بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
طغيان السلطان محمد شاه
وتخريبه لدهلي ونفي أهلها والثورات

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
ذكر ما أعطاه السلطان للأمير سيف الدين
غدا ابن هبة الله بن مهنا أمير عرب الشام
ولما قدم هذا الأمير على السلطان أكرم مثواه، وأنزله بقصر السلطان جلال الدين داخل مدينة دهلي، ويعرف بكشك، لعل معناه القصر الأحمر، وهو قصر عظيم، فيه مشور كبير جداً، ودهليز هائل، على بابه قبة تشرف على هذا المشور، وعلى المشور الثاني الذي يدخل منه إلى القصر، وكان السلطان جلال الدين يقعد بها، وتلعب الكرة بين يديه في هذا المشور. وقد دخلت هذا القصر عند نزوله به فرأيته مملوءاً أثاثاً وفرشاً وبسطاً وغيرها، وذلك كله متمزق لا منتفع فيه في عادتهم بالهند أن يتركوا قصر السلطان إذا مات بجميع ما فيه، لا يتعرضون له، ويبني المتولي بعده قصراً لنفسه، ولما دخلته طفت به وصعدت إلى أعلاه فكانت لي فيه عبرة، نشأت عنها عبرة وكان معي الفقيه الطيب الأديب جمال الدين المغربي، الغرناطي، البجائي المولد مستوطن بلاد الهند، قدمها مع أبيه، وله بها أولاد فأنشدني عندما عايناه:
وسلاطينهم سل الطين عنهم * فالرؤوس العظام صارت عظاما
وبهذا القصر كانت وليمة عرسه، كما نذكره وكان السلطان شديد المحبة في العرب، مؤثراً لهم، معترفاً بفضائلهم فلما وصله هذا الأمير أجزل العطاء، وأحسن إليه إحساناً عظيماً وأعطاه مرة، وقد قدمت عليه، هدية أعظم ملك البايزيدي من بلاد منكبور، أحد عشر فرساً من عتاق الخيل، وأعطاه مرة أخرى عشرة من الخيل، مسرجة بالسروج المذهبة عليها اللجم المذهبة، ثم زوجه بعد ذلك بأخته فيروز خوندة.
ذكر تزوج الأمير سيف الدين بأخت السلطان
ولما أمر السلطان بتزويج أخته للأمير غدا، عين للقيام بشأن الوليمة ونفقاتها الملك فتح الله، والمعروف بشونويس " بشين معجم مفتوح وواوين اولهما مسكن والآخر مكسور بينهما نون آخره سين مهمل "، وعينني لملازمة الأمير غدا، والكون معه في تلك الأيام فأتى الملك فتح الله بالصيوانات، نظلل بها المشورين بالقصر الأحمر المذكور، وضرب في كل واحد منهما قبة ضخمة جداً، وفرش ذلك بالفرش الحسان وأتى شمس الدين التبريزي، أمير المطربين ومعه الرجال المغنون والنساء المغنيات والرواقص، وكلهن مماليك السلطان، وأحضر الطباخين والخبازين والشوائين والحلوانيين والشربدارية والتنبول داران، وذبحت الانعام والطيور. وأقاموا يطعمون الناس خمسة عشر يوماً ويحضر الأمراء الكبار والأعزة ليلاً ونهاراً فلما كان قبل ليلة الزفاف بليلتين جاء الخواتين من دار السلطان ليلاً إلى هذا القصر، فزينه وفرشنه بأحسن الفرش، واستحضر الأمير سيف الدين، وكان عربياً غريباً لا قرابة له، فحففن به وأجلسنه على مرتبة معينة له، وكان السلطان قد أمر أن تكون ربيبته أم أخيه مبارك خان مقام أم الأمير غدا، وأن تكون امرأة أخرى من الخواتين مقام أخته، وأخرى مقام عمته، وأخرى مقام خالته، حتى يكون كأنه بين أهله. ولما أجلسنه على المرتبة جعلن له الحناء في يديه ورجليه، وأقام باقيهن على رأسه يغنين ويرقصن وانصرفن إلى قصر الزفاف، وأقام هو مع خواص أصحابه. وعين السلطان جماعة من الأمراء يكونون من جهته، وجماعة يكونون من جهة الزوجة. وعادتهم أن تقف الجماعة التي من جهة الزوجة على باب الموضع الذي تكون به جلوتها على زوجها، ويأتي الزوج بجماعته فلا يدخلون إلا إن غلبوا أصحاب الزوجة، أو يعطونهم الآلاف من الدنانير إن لم يقدروا عليهم، ولما كان بعد المغرب أتي إليه بخلعة حرير زرقاء مزركشة مرصعة، قد غلبت الجواهر عليها، فلا يظهر لونها مما عليها من الجواهر وبشاشية مثل ذلك، ولم أر قط خلعة أجمل من هذه الخلعة وقد رأيت ما خلعه السلطان على سائر أصهاره مثل ابن ملك الملوك عماد الدين السمناني، وابن ملك العلماء، وابن شيخ الإسلام، وابن صدر جهان البخاري، فلم يكن فيها مثل هذه.
ثم ركب الأمير سيف الدين في أصحابه وعبيده، وفي يد كل واحد منهم عصا قد أعدها وصنعوا شبه إكليل من الياسمين والنسرين، وريبول وله رفرف يغطي وجه المتكلل به وصدره وأتوا به الأمير ليجعله على رأسه فأبى من ذلك وكان من عرب البادية، لا عهد له بأمور الملك والحضر فحاولته، وحلفت عليه حتى جعله على رأسه وأتى باب الصرف ويسمونه باب الحرم، وعليه جماعة الزوجة، فحمل عليهم بأصحابه حملة عربية، وصرعوا كل من عارضهم، فغلبوا عليهم ولم يكن لجماعة الزوجة من ثبات وبلغ ذلك السلطان فأعجبه فعله، ودخل إلى المشور، وقد جعلت العروس فوق منبر عال، مزين بالديباج، مرصع بالجوهر، والمشور ملآن بالنساء، والمطربات قد أحضرن أنواع الآلات المطربة، وكلهن وقوف على قدم إجلالاً له وتعظيماً، فدخل بفرسه حتى قرب من المنبر، فنزل وخدم عند أول درجة منه وقامت العروس قائمة، حتى صعد، فأعطته التنبول بيدها فأخذه، وجلس تحت الدرجة التي وقفت بها ونثرت دنانير الذهب على رؤوس الحاضرين من أصحابه، ولقطتها النساء والمغنيات يغنين حينئذ، والأطبال والأبواق والأنفار تضرب خارج الباب ثم قام الأمير، وأخذ بيد زوجته، ونزل وهي تتبعه، فركب فرسه يطأ به الفرش والبسط، ونثرت الدنانير عليه وعلى أصحابه، وجعلت العروس في محفة وحملها العبيد على أعناقهم إلى قصره، والخواتين بين يديها راكبات، وغيرهن من النمساء ماشيات وإذا مروا بدار أمير أو كبير، خرج إليهم ونثر عليهم الدنانير والدراهم على قدر همته، حتى أوصلوها إلى قصره ولما كان بالغد بعثت العروس إلى جميع أصحاب زوجها الثياب والدنانير والدراهم وأعطى السلطان لكل واحد منهم فرساً مسرجاً ملجماً وبدرة دراهم من ألف دينار إلى مائتي دينار، وأعطى الملك فتح الله للخواتين ثياب الحرير المنوعة والبدر، وكذلك لأهل الطرب. وعادتهم ببلاد الهند أن لا يعطي أحد شيئاً لأهل الطرب، إنما يعطيهم صاحب العرس وأطعم الناس جميعاً ذلك اليوم.
وانقضى العرس، وأمر السلطان أن يعطى للأمير غدا بلاد المالوة والجزرات وكنباية ونهروالة، وجعل فتح الله المذكور نائباً عنه عليها، وعظمه تعظيماً شديداً وكان عربياً جافياً، فلم يقدر قدر ذلك، وغلب عليه جفاء البادية، فأداه ذلك إلى النكبة بعد عشرين ليلة من زفافه.
ذكر سجن الأمير غدا
ولما كان بعد عشرين يوماً من زفافه اتفق أنه وصل إلى دار السلطان، فأراد الدخول فمنعه أمير البرد " البرده " داريه، وهم الخواص من البوابين، فلم يسمع منه وأراد التقحم، فأمسك البواب بدبوقته، وهي الضفيرة ورده فضربه الأمير بعصا كانت هنالك حتى أدماه وكان هذا المضروب من كبار الأمراء، يعرف أبوه بقاضي غزنة، وهو من ذرية السلطان محمود بن سبكتكين، والسلطان يخاطبه بالأدب، ويخاطب ابنه هذا بالأخ فدخل على السلطان، والدم على ثيابه، فأخبره بما صنع الأمير غدا، ففكر السلطان هنيهة ثم قال له: القاضي يفصل بينكما وتلك جريمة لا يغفرها السلطان لأحد من ناسه، ولا بد من الموت عليها، وإنما احتمله لغربته وكان القاضي كمال الدين بالمشور، فأمر السلطان الملك تتر أن يقف معهما عند القاضي. وكان تتر حاجاً مجاوراً يحسن العربية، فحضر معهما، وقال للأمير: أنت ضربته أو قل: لا، لقصد أن يعلمه الحجة، وكان سيف الدين جاهلاً مغتراً، فقال: نعم، أنا ضربته وأتى والد المضروب، فرام الإصلاح بينهما، فلم يقبل سيف الدين فأمر القاضي بسجنه تلك الليلة فوالله ما بعثت له زوجته فراشاً ينام عليه، ولا سألت عنه خوفاً من السلطان وخاف أصحابه فودعوا أموالهم.
وأردت زيارته بالسجن، فلقيني بعض الأمراء، وفهم عني أني أريد زيارته، فقال لي: أو نسيت ? وذكرني يقضية اتفقت لي في زيارة الشيخ شهاب الدين ابن شيخ الجام، وكيف أراد السلطان قتلي على ذلك، حسبما يقع ذكره، فرجعت ولم أزره وتخلص الأمير غدا عند الظهر من سجنه فأظهر السلطان أعماله، وأضرب عما كان أمر له بولايته وأراد نفيه، وكان للسلطان صهر يسمى بمغيث بن ملك الملوك وكانت أخت السلطان تشكوه لأخيها إلى أن ماتت فذكر جواريها أنها ماتت بسبب قهره لها وكان في نسبه مغمز، فكتب السلطان بخطه يجلي اللقيط، يعنيه، ثم كتب ويجلى موش خوار معناه آكل الفئران، يعني بذلك الأمير غدا لأن عرب البادية يأكلون اليربوع، وهو شبه الفار، وأمر بإخراجهما فجاءه النقباء ليخرجوه فأراد دخول داره ووداع أهله، فترادف النقباء في طلبه، فخرج باكياً، وتوجهت حين ذلك إلى دار السلطان فبت بها فسألني عن مبيتي بعض الأمراء، فقلت له: جئت لأتكلم في الأمير سيف الدين حتى يرد ولا ينفى. فقال: لا يكون ذلك. فقلت له: والله لأبيتن في دار السلطان، ولو بلغ مبيتي مائة ليلة، حتى يرد فبلغ ذلك السلطان فأمر برده، وأمره أن يكون في خدمة الأمير ملك قبولة اللاهوري، فأقام أربعة أعوام في خدمته. يركب لركوبه، ويسافر لسفره، حتى تأدب وتهذب ثم أعاده السلطان إلى ما كان عليه أولاً وأقطعه البلاد، وقدمه على العساكر، ورفع قدره.
ذكر تزويج السلطان بنتي وزيره لابني خداوند زاده قوام الدين الذي قدم معنا عليه
ولما قدم خداوند زاده أعطاه السلطان عطاءً جزلاً، وأحسن إليه إحساناً عظيماً، وبالغ في إكرامه، ثم زوج ولديه من بنتي الوزير خواجة جهان وكان الوزير إذ ذاك غائباً، فأتى السلطان إلى داره ليلاً، وحضر عقد النكاح، كأنه نائب عن الوزير، ووقف حتى قرأ قاضي القضاة الصداق ، والقضاة والأمراء والمشايخ قعود، وأخذ السلطان بيده الأثواب والبدر فجعلها بين يدي القاضي وولدي خداوند زاده وقام الأمراء وأبوا أن يجعل السلطان ذلك بين أيديهم بنفسه، فأمرهم بالجلوس، وأمر بعض كبار الأمراء أن يقوم مقامه، وانصرف.
حكاية في تواضع السلطان وإنصافه
ادعى عليه رجل من كبار الهنود أنه قتل أخاه من غير موجب، ودعاه إلى القاضي، فمضى على قدميه، ولا سلاح معه، إلى مجلس القاضي فسلم وخدم، وكان قد أمر القاضي قبل ذلك أنه إذا جاءه في مجلسه، فلا يقوم له ولا يتحرك فصعد إلى المجلس، ووقف بين يدي القاضي. فحكم عليه أن يرضي خصمه من دم أخيه فأرضاه.
حكاية مثلها وادعى على السلطان مرة رجل من المسلمين أنه له قبله حقاً مالياً، فتخاصما في ذلك عند القاضي، فأصدر الحكم على السلطان بإعطاء المال فأعطاه.
حكاية مثلها
وادعى عليه صبي من أبناء الملوك أنه ضربه من غير موجب، ورفعه إلى القاضي فتوجه الحكم عليه أن يرضيه بالمال إن قبل ذلك، وإلا أمكنه من القصاص، فشاهدته يومئذ وقد عاد لمجلسه واستحضر الصبي، وأعطاه عصا، وقال له: وحق رأسي لتضربنني كما ضربتك. فأخذ الصبي العصا، ضربه بها إحدى وعشرين ضربة، حتى رأيت الكلا " الكلاه " قد طارت على رأسه.
ذكر اشتداده في إقامة الصلاة
وكان السلطان شديداً في إقامة الصلاة، آمراً بملازمتها في الجماعات، يعاقب على تركها أشد العقاب ولقد قتل في يوم واحد تسعة نفر على تركها كان أحدهم مغنياً، وكان يبعث الرجال الموكلين بذلك إلى الأسواق فمن وجد بها عند إقامة الصلاة، عوقب حتى انتهى إلى عقاب الستائريين الذين يمسكون دواب الخدام، على باب المشور، إذا ضيعوا الصلاة، وأمر أن يطلب الناس بعلم فرائض الوضوء والصلاة وشروط الاسلام، فكانوا يسألون عن ذلك فمن لم يحسنه عوقب، وصار الناس يتدارسون ذلك بالمشور والاسواق ويكتبونها.
ذكر اشتداده في إقامة أحكام الشرع
وكان شديداً في إقامة الشرع، ومما فعل في ذلك أن أمر أخاه مبارك خان، أن يكون قعوده بالمشور مع قاضي القضاة كمال الدين في قبة مرتفعة هنالك، مفروشة بالبسط وللقاضي بها مرتبة تحف بها المخاد، كمرتبة السلطان ويقعد أخو السلطان عن يمينه، فمن كان عليه حق من كبار الأمراء، وامتنع من أدائه لصاحبه، يحضره رجال أخي السلطان عند القاضي لينصف منه.
ذكر رفعه للمغارم والمظالم وقعوده لإنصاف المظلومين
ولما كان في سنة إحدى وأربعين أمر السلطان برفع المكوس عن بلاده، وأن لا يؤخذ من الناس إلا الزكاة والعشر خاصة وصار يجلس بنفسه للنظر في المظالم، كل يوم إثنين وخميس برحبة أمام المشور، ولا يقف بين يديه في ذلك اليوم إلا أمير حاجب وخاص حاجب وسيد الحجاب وشرف الحجاب لا غيره، ولا يمنع أحد ممن أراد الشكوى من الوقوف بين يديه، وعين أربعة من كبار الأمراء يجلسون في الأبواب الأربعة من المشور، لأخذ القصص من المشتكين، والرابع منهم هو ابن عمه ملك فيروز خان، فإن أخذ صاحب الباب الأول الرفع من الشاكي فحسن، وإلا أخذه الثاني أو الثالث أو الرابع، وإن لم يأخذوه منه، مضى به إلى صدر الجهان قاضي المماليك، فإن أخذه منه، وإلا شكا إلى السلطان، فإن صح عنده أنه مضى به إلى أحد منهم فلم يأخذه منه، أدبه وكل ما يجتمع من القصص في سائر الأيام، يطالع به السلطان بعد العشاء الآخرة.
ذكر إطعامه في الغلاء
ولما استولى القحط على بلاد الهند والسند، واشتد الغلاء حتى بلغ من القمح إلى ستة دنانير، أمر السلطان أن يعطى لجميع أهل دهلي نفقة ستة أشهر من المخزن، بحساب رطل ونصف من أرطال المغرب، لكل انسان في اليوم، صغيراً وكبيراً حراً وعبداً. وخرج الفقهاء والقضاة يكتبون الأزمة بأهل الحارات، ويحضرون الناس، ويعطى لكل واحد عولة ستة أشهر يقتات بها.
ذكر فتكات هذا السلطان وما نقم من أفعاله
وكان على ما قدمنا من تواضعه وإنصافه ورفقه بالمساكين وكرمه الخارق للعادة، كثير التجاسر على إراقه الدماء، لا يخلو بابه عن مقتول إلا في النادر، وكنت كثيراً ما أرى الناس يقتلون على بابه، ويطرحون هنالك. ولقد جئت يوماً فنفر بي الفرس، ونظرت إلى قطعة بيضاء في الأرض فقلت: ما هذه ? فقال بعض أصحابي هي صدر رجل قطع ثلاث قطع. وكان يعاقب على الصغيرة والكبيرة، ولا يحترم أحداً من أهل العلم والصلاح والشرف وفي كل يوم يرد على المشور من المسلسلين والمغلولين والمقيدون مئون فمن كان للقتل قتل أو للعذاب عذب، أو للضرب ضرب. وعادته أن يؤتى كل يوم بجميع من في سجنه من الناس إلى المشور، ما عدا يوم الجمعة، فإنهم لا يخرجون فيه، وهو يوم راحتهم، يتنظفون فيه ويستريحون أعاذنا الله من البلاء.
ذكر قتلة لأخيه
وكان له أخ اسمه مسعود خان، وأمه بنت السلطان علاء الدين وكان من أجمل صورة رأيتها في الدنيا فاتهمه بالقيام عليه، وسأله عن ذلك فأقر خوفاً من العذاب فإن من أنكر ما يدعيه عليه السلطان من مثل ذلك يعذب، فيرى الناس أن القتل أهون عليهم من العذاب، فأمر به، فضربت عنقه في وسط السوق، وبقي مطروحاً هنالك ثلاثة أيام على عادتهم. وكانت أم هذا المقتول قد رجمت في ذلك الموضع قبل ذلك بسنتين، لاعترافها بالزنا رجمها القاضي كمال الدين.
ذكر قتله لثلاثمائة وخمسين رجلاً في ساعة واحدة
وكان مرة عين حصة من العسكر، تتوجه مع الملك يوسف بغرة إلى قتال الكفار، ببعض الجبال المتصلة بحوز دهلي فخرج يوسف، وخرج معه معظم العسكر وتخلف قوم منهم، فكتب يوسف إلى السلطان يعلمه بذلك، فأمر أن يطاف بالمدينة، ويقبض على من وجد من أولئك المتخلفين ففعل ذلك، وقبض على ثلاثمائة وخمسين منهم فأمر بقتلهم أجمعين، فقتلوا.
ذكر تعذيبه للشيخ شهاب الدين وقتله
وكان الشيخ شهاب الدين ابن شيخ الجام الخراساني الذي تنسب مدينة الجام بخراسان إلى جده، حسبما قصصنا ذلك، من كبار المشايخ الصلحاء الفضلاء، وكان يواصل أربعة عشر يوماً. وكان السلطانان، قطب الدين وتغلق يعظمانه ويزورانه ويتبركان به فلما ولي السلطان محمد أراد أن يخدم الشيخ في بعض خدمته، فإن عادته أن يخدم الفقهاء والمشايخ والصلحاء، محتجاً أن الصدر الأول رضي الله عنهم، لم يكونوا يستعملون إلا أهل العلم والصلحاء، فامتنع الشيخ شهاب الدين من الخدمة وشافهه السلطان بذلك في مجلسه العام، فأظهر الإباية والامتناع، فغضب السلطان من ذلك، وأمر الشيخ الفقيه المعظم ضياء الدين السمناني أن ينتف لحيته، فأبى ضياء الدين من ذلك، وقال: لا أفعل هذا، فأمر السلطان بنتف لحية كل واحد منهما فنتف ونفي ضياء الدين إلى بلاد التلنك ثم ولاه بعد مدة قضاء ورنكل، فمات بها، ونفي شهاب الدين إلى دولة آباد، فأقام بها سبعة اعوام، ثم بعث عنه، فأكرمه وعظمه، وجعله على ديوان المستخرج، وهو ديوان بقايا العمال، يستخرجها منهم بالضرب والتنكيل ثم زاد في تعظيمه، وأمر الأمراء أن ياتوا للسلام عليه، ويمتثلوا أقواله ولم يكن أحد في دار السلطان فوقه ولما انتقل السلطان إلى السكنى على نهر الكنك، وبنى هنالك القصر المعروف بسرك دوار، معناه شبه الجنة، وأمر الناس بالبناء هنالك، طلب منه الشيخ شهاب الدين أن يأذن له في الإقامة بالحضرة، فأذن له إلى أرض موات، على مسافة ستة أميال من دهلي فحفر بها كهفاً كبيراً، صنع في جوفه البيوت والمخازن والفرن والحمام، وجلب الماء من نهر جون، وعمر تلك الأرض، وجمع مالاً كثيراً من مستغلها لأنها كانت السنون قاحطة، وأقام هنالك عامين ونصف عام مدة مغيب السلطان. وكان عبيده يخدمون تلك الأرض نهاراً، ويدخلون الغار ليلاً ويسدونه على أنفسهم وأنعامهم، خوف سراق الكفار، لأنهم في جبل منيع هنالك، ولما عاد السلطان إلى حضرته استقبله الشيخ ولقيه على سبعة أميال منها، فعظمه السلطان وعانقه عند لقائه، وعاد إلى غاره ثم بعث عنه بعد أيام، فامتنع من إتيانه فبعث إليه مخلص الملك النذرباري، وكان من كبراء الملوك، فتلطف له في القول، وحذره بطش السلطان فقال له: لا أخدم ظالماً أبداً فعاد مخلص الملك إلى السلطان فأخبره بذلك فأمر أن يأتي به، فأتى به فقال له: أنت القائل: إني ظالم فقال: نعم، أنت ظالم، ومن ظلمك كذا و كذا، وعدد أموراً منها تخريبه لمدينة، دهلي، وإخراجه أهلها. فأخذ السلطان سيفه، ودفعه لصدر الجهان، وقال: يثبت هذا أني ظالم، واقطع عنقي بهذا السيف فقال له شهاب الدين: ومن يريد أن يشهد بذلك، فيقتل ولكن أنت تعرف ظلم نفسك وأمر بتسليمه للملك نكبية، رأس الدويدارية، فقيده بأربع قيود، وغل يديه وأقام كذلك أربعة عشر يوماً مواصلاً، لا يأكل ولا يشرب وفي كل يوم منها يؤتى بها إلى المشور، ويجمع الفقهاء والمشايخ، ويقولون له: إرجع عن قولك فيقول: لا أرجع عنه، وأريد أن أكون في زمرة الشهداء. فلما كان اليوم الرابع عشر بعث إليه السلطان بطعام مع مخلص الملك، فأبى أن يأكل، وقال: رفع رزقي من الأرض ارجع بطعامك إليه فلما أخبر بذلك السلطان، أمر عند ذلك أن يطعم الشيخ خمسة أستار " أساتير " من العذرة، وهي رطلان ونصف من أرطال المغرب فأخذ ذلك الموكلون بمثل هذه الأمور، وهم طائفة من كفار الهنود، فمدوه على ظهره، وفتحوا فمه بالكلبتين، وحلوا العذرة بالماء وسقوه ذلك. وفي اليوم بعده أتى به إلى دار القاضي صدر الجهان، وجمع الفقهاء والمشايخ ووجوه الأعزة فوعظوه، وطلبوا منه أن يرجع عن قوله، فأبى ذلك. فضربت عنقه، رحمه الله تعالى.
ذكر قتله للفقيه المدرسي عفيف الدين الكاساني وفقيهين معه
وكان السلطان في سني القحط قد أمر بحفر آبار خارج دار الملك، وأن يزرع هنالك زرع، وأعطى الناس البذر، وما يلزم على الزراعة من النفقة، وكلفهم زرع ذلك للمخزن فبلغ ذلك الفقيه عفيف الدين، فقال: هذا الزرع لا يحصل المراد منه، فوشي به إلى السلطان فسجنه. وقال له: لأي شيء تدخل نفسك في أمور الملك ? ثم إنه سرحه بعد مدة فذهب إلى داره ولقيه في طريقه إليها صاحبان له من الفقهاء، فقالا له: الحمد لله على خلاصك. فقال الفقيه، الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وتفرقوا فلم يصلوا إلى دورهم حتى بلغ ذلك السلطان فأمر بهم فأحضر ثلاثتهم بين يديه فقال: اذهبوا بهذا، يعني عفيف الدين، فاضربوا عنقه حمائل، وهو أن يقطع الرأس من الذراع وبعض الصدر، واضربوا أعناق الآخرين فقالوا له: أما هو فيستحق العقاب بقوله، وأما نحن فبأي جريمة تقتلنا ? فقال: طالما أنكما سمعتما كلامه فلم تنكراه فكأنكما وافقتما عليه، فقتلوا جميعاً رحمهم الله تعالى.
ذكر قتله أيضاً لفقيهين من أهل السند كانا في خدمته
وأمر السلطان هذين الفقيهين السنديين أن يمضيا مع أمير عينه إلى بعض البلاد، وقال لهما: إنما سلمت أحوال البلاد والرعية لكما، ويكون هذا الأمير معكما، يتصرف مما تأمرانه به، فقالا له: إنما نكون كالشاهدين عليه، ونبين له وجه الحق ليتبعه. فقال لهما: إنما قصدكما أن تأكلا أموالي وتضيعاها، وتنسبا ذلك إلى هذا التركي الذي لا معرفة له. فقالا له: حاشا لله يا خوند عالم ما قصدنا هذا فقال لهما لم تقصدا غير هذا اذهبوا بهما إلى الشيخ زاده النهاوندي، وهو الموكل بالعذاب فذهب بهما إليه، فقال لهما: السلطان يريد قتلكما. فأقرا بما قولكما إياه، ولا تعذبا أنفسكما فقال: والله ما قصدنا إلا ما ذكرنا فقال لزبانيته: ذوقوهما بعض شيء، يعني من العذاب فبطحا على اقفائهما وجعل على صدر كل واحد منهما صفيحة حديد محماة، ثم قلعت بعد هنيهة، فذهب بلحم صدورهما، ثم أخذ البول والرماد فجعل على تلك الجراحات فأقرا على أنفسهما أنهما لم يقصدا إلا ما قاله السلطان، وأنهما مجرمان مستحقان للقتل، فلا حق لهما ولا دعوى في دمائها دنيا ولا أخرى، وكتبا خطهما بذلك، واعترفا به عند القاضي، فسجل على العقد، وكتب فيه أن اعترافهما كان عن غير إكراه ولا إجبار ولو قالا: أكرهنا لعذبا أشد العذاب، ورأيا أن تعجيل ضرب العنق خير لهما من الموت بالعذاب الأليم فقتلا رحمهما الله تعالى.
ذكر قتله للشيخ هود
وكان الشيخ زاده، المسمى بهود، حفيد الشيخ الصالح الولي ركن الدين بن بهاء الدين ابن أبي زكريا الملتاني، وجده الشيخ ركن الدين، معظماً عند السلطان، وكذلك أخوه عماد الدين الذي كان شبيهاً بالسلطان، وقتل يوم وقيعة كشلوخان، وسنذكره. ولما قتل عماد الدين أعطى السلطان لأخيه ركن الدين مائة قرية ليأكل منها ويطعم الصادر والوارد بزاويته فتوفي الشيخ ركن الدين، وأوصى بمكانه من الزاوية لحفيده الشيخ هود، ونازعه في ذلك ابن أخي الشيخ ركن الدين، وقال: أنا أحق بميراث عمي، فقدما على السلطان، وهو بدولة آباد وبينهما وبين ملتان ثمانون يوماً فأعطى السلطان المشيخة لهود حسبما أوصى له الشيخ، وكان كهلاً، وكان ابن أخي الشيخ فتى وأكرمه السلطان، وأمر بتضفييه في كل منزل يحله، وأن يخرج إلى لقائه أهل كل بلد يمر به إلى ملتان، وتصنع له فيه دعوة فلما وصل الأمر للحضرة، خرج الفقهاء والقضاة والمشايخ والأعيان للقائه وكنت فيمن خرج إليه، فتلقيناه وهو راكب في دولة، يجملها الرجال، وخيله مجنوبة، فسلمنا عليه، وأنكرت أنا ما كان من فعله في ركوبه الدولة، وقلت: إنما كان ينبغي له أن يركب الفرس، ويساير من خرج للقائه من القضاة والمشايخ فبلغه كلامي، فركب الفرس، واعتذر بأن فعله أولاً كان بسبب ألم منعه من ركوب الفرس. ودخل الحضرة، وصنعت لها دعوة أنفق فيها من مال السلطان عدداً كثيراً وحضر القضاة والمشايخ والفقهاء والأعزة، ومد السماط وأتوا بالطعام على العادة، ثم أعطيت الدراهم لكل من حضر على قدر استحقاقه. فأعطي قاضي القضاة خمسمائة دينار، وأعطيت أنا مائتين وخمسين ديناراً وهذه عادة لهم في الدعوى السلطانية ثم انصرف الشيخ هود إلى بلده، ومعه الشيخ نور الدين الشيرازي، بعثه السلطان ليجلسه على سجادة جده بزاويته، ويصنع له الدعوة من مال السلطان هنالك. واستقر بزاويته، وأقام بها أعواماً ثم إن عماد الملك، أمير بلاد السند، كتب إلى السلطان يذكر أن الشيخ وقرابته، يشتغلون بجمع الأموال وإنفاقها في الشهوات، ولا يطعمون أحداً بالزاوية، فنفذ الأمر بمطالبتهم بالأموال فطلبهم عماد الملك بها، وسجن بعضهم، وضرب بعضاً، وصار يأخذ منهم كل يوم عشرين ألف دينار مدة أيام، حتى استخلص ما كان عندهم ووجد لهم كثيراً من الأموال والذخائر من جملتها نعلان مرصعان بالجوهر والياقوت، بيعا بسبعة آلاف دينار، قيل: إنهما كانا لبنت الشيخ هود، وقيل لسرية له فلما اشتد الحال على الشيخ هرب يريد بلاد الأتراك فقبض عليه وكتب عماد الملك بذلك إلى السلطان، فأمره أن يبعثه ويبعث الذي قبض عليه كليهما في حكم الثقاف ، فلما وصلا إليه، سرح الذي قبض عليه وقال للشيخ هود: أين أردت أن تفر، فاعتذر بعذر فقال له السلطان: إنما أردت أن تذهب إلى الأتراك، فتقول: أنا ابن الشيخ بهاء الدين زكريا، وقد فعل السلطان معي كذا، وتأتي بهم لقتالنا. اضربوا عنقه، فضربت عنقه رحمه الله تعالى.
ذكر سجنه لابن تاج العارفين وقتله لأولاده
وكان الشيخ الصالح شمس الدين ابن تاج العارفين، ساكناً بمدينة كول، منقطعاً للعبادة كبير القدر ودخل السلطان إلى مدينة كول، فذهب عنه فلم يأته فذهب السلطان إليه ثم لما قارب منزله انصرف، ولم يره، واتفق، بعد ذلك أن أميراً من الأمراء خالف على السلطان ببعض الجهات، وبايعه الناس: فنقل للسلطان أنه وقع ذكر هذا الأمير بمجلس الشيخ شمس الدين، فأثنى عليه، وقال: إنه يصلح للملك فبعث السلطان بعض الأمراء إلى الشيخ فقيده، وقيد أولاده، وقيد قاضي كول، ومحتسبها. لأنه ذكر أنهما كانا حاضرين للمجلس الذي وقع فيه ثناء الشيخ على الأمير المخالف وأمر بهم فسجنوا جميعاً، بعد أن سمل عيني القاضي، وعيني المحتسب. ومات الشيخ بالسجن وكان القاضي والمحتسب يخرجان مع بعض السجانين فيسألان الناس، ثم يردان إلى السجن، وكان قد بلغ السلطان، أن أولاد الشيخ كانوا يخالطون كفار الهنود وعصاتهم ويصبحونهم، فلما مات أبوهم، أخرجهم من السجن، وقال لهم: لا تعودوا إلى ما كنتم تفعلون. فقالوا له: وما فعلنا فاغتاظ من ذلك وأمر بقتلهم جميعاً فقتلوا ثم استحضر القاضي المذكور، فقال أخبرني بما كان يرى رأي هؤلاء الذين قتلوا، ويفعل مثل أفعالهم فأملى أسماء رجال كثيرين من كفار البلد، فلما عرض ما أملاه على السلطان قال: هذا يجب أن يخرب البلد اضربوا عنقه، فضربت عنقه رحمه الله تعالى.
ذكر قتله للشيخ الحيدري
وكان الشيخ علي الحيدري ساكناً بمدينة كنباية من ساحل الهند، وهو عظيم القدر، شهير الذكر، بعيد الصيت، ينذر له التجار بالبحر النذور الكثيرة وإذا قدموا بدأوا بالسلام عليه وكان يكاشف بأحوالهم، وربما نذر أحدهم النذر وندم عليه فإذا أتى الشيخ للسلام عليه، أعلمه بما نذر له، وأمر بالوفاء به واتفق له ذلك مرات، واشتهر به فلما خالف القاضي جلال الأفغاني وقبيلته بتلك الجهات، بلغ السلطان أن الشيخ الحيدري دعا للقاضي جلال الدين، وأعطاه شاشيته من رأسه، وذكر أيضاً أنه بايعه. فلما خرج السلطان إليهم بنفسه، وانهزم القاضي جلال خلف السلطان شرف الملك أمير بخت، أحد الوافدين معنا عليه بكنباية، وأمره بالبحث عن أهل الخلاف، وجعل معه فقهاء يحكم بقولهم، فأحضر الشيخ علي الحيدري بين يديه، وثبت أنه أعطى للقائم شاشيته ودعا له، فحكموا بقتله. فلما ضربه السياف لم يفعل شيئاً وعجب الناس لذلك، وظنوا أنه يعفو عنه بسبب ذلك فأمر سيافاً آخر بضرب عنقه، فضربها رحمه الله تعالى.
ذكر قتله لطوغان وأخيه
وكان طوغان الفرغاني وأخوه من كبار أهل مدينة فرغاني فوفدا على السلطان، فأحسن إليهما وأعطاهما عطاء جزيلاً وأقاما عنده مدة فلما طال مقامهما أرادا الرجوع إلى بلادهما، وحاولا الفرار فوشى بهما أحد أصحابهما إلى السلطان فأمر بتوسيطهما، فوسطا وأعطي للذي وشى بهما جميع مالهما، وكذلك عادتهم بتلك البلاد إذا وشى أحد بأحد وثبت ما وشى به فقتل، أعطي ماله.
ذكر قتله لابن ملك التجار
وكان ابن ملك التجار شاباً صغيراً لا نبات بعارضيه فلما وقع خلاف عين الملك وقيامته وقتاله للسلطان، كما سنذكره، غلب على ابن ملك التجار هذا، فكان في جملته مقهوراً، فلما هزم عين الملك، وقبض الملك عليه وعلى أصحابه، كان من جملتهم ابن ملك التجار وصهره ابن قطب الملك، فأمر بهما، فعلقا من أيديهما في خشب، وأمر أبناء الملوك، فرموهما بالنشاب حتى ماتا قال الحجب خواجه أمير علي التبريزي لقاضي القضاة كمال الدين ذلك الشاب، لم يجب عليه القتل. فبلغ ذلك السلطان فقال: هلا قلت هذا قبل موته، وأمر به فضرب مائتي مقرعة أو نحوها، وسجن، وأعطى جميع ماله لأمير السيافين فرأيته في ثاني ذلك اليوم قد لبس ثيابه، وجعل قلنسوته على رأسه، وركب فرسه، فظننت أنه هو وأقام بالسجن شهوراً ثم سرحه، ورده إلى ما كان عليه، ثم غضب عليه ثانية، ونفاه إلى خراسان فاستقر بهراة، وكتب إليه يستعطفه، فوقع له على ظهر كتابه أربار آمدي باز " آي " معناه أن كنت تبت فارجع، فرجع إليه.
ذكر ضربه لخطيب الخطباء حتى مات
وكان قد ولي خطيب الخطباء بدهلي النظر في زانة الجوهر في السفر، فاتفق أن جاء سراق الكفار ليلاً فضربوا على تلك الخزانة، وذهبوا بشيء منها فأمر بضرب الخطيب حتى مات. رحمه الله تعالى.
ذكر تخريبه لدهلي ونفي أهلها
وقتل الأعمى والمقعد ومن أعظم ما كان ينقم على السلطان إجلاؤه لأهل دهلي عنها، وسبب ذلك أنهم كانوا يكتبون بطائق فيها شتمه وسبه، ويختمون عليها، ويكتبون عليها، وحق رأس خوند عالم، ما يقرأها غيره ويرمونها بالمشور ليلاً فإذا فضها وجد شتمه وسبه فعزم على تخريب دهلي، واشترى من أهلها جميعاً دورهم ومنازلهم، ودفع لهم ثمنها، وأمرهم بالانتقال عنها إلى دولة آباد، فأبوا ذلك، فنادى مناديه أن لايبقى فيها أحد بعد ثلاث فانتقل معظمهم، واختفى بعضهم في الدور فأمر بالبحث عمن بقي بها، فوجد عبيده بأزقتها رجلين: أحدهما مقعد والآخر أعمى، فأتوا بهما فأمر بالمقعد فرمي به في المنجنيق، وأمر أن يجر الأعمى من دهلي إلى دولة آباد، مسيرة أربعين يوماً فتمزق في الطريق، ووصل منه رجله، ولما فعل ذلك خرج أهلها جميعاً، وتركوا أثقالهم وأمتعتهم وبقيت المدينة خاوية على عروشها، فحدثني من أثق به قال: صعد السلطان ليلة إلى سطح قصره، فنظر إلى دهلي وليس بها نار ولا دخان ولا سراج فقال: الآن طاب قلبي وتهدن خاطري ثم كتب إلى أهل البلاد أن ينتقلوا إلى دهلي ليعمروها فخربت بلادهم ولم تعمر دهلي لاتساعها وضخامتها وهي من أعظم مدن الدنيا، وكذلك وجدناها لما دخلنا إليها خالية، ليس بها الا قليل عمارة وقد ذكرنا كثيراً من مآثر هذا السلطان، ومما نقم عليه أيضاً فلنذكر جملاً من الوقائع والحوادث الكائنة في أيامه.
ذكر ما افتتح أمره أول ولايته منه على بهادور بوره
ولما ولي السلطان الملك بعد أبيه وبايعه الناس، أحضر السلطان غياث الدين بهادور بوره الذي كان أسره السلطان تغلق، فمن عليه، وفك قيوده، وأجزل له العطاء من الأموال والخيل والفيلة، وصرفه إلى مملكته وبعث معه ابن أخيه إبراهيم خان، وعاهده على أن تكون تلك المملكة مشاطرة بينهما ويكتب اسماهما معاً في السكة، ويخطب لهما وعلى أن يصرف غياث الدين ابنه محمد المعروف برباط، يكون رهينة عند السلطان فانصرف غياث الدين إلى مملكته، والتزم ما شرط عليه إلا أنه لم يبعث ابنه، وادعى انه امتنع وأساء الأدب في كلامه فبعث السلطان العساكر إلى ابن أخيه إبراهيم وأميرهم دلجي التتري، فقاتلوا غياث الدين فقتلوه وسلخوا جلده، وحشي بالتبن وطيف به على البلاد.
ذكر ثورة ابن عمته وما اتصل بذلك
وكان للسلطان تغلق ابن أخت يسمى بهاء الدين كشت اسب " بضم الكاف وسكون الشين المعجم وتاء معلوة " واسب " بالسين المهمل والباء الموحدة مسكنين "، فجعله أميراً ببعض النواحي، فلما مات خاله امتنع من بيعة ابنه، وكان شجاعاً بطلاً فبعث السلطان إليه العساكر، فيهم الأمراء الكبار، مثل الملك مجير، والوزير خواجه جهان أمير على الجمع فالتقى الفرسان، واشتد القتال، وصبر كلا العسكرين ثم كانت الكرة لعسكر السلطان ففر بهاء الدين إلى ملك من ملوك الكفار، يعرف بالراي كنبيلة والراي عندهم كمثل ما هو بلسان الروم عبارة عن السلطان وكنبيلة اسم الأقليم الذي هو به، وهو " بفتح الكاف وسكون النون وكسر الباء الموحدة وياء ولام مفتوحة " وهذا الراي له بلاد في جبال منيعة، وهو من أكابر السلاطين الكفار. فلما هرب إليه بهاء الدين، اتبعه عساكر السلطان وحصروا تلك البلاد واشتد الأمر على الكافر، ونفذ ما عنده من الزرع وخاف أن يؤخذ باليد فقال لبهاء الدين: إن الحال قد بلغت لما تراه، وأنا عازم على هلاك نفسي وعيالي ومن تبعني فاذهب أنت إلى السلطان فلان من الكفار، وسماه له فأقم عنده، فإنه سيمنعك وبعث معه من أوصله اليه. وأمر راي كنبيلة بنار عظيمة فأججت وأحرق فيها أمتعته وقال لنسائه وبناته " إني أريد قتل نفسي فمن أرادت موافقتي فلتفعل المرأة منهم تغتسل وتدهن بالصندل والمقاصري وتقبل الأرض بين يديه وترمي بنفسها في النار، حتى هلكن جميعاً، وفعل مثل ذلك نساء أمرائه ووزرائه وأرباب دولته ومن أراد من سائر النساء ثم اغتسل الراي وادهن بالصندل، ولبس السلاح ما عدا الدرع، وفعل كفعله من أراد الموت معه من ناسه، وخرجوا إلأى عسكر السلطان فقاتلوا حتى قتلوا جميعاً ودخل المدينة فأسر أهلها وأسر من أولاد راي كنبيلة أحد عشر ولداً، فأتى بهم السلطان فأسلموا جميعاً وجعلهم السلطان أمراء، وعظمهم لأصالتهم، ولفعل أبيهم فرأيت عنده منهم نصراً وبختيار والمهردار، وهو صاحب الخاتم الذي يختم به على الماء الذي يشرب السلطان منه وكنيته أبو مسلم وكانت بيني وبينه صحبة ومودة، ولما قتل راي كنبيلة توجهت عساكر السلطان إلى بلد الكفار الذي لجأ إليه بهاء الدين، وأحاطوا به فقال ذلك السلطان: أنا لا أقدر على أن أفعل ما فعله راي كنبيلة فقبض على بهاء الدين وأسلمه إلى عسكر السلطان، فقيدون وغلوه وأتوا به فلما أتى به إليه أمر بإدخاله إلى قرابته من النساء فشتمنه وبصقن في وجهه، وأمر بسلخه، وهو بقيد الحياة، فسلخ وطبخ لحمه مع الأرز، وبعث لأولاده وأهله، وجعل باقيه على صحفة، وطرح للفيلة لتأكله فأبت أكله وأمر بحلده فحشي بالتبن وقرن بجلد بهادور بوره، وطيف بهما على البلاد فلما وصلا إلى بلاد السند وأمير أمرائها يومئذ كشلو خان صاحب السلطان تغلق ومعينه على أخذ الملك. وكان السلطان يعظمه ويخاطبه بالعم ويخرج لاستقباله إذا وفد من بلاده وأمر كشلو خان بدفن الجلدين فبلغ ذلك السلطان فشق عليه فعله وأراد الفتك به.
ذكر ثورة كشلوخان وقتله
ولما اتصل بالسلطان ما كان من فعله في دفن الجلدين، بعث عنه وعلم كشلوخان أنه يريد عقابه. فامتنع وخالف وأعطى الأموال وجمع العساكر، وبعث إلى الترك والأفغان وأهل خراسان فأتاه منهم العدد الجم، حتى كافأ عسكره عسكر السلطان، أو أربى عليه كثرة. وخرج السلطان بنفسه لقتاله، فكان اللقاء على مسيرة يومين من ملتان بصحراء أبوهر. وأخذ السلطان بالحزم عند لقائه، فجعل تحت الشطر عوضاً منه الشيخ عماد الدين شقيق الشيخ ركن الدين الملتاني، وهو حدثني هذا، وكان شبيهاً به. فلما حمي القتال، انفرد السلطان في أربعة آلاف من عسكره، وقصد عسكر كشلوخان الشطر معتقدين أن السلطان في أربعة آلاف من عسكره، وقصد عسكر كشلوخان الشطر معتقدين أن السلطان تحته، فقتلوا عماد الدين، وشاع في العسكر أن السلطان قتل. فاشتغلت عساكر كشلوخان بالنهب، وفرقوا عنه، ولم يبق معه إلا القليل. فقصده السلطان بمن معه فقتله وجز رأسه. وعلم بذلك جيشه ففروا. ودخل السلطان مدينة ملتان، وقبض على قاضيها كريم الدين، وأمر بسلخه فسلخ. وأمر برأس كشلوخان فعلق على بابه. وقد رأيته معلقاً لما وصلت إلى ملتان. وأعطى السلطان الشيخ ركن الدين أخي عماد الدين ولابنه صدر الدين، مائة قرية إنعاماً عليهم ليأكلوا منها ويطعموا بزاويتهم المنسوبة لجدهم بهاء الدين زكريا، وأمكر السلطان وزيره خواجه جهان أن يذهب إلى مدينة كمال بور وهي مدينة كبيرة على ساحل البحر، وكان أهلها قد خالفوا، فأخبرني بعض افقهاء أنه حضر دخول الوزير إياها. قال: وأحضر بين يديه القاضي بهاء الخطيب، فأمر بسلخ جلديهما. فقالا: اقتلنا بغير ذلك. فقال لهما: بم استوجبتما القتل، فقالا: بمخالفتنا أمر السلطان، فقال لهما: كيف أخالف أنا أمره، وقد أمرني أن أقتلكما بهذه الطريقة. وقال للمتولين لسلخهما احفروا لهما حفراً تحت وجهيهما، يتنفسان فيها. فإنهم إذا سلخوا والعياذ بالله يطرحون على وجوههم. ولما فعل ذلك تمهدت بلاد السند وعاد السلطان إلى حضرته.
ذكر الوقيعة بجبل قراجيل على جيش السلطان
" وأول اسمه قاف وجيم معقودة " وجبل قراجيل هذا جبل كبير، يتصل مسيرة ثلاثة أشهر. وبينه وبين دهلي مسيرة عشر، وسلطانه من أكبر السلاطين الكفار. وكان السلطان بعث ملك نكبية رأس الدويدارية إلى حرب هذا الجبل، ومعه ألف فارس، ورجاله سواهم كثير، فملك مدينة جديدة " وضبطها بكسر الجيم وسكون الدال المهمل وفتح الياء آخر الحروف "، وهي أسفل الجبل. وملك ما يليها، وسبى وخرب وأحرق، وفر الكفار إلأى أعلى الجبل. وتركوا بلادهم وأموالهم وخزائن ملكهم. وللجبل طريق واحد، وعن أسفل منه واد وفوقه الجبل، فلا يجوز فيه إلا فارس منفرد، وخلفه آخر، فصعدت عساكر المسلمين على ذلك الطريق، وتملكوا مدينة ورنكل التي بأعلى الجبل، " وضبطها بفتح الواو والراء وسكون النون وفتح الكاف "، واحتووا على ما فيها، وكتبوا إلى السلطان بالفتح، فبعث إليهم قاضياً وخطيباً، وأمرهم بالإقامة، فلما كان وقت نزول المطر، غلب المرض على العسكر وضعفوا وماتت الخيل وانحلت القسي، فكتب الأمراء إلى السلطان، واستأذنوه في الخروج عن الجبل، والنزول إلى أسفله، بخلال ما ينصرم فصل نزول المطر فيعودون. فأذن لهم في ذلك. فأخذ الأمير نكبية الأموال التي استولى عليها من الخزائن والمعادن، وفرقها على الناس ليرفعوها ويوصلوها إلى أسفل الجبل. فعندما علم الكفار بخروجهم، قعدوا لهم بتلك المهاوي وأخذوا عليهم المضيق، وصاروا يقطعون الأشجار العادية قطعاً، ويطرحونها من أعلى الجبل، فلا تمر بأحد إلا أهلكته. فهلك الكثير من الناس، وأسر الباقون منهم، وأخذ الكفار الأموال والأمتعة والخيل والسلاح. ولم يفلت من الجند إلا ثلاثة من الأمراء، كبيرهم نكبية وبدر الدين الملك دولة شاه وثالث لهما لا أذكره، وهذه الوقيعة أثرت في جيش الهند أثراً كبيراً وأضعفته ضعفاً بيناً. وصالح السلطان بعدها أهل الجبل على مال يؤدونه إليه، لأن لهم البلاد أسفل الجبل، ولا قدرة لهم على عمارتها إلا بإذنه.
ذكر ثورة الشريف جلال الدين ببلاد المعبر وما اتصل بذلك من قتل ابن أخت الوزير
وكان السلطان قد أمر على بلاد المعبر، وبينها وبين دهلي مسيرة ستة أشهر، الشريف جلال الدين أحسن شاه، فخالف وادعى الملك لنفسه. وقتل نواب السلطان وعماله، وضرب الدنانير والدراهم باسمه. وكان يكتب في إحدى صفحتي الدينار سلالة طه ويس، أبو الفقراء والمساكين، جلال الدنيا والدين، وفي الصفحة الأخرى الواثق بتأييد الرحمن، أحسن شاه السلطان. وخرج السلطان لما سمع بثورته يريد قتاله، فنزل بموضع يقال له: كشك زر، معناه قصر الذهب، وأقام به ثمانية أيام لقضاء حوائج الناس. وفي تلك الأيام أتي بابن أخت الوزير خواجه حهان. وأربعة من الأمراء أو ثلاثة، وهم مقيدون مغلولون. وكان السلطان قد بعث وزيره المذكور في مقدمته. فوصل إلى مدينة ظهار، وهي على مسيرة أربع وعشرين من دهلي، وأقام بها أياماً. وكان ابن أخته شجاعاً بطلاً، فاتفق مع الأمراء الذين أتى بهم على قتل خاله، والهرب بما عنده من الخزائن والأموال إلى الشريف القائم ببلاد المعبر، وعزموا على الفتك بالوزير عند خروجه إلى صلاة الجمعة، فوشى بهم أحد من أدخلوه في أمرهم إلى الوزير، وكان يسمى الملك نصرة الحاجب، وأخبر الوزير أن آية ما يرومونه، لبسهم الدروع تحت ثيابهم، فبعث الوزير عنهم، فوجدهم كذلك. فبعث بهم إلى السلطان، وكنت بين يدي السلطان حين وصولهم. فرأيت أحدهم وكان طوالاً ألحى ، وهو يرعد، ويتلو سورة يس، فأمر بهم، فطرحوا للفيلة المعلمة لقتل الناس، وأمر بابن أخت الوزير فرد إلى خاله ليقتله، فقتله، وسنذكر ذلك. وتلك الفيلة التي تقتل، تكسى أنيابها بحدائد مسنونة شبه سكك الحرث، لها أطراف كالسكاكين. ويركب الفيال على الفيل، فإذا رمى الرجل بين يديه لف عليه خرطومه، ورمى به إلى الهواء، ثم يتلقفه بنيابه ويطرحه بعد ذلك بين يديه، ويجعل يده على صدره، ويفعل به ما يأمره الفيال، على حسب ما أمره السلطان. فإن أمره بتقطيعه قطعه الفيل قطعاً بتلك الحدائد، وإن أمر بتركه، تركه مطروحاً فسلخ. وكذلك فعل بهؤلاء. وخرجت من دار السلطان بعد المغرب فرأيت الكلاب تأكل لحومهم. وقد ملئت جلودهم بالتبن والعياذ بالله. ولما تجهز السلطان لهذه الحركة أمرني بالإقامة بالحضرة، كما سنذكره، ومضى في سفره إلى أن بلغ دولة آباد. فثار الأمير هلاجون ببلاده، وخرج ذلك. وكان الوزير خواجه جهان قد بقي أيضاً بالحضرة لحشد الحشود وجمع العساكر.
ذكر ثورة هلاجون
ولما بلغ السلطان إلى دولة آباد، وبعد عن بلاده، ثار الأمير هلاجون بمدينة لاهور، وادعى الملك، وساعده الأمير قلجند على ذلك، وصيره وزيراً له. واتصل ذلك بالوزير خواجه جهان، وهو بدهلي، فحشد الناس وجمع العساكر وجمع الخراسانيين، وكل من كان مقيماً من الخدام بدهلي أخذ أصحابه، وأخذ في الجملة أصحابي لأني كنت بها مقيماً وأعانه السلطان بأميرين كبيرين أحدهما قيران ملك صفدار، ومعناه مرتب العساكر، والثاني الملك تمور الشريدار وهو الساقي، وخرج هلاجون بعساكره، فكان اللقاء على ضفة أحد الأدوية الكبار. فانهزم هلاجون وهرب، وغرق كثير من عساكره في النهر. ودخل الوزير المدينة فسلخ بعض أهلها وقتل آخرين بغير ذلك من أنواع القتل. وكان الذي تولى قتلهم محمد ابن النجيب نائب الوزير، وهو المعروف بأجدر ملك، ويسمى أيضاً صك " سك " السلطان والصك عندهم الكلب. وكان ظالماً قاسي القلب. ويسميه السلطان أسد الأسواق. وكان ربما عض أرباب الجنايات بأسنانه شرهاً وعدواناً. وبعث الوزير من نساء المخالفين نحو ثلاثمائة إلى حصن كاليور، فسجن به. ورأيت بعضهن هنالك. وكان أحد الفقهاء له فيهن زوجة فكان يدخل إليها حتى ولدت منه في السجن.

[ رحلات إبن بطوطة : الجزء الثانى ]