الأحداث سنة ثلاثين وسنة إحدى وثلاثين

    بص وطل
    بص وطل
    Admin

    عدد المساهمات : 1621
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    الأحداث سنة ثلاثين وسنة إحدى وثلاثين Empty الأحداث سنة ثلاثين وسنة إحدى وثلاثين

    مُساهمة من طرف بص وطل في الإثنين أبريل 29, 2019 8:21 pm

    الأحداث سنة ثلاثين وسنة إحدى وثلاثين Alathe10

    بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
    أحوال البلاد وأخبار العباد
    الأحداث سنة ثلاثين وسنة إحدى وثلاثين
    الأحداث سنة ثلاثين وسنة إحدى وثلاثين 1410
    ● [ ثم دخلت سنة ثلاثين ] ●
    ذكر عزل الوليد عن الكوفة وولاية سعيد

    في هذه السنة عزل عثمان رضى الله عنه الوليد بن عقبة عن الكوفة وولاها سعيد بن العاص، وقد تقدم سبب ولاية الوليد على الكوفة في السنة الثانية من خلافة عثمان وأنه كان محبوباً إلى الناس، فبقي كذلك خمس سنين وليس لداره باب، ثم إن شباباً من أهل الكوفة نقبوا على ابن الحيسمان الخزاعي وكاثروه، فنذر بهم وخرج عليهم بالسيف وصرخ، فأشرف عليهم أبو شريح الخزاعي، وكان قد انتقل من المدينة إلى الكوفة للقرب من الجهاد، فصاح بهم أبو شريح فلم يلتفتوا وقتلوا ابن الحيسمان، وأخذهم الناس وفيهم زهير بن جندب الأزدي ومورع بن أبي مورع الأسدي، وشبيل بن أبي الأزدي وغيرهم، فشهد عليهم أبو شريح وابنه، فكتب فيهم الوليد إلى عثمان، فكتب عثمان بقتلهم، فقتلهم على باب القصر، ولهذا السبب أخذ في القسامة بقول ولي المقتول عن ملإٍ من الناس ليفطم الناس عن القتل وكان أبو زبيد الشاعر في الجاهلية والإسلام في بني تغلب، وكانوا أخواله، فظلموه ديناً له، فاخذ له الوليد حقه إذ كان عاملاً عليهم، فشكر أبو زبيد ذلك له وانقطع إليه وغشيه بالمدينة والكوفة، وكان نصرانياً، فأسلم عند الوليد وحسن إسلامه، فبينما هو عنده أتى آتٍ أبا زينب وأبا مورع وجندباً، وكانوا يحفرون للوليد منذ قتل أبناءهم ويضعون له العيون، فقال لهم: إن الوليد وأبا زبيد يشربان الخمر، فثاروا وأخذوا معهم نفراً من أهل الكوفة فاقتحموا عليه فلم يروا، فأقبلوا يتلاومون وسبهم الناس، وكتم الوليد ذلك عن عثمان.
    وجاء جندبٌ ورهط معه إلى ابن مسعود فقالوا له: إن الوليد يعتكف على الخمر، وأذاعوا ذلك. فقال ابن مسعود: من استتر عنا لم نتبع عورته. فعاتبه الوليد على قوله حتى تغاضبا. ثم أتي الوليد بساحر، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله عن حده، واعترف الساحر عند ابن مسعود، وكان يخيل إلى الناس أنه يدخل في دبر الحمار ويخرج من فيه، فأمره ابن مسعود بقتله. فلما أراد الوليد قتله أقبل الناس ومعهم جندبٌ فضرب الساحر فقتله، فحبسه الوليد وكتب إلى عثمان فيه، وأمره بإطلاقه وتأديبه، فغضب لجندب أصحابه وخرجوا إلى عثمان يستعفون من الوليد، فردهم خائبين. فلما رجعوا أتاهم كل موتور فاجتمعوا معهم على رأيهم، ودخل أبو زينب وأبو مورع وغيرهما على الوليد فتحدثوا عنده، فنام فأخذا خاتمه وسارا إلى المدينة، واستيقظ الوليد فلم ير خاتمه، فسأل نساءه عن ذلك، فأخبرنه أن آخر من بقي عنده رجلان صفتهما كذا وكذا. فاتهمهما وقال: هما أبو زينب وأبو مورع، وأرسل يطلبهما، فلم يوجدا.
    فقدما على عثمان ومعهما غيرهما وأخبراه أنه شرب الخمر، فأرسل إلى الوليد، فقدم المدينة، ودعا بهما عثمان فقال: أتشهدان أنكما رأيتماه يشرب؟ فقالا: لا. قال: فكيف؟ قالا اعتصرناها من لحيته وهو يقيء الخمر. فأمر سعيد بن العاص فجلده، فأورث ذلك عداوة بين أهليهما، فكان على الوليد خميصة فأمر علي بن أبي طالب بنزعها لما جلد.
    هكذا في هذه الرواية، والصحيح أن الذي جلده عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لأن علياً أمر ابنه الحسن أن يجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها! فأمر عبد الله بن جعفر فجلده أربعين. فقال علي: أمسك، جلد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر أربعين وجلد عثمان ثمانين وكلٌّ سنة وهذا أحب إلي.
    وقيل: إن الوليد سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة أربعاً ثم التفت إليهم وقال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم، وشهدوا عليه عند عثمان، فأمر علياً بجلده، فأمر علي عبد الله بن جعفر فجلده، وقال الحطيئة:
    شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر
    نادى وقد تمت صلاتهم: ... أأزيدكم سكراً وما يدري
    فأبوا أبا وهب ولو أذنوا ... لقرنت بين الشفع والوتر
    كفوا عنانك إذ جريت ولو ... تركوا عنانك ولم تزل تجري
    فلما علم عثمان من الوليد شرب الخمر عزله وولى سعيد بن العاص بن أمية، وكان سعيد قد ربي في حجر عمر فلما فتح الشام قدمه، فأقام مع معاوية، فذكر عمر يوماً قريشاً، فسأل عنه، فأخبر أنه بالشام، فاستقدمه، فقدم عليه، فقال له: قد بلغني عنك بلاء وصلاح فازدد يزدك الله خيراً. وقال له: هل لك من زوجة؟ قال: لا. وجاء عمر بنات سفيان بن عويف ومعهن أمهن، فقالت أمهن: هلك رجالنا وإذا هلك الرجال ضاع النساء، فضعهن في أكفائهن. فزوج سعيداً إحداهن، وزوج عبد الرحمن بن عوف أخرى والوليد بن عقبة الثالثة. وأتاه بنات مسعود بن نعيم النهشلي فقلن له: قد هلك رجالنا وبقي الصبيان، فضعنا في أكفائنا؛ فزوج سعيداً إحداهن، وجبير بن مطعم الأخرى. وكان عمومته ذوي بلاء في الإسلام وسابقة، فلم يمت عمر حتى كان سعيد من رجال قريش. فلما استعمله عثمان سار حتى أتى الكوفة أميراً ورجع معه الأشتر وأبو خشة الغفاري وجندب بن عبد الله وجثامة بن صعب بن جثامة، وكانوا ممن شخص مع الوليد يعينونه فصاروا عليه، فقال بعض شعراء الكوفة:
    فررت من الوليد إلى سعيدٍ ... كأهل الحجر إذ جزعوا فباروا
    يلينا من قريشٍ كل عامٍ ... أميرٌ محدثٌ أو مستشار
    لنا نارٌ نخوفها فنخشى ... وليس لهم، فلا يخشون، نار
    فلما وصل سعيدٌ الكوفة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: والله لقد بعثت إليكم وإني لكارهٌ، ولكني لم أجد بداً إذا أمرت أن أتمر، ألا إن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها، ووالله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم.
    ثم نزل وسأل عن أهل الكوفة فعرف حال أهلها، فكتب إلى عثمان أن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة، والغالب على تلك البلاد روادف قدمت، وأعرابٌ لحقت، حتى لا ينظر إلى ذي شرف وبلاء من نابتتها ولا نازلتها.
    فكتب إليه عثمان: أما بعد ففضل أهل السابقة والقدمة ومن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها من غيرهم تبعاً لهم إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به وقام به هؤلاء، واحفظ لكلٍ منزلته، وأعطهم جميعاً بقسطهم من الحق، فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل.
    فأرسل سعيد إلى أهل الأيام والقادسية فقال: أنتم وجوه الناس، والوجه ينبىء عن الجسد، فأبلغونا حاجة ذي الحاجة وخلة ذي الخلة. وأدخل معهم من يحتمل من اللواحق والروادف. وجعل القراء في سمره، فكأنما كانت الكومة يبساً شملته نار فانقطع إلى ذلك الضرب ضربهم ففشت القالة في أهل الكوفة، فكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فجمع الناس وأخبرهم بما كتب إليه. فقالوا له: أصبت، لا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس بأهل لها لم يحتملها وأفسدها. فقال عثمان: يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا فقد دبت إليكم الفتن، وإني والله لأتخلصن لكم الذي لكم حتى أنقله إليكم إن رأيتم حتى يأتي من شهد من أهل العراق الفتوح سهمه فيقيم معه في بلاده. فقالوا: كيف تنقل إلينا سهمنا من الأرضين؟ فقال: يبيعها من شاء بما كان له بالحجاز واليمن وغيرهما من البلاد. ففرحوا وفتح الله لهم أمراً لم يكن في حسابهم، وفعلوا ذلك واشتراه رجال من كل قبيلة وجاز لهم عن تراضٍ منهم ومن الناس وإقرار بالحقوق.
    ● [ ذكر غزو سعيد بن العاص طبرستان ] ●

    في هذه السنة غزا سعيد بن العاص طبرستان، فإنها لم يغزها أحد إلى هذه السنة. وقد تقدم في أيام عمر الخلاف في ذلك، وأن اصبهبذها صالح سويد ابن مقرن أيام عمر على مال بذله. وأما على هذا القول فإن سعيداً غزاها من الكوفة سنة ثلاثين ومعه الحسن والحسين وابن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وحذيفة بن اليمان وابن الزبير وناس من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، وخرج ابن عامر من البصرة يريد خراسان فسبق سعيداً ونزل نيسابور، ونزل سعيد قومس، وهي صلح، صالحهم حذيفة بعد نهاوند فأتى جرجان فصالحوه على مائتي ألف، ثم أتى طميسة، وهي كلها من طبرستان متاخمة جرجان، على البحر، فقاتله أهلها، فصلى صلاة الخوف، أعلمه حذيفة كيفيتها، وهم يقتتلون. وضرب سعيد يومئذ رجلاً بالسيف على حبل عاتقه فخرج السيف من تحت مرفقه، وحاصرهم، فسألوا الأمان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلاً واحداً، ففتحوا الحصن فقتلوا جميعاً إلا رجلاً واحداً؛ وحوى ما في الحصن، فأصاب رجل من بني نهد سفطاً عليه قفل، فظن أن فيه جوهراً، وبلغ سعيداً فبعث إلى النهدي فأتاه بالسفط، فكسروا قفله فوجدوا فيه سفطاً، ففتحوه فوجدوا خرقة سوداء مدرجة فنشروها فوجدوا خرقة حمراء فنشروها، فإذا خرقة صفراء وفيها أيران كميت وورد. فقال شاعر يهجو بني نهد:
    آب الكرام بالسبايا غنيمة ... وآب بنو نهدٍ بأيرين في سفط
    كميتٍ ووردٍ وافرين كلاهما ... فظنوهما غنماً فناهيك من غلط
    وفتح سيعدٌ نامية، وليست بمدينة، هي صحارى.
    ومات مع سعيد محمد بن الحكم بن أبي عقيل جد يوسف بن عمر. ثم رجع سعيد، فمدحه كعب بن جعيل فقال:
    فنعم الفتى إذ حال جيلان دونه ... وإذ هبطوا من دستبى ثم أبهرا
    في أبيات. ولما صالح سعيد أهل جرجان كانوا يجبون أحياناً مائة ألف، وأحياناً مائتي ألف، وأحياناً ثلثمائة ألف، ويقولون: هذا صلح صلحنا، وربما منعوه، ثم امتنعوا وكفروا، فانقطع طريق خراسان من ناحية قومس إلا على خوف شديد منهم. كان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان إلى خراسان، وأول من صير الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولي خراسان. وقدمها يزيد بن المهلب فصالح صولا، وفتح البحيرة ودهستان، وصالح أهل جرجان على صلح سعيد.
    ● [ ذكر غزو حذيفة الباب وأمر المصاحف ] ●

    وفيها صرف حذيفة عن غزو الري إلى غزو الباب مدداً لعبد الرحمن بن ربيعة، وخرج معه سعيد بن العاص، فبلغ معه أذربيجان، وكانوا يجعلون الناس ردءاً، فأقام حتى عاد حذيفة ثم رجعا. فلما عاد حذيفة قال لسعيد بن العاص: لقد رأيت في سفرتي هذه أمراً، لئن ترك الناس ليختلفن في القرآن ثم لا يقومون عليه أبداً. قال: وما ذاك؟ قال: رأيت أناساً من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم وأنهم أخذوا القرآن عن المقداد، ورأيت أهل دمشق يقولون: إن قراءتهم خير من قراءة غيرهم، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك وإنهم قرأوا على ابن مسعود، وأهل البصرة يقولون مثل ذلك وإنهم قرأوا على أبي موسى ويسمون مصحفه لباب القلوب. فلما وصلوا إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك وحذرهم ما يخاف، فوافقه أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكثير من التابعين. وقال له أصحاب ابن مسعود: ما تنكر؟ ألسنا نقرأه على قراءة ابن مسعود؟ فغضب حذيفة ومن وافقه، وقالوا: إنما أنتم أعراب فاسكتوا فإنكم على خطإ. وقال حذيفة: والله لئن عشت لآتين أمير المؤمنين، ولأشيرن عليه أن يحول بين الناس وبين ذلك. فأغلظ له ابن مسعود، فغضب سعيد وقام وتفرق الناس، وغضب حذيفة وسار إلى عثمان فاخبره بالذي رأى، وقال: أنا النذير العريان فأدركوا الأمة. فجمع عثمان الصحابة وأخبرهم الخبر، فأعظموه ورأوا جميعاً ما رأى حذيفة.
    فأرسل عثمان إلى حفصة بنت عمر: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها. وكانت هذه الصحف هي التي كتبت في أيام أبي بكر، فإن القتل لما كثر في الصحابة يوم اليمامة قال عمر لأبي بكر: إن القتل قد كثر واستحر بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء فيذهب من القرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فأمر أبو بكر زيد بن ثابت فجمعه من الرقاع والعسب وصدور الرجال، فكانت الصحف عند أبي بكر ثم عند عمر، فلما توفي عمر أخذتها حفصة فكانت عندها.
    فأرسل عثمان إليها أخذها منها وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان: إذا اختلفتم فاكتبوها بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم؛ ففعلوا. فلما نسخوا الصحف ردها عثمان إلى حفصة وارسل إلى كل أفق بمصحف وحرق ما سوى ذلك وأمر أن يعتمدوا عليها ويدعوا ما سوى ذلك. فكل الناس عرف فضل هذا الفعل إلا ما كان من أهل الكوفة، فإن المصحف لما قدم عليهم فرح به أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، وإن أصحاب عبد الله ومن وافقهم امتنعوا من ذلك وعابوا الناس، فقام فيهم ابن مسعود وقال: ولا كل ذلك فإنكم والله قد سبقتم سبقاً بيناً فاربعوا على ظلعكم. ولما قدم عليٌّ الكوفة قام إليه رجل فعاب عثمان بجمع الناس على المصحف، فصاح به وقال: اسكت فعن ملإٍ منا فعل ذلك، فلو وليت منه ما ولي عثمان لسلكت سبيله.
    ●[ ذكر سقوط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ]●
    في بئر أريس

    وفيها وقع خاتم النبي، صلى الله عليه وسلم، من يد عثمان رضى الله عنه في بئر أريس، وهي على ميلين من المدينة، وكانت قليلة الماء، فما أدرك قعرها بعد.
    وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اتخذه لما أراد أن يكاتب الأعاجم يدعوهم إلى الله تعالى، فقيل له: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً، فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يعمل له خاتم من حديد، فلما عمل جعله في إصبعه، فأتاه جبرائيل فنهاه عنه، فنبذه، وأمر فعمل له خاتم من نحاس وجعله في إصبعه. فقال له جبرائيل، انبذه، فنبذه، وأمررسول الله، صلى الله عليه وسلم بخاتم من فضةٍ فصنع له فجعله في إصبعه، فأمره جبرائيل أن يقره، فأقره. وكان نقشه ثلاثة أسطر: (محمد) سطر، و (رسول) سطر، و (الله) سطر؛ فتختم به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى توفي، ثم تختم به أبو بكر حتى توفي، ثم عمر حتى توفي، ثم تختم به عثمان ست سنين. فحفروا بئراً بالمدينة شرباً للمسلمين، فقعد على رأس البئر فجعل يعبث بالخاتم ويديره باصبعه فسقط من يده في البئر، فطلبوه فيها ونزحوا مافيها من الماء فلم يقدروا عليه، فجعل فيه مالاً عظيماً لمن جاء به، واغتم لذلك غماً شديداً. فلما يئس منه صنع خاتماً آخر على مثاله ونقشه فبقي في إصبعه حتى هلك، فلما قتل ذهب الخاتم فلم يدر من أخذه.
    ● [ ذكر تسيير أبي ذر إلى الربذة ] ●

    وفي هذه السنة كان ما ذكر في أمر أبي ذر وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة، وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة، من سب معاوية إياه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من الشام بغير واء ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع، لا يصح النقل به، ولو صح لكان ينبغي أن يعتذر عن عثمان، فإن للإمام أن يؤدب رعيته، وغير ذلك من الأعذار، لا أن يجعل ذلك سبباً للطعن عليه، كرهت ذكرها.
    وأما العاذرون فإنهم قالوا: لما ورد ابن السوداء إلى الشام لقي أبا ذر فقال: يا أبا ذر ألا تعجب من معاوية يقول: المال مال الله! ألا إن كل شيء لله، كأنه يريد أن يحتجنه دون الناس ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذر فقال: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله الساعة؟ قال: يرحمك الله يا أبا ذر! ألسنا عباد الله والمال ماله؟ قال: فلا تقله. قال: سأقول مال المسلمين. وأتى ابن السوداء أبا الدرداء فقال له مثل ذلك. فقال: أظنك والله يهودياً! فأتى عبادة بن الصامت فتعلق به عبادة وأتى به معاوية فقال: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر.
    وكان أبو ذر يذهب إلى أن المسلم لا ينبغي له أن يكون في ملكه أكثر من قوت يومه وليلته أو شيء ينفقه في سبيل الله أو يعده لكريم، ويأخذ بظاهر القرآن: (الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذابٍ أليم) التوبة: . فكان يقوم بالشام ويقول: يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء، بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الأغنياء، وشكا الأغنياء ما يلقون منهم. فأرسل معاوية إليه بألف دينار في جنح الليل فأنفقها. فلما صلى معاوية الصبح دعا رسوله الذي أرسله إليه فقال: اذهب إلى أبي ذر فقل له: أنقذ جسدي من عذاب معاوية فإنه أرسلني إلى غيرك وإني أخطأت بك. ففعل ذلك. فقال له أبو ذر: يا بني قل له: والله ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى نجمعها. فلما رأى معاوية أن فعله يصدق قوله كتب إلى عثمان: إن أبا ذر قد ضيق علي، وقد كان كذا وكذا، للذي يقوله الفقراء. فكتب إليه عثمان: إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها ولم يبق إلا أن تثب فلا تنكإ القرح وجهز أبا ذر إلي وابعث معه دليلاً وكفكف الناس ونفسك ما استطعت. وبعث إليه بأبي ذر.
    فلما قدم المدينة ورأى المجالس في أصل جبل سلع قال: بشر أهل المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار. ودخل على عثمان فقال له: ما لأهل الشام يشكون ذرب لسانك؟ فأخبره. فقال: يا أبا ذر علي أن أقضي ما علي وأن أدعو الرعية إلى الاجتهاد والاقتصاد وما علي أن أجبرهم على الزهد. فقال أبو ذر: لا ترضوا من الأغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا إلى الجيران والإخوان ويصلوا القرابات. فقال كعب الأحبار، وكان حاضراً: من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه. فضربه أبو ذر فشجه، وقال له: يا ابن اليهودية ما أنت وما ههنا؟ فاستوهب عثمان كعباً شجته، فوهبه. فقال أبو ذر لعثمان: تأذن لي في الخروج من المدينة؛ فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمرني بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعاً. فأذن له، فنزل الربذة وبنى بها مسجداً، وأقطعه عثمان صرمةً من الإبل وأعطاه مملوكين وأجرى عليه كل يوم عطاء، وكذلك على رافع بن خديج، وكان قد خرج أيضاً عن المدينة لشيء سمعه.
    وكان أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابياً، وأخرج معاوية إليه أهله، فخرجوا ومعهم جراب مثقلٌ يد الرجل، فقال: انظروا إلى هذا الذي يزهد في الدنيا ما عنده؟ فقالت امرأته: والله ما هو دينار ولا درهم ولكنها فلوس كان إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوساً لحوائجنا. ولما نزل الربذة أقيمت الصلاة وعليها رجل يلي الصدقة، فقال: تقدم يا أبا ذر. فقال: لا، تقدم أنت، فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لي: اسمع وأطع وإن كان عليك عبد مجدع، فأنت عبد ولست بأجدع؛ وكان من رقيق الصدقة اسمه مجاشع.
    ● [ ذكر عدة حوادث ] ●

    في هذه السنة زاد عثمان النادء الثالث يوم الجمعة على الزوراء. وفيها مات حاطب بن أبي بلتعة اللخمي وهو من أهل بدر.
    حاطب بالحاء المهملة. وبلتعة بالباء الموحدة ثم التاء المثناة من فوق بوزن مقرعة.
    وفيها مات عمرو بن أبي سرح الفهري وكان بدرياً. وفيها مات مسعود ابن الربيع، وقيل: ابن ربيعة بن عمرو القاري، من القارة، أسلم قبل دخول النبي، صلى الله عليه وسلم، دار الأرقم، وشهد بدراً، وكان عمره قد جاوز الستين. وفيها مات عبد الله بن كعب بن عمرو الأنصاري، شهد بدراً، وكان على غنائم النبي، صلى الله عليه وسلم، فيها وفي غيرها. وفيها مات عبد الله بن مظعون أخو عثمان وكان بدرياً؛ وجبار بن صخر، وهو بدري أيضاً.
    جبار بالجيم وآخره راء.
    ● ● [ ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ] ● ●
    ذكر غزوة الصواري

    قيل: وفي هذه السنة كانت غزوة الصواري، وقيل: كانت سنة أربع وثلاثين، وقيل: في سنة إحدى وثلاثين كانت غزوة الأساورة، وقيل: كانتا معاً سنة إحدى وثلاثين، وكان على المسلمين معاوية، وكان قد جمع الشام له أيام عثمان.
    وسبب جمعه له أن أبا عبيدة بن الجراح لما حضر استخلف على عمله عياض بن غنم، وكان خاله وابن عمه، وكان جواداً مشهوراً، وقيل: استخلف معاذ بن جبل، على ما تقدم، فمات عياض واستخلف عمر بعده سعيد بن حذيم الجمحي، ومات سعيد وأمر عمر مكانه عمير بن سعد الأنصاري، ومات عمر وعمير على حمص وقنسرين، ومات يزيد بن أبي سفيان فجعل عمر مكانه أخاه معاوية ونعاه لأبي سفيان فقال: من جعلت على عمله يا أمير المؤمنين؟ فقال: معاوية. فقال: وصلتك رحم، فاجتمعت لمعاوية الأردن ودمشق، ومرض عمير بن سعد فاستعفى عثمان واستأذنه في الرجوع إلى أهله، فأذن له، وضم عثمان حمص وقنسرين إلى معاوية، ومات عبد الرحمن بن علقمة، وكان على فلسطين، فضم عثمان عمله إلى معاوية فاجتمع الشام لمعاوية لسنتين من إمارة عثمان، فهذا كان سبب اجتماع الشام له.
    وأما سبب هذه الغزوة فإن المسلمين لما أصابوا من أهل إفريقية وقتلوهم وسبوهم، خرج قسطنطين بن هرقل في جمع له لم تجمع الروم مثله مذ كان الإسلام، فخرجوا في خمسمائة مركب أو ستمائة، وخرج المسلمون وعلى أهل الشام معاوية بن أبي سفيان، وعلى البحر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكانت الريح على المسلمين لما شاهدوا الروم، فأرسى المسلمون والروم وسكنت الريح، فقال المسلمون: الأمان بيننا وبينكم؛ فباتوا ليلتهم والمسلمون يقرأون القرآن ويصلون ويدعون، والرومى يضربون بالنواقيس، وقربوا من الغد سفنهم وقرب المسلمون سفنهم فربطوا بعضها مع بعض واقتتلوا بالسيوف والخناجر، وقتل من المسلمين بشرٌ كثير، وقتل من الروم ما لا يحصى، وصبروا يومئذٍ صبراً لم يصبروا في موطن قط مثله، ثم أنزل الله نصره على المسلمين، فانهزم قسطنطين جريحاً ولم ينج من الروم إلا الشريد. وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري بعد الهزيمة أياماً ورجع. فكان أول ما تكلم به محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر في أمر عثمان في هذه الغزوة وأظهرا عيبه وما غير وما خالف به أبا بكر وعمر، ويقولان استعمل عبد الله بن سعد رجلاً كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أباح دمه، ونزل القرآن بكفره، وأخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قوماً أدخلهم، ونزع أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واستعمل سعيد بن العاص وابن عامر. فبلغ ذلك عبد الله بن سعد فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما معهما إلا القبط، فلقوا العدو، فكانا أقل المسلمين نكايةً وقتالاً، فقيل لهما في ذلك، فقالا: كيف نقاتل مع عبد الله ابن سعد؟ استعمله عثمان وعثمان فعل كذا وكذا. فأرسل إليهما عبد الله ينهاهما ويتهددهما، ففسد الناس بقولهما، وتكلموا ما لم يكونوا ينطقون به.
    وأما قسطنطين فإنه سار في مركبه إلى صقلية، فسأله أهلها عن حاله، فأخبرهم. فقالوا: أهلكت النصرانية وأفنيت رجالها! لو أتانا العرب لم يكن عندنا من يمنعهم. ثم أدخلوه الحمام وقتلوه وتركوا من كان معه في المركب وأذنوا له في المسير إلى القسطنطينية.
    وقيل: في هذه السنة فتحت أرمينية على يد حبيب بن مسلمة، وقد تقدم ذكر ذلك.
    ● [ ذكر مقتل يزدجرد بن شهريار ] ●

    في هذه السنة هرب يزدجرد من فارس إلى خراسان في قول بعضهم، وقد تقدم الخلاف فيه، وكان ابن عامر قد خرج من البصرة حين وليها إلى فارس فافتتحها، وهرب يزدجرد من جور، وهي أدرشير خره، في سنة ثلاثين، فوجه ابنن عامر في أثره مجاشع بن مسعود، وقيل: هرم بن حيان العبدي، وقيل: هرم بن حيان اليشكري، فاتبعه إلى كرمان، فهرب يزدجرد إلى خراسان. وأصاب مجاشع بن مسعود ومن معه الثلج والدمق واشتد البرد، وكان الثلج قيد رمح، فهلك الجند وسلم مجاشع ورجل معه جارية فشق بطن بعير فأدخلها فيه وهرب. فلما كان الغد جاء فوجدها حية فحملها. فسمي ذلك القصر قصر مجاشع لأن جيشه هلكوا فيه، وهو على خمسة فراسخ أو ستة من السرجان من أعمال كرمان.
    هذا على قول من يقول: إن هرب يزدجرد من فارس كان هذه السنة.
    وأما سبب قتله، على ما تقدم من ذكره من فتح فارس وخراسان، فقد اختلف الناس في سبب قتله، فقيل: إنه هرب من كرمان في جماعة إلى مرو ومعه خرزاد أخو رستم، فرجع عنه إلى العراق ووصى به ماهويه مرزبان مرو، فسأله يزدجرد مالاً فمنعه، فخافه أهل مرو على أنفسهم فأرسلوا إلى الترك يستنصرونهم عليه، فأتوه فبيتوه فقتلوا أصحابه، فهرب يزدجرد ماشياً إلى شط المرغاب فأوى إلى بيت رجل ينقر الأرحاء، فلما نام قتله، وقيل: بل بيته أهل مرو ولم يستنصروا بالترك فقتلوا أصحابه وهرب منهم فقتله النقار، وتبعوا أثره إلى بيت الذي ينقر الأرحاء فأخذوه وضربوه فأقر بقتله فقتلوه وأهله.
    وكان يزدجرد قد وطىء امرأة بها فولدت له غلاماً ذاهب الشق، ولدته بعد قتله فسمي المخدج، فولد له أولاد بخراسان، فوجد قتيبة بن مسلم حين افتتح الصغد وغيرها جاريتين من ولد المخدج فبعث بهما أو بإحداهما إلى الحجاج، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك، فولدت للوليد يزيد بن الوليد الناقص. وأخرج يزدجرد من النهر وجعل في تابوت وحمل إلى إصطخر فوضع في ناووس هناك.
    وقيل: إن يزدجرد هرب بعد وقعة نهاوند إلى أرض أصبهان وبها رجل يقال له مطيار كان قد أصاب من العرب شيئاً يسيراً فصار له بها محل كبير، فأى مطيار يزدجرد ذات يوم فحجبه بوابه ليستأذن له، فضربه وشجه، فدخل البواب على يزدجرد مدمى، فرحل عن أصبهان من ساعته فأتى الري، فخرج إليه صاحب طبرستان وعرض عليه بلاده وأخبره بحاصنتها، فلم يجبه.
    وقيل: مضى من فوره ذلك إلى سجستان، ثم سار إلى مرو في ألف فارس، وقيل: بل قصد فارس فأقام بها أربع سنين، ثم أتى كرمان فأقام بها سنتين أو ثلاثاً فطلب إليه دهقانة شيئاً فلم يجبه فجره برجله وطرده عن بلاده، فسار إلى سجستان فأقام بها نحواً من خمس سنين، ثم عزم على قصد خراسان ليجمع الجموع ويسير بهم إلى العرب، فسار إلى مرو ومعه الرهن من أولاد الدهاقين ومعه فرخزاد. فلما قدم مرو كاتب ملوك الصين وملك فرغانة وملك كابل وملك الخزر يستمدهم، وكان الدهقان يومئذ بمروماهويه أبو براز، فوكل ماهويه بمرو ابنه براز ليحفظها ويمنع عنها يزدجرد خوفاً من مكره، فركب يزدجرد يوماً وطاف بالمدينة وأراد دخولها من بعض أبوابها، فمنعه براز، فصاح به أبوه ليفتح الباب فلم يفعل، وأومأ إليه أبوه أن لا يفعل، ففطن له رجل من أصحاب يزدجرد فأعلمه بذلك واستأذنه في قتله، فلم يأذن له.
    وقيل: أراد يزدجرد صرف الدهقنة عن ماهويه إلى سنجان ابن أخيه، فبلغ ذلك ماهويه، فعمل في هلاك يزدجرد ؛ فكتب إلى نيزك طرخان يدعوه إلى القدوم عليه ليتفقا على قتله ومصالحة العرب عليه، وضمن له إن فعل أن يعطيه كل يوم ألف درهم. فكتب نيزك إلى يزدجرد يعده المساعدة على العرب وأنه يقدم عليه بنفسه إن أبعد عسكره وفرخزاد عنه. فاستشار يزدجرد أصحابه فقال له سنجان: لست أرى أن تبعد عنك أصحابك وفرخزاد. وقال أبو براز: أرى أن تتألف نيزك وتجيبه إلى ما سأل. فقبل رأيه وفرق عنه جنده، فصاح فرخزاد وشق جيبه وقال: أظنكم قاتلي هذا! ولم يبرح فرخزاد حتى كتب له يزدجرد بخط يده أنه آمن وأنه قد أسلم يزدجرد وأهله وما معه إلى ماهويه، وأشهد بذلك. وأقبل نيزك فلقيه يزدجرد بالمزامير والملاهي، أشار عليه بذلك أبو براز، فلما لقيه تأخر عنه أبو براز فاستقبله نيزك ماشياً، فأمر له يزدجرد بجنيبة من جنائبه، فركبها، فلما توسط عسكره تواقفا فقال له نيزك فيما يقول: زوجني إحدى بناتك حتى أناصحك في قتال عدوك. فسبه يزدجرد ، فضربه نيزك بمقرعته، وصاح يزدجرد ، وركض منهزماً. وقتل أصحاب نيزك أصحاب يزدجرد وانتهى يزدجرد إلى بيت طحان فمكث فيه ثلاثة أيام لم يأكل طعاماً. فقال له الطحان: اخرج أيها الشقي فكل طعاماً فقد جعت! فقال: لست أصل إلى ذلك إلا بزمزمة، وكان عند الطحان رجل يزمزم، فكلمه الطحان في ذلك ففعل وزمزم له فأكل. فلما رجع المزمزم سمع بذكر يزدجرد ، فسأل عن حليته فوصفوه له فأخبرهم به وبحليته فأرسل إليه أبو براز رجلاً من الأساورة وأمره بخنقه وإلقائه في النهر، وأتى الطحان فضربه ليدله عليه، فلم يفعل وجحده. فلما أراد الانصراف عنه قال له بعض أصحا به: إني لأجد ريح مسك؛ ونظر إلى طرف ثوبه من ديباج في الماء فجذبه فإذا هو يزدجرد ، فسأله أن لا يقتله ولا يدل عليه وجعل له خاتمه ومنطقته وسواره. فقال له: أعطني أربعة دراهم وأخلي عنك؛ فلم يكن معه وقال: إن خاتمي لا يحصى ثمنه فخذه، فأبى عليه، فقال له يزدجرد : قد كنت أخبر أني سأحتاج إلى أربعة دراهم فقد رأيت ذلك، ثم نزع أحد قرطيه فأعطاه الطحان ليستر عليه، وأرادوا قتله، فقال: ويحكم! إنا نجد في كتبنا أنه من قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا، فلا تقتلوني واحملوني إلى الدهقان أو إلى العرب فإنهم يستبقون مثلي! فأخذوا ما عليه وخنقوه بوتر القوس وألقوه في الماء، فأخذ أسقف مرو وجعله في تابوت ودفنه. وسأل أبو براز عن أحد القرطين وأخذ الذي دل عليه فضربه حتى أتى على نفسه.
    وقيل: بل سار يزدجرد من كرمان قبل ورود العرب إليها نحو مرو على الطبسين وقوهستان في أربعة آلاف، فلما قارب مرو لقيه قائدان يقال لأحدهما بارز وللآخر سنجان وكانا متباغضين، فسعى براز بسنجان حتى هم يزدجرد بقتله، وأفشى ذلك إلى امرأة من نسائه، ففشا الحديث، فجمع سنجان أصحابه وقصد قصر يزدجرد ، فهرب براز وخاف يزدجرد فهرب أيضاً إلى رحى على فرسخين من مرو، فدخل بيت نقار الرحى، فأطعمه الطحان، فطلب منه شيئاً فأعطاه منطقته، فقال: إنما يكفيني أربعة دراهم، فلم يكن معه، ثم نام يزدجرد فقتله الطحان بفأس كانت معه وأخذ ما عليه وألقى جثته في الماء وشق بطنه وثقله.
    وسمع بقتله مطران كان بمرو، فجمع النصارى وقال: قتل ابن شهريار، وإنما شهريار ابن شيرين المؤمنة التي قد عرفتم حقها وإحسانها إلى أهل ملتنا مع ما نال النصارى في ملك جده أنوشروان من الشرف، فينبغي أن نحزن لقتله ونبني له ناووساً، فأجابوه إلى ذلك وبنوا له ناووساً وأخرجوا جثته وكفنوها ودفنوها في الناووس.
    وكان ملكه عشرين سنة، منها أربع سنين في دعة، وست عشرة سنة في تعب من محاربة العرب إياه وغلظتهم عليه، وكان آخر من ملك من آل أردشير ابن بابك وصفا الملك بعده للعرب.
    ● [ ذكر مسير ابن عامر إلى خراسان وفتحها ] ●

    لما قتل عمر بن الخطاب نقض أهل خراسان وغدروا. فلما افتتح ابن عامر فارس قام إليه حبيب بن أوس التميمي فقال له: أيها الأمير إن الأرض بين يديك ولم يفتح منها إلا القليل، فسر فإن الله ناصرك. قال: أو لم نؤمر بالمسير؟ وكره أن يظهر أنه قبل رأيه. وقيل: إن ابن عامر لما فتح فارس عاد إلى البصرة واستخلف على إصطخر شريك بن الأعورالحارثي، فبنى شريك مسجد إصطخر. فلما دخل البصرة أتاه الأحنف بن قيس، وقيل غيره، فقال له: إن عدوك منك هاربن ولك هائب، والبلاد واسعة، فسر فإن الله ناصرك ومعزٌّ دينه. فتجهز وسار واستخلف على البصرة زياداً، وسار إلى كرمان فاستعمل عليها مجاشع بن مسعود السلمي، وله صحبة، وأمره بمحاربة أهلها، وكانوا قد نكثوا أيضاً، واستعمل على سجستان الربيع بن زياد الحرثي، وكانوا أيضاً قد غدروا ونقضوا الصلح. وسار ابن عامر إلى نيسابور وجعل على مقدمته الأحنف بن قيس، فأتى الطبسين، وهما حصنان، وهما بابا خراسان، فصالحه أهلهما، وسار إلى وهستان فلقيه أهلها وقاتلهم حتى ألجأهم إلى حصنهم، وقدم عليها ابن عامرفصالحه أهلها على ستمائة ألف درهم. وقيل: كان المتوجه إلى قوهستان أمير بن أحمر اليشكري، وهي بلاد بكر بن وائل؛ وبعث ابن عامر سريةً إلى رستاق زام من أعمال نيسابور، ففتحه عنوةً، وفتح باخرز من أعمال نيسابور أيضاً، وفتح جوين من أعمال نيسابور أيضاً.
    ووجه ابن عامر الأسود بن كلثوم العدوي من عدي الرباب، وكان ناسكاً، إلى بيهق، من أعمالها أيضاً، فقصد قصبته ودخل حيطان البلد من ثلمة كانت فيه ودخلت معه طائفة من المسلمين فأخذ العدو عليهم تلك الثلمة، فقاتل الأسود حتى قتل هو وطائفة ممن معه، وقام بأمر الناس بعده أخوه أدهم بن كلثوم، فظفر وفتح بيهق، وكان الأسود يدعو الله أن يحشره من بطون السباع والطير، فلم يواره أخوه، ودفن من استشهد من أصحابه. وفتح ابن عامر بشت من نيسابور.
    وهذه بشت بالشين المعجمة، وليست ببست التي بالسين المهملة، تلك من بلاد الدوان وهذه من خراسان من نياسوبر.
    وافتتح خواف وأسفرايين وأرغيان، ثم قصد نيسابور بعد ما استولى على أعمالها وافتتحها، فحصر أهلها أشهراً، وكان على كل ربع منها مرزبان للفرس يحفظه، فطلب صاحب ربع من تلك الرباع الأمان على أن يدخل المسلمين المدينة، فأجيب إلى ذلك، فأدخلهم ليلاً ففتحوا الباب وتحصن مرزبانها الأكبر في حصنها، ومعه جماعة، ومعه جماعة، وطلب الأمان والصلح على جميع نيسابور، فصالحه على ألف ألف درهم، وولى نيسابور قيس بن الهيثم السلمي، وسير جيشاً إلى نسا وأبيورد فافتتحوها صلحاً؛ وسير سريةً أخرى إلى سرخس مع عبد الله ابن خازم السلمي، فقاتلوا أهلها ثم طلبوا الأمان والصلح على أمان مائة رجل، فأجيبوا إلى ذلك، فصالحهم مرزبانها على ذلك وسمى مائة رجل ولم يذكر نفسه فقتله، ودخل سرخس عنوةً.
    وأتى مرزبان طوس إلى ابن عامر فصالحه عن طوس على ستمائة ألف درهم؛ وسير جيشاً إلى هراة عليهم عبد الله بن خازم، وقيل غيره، فبلغ مرزبان هراة ذلك فسار إلى ابن عامر فصالحه عن هراة وباذغيس وبوشنج. وقيل: بل سار ابن عامر في الجيش إلى هراة فقاتله أهلها ثم صالحه مرزبانها على ألف ألف درهم، ولما غلب ابن عامر على هذه البلاد أرسل إليه مرزبان مرو فصالحه على ألفي ألف ومائتي ألف درهم، وقيل غير ذلك؛ وأرسل ابن عامر حاتم بن النعمان الباهلي إلى مرزبانها، وكانت مرو كلها صلحاً إلا قرية منها يقال لها سنج، فإنها أخذت عنوة وهي بكسر السين المهملة والنون الساكنة وآخرها جيم. ووجه ابن عامر الأحنف بن قيس إلى طخارستان، فمر برستاق يعرق برستاق الأحنف ويدعى سوانجرد، فحصر أهلها فصالحوه على ثلثمائة ألف درهم، فقال الأحنف: أصالحكم على أن يدخل رجل منا القصر فيؤذن فيه ويقيم فيكم حتى ينصرف. فرضوا بذلك، ومضى الأحنف إلى مرو الروذ فقاتله أهلها فقتلهم وهزمهم وحصرهم، وكان مرزبانها من أقارب باذان صاحب اليمن، فكتب إلى الأحنف: إنه دعاني إلى الصلح إسلام باذان، فصالحه على ستمائة ألف، وسير الأحنف سريةً فاستولت على رستاق بغ واستاقت منه مواشي، ثم صالحوا أهله. وجمع له أهل طخارستان، فاجتمع أهل الجوزجان، فوجه إليهم الأحنف الأقرع بن حابس التميمي في خيل وقال: يا بني تميم تحابوا وتباذلوا تعدل أموركم وابدأوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم، ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم.
    فسار الأقرع فلقي العدو بالجوزجان فكانت بالمسلمين جولة ثم عادوا فهزموا المشركين وفتحوا الجوزجان عنوة، فقال ابن الغريزة النهشلي:
    سقى صوب السحاب إذا استهلت ... مصارع فتيةٍ بالجوزجان
    إلى القصرين من رستاق خوتٍ ... أقادهم هناك الأقرعان
    وفتح الأحنف الطالقان صلحاً وفتح الفارياب، وقيل: بل فتحها أمير بن أحمر. ثم سار الأحنف إلى بلخ، وهي مدينة طخارستان، فصالحه أهلها على أربعمائة ألف، وقيل: سبعمائة ألف؛ واستعمل على بلخ أسيد بن المتشمس، ثم سار إلى خوارزم، وهي على نهر جيحون، فلم يقدر عليها فاستشار أصحابه، فقال له حضنين بن المنذر: قال عمرو بن معد يكرب:
    إذا لم تستطع أمراً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
    فعاد إلى بلخ وقد قبض أسيد صلحها، وافق وهو يجيبهم المهرجان، فأهدوا له هدايا كثيرة من دارهم ودنانير ودواب وأوانٍ وثياب وغير ذلك، فقال لهم: ما صالحناه على هذا! فقالوا: لا، ولكن هذا شيء نفعله في هذا اليوم بأمرائنا. فقال: ما أدري ما هذا ولعله من حقي ولكن أقبضه حتى أنظر، فقبضه حتى قدم الأحنف فأخبره، فسألهم عنه، فقالوا ما قالوا لأسيد، فحمله إلى ابن عامر وأخبره عنه، فقال: خذه يا أبا بحر. قال: لا حاجة لي فيه. فأخذه ابن عامر. قال الحسن البصري: فضمه القرشي، وكان مضماً.
    ولما تم لابن عامر هذا الفتح قال له الناس: ما فتح لأحد ما فتح عليك، فارس وكرمان وسجستان وخراسان. فقال: لا جرم لأجعلن شكري لله على ذلك أن أخرج محرماً من موقفي هذا. فأحرم بعمرة من نيسابور وقدم على عثمان واستخلف على خراسان قيس بن الهيثم، فسار قيسٌ بعدن شخوصه في أرض طخارستان فلم يأت بلداً منها إلا صالحه أهله وأذعنوا له، حتى أتى سمنجان فامتنعوا عليه، فحصرهم حتى فتحها عنوة.
    أسيد بفتح الهمزة وكسر السين. وحضين بن المنذر بالضاد المعجمة.
    ● [ ذكر فتح كرمان ] ●

    لما سار ابن عامر عن كرمان إلى خراسان واستعمل مجاشع بن مسعود السلمي على كرمان، على ما ذكرناه قبل، أمره أن يفتحها، وكان أهلها قد نكثوا وغدروا، ففتح هميد عنوةً واستبقى أهلها وأعطاهم أماناً وبنى بها قصراً يعرف بقصر مجاشع، وأتى السيرجان، وهي مدينة كرمان، فأقام عليها أياماً يسيرة وأهلها متحصنون، فقاتلهم وفتحها عنوةً، فجلا كثير من أهلها عنها، وفتح جيرفت عنوةً، وسار في كرمان فدوخ أهلها، وأتى القفص وقد تجمع له خلق كثير من الأعاجم الذين جلوا، فقاتلهم فظفر بهم وظهر عليهم، وهرب كثيرٌ من أهل كرمان فركبوا البحر ولحق بعضهم بمكران وبعضهم بسجستان، فأقطعت العرب منازلهم وأراضيهم فعمروها واحتفروا لها القني في مواضع منها وأدوا العشر منها.
    ● [ ذكر فتح سجستان وكابل وغيرهما ] ●

    قد تقدم ذكر فتح سجستان أيام عمر بن الخطاب، ثم إن أهلها نقضوا بعده. فلما توجه ابن عامر إلى خراسان سير إليها من كرمان الربيع بن زياد الحارثي، فقطع المفازة حتى أتى حصن زالق، فأغار على أهله يوم مهرجان وأخذ الدهقان، فافتدى نفسه بأن غرز عنزة وغمرها ذهباً وفضة وصالحه على صلح فارس. ثم أتى بلدة يقال لها كركويه، فصالحه أهلها ثم نزل رستاق هيسون، فصالحوه على غير قتال، وسار إلى زرنج فنزل على مدينة روشت بقرب زرنج، فقاتله أهلها وأصيب رجال من المسلمين، ثم انهزم المشركون وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأتى الربيع ناشروذ ففتحها، ثم أتى شرواذ فغلب عليها، وسار منها إلى زرنج فنازلها وقاتله أهلها فهزمهم وحصرهم، فأرسل إليه مرزبانها ليصالحه واستأمنه على نفسه ليحضر عنده فآمنه، وجلس له الربيع على جسد من أجساد القتلى واتكأ على آخر وأمر أصحابه ففعلوا مثله، فلما رآهم المرزبان هاله ذلك فصالحه على ألف وصيف مع كل وصيف جام من ذهب، ودخل المسلمون المدينة. ثم سار منها إلى سناروذ، وهي واد، فعبره وأتى القرية التي بها مربط فرس رستم الشديد، فقاتله أهلها، فظفر بهم ثم عاد إلى زرنج وأقام بها نحو سنة؛ وعاد إلى ابن عامر، واستخلف عليها عاملاً، فأخرج أهلها العامل وامتنعوا.
    فكانت ولاية الربيع سنة ونصفاً. وسبى فيها أربعين ألف رأس. وكان كاتبه الحسن البصري. فاستعمل ابن عامر عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس على سجستان، فسار إليها فحصر زرنج، فصالحه مرزبانها على ألفي ألف درهم وألفي وصيف. وغلب عبد الرحمن على ما بين زرنج والكش من ناحية الهند، وغلب من ناحية الرخج على ما بينه وبين الدوان. فلما انتهى إلى بلد الدوان حصرهم في جبل الزوز ثم صالحهم ودخل على الزوز، وهو صنم من ذهب، عيناه ياقوتتان، فقطع يده وأخذ الياقوتتين، ثم قال للمرزبان: دونك الذهب والجوهر: وإنما أردت أن أعلمك أنه لا يضر ولا ينفع. وفتح كابل وزابلستان، وهي ولاية غزنة، ثم عاد إلى زرنج فأقام بها حتى اضطرب أمر عثمان، فاستخلف عليها أمير بن أحمر اليشكري وانصرف، فأخرج أهلها أمير بن أحمر وامتنعوا؛ ولأمير يقول زياد بن الأعجم:
    لولا أميرٌ هلكت يشكرٌ ... ويشكرٌ هلكى على كل حال
    ● [ ذكر عدة حوادث ] ●

    وحج بالناس هذه السنة عثمان. وفيها مات أبو الدرداء الأنصاري، وهو بدري، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين. وفيها مات أبو طلحة الأنصاري، وهو بدري، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة إحدى وخمسين. وفيها مات أبو أسيد الساعدي، وقيل: مات سنة ستين، وهو على هذا القول آخر من مات من البدريين.
    أسيد بضم الهمزة.
    وفيها مات أبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، وأخوه الطفيل. وأبو سفيان بن حرب بن أمية، وهو ابن ثمان وثمانين سنة.

    الأحداث سنة ثلاثين وسنة إحدى وثلاثين Fasel10

    مختصر الكامل في التاريخ لابن الأثير
    منتدى نافذة ثقافية - البوابة
    الأحداث سنة ثلاثين وسنة إحدى وثلاثين E110


      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء سبتمبر 18, 2019 9:34 am