُ لهم نافلةً ، والنافلةُ : الزِّيادة ، فيكونُ ذلك زيادةً على الصلوات الخمس ، وهو نوعان :
    أحدهما : ما هو من جِنس الصلاة ، فشرع لهم أنْ يُصلُّوا مع الصَّلوات الخمس قبلها ، أو بعدها أو قبلها وبعدها سنناً ، فتكون زيادةً على الفريضة ، فإنْ كان في الفريضة نقصٌ ، جَبَر نقصها بهذه النوافل ، وإلاَّ كانت النَّوافلُ زيادةً على الفرائض .

    (4) سقطت من ( ص ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وأطولُ ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس فيه صلاة مفروضة ما بَينَ صلاة العشاء وصلاة الفجر ، وما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر ، فشرع كلِّ واحدة من هاتين الصَّلاتين صلاة تكون نافلةً ؛ لئلاَّ يطولَ وقتُ الغفلة عن الذِّكر ، فشرع ما بَين صلاةِ العشاء ، وصلاة الفجر صلاةَ الوتر وقيامَ الليل ، وشرع ما بين صلاة الفجرِ ، وصلاة الظهر صلاة الضحى .
    وبعضُ هذه الصلوات آكدُ من بعض ، فآكدُها الوتر ، ولذلك اختلفَ العلماءُ في وجوبه ، ثمَّ قيامُ الليل ، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُداومُ عليه حضراً وسفراً ، ثمّ صلاة الضحى ، وقد اختلف الناسُ فيها ، وفي استحباب المدوامة عليها ، وفي الترغيب فيها أحاديث صحيحة (1) ، وورد التَّرغيبُ أيضاً في الصَّلاة عقيبَ زوالِ الشَّمس .
    وأما الذكرُ باللسان ، فمشروعٌ في جميع الأوقات ، ويتأكَّدُ في بعضها .
    فممَّا يتأكَّد فيه الذكرُ عقيبَ الصَّلوات المفروضات ، وأنْ يُذكر الله عقيبَ كلِّ صلاة منها مئة مرة ما بين تسبيحٍ وتحميدٍ وتكبيرٍ وتهليلٍ .
    __________
    (1) حديث عائشة عند مسلم 2/157 ( 719 ) ( 78 ) و( 79 ) ، وحديث أم هانيء عند البخاري 2/57 ( 1103 ) و73 ( 1176 ) و5/189 ( 4292 ) ، وعند مسلم 2/157
    ( 336 ) ( 80 ) و( 81 ) ، وعند الترمذي ( 474 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ويُستحبُّ - أيضاً - الذِّكرُ بعدَ الصّلاتين اللتين لا تَطوُّعَ بعدهما ، وهما : الفَجرُ والعصرُ ، فيُشرع الذكرُ بعد صلاة الفجر إلى أنْ تطلُع الشَّمسُ ، وبعدَ العصر حتى تغرَب الشمس ، وهذان الوقتان - أعني : وقت الفجر ووقت العصر - هما أفضلُ أوقات النَّهار للذِّكر ، ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن كقوله : { وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } (1) ، وقوله : { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } (2) ، وقوله : { وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ } (3) ، وقوله : { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } (4) ، وقوله : { فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } (5) ، وقوله : { وَاسْتَغْفرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ } (6) ، وقوله : { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ } (7) ، وقوله : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } (8) ، وقوله : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } (9) .
    وأفضل ما فعل في هذين الوقتين من الذكر : صلاةُ الفجر وصلاةُ العصر ، وهما أفضلُ الصلوات . وقد قيل في كلٍّ منهما : إنَّها الصلاةُ الوسطى (10)
    __________
    (1) الأحزاب : 42 .
    (2) الإنسان : 25 .
    (3) آل عمران : 41 .
    (4) مريم : 11 .
    (5) الروم : 17 .
    (6) غافر : 55 .
    (7) الأعراف : 205 .
    (8) طه : 130 .
    (9) ق : 39 .
    (10) من قال : إنها صلاة العصر دليله حديث علي بن أبي طالب عند مسلم 2/111 ( 627 ) ( 202 ) - ( 205 ) .
    ... وحديث عبد الله بن مسعود عنده أيضاً 2/112 ( 628 ) ( 206 ) .
    ومن قال : إنها صلاة الفجر دليله حديث ابن عباس الذي أخرجه الطبري في " تفسيره " ( 4264 ) و( 4265 ) و( 4268 ) . وأخرج أيضاً حديث جابر (4270 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وهما البَردَانِ اللذان من حَافَظَ عليهما ، دخلَ الجنة (1) ، ويليهما من أوقات الذكر : الليلُ . ولهذا يُذكر بعد ذكر هذين الوقتين في القرآن تسبيحُ اللَّيلِ وصلاته .
    والذكرُ المطلقُ يدخل فيه الصَّلاةُ ، وتلاوة القرآن ، وتعلُّمه ، وتعليمُه ، والعلمُ النافع ، كما يدخلُ فيه التَّسبيحُ والتَّكبير والتَّهليل ، ومِن أصحابنا من رجَّح التلاوة على التَّسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر . وسُئلَ الأوزاعيُّ عن ذلك ، فقال : كان هديهُم ذكرَ الله ، فإنْ قرأ ، فحسن . وظاهر هذا أنَّ الذكر في هذا الوقت أفضلُ من التلاوة ، وكذا قال إسحاق في التَّسبيح عقيبَ المكتوبات مئة مرة : إنَّه أفضلُ من التلاوة حينئذٍ.
    والأذكارُ والأدعيةُ المأثورةُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الصَّباح والمساء كثيرة جداً .
    ويستحبُّ أيضاً إحياءُ ما بين العشاءين بالصلاة والذِّكر ، وقد تقدَّم حديثُ أنس (2) أنَّه نزل في ذلك قولُه تعالى : { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ } (3) .
    ويستحبُّ تأخيرُ صلاة العشاء إلى ثُلث الليلِ ، كما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة (4)
    __________
    (1) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من صلى البردين دخل الجنة ) .
    أخرجه : البخاري 1/150 ( 574 ) ، ومسلم 2/114 ( 635 ) ( 215 ) عن أبي موسى الأشعري .
    (2) انظر : الحديث التاسع والعشرين وهو عند الطبري في " تفسيره " ( 21505 )
    (3) السجدة : 16 .
    (4) حديث ابن عباس عند البخاري 1/149 ( 571 ) ، ومسلم 2/117 ( 642 ) ( 225 ) .
    ... وحديث ابن عمر عند البخاري 1/149 ( 569 ) ، ومسلم 2/116 ( 639 ) ( 220 ) .
    وحديث عائشة عند مسلم 2/115 ( 638 ) ( 219 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    - وهو مذهبُ الإمام أحمد وغيره - حتى يفعل هذه الصَّلاة في أفضل وقتها ، وهو آخرُه ، ويشتغل منتظرُ هذه الصلاة في الجماعة في هذا الثلث الأول مِنَ اللَّيل بالصَّلاة ، أو بالذِّكر وانتظار الصَّلاة في المسجد ، ثمَّ إذا صلّى العشاءَ ، وصلَّى بعدَها ما يتبعُها من سننها الراتبة ، أو أوتَرَ بعدَ ذلك إنْ كان يُريد أنْ يُوتِرَ قبلَ النوم .
    فإذا أوى إلى فراشه بعدَ ذلك للنوم ، فإنَّه يُستحبُّ له أنْ لا ينامَ إلا على طهارةٍ وذكرٍ ، فيُسبِّح ويحمد ويكبِّر تمام مئة ، كما علَّم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فاطمةَ وعلياً أنْ يفعلاه عندَ منامهما (1) ويأتي بما قدر عليه من الأذكار الواردة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عندَ النوم ، وهي أنواع متعدِّدةٌ من تلاوة القرآن وذكر الله ، ثم ينام على ذلك .
    فإذا استيقظ من الليل ، وتقلَّب على فِراشه ، فليذكر الله كلَّما تقلَّب ، وفي " صحيح البخاري " (2) عن عُبادة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مَنْ تعارَّ مِنَ الليلِ (3) ، فقال : لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريك له ، له الملكُ ولهُ الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ ، سبحانَ الله ، والحمدُ لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ، ثم قال : ربِّ اغفر لي - أو قال : ( ثم دعا - استجيب له ، فإن عزم ، فتوضأ ثم صلى قُبِلت صلاته ) .
    __________
    (1) أخرجه : البخاري 4/102 ( 3113 ) ، ومسلم 8/84 ( 2727 ) ( 80 ) عن علي .
    (2) 2/68 ( 1154 ) .
    (3) تعارَّ من الليل : أي هبَّ من نومه واستيقظ ، النهاية 1/190 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وفي " الترمذي " (1) عن أبي أُمامة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( من أوى إلى فراشه طاهراً يذكرُ الله حتى يُدرِكَه النُّعاس ، لم يتقلَّبْ ساعةً من الليل يسألُ الله شيئاً من خيرِ الدُّنيا والآخرة ، إلا أعطاه إيَّاه ) .
    وخرَّجه أبو داود (2) بمعناه من حديث معاذ ، وخرَّجه النَّسائي (3) من حديث عمرو بن عبسة .
    وللإمام أحمد (4) من حديث عمرو بن عبسة في هذا الحديث : ( وكان أوَّل ما يقول إذا استيقظ : سبحانك لا إله إلاّ أنت اغفر لي ، إلا انسلخَ من خطاياه كما تنسلخُ الحية من جلدها ) .
    وثبت أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استيقظ من منامه يقول : ( الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النُّشور ) (5) .
    ثم إذا قام إلى الوضوء والتهجد ، أتى بذلك كلِّه على ما ورد عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (6) ،
    ويَختِمُ تهجُّده بالاستغفار في السحر ، كما مدح الله المستغفرين بالأسحار ، وإذا طلع الفجر ، صلَّى ركعتي الفجر ، ثمّ صلَّى الفجر ، ويشتغل بعد صلاة الفجر بالذِّكر المأثور إلى أنْ تطلع الشَّمسُ على ما تقدَّم ذكره ، فمن كان حالُه على ما ذكرنا ، لم يزل لسانُه رطباً بذكر الله ، فيستصحبُ الذكر في يقظته حتى ينامَ عليه ، ثم يبدأُ به عندَ استيقاظه ، وذلك من دلائل صدقِ المحبة ، كما قال بعضهم :
    __________
    (1) "الجامع الكبير" ( 3526 ) ، وقال: ( حسن غريب ) على أن في إسناده شهر بن حوشب ، وهو ضعيف عند التفرد ، وقد تفرد .
    (2) في " سننه " ( 5042 ) .
    (3) في " عمل اليوم والليلة " ( 807 ) و( 808 ) و( 809 ) .
    (4) في " مسنده " 4/113 بدون هذه الزيادة .
    (5) أخرجه : البخاري 8/85 ( 6312 ) و88 ( 6324 ) عن حذيفة بن اليمان .
    وأخرجه : مسلم 8/78 ( 2711 ) ( 59 ) عن البراء بن عازب .
    (6) من حديث ابن عباس عند البخاري 2/60 ( 1120 ) ، ومسلم 2/184 ( 769 ) ( 199 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وآخِرُ شيءٍ أنت في كلِّ هَجعةٍ . وأوَّل شيءٍ أنتَ وقتَ هُبُوبي
    وذكرك في قلبي بنومٍ ويقظةٍ . تجافى من اللّين اللبيب جنوب(1)
    وأول ما يفعله الإنسان في آناء الليل والنهار من مصالح دينه ودنياه ، فعامَّةُ ذلك يشرع ذكرُ اسم الله عليه ، فيُشرَعُ له ذكرُ اسم الله (2) وحمده على أكلِه وشُربه (3) ولباسه وجماعه لأهله ودخوله منْزله ، وخروجه منه ، ودخوله الخلاء ، وخروجه منه ، وركوبه دابته ، ويُسمِّي على ما يذبحه من نُسكٍ وغيره (4) .
    ويُشرع له حمدُ الله تعالى على عُطاسه (5) ، وعند رؤية أهل البلاء في الدِّين أو الدُّنيا (6) ، وعندَ التقاء الإخوان ، وسؤال بعضهم بعضاً عن حاله ، وعندَ تجدُّد ما يحبه الإنسانُ من النِّعَمِ ، واندفاع ما يكرهه من النِّقَمِ ، وأكملُ مِنْ ذلك أنْ يحمد الله على السَّراء والضَّرَّاء والشدَّة والرَّخاء ، ويحمدُه على كلِّ حال .
    __________
    (1) هذا البيت سقط من ( ج ) .
    (2) دليله حديث عمر بن أبي سلمة عند البخاري 7/88 ( 5376 ) ، ومسلم 6/109 ( 2022 ) ( 108 ) .
    وحديث أنس الذي ذكره البخاري 7/88 عقيب ( 5376 ) معلقاً .
    (3) دليله حديث أنس عند مسلم 8/87 ( 2734 ) ( 89 ) .
    (4) دليله حديث ابن مسعود عند البخاري 7/118 ( 5499 ) .
    (5) دليله حديث أبي هريرة عند البخاري 8/61 ( 6224 ) ، وأبي داود ( 5033 )
    وجاء كذلك عن علي ، وابن مسعود ، وأبي أيوب الأنصاري .
    (6) دليله حديث ابن عمر عند ابن ماجه ( 3892 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    ويُشرع له دعاءُ الله تعالى عندَ دخولِ السوق ، وعندَ سماعِ أصواتِ الدِّيَكةِ باللَّيل (1) ، وعندَ سماعِ الرَّعد ، وعند نزولِ المطر (2) ، وعند اشتداد هبوب الرياح (3) ، وعند رؤية الأهلّة (4) ، وعند رؤية باكورة الثِّمار (5) .
    ويشرع أيضاً ذكرُ الله ودعاؤه عند نزول الكَرْبِ (6) ، وحدوثِ المصائب الدنيوية ، وعندَ الخروج للسَّفر (7) ، وعند نزول المنازل في السفر (8) ، وعند الرجوع من السفر (9) .
    ويُشرع التعوُّذ بالله عند الغضب ، وعندَ رؤية ما يكره في منامه ، وعند سماع أصواتِ الكلاب والحمير بالليل (10) .
    وتُشرع استخارة الله عند العزم على مالا يظهر الخيرة فيه (11) .
    __________
    (1) دليله حديث أبي هريرة عند البخاري 6/155 ( 3303 ) ، ومسلم 8/85 ( 2729 )
    ( 82 ) .
    (2) دليله حديث المطلب بن حنطب عند البيهقي 3/356 وفي " الدعوات الكبير " ، له ( 483 ) .
    (3) دليله حديث عمر بن الخطاب في " الأدب المفرد " ( 720 ) و( 906 ) ، و" سنن أبي داود " ( 5097 ) .
    (4) دليله حديث قتادة عند أبي داود ( 5092 ) ، والبيهقي في " الدعوات الكبير " ( 466 ) .
    (5) دليله حديث أبي هريرة عند البخاري في " الأدب المفرد " ( 362 ) ، ومسلم 4/116 ( 1373 ) ( 473 ) و4/117 ( 1373 ) ( 474 ) .
    (6) دليله حديث ابن عباس عند البخاري 8/93 ( 9345 ) و( 9346 ) و9/153 ( 7426 ) ، ومسلم 8/85 ( 2730 ) ( 83 ) .
    (7) دليله حديث عبد الله بن سرجس عند مسلم 4/104 ( 1343 ) ( 426 ) .
    (8) دليله حديث خولة بنت حكيم عند مسلم 8/76 ( 2708 ) ( 55 ) .
    (9) دليله حديث ابن عباس عند ابن حبان ( 2716 ) ، والبيهقي في " الدعوات الكبير " ( 428 ) .
    (10) دليله حديث جابر عند أبي داود ( 5103 ) .
    (11) دليله حديث جابر عند البخاري 2/70 ( 1162 ) و8/101 ( 6382 ) و9/144 ( 7390 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وتجب التَّوبة إلى الله والاستغفارُ من الذنوب كلِّها صغيرها وكبيرِها ، كما قال تعالى : { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ } (1) ، فمن حافظ على ذلك ، لم يزل لسانه رطباً بذكر الله في كلِّ أحواله .
    ● [ فصل ] ●
    قد ذكرنا في أوَّل الكتاب أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ بجوامع الكلم ، فكان - صلى الله عليه وسلم - يُعجِبُه جوامع الذكر ، ويختاره على غيره من الذكر ، كما في " صحيح مسلم " (2) عن ابن عباس ، عن جُويرية بنت الحارث أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خرج من عندها بُكرةً حين صلَّى الصبحَ وهي في مسجدها ، ثمَّ رجع بعد أنْ أضحى وهي جالسةٌ ، فقال : ( مازلتِ على الحال التي فارقتك عليها ؟ ) قالت : نعم ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد قلتُ بعدَك أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مرات ، لو وُزِنَت بما قلتِ منذ اليوم لوزَنتهُنَّ : سبحان الله وبحمده عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزِنَةَ عرشه ، ومداد كلماته ) .
    وخرَّجه النَّسائي (3) ، ولفظه : ( سبحانَ الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزنة عرشه ، ومِداد كلماته ) .
    __________
    (1) آل عمران : 135 .
    (2) 8/83 ( 2726 ) ( 79 ) .
    (3) في " المجتبى " 3/77 وفي " الكبرى " ، له ( 1275 ) و( 9992 ) و( 9993 ) وفي " عمل اليوم والليلة " ، له ( 164 ) و( 165 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وخرّج أبو داود ، والترمذي ، والنسائي (1) من حديث سعد بن أبي وقّاص أنَّه دخل مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على امرأةٍ وبَين يديها نوى ، أو قال : حَصى تسبِّح به ، فقال : ( ألا أُخبِرُك بما هو أيسرُ من هذا وأفضل ؟ سبحانَ الله عددَ ما خلق في السماء ، وسبحانَ الله عدد ما خلَق في الأرض ، وسُبحان الله عدد ما بينَ ذلك ، وسبحانَ الله عددَ ما هو خالق ، والله أكبر مثلُ ذلك ، والحمد لله مثلُ ذلك ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله مثل ذلك ) .
    وخرَّج الترمذي (2) من حديث صَفيَّة ، قالت : دخل عليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وبَينَ يدي أربعة آلاف نواة أسبح الله بها فقُلتُ : لقد سبَّحت بهذه ، فقال : ( ألا أعلمك بأكثر ممَّا سبَّحت به ؟ ) فقلت : علمني ، فقالَ : ( قولي : سبحان الله عددَ خلقه ) .
    __________
    (1) أبو داود ( 1500 ) ، والترمذي ( 3568 ) ، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " كما في
    " تحفة الأشراف " ( 3954 ) ، وقال الترمذي : ( حسن غريب ) مع أن في سنده مجهولاً .
    (2) في " جامعه " ( 3554 ) ، وهو ضعيف ، وقال الترمذي : ( غريب لا نعرفه من حديث صفية إلاَّ من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي ، وليس إسناده بمعروف ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وخرَّج النسائي ، وابنُ حبان في " صحيحه " (1) من حديث أبي أُمامة : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مرَّ به وهو يحرِّك شفتيه ، فقال : ( ماذا تقولُ يا أبا أمامة ؟ ) قال : أذكر ربي ، قال : ( ألا أخبرك بأكثرَ وأفضلَ من ذكرك اللَّيل مع النَّهار والنهار مع الليل ؟ أنْ تقولَ : سبحان الله عدد ما خلقَ ، وسبحان الله ملءَ ما خلق ، وسُبحان الله عددَ ما في الأرض والسَّماء ، وسُبحان الله ملء ما في الأرض والسماء ، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابُه ، وسبحان الله ملءَ ما أحصى كتابه ، وسبحان الله عدد كلّ شيءٍ ، وسبحان الله ملء كلِّ شيء ، وتقولَ : الحمد لله مثل ذلك ) .
    وخرَّج البزار (2) نحوه من حديث أبي الدرداء .
    وخرَّج ابن أبي الدنيا بإسناد له أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ : ( يا معاذ ، كم تذكرُ ربَّك كلَّ يوم ؟ تذكره كلَّ يوم عشرة آلاف مرة ؟ ) قال : كلُّ ذلك أفعل ، قال : ( أفلا أدلُّك على كلمات هُنَّ أهونُ عليك من عشرة آلاف وعشرة آلاف أن تقول : لا إله إلا الله عدد ما أحصاه ، لا إله إلا الله عدد كلماتِه ، لا إله إلا الله عدد خلقه ، لا إله إلا الله زِنة عرشه ، لا إله إلا الله مِلء سماواته ، لا إله إلا الله ملء أرضه ، لا إله إلا الله مثل ذلك معه ، والله أكبر مثل ذلك معه ، والحمد لله مثل ذلك معه ) .
    وبإسناده أنَّ ابن مسعود ذكر له امرأة تسبح بخيوط معقَّدة ، فقال : ألا أدلُّك على ما هو خير لك منه ؟ سبحان الله ملء البرِّ والبحر ، سبحان الله ملء السماوات والأرض ، سبحان الله عدد خلقه ، ورضا نفسه ، فإذا أنت قد ملأت البرّ والبحر والسماء والأرض .
    __________
    (1) النسائي في " عمل اليوم والليلة " ( 166 ) ، وابن حبان ( 830 ) ، وفي إسناده يحيى بن أيوب الغافقي ضعيف .
    (2) كما في " كشف الأستار " ( 3080 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وبإسناده عن المعتمر بن سليمان التيمي قال : كان أبي يحدث خمسة أحاديث ثم يقول : امهِلوا ، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ، والله أكبرُ ، ولا حولَ ولا قوة إلا بالله عدد ما خلق وعدد ما هو خالق ، وزنة ما خلق وزنة ما هو خالق ، وملء ما خلق ، وملء ما هو خالق ، وملء سماواته ، وملءَ أرضه ، ومثل ذلك وأضعاف ذلك ، وعدد خلقه ، وزنة عرشه ، ومنتهى رحمته ، ومداد كلماته ، ومبلغ رضاه وحتى يرضى وإذا رضي ، وعدد ما ذكره به خلقه في جميع ما مضى ، وعدد ما هم ذاكروه فيما بقي ، في كلِّ سنة وشهر وجمعة ويومٍ وليلة وساعة من الساعات ، وتنسم وتنفس من أبدٍ إلى الأبد أبد الدُّنيا والآخرة أمد من ذلك لا ينقطع أولاه ، ولا ينفد أخراه (1) .
    وبإسناده عن المعتمر بن سليمان قال : رأيت عبد الملك بن خالد بعد موته ، فقلت : ما صنعتَ ؟ قال : خيراً ، فقلت : ترجو للخاطئ شيئاً ؟ قال : يلتمس علم تسبيحات أبي المعتمر نعم الشيء .
    قال ابن أبي الدنيا : وحدثني محمد بن الحسين ، حدثني بعض البصريين أنَّ يونسَ بن عبيد رأى رجلاً فيما يرى النَّائم كان قد أصيب ببلادِ الرُّوم ، فقال : ما أفضل ما رأيت ثمَّ من الأعمال ؟ قالَ : رأيتُ تسبيحات أبي المعتمر من الله بمكان (2) .
    وكذلك كانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُعجبه من الدعاء جوامعه ، ففي " سنن أبي داود " (3) عن عائشة ، قالت : كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُعجبه الجوامع من الدعاء ، ويدع ما بين ذلك .
    __________
    (1) أخرجه : الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي " ( 1001 ) بسنده عن ابن أبي الدنيا ، به .
    (2) أخرجه : الخطيب في " جامعه " ( 1002 ) .
    (3) رقم ( 1482 ) ، وهو صحيح .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وخرّج الفريابي وغيره من حديث عائشة أيضاً أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها : ( يا عائشة ، عليك بجوامع الدُّعاء : اللهمَّ إنِّي أسألك من الخير كلِّه عاجلهِ وآجله ، ما علمتُ منه وما لم أعلم ، وأعوذُ بك من الشرِّ كلِّه عاجِلِه وآجله ، ما علمت منه وما لم أعلم . اللهمَّ إنِّي أسألك مِنْ خير ما سألك منه محمد عبدك ونبيك ، وأعوذُ بك من شرِّ ما عاذ منه عبدك ونبيك ، اللهمَّ إني أسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل ، وأعوذ بك من النار ، وما قرَّب إليها من قول وعمل ، وأسألُك ما قضيتَ لي من قضاءٍ ، أنْ تجعل عاقبته رشداً ) وخرَّجه الإمام أحمد (1) ، وابنُ ماجه (2) ، وابن حبان في " صحيحه " (3) والحاكم (4) ، وليس عندهم ذكر جوامع الدعاء ، وعند الحاكم ( عليك بالكوامل ) وذكره . وخرَّجه أبو بكر الأثرم وعنده أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها : ( ما منعك أنْ تأخذي بجوامع الكلم وفواتحه ؟ ) وذكر هذا الدعاء .
    وخرّج الترمذي (5) من حديث أبي أمامة قال : دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعاءٍ كثير لم نحفظ منه شيئاً ، فقلنا : يا رسول الله ، دعوتَ بدعاءٍ كثيرٍ لم نحفظ منه شيئاً ، فقال : ( ألا أدلُّكم على ما يجمعُ ذلك كلَّه ؟ تقولون : اللهمَّ إنّا نسألكَ من خير ما سألك منه نبيُّك محمد ، ونعوذُ بك من شرِّ ما استعاذ منه نبيُّك محمد ، وأنت المستعانُ ، وعليك البلاغ ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ) .
    __________
    (1) في " مسنده " 6/134 و146 و147 ، وهو صحيح .
    (2) في " سننه " ( 3846 ) .
    (3) 869 ) .
    (4) في " المستدرك " 1/521 – 522 .
    (5) في " جامعه " ( 3521 ) .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وخرَّجه الطبراني (1) وغيره (2) من حديث أم سلمة : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دعاء له طويل : ( اللهم إنِّي أسألك فواتحَ الخير ، وخواتِمه ، وجوامعَه ، وأوَّله وآخره ، وظاهره ، وباطنه ) .
    وفي " المسند " (3) أنَّ سعد بن أبي وقاص سمع ابناً له يدعو ، ويقول : اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة ونعيمها وإستَبرقَها ونحواً من هذا ، وأعوذ بك من النار وسلاسِلها وأغلالها ، فقال : لقد سألتَ الله خيراً كثيراً ، وتعوَّذت بالله من شرٍّ كثير ، وإني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إنَّه سيكونُ قومٌ يعتدون في الدُّعاء ، وقرأ هذه الآية : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } (4) وإنَّ بِحسبكَ أنْ تقول : اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّة وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ ، وأعوذُ بك من النَّار وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ ) .
    __________
    (1) في " الكبير " 23/( 717 ) ، وفي إسناده عاصم بن أبي عبيد ذكره ابن حبان في " الثقات " 5/238 وكأنه مجهول .
    (2) أخرجه : الحاكم 1/520 .
    (3) مسند الإمام أحمد 1/172 ، وفي إسناده مقال لجهالة مولى سعد .
    (4) الأعراف : 55 .
    ● [ الصفحة التالية ] ●
    وفي " الصحيحين " (1) عن ابن مسعود ، قال : كنا نقول في الصَّلاة خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : السلام على الله ، السلام على جبريل وميكائيل ، السلام على فلان وفلان ، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم : ( إنَّ الله هو السلامُ ، فإذا قعدَ أحدُكم في الصَّلاة ، فليقل : التحيَّات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النَّبي ورحمة الله وبركاته ، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين ، فإذا قالها أصابت كلَّ عبد لله صالح في السماء والأرض ، أشهد أنْ لا إله إلا الله ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله ، ثم يَتخيَّرُ من المسألة ما شاء ) .
    وفي " المسند " (2) عن ابن مسعود قال : إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عُلِّمَ فواتحَ الخيروجوامعه ، أو جوامعَ الخير وفواتحه وخواتمه ، وإنّا كنَّا لا ندري ما نقولُ في صلاتنا حتّى علَّمنا ، فقال : ( قولوا : التحيات لله ) فذكره إلى آخره ، والله أعلم .
    آخر الكتاب والحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
    __________
    (1) صحيح البخاري 1/211 ( 831 ) و212 ( 835 ) و8/63 - 64 ( 6230 ) ، وصحيح مسلم 2/14 ( 402 ) ( 55 ) .
    (2) مسند الإمام أحمد 1/408 و437 ، وهو حديث صحيح .
    ● [ تم كتاب جامع العلوم والحكم ] ●
    تأليف : إبن رجب الحنبلي

    الحديث الخمسون وهو ختام الكتاب Fasel10

    والحمد لله رب العالمين
    وصلّى الله على سيدنا محمد وآله
    منتدى ميراث الرسول . البوابة
    الحديث الخمسون وهو ختام الكتاب E110


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أكتوبر 24, 2019 3:41 am