من بداية السنة الرابعة إلى ختام السنة السادسة

    بص وطل
    بص وطل
    Admin

    عدد المساهمات : 1633
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    من بداية السنة الرابعة إلى ختام السنة السادسة Empty من بداية السنة الرابعة إلى ختام السنة السادسة

    مُساهمة من طرف بص وطل في الخميس أبريل 21, 2016 4:12 pm

    من بداية السنة الرابعة إلى ختام السنة السادسة Alathe10

    بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
    أحوال البلاد وأخبار العباد
    من بداية السنة الرابعة إلى ختام السنة السادسة
    من بداية السنة الرابعة إلى ختام السنة السادسة 1410
    ● [ ودخلت السنة الرابعة من الهجرة ] ●
    ذكر غزوة الرجيع

    في هذه السنة في صفر كانت غزوة الرجيع. وكان سببها أن رهطاً من عضل والقارة قدموا على النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن فينا إسلاماً فابعث لنا نفراً يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن. فبعث معهم ستة نفر وأمر عليهم عاصم بن ثابت، وقيل: مرثد بن أبي مرثد، فلما كانوا بالهدأة غدروا واستصرخوا عليهم حياً من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فبعثوا لهم مائة رجل، فالتجأ المسلمون إلى جبل فاستنزلوهم وأعطوهم العهد، فقال عاصم: والله لا أنزل على عهد كافر، اللهم خبر نبيك عنا ! وقاتلهم هو مرثد وخالد بن البكير، ونزل إليهم ابن الدثنة وخبيب بن عدي ورجل آخر فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أتبعكم ! فقتلوه وانطلقوا بخبيب وابن الدثنة فباعوهما بمكة، فأخذ خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحد، فأخذوه ليقتلوه بالحارث، فبينما خبيب عند بنات الحارث استعار من بعضهن موسى يستحد بها للقتل، فدب صبي لها فجلس على فخذ خبيب والموسى في يده، فصاحت المرأة، فقال خبيب: أتخشين أن أقتله ؟ إن الغدر ليس من شأننا. فكانت المرأة تقول: ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، لقد رأيته وما بمكة ثمرة وإن في يده لقطفاً من عنب يأكله ما كان إلا رزقاً رزقه الله خبيباً.
    فلما خرجوا من الحرم بخبيب ليقتلوه قال: ردوني أصل ركعتين، فتركوه، فصلاهما، فجرت سنة لمن قتل صبراً، ثم قال خبيب: لولا أن تقولوا جزع لزدت، وقال أبياتاً، منها:
    ولست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أيّ شيء كان في الله مصرعي
    وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلوٍ ممزّع
    اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً ! ثم صلبوه.
    وأما عاصم بن ثابت فإنهم أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وكانت نذرت أن تشرب الخمر في رأس عاصم لأنه قتل ابنيها بأحد، فجاءت النحل فمنعته، فقالوا: دعوه حتى يمسي فنأخذه. فبعث الله الوادي فاحتمل عاصماً، وكان عاهد الله أن لا يمس مشركاً ولا يمسه مشرك، فمنعه الله في مماته كما منع في حياته.
    وأما ابن الدثنة فإن صفوان بن أمية بعث به مع غلامه نسطاس إلى التنعيم ليقتله بابنيه، فقال نسطاس: أنشدك الله أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك ؟ قال: ما أحب أن محمداً الآن مكانه الذي هو فيه شوكة تؤذيه وأنا جالسٌ في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحداً يجب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً. ثم قتله نسطاس.
    خبيب بضم الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة، بعدها ياء تحتها نقطتان، وآخره باء موحدة أيضاً. والبكير بضم الباء الموحدة، تصغير بكر.
    ذكر إرسال عمرو بن أمية لقتل أبي سفيان
    ولما قتل عاصم وأصحابه بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو ابن أمية الضمري إلى مكة مع رجل من الأنصار وأمرهما بقتل أبي سفيان بن حرب، قال عمرو: فخرجت أنا ومعي بعير لي وبرجل صاحب علةٌ، فكنت أحمله على بعيري حتى جئنا بطن يأجج، فعقلنا بعيرنا في الشعب وقلت لصاحبي: انطلق بنا إلى أبي سفيان لنقتله، فإن خشيت شيئاً فاحلق بالبعير فاركبه والحق برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخبره الخبر عني. وأوغل بالبلد يحث السياق.
    فدخلنا مكة ومع يخنجر قد أعددته إن عاقني إنسان ضربته به، فقال لي صاحبي: هل لك أن نبدأ فنطوف ونصلي ركعتين ؟ فقلت: إن أهل مكة يجلسون بأفنيتهم وأنا أعرف بها. فلم نزل حتى أتينا البيت فطفنا وصلينا ثم خرجنا فمررنا بمجلس لهم، فعرفني بعضهم فصرخ بأعلى صوته: هذا عمرو بن أمية ! فثار أهل مكة إلينا وقالوا: ما جاء إلا لشر، وكان فاتكاً متشيطناً في الجاهلية، فقلت لصاحبي: النجاء ! هذا الذي كنت أحذر، أما أبو سفيان فليس إليه سبيل، فانج بنفسك. فخرجنا نشتد حتى صعدنا الجبل فدخلنا غاراً فبتنا فيه ليلتنا ننتظر أن يسكن الطلب. قال: فوالله إني لفيه إذ أقبل عثمان بن مالك التيمي يختل بفرس له، فقام على باب الغار، فخرجت إيه فضربته بالخنجر، فصاح صيحةً أسمع أهل مكة، فأقبلوا إليه ورجعت إلى مكاني، فوجدوه وبه رمق، فقالوا: من ضربك ؟ قال: عمرو بن أمية، ثم مات ولم يقدر يخبرهم بمكاني، وشغلهم قتل صاحبهم عن طلبي، فاحتلموه ومكثنا في الغار يومين حتى سكن عنا الطلب، ثم خرجنا إلى التنعيم، فإذا بخشبة خبيب وحوله حرس، فصعدت خشبته واحتملته على ظهري، فما مشيت به إلا نحو أربعين خطوة حتى نذروا بي فطرحته، فاشتدوا في أثري، فأخذت الطريق فأعيوا ورجعوا، وانطلق صاحبي فركب البعير وأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره. وأما خبيب فلم ير بعد ذلك وكأن الأرض ابتلعته.
    قال: وسرت حتى دخلت غاراً بضجنان ومعي قوسي وأسهمي، فبينا أنا فيه إذ دخل علي رجل من بني الدئل أعور طويل يسوق غنماً فقال: من الرجل ؟ قلت: من بني الدئل، فاضطجع معي ورفع عقيرته يتغنى ويقول:
    وست بمسلمٍ ما دمت حيّاً ... ولست أدين دين المسلمينا
    ثم نام فقتله ثم سرت، فإذا رجلان بعثتهما قريش يتجسسان أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرميت أحدهما بسهم فقتلته وأستأسرت الآخر، فقدمت على النبي، صلى الله عليه وسلم، وأخبرته الخبر، فضحك ودعا لي بخير.
    وفي هذه السنة تزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زينب بنت خزيمة أم المساكين من بني هلال في شهر رمضان، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها.
    وولي المشركون الحج في هذه السنة.
    ● [ ذكر بئر معونة ] ●

    في هذه السنة في صفر قتل جمع من المسلمين ببئر معونة. وكان سبب ذلك أن أبا براء بن عازب بن عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة، سيد بني عامر بن صعصعة، قدم المدينة وأهدى للنبي، صلى الله عليه وسلم، هدية فلم يقبلها وقال: يا أبا براء لا أقبل هدية مشرك، ثم عرض عليه الإسلام فلم يبعد عنه ولم يسلم، وقال: إن أمرك هذا حسنٌ، فلو بعثت رجلاً من أصحابك إلى أهل نجد يدعوهم إلى أمرك لرجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أخشى عليهم أهل نجد. فقال أبو براء: أنا لهم جارٌ.
    فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سبعين رجلاً، فيهم: المنذر بن عمرو الأنصاري المعنق ليموت، والحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان، وعامر بن فهيرة، وغيرهم، وقيل: كانوا أربعين، فساروا حتى نزلوا ببئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب النبي، صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر إلى الكتاب وعدا على حرام فقتله، فلما طعنه قال: الله أكبر فزت ورب الكعبة ! واستصرخ بني عامر، فلم يجيبوه وقالوا: لن نخفر أبا براء، فقد أجارهم، فاستصرخ بني سليم: عصية ورعلاً وذكوان، فأجابوه وخرجوا حتى أحاطوا بالمسلمين فقاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد الأنصاري، فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حتى قتل يوم الخندق.
    وكان في سرح القوم عمرو بن أمية ورجل من الأنصار، فرأيا الطير تحوم على العسكر فقالا: إن لها شأناً، فأقبلا ينظران، فإذا صرعى، وإذا الخيل واقفة، فقال عمرو: نلحق برسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: لا أرغب بنفسي عن موطن فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القوم حتى قتل، فأخذوا عمرو بن أمية أسيراً. فلما علم عامر أنه من سعد أطلقه، وخرج عمرو حتى إذا كان بالقرقرة لقي رجلين من بني عامر فنلا معه ومعهما عقد من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يعلم به عمرو فقتلهما، ثم أخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، الخبر، فقال له: لقد قتلت قتيلين لأدينهما. ثم قال رسول الله: هذا عمل أبي براء، فشق عليه ذلك.
    وكان فيمن قتل عامر بن فهيرة، فكان عامر بن الطفيل يقول: من الرجل منهم لما قتل رفع بين السماء والأرض ؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة. وقال حسان بن ثابت يحرض بني أبي براء على عامر بن الطفيل:
    بني أمّ ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد
    تهكّم عامرٍ بأبي براء ... ليخفره وما خطأٌ كعمد
    في أبيات له. فقال كعب بن مالك:
    لقد طارت شعاعاً كلّ وجهٍ ... خفارة ما أجار أبو براء
    في أبيات أخرى.
    فلما بلغ ربيعة بن أبي براء ذلك حمل على عامر بن الطفيل فطعنه، فخر عن فرسه، فقال: إن مت فدمي لعمي. وأنزل الله عز وجل، في أهل بئر معونة قرآناً: بلغوا قومنا عنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه، ثم نسخت.
    معونة بفتح الميم، وضم العين المهملة، وبعد الواو نون. وحرام بالحاء المهملة، والراء. وملحان بكسر الميم، وبالحاء المهملة.
    ● [ ذكر إجلاء بني النضير ] ●

    وكان سبب ذلك أن عامر بن الطفيل أرسل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، يطلب دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية، وقد ذكرنا ذلك.
    فخرج النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى بني النضير يستعينهم فيها ومعه جماعة من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي، فقالوا: نعم نعينك على ما أحببت، ثم خلا بعضهم ببعض وتآمروا على قتله، وهو جالسٌ إلى جنب جدار، فقالوا: من يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيقتله ويريحنا منه ؟ فانتدب له عمرو بن جحاش، فنهاهم عن ذلك سلام بن مشكم وقال: هو يعلم، فلم يقبلوا منه، وصعد عمرو بن جحاش، فأتى الخبر من السماء إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بما عزموا عليه، فقام وقال لأصحابه: لا تبرحوا حتى آتيكم، وخرج راجعاً إلى المدينة، فلما أبطأ قام أصحابه في طلبه، فأخبرهم الخبر وأمر المسلمين بحربهم، ونزل بهم، فتحصنوا منه في الحصون، فقطع النخل وأحرق وأرسل إليهم عبد الله بنأبي وجماعة معه أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن خرجتم خرجنا معكم، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من الأموال إلا السلاح، فأجابهم إلى ذلك، فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام، فكان ممن سار إلى خيبر كنانة بن الربيع وحيي بن أخطب، وكان فيهم يومئذ أم عمرو صاحبة عروة بن الورد التي ابتاعوا منه، وكانت غفارية.
    فكانت أموال النضير لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحده يضعها حيث شاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة ذكرا فقراً فأعطاهما. ولم يسلم من بني النضير إلا يامين بن عمير بن كعب، وهو ابن عم عمرو بن جحاش، وأبو سعيد بن وهب، وأحرزا أموالهما.
    واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكانت رايته على علي بن أبي طالب.
    سلام بتشديد اللام. ومشكم بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، والكاف.
    ● [ غزوة ذات الرقاع ] ●

    أقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالمدينة بعد بني النضير شهري ربيع ثم غزا نجداً يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلاً، وهي غزوة الرقاع، سميت بذلك لأجل جبل كانت الوقعة به فيه سواد وبياض وحمرة، فاستخلف على المدينة عثمان بن عفان، فلقي المشركين ولم يكن قتال، وخاف الناس بعضهم بعضاً، فنزلت صلاة الخوف، وقد اختلف الرواة في صلاة الخوف، وهو مستقصى في كتب الفقه.
    وجاء رجل من محارب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فطلب منه أن ينظر إلى سيفه، فأعطاه السيف، فلما أخذه وهزه قال: يا محمد أما تخافني ؟ قال: لا. قال: أما تخافني وفي يدي السيف ؟ قال: لا، يمنعني الله منك، فرد السيف إليه.
    وأصاب المسلمون امرأة منهم، وكان زوجها غائباً، فلما أتى أهله أخبر الخبر، فحلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، دماً، وخرج يتبع أثر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: من يحرسنا الليلة ؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فأقاما بفم شعب نزله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واضطجع المهاجري وحرس الأنصاري أول الليل وقام يصلي، وجاء زوج المرأة فرأى شخصه فعرف أنه ربيئة القوم فرماه بسهم فوضعه فيه فانتزعه وثبت قائماً يصلي، ثم رماه بسهم آخر فأصابه فنزعه وثبت يصلي، ثم رماه بالثالث فوضعه فيه فانتزعه ثم ركع وسد، ثم أيقظ صاحبه وأعلمه، فوثب، فلما رآهما الرجل علم أنهما علما به، فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري قال: سبحان الله ألا أيقظتني أول ما رماك ؟ قال: كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها، فلما تابع علي الرمي أعلمتك، وايم الله لولا خوفي أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها.
    وقيل: إن هذه الغزوة كانت في المحرم سنة خمس من الهجرة.
    ● [ ذكر غزوة بدر الثانية ] ●

    سميت أيضاً غزوة السويق وفي شعبان منها خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بدر لميعاد أبي سفيان بن حرب حتى نزل بدراً فأقام عليها ثماني ليالٍ ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة إلى مر الظهران، وقيل: إلى عسفان، ثم رجع ورجعت قريش معه، فسماهم أهل مكة جيش السويق، يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق.
    واستخلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على المدينة عبد الله بن رواحة.
    وفيها تزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أم سلمة.
    وفيها أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود.
    وفيها، في جمادى الأولى، مات عبد الله بن عثمان بن عفان، وأمه رقية بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صلى عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان عمره ست سنين. وفيها ولد الحسين بن علي بن أبي طالب، في قولٍ. وولي الحج فيها المشركون.
    ● [ الأحداث في السنة الخامسة من الهجرة ] ●

    فيها تزوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زينب بنت جحش، وهي ابنة عمته، كان زوجها مولاه زيد بن حارثة، وكان يقال له زيد بن محمد. فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يريده وعلى الباب ستر من شعر، فرفعته الريح فرآها وهي حاسرة فأعجبته وكرهت إلى زيد، فلم يستطع أن يقربها، فجاء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فقال: أرابك فيها شيء ؟ قال: لا والله. فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله) الأحزاب: 37. ففارقها زيد وحلت، وأنزل الوحي على النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: من يبشر زينب أن الله قد زوجنيها ؟ وقرأ عليهم قوله تعالى: (وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ) الآية؛ فكانت زينب تفخر على نسائه وتقول: زوجكن أهلوكن وزوجني الله من السماء.
    وفيها كانت غزوة دومة الجندل في ربيع الأول، وسببها أنه بلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، أن بها جمعاً من المشركين، فغزاهم، فلم يلق كيداً، وخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وغنم المسلمون إبلاً وغنماً وجدت لهم.
    ومات أم سعد بن عبادة وسعد مع النبي، صلى الله عليه وسلم، في هذه الغزاة. وفيها وادع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عيينة بن حصن الفزاري أن يرعى بتغلمين وما والاها.
    عيينة بضم العين، تصغير عين.
    ● [ ذكر غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب ] ●

    وكانت في شوال، وكان سببها أن نفراً من يهود من بني النضير، منهم: سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة ابن الربيع بن أبي الحقيق، وغيرهم، حزبوا الأحزاب على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: نكون معكم حتى نستأصله، فأجابوهم إلى ذلك، ثم أتوا على غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخبروه أن قريشاً معهم على ذلك، فأجابوهم، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في مرة، ومسعر بن رخيلة الأشجعي في الأشجع.
    فلما سمع بهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمر بحفر الخندق، وأشار به سلمان الفارسي، وكان أول مشهد شهده مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ حر، فعمل فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رغبة في الأجر وحثاً للمسمين، وتسلل عنه جماعة من المنافقين بغير علم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله في ذلك: (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً) النور: 63 الآية. وكان الرجل من المسلمين إذا نابته نائبة لحاجة لا بد منها يستأذن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيقضي حاجته ثم يعود، فأنزل الله تعالى: (إنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) الآية الفتح 15.
    وقسم الخندق بين المسلمين. فاختلف المهاجرون والأنصار في سلمان كل يدعيه أنه منهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: سلمان منا، سلمان من أهل البيت. وجعل لكل عشرة أربعين ذراعاً، فكان سلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وعمرو بن عوف وستة من الأنصار يعملون، فخرجت عليهم صخرة كسرت المعول، فأعلموا النبي، صلى الله عليه وسلم، فهبط إليها ومعه سلمان فأخذ المعول وضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما ين لابتي المدينة، فكبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون، ثم الثانية كذلك، ثم الثالثة كذلك، ثم خرج وقد صدعها، فسأله سلمان عما رأى من البرق، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أضاءت الحيرة وقصور كسرى في البرقة الأولى، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها، وأضاء لي في الثانية القصور الحمر من أرض الشام والروم، وأخبرني أن أمتي ظاهرة عيها، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء، وأخبرني أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا، فاستبشر المسلمون.
    وقال المنافقون: ألا تعجبون ؟ يعدكم الباطل، ويخبركم أنه ينظر من يثرب الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم لا تستطيعون أن تبرزوا، فأنزل الله: (وَإذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إلاّ غُرُوراً) الأحزاب: 12.
    فأقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من كنانة وتهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم حتى نزلوا إلى جنب أحد، وخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون فجعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف، فنزل هناك ورفع الذراري والنساء في الآطام.
    وخرج حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد سيد قريظة، وكان قد وادع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قومه، فأغلق كعب حصنه ولم يأذن له وقال: إنك امرؤ مشؤوم، وقد عاهدت محمداً ولم أر منه إلا الوفاء. قال حيي: يا كعب قد جئتك بعز الدهر وببحر طامٍ، جئتك بقريش وقادتها وسادتها، وغطفان بقادتها، وقد عاهدوني أنهم لا يبرحون حتى يستأصلوا محمداً وأصحابه. قال كعب: جئتني بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه يرعد ويبرق وليس فيه شيء، ويحك يا حيي ! دعني ومحمداً. ولم يزل معه يفتله في الذروة والغارب حتى حمله على الغدر بالنبي، صلى الله عليه وسلم، ففعل ونكث العهد، وعاهده حيي إن عادت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، ونجم النفاق من بعض المنافقين، وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمشركون عليه بضعاً وعشرين ليلة قريباً من شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل.
    فلما اشتد البلاء بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري، قائدي غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأجابا إلى ذلك، فاستشار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقالا: يا رسول الله شيء تحب أن تصنعه أم شيء أمرك الله به أو شيء تصنعه لنا ؟ قال: بل لكم، رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم. فقال سعد بن معاذ: قد كنا نحن وهم على الشرك ولا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا قرىً أو بيعاً، فحين أكرمنا الله بالإسلام نعطيهم أموالنا ! ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فترك ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    ثم إن فوارس من قريش، منهم: عمرو بن عبد ود أحد بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن الخطاب الفهري، خرجوا على خيولهم واجتازوا ببني كنانة وقالوا: تجهزوا للحرب وستعلمون من الفرسان. وكان عمرو بن عبد ود قد شهد بدراً كافراً وقاتل حتى كثرت الجراح فيه، فلم يشهد أحداً وشهد الخندق معلماً حتى يعرف مكانه، وأقبل هو وأصحابه حتى وقفوا على الخندق، ثم تيمموا مكاناً ضيقاً فاقتحموه، فجالت بهم خيولهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين، فأخذوا عليهم الثغرة، وكان عمرو قد خرج معلماً، فقال له علي: يا عمرو إنك عاهدت أن لا يدعوك رجل من قريش إلى خصلتين إلا أخذت إحداهما ؟ قال: أجل. قال له عليك فإني أدعوك إلى الله والإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإني أدعوك إلى النزال. قال: والله ما أحب أن أقتلك. قال علي: ولكني أحب أن أقتلك. فحمي عمرو عند ذلك فنزل عن فرسه وعقره ثم أقبل على علي، فتجاولا، وقتله علي، وخرجت خيلهم منهمة، وقتل مع عمرو رجلان، قتل علي أحدهما وأصاب آخر سهم فمات منه بمكة.
    ورمي سعد بن معاذ بسهم قطع أكحله، رماه حبان بن قيس بن العرقة بن عبد مناف من بني معيص من عامر بن لؤي، والعرقة أمه، وإنما قيل لها العرقة لطيب ريح عرقها، وهي قلابة بنت سعد بن سهم وهي جدة خديجة أم أبيها أو هي أم عبد مناف بن الحارث. فلما رمى سعداً قال: خذها وأنا ابن العرقة. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: عرق الله وجهك في النار، ولم يقطع الأكحل من أحد إلا مات. فقال سعد: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أقاتلهم من قوم آذوا نبيك وكذبوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية.
    وقيل: إن الذي رمى سعداً هو أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم. فلما قال سعد ما قال انقطع الدم.
    وكانت صفية عمة النبي، صلى الله عليه وسلم، في فارع، حصن حسان ابن ثابت، وكان حسان فيه مع النساء لأنه كان جباناً، قالت: فأتانا آتٍ من اليهود فقلت لحسان: هذا اليهودي يطوف بنا ولا نأمنه أن يدل على عوراتنا فانزل إليه فاقتله. فقال: والله ما أنا بصاحب هذا. قالت: فأخذت عموداً ونزلت إليه فقتلته، ثم رجعت فقلت لحسان: انزل إليه فخذ سلبه فإنني يمنعني منه أنه رجل. فقال: والله ما لي بسلبه من حاجة.
    ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت ولم يعلم قومين فمرني بما شئت. فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة). فخرج حتى أتى بني قريظة، وكان نديماً لهم في الجاهلية، فقال لهم: قد عرفتم ودي إياكم. فقالوا: لست عندنا بمتهم. قال: قد ظاهرتم قريشاً وغطفان على حرب محمد، وليسوا كأنتم، البلد بلدكم، به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه، وإن قريشاً وغطفان إن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين محمد ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم ثقةً لكم حتى تناجزوا محمداً. قالوا: أشرت بالنصح.
    ثم خرج حتى أتى قريشاً فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمداً، وقد بلغني أن قريظة ندموا وقد أرسلوا إلى محمد: هل يرضيك عنا أن نأخذ من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم ؟ فأجابهم: أن نعم، فإن طلبت قريظة منكم رهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلاً واحداً. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: أنتم أهلي وعشيرتي. وقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم.
    فلما كان ليلة السبت من شوال سنة خمسٍ كان مما صنع الله لرسوله أن أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان وقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقامٍ، قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمداً. فأرسلوا إليهم: إن اليوم السبت لا نعمل فيه شيئاً ولسنا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً ثقةً لنا فإنا نخشى أن ترجعوا إلى بلادكم وتتركونا والرجل ونحن ببلاده. فلما أبلغتهم الرسل هذا الكلام قالت قريش وغطفان: والله لقد صدق نعيم بن مسعود، فأرسلوا إلى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحداً. فقالت قريظة عند ذلك: إن الذي ذكر نعيم بن مسعود لحقٌ. وخذل الله بينهم، وبعث الله عليهم ريحاً في ليالٍ شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم.
    فلما انتهى إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، اختلاف أمرهم دعا حذيفة بن اليمان ليلاً فقال: انطلق إليهم وانظر حالهم ولا تحدثن شيئاً حتى تأتينا. قال حذيفة: فذهبت فدخلت فيهم والريح وجنود الله تفعل فيهم ما تفعل لا يقر لهم قدر ولا بناء ولا نار. فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر الرجل أمر جليسه، قال: فأخذت بيد الرجل الذي بجانبي فقلت: من أنت ؟ قال: أنا فلان، ثم قال أبو سفيان: والله لقد هلك الخف والحافر وأخلفتنا قريظة ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب على ثلاث قوائم، ولولا عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إي أن لا أحدث شيئاً لقتلته.
    قال حذيفة: فرجعت إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه، فأدخلني بين رجله وطرح علي طرف المرط، فلما سلم خبرته الخبر.
    وسمعت غطفان بما فعلت قريش فعادوا راجعين إلى بلادهم، فلما عادوا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا). فكان كذلك حتى فتح الله مكة.
    ● [ ذكر غزوة بني قريظة ] ●

    لما أصبح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عاد إلى المدينة ووضع المسلمون السلاح وضرب على سعد بن معاذ قبة في المسجد ليعوده من قريب، فلما كان الظهر أتى جبرائيل النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: أقد وضعت السلاح ؟ قال: نعم. قال جبرائيل: ما وضعت الملائكة السلاح، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم. فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، منادياً فنادى: من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. وقدم علياً إليهم برايته وتلاحق الناس، ونزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأتاه رجال بعد العشاء الأخيرة فصلوا العصر بها، وما عابهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    وحاصر بني قريظة شهراً أو خمساً وعشرين ليلة، فما اشتد عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تبعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، وهو أنصاريٌ من الأوس، نستشيره، فأرسله، فلما رأوه قام إليه الرجال وبكى النساء والصبيان، فرق لهم، فقالوا: ننزل على حكم رسول الله. فقال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. فال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى عرفت أني خنت الله ورسوله وقلت: والله لا أقمت بمكان عصيت الله فيه. وانطلق على وجهه حتى ارتبط في المسجد وقال: لا أبرح حتى يتوب الله علي. فتاب الله عليه وأطلقه رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    ثم نزلوا على حكم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال الأوس: يا رسول الله افعل في موالينا مثل ما فعلت في موالي الخزرج، يعني بني قينقاع، وقد تقدم ذكرهم. فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم سعد بن معاذ ؟ قالوا: بلى. فأتاه قومه فاحتملوه على حمار ثم أقبلوا معه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن إلى مواليك. فلما كثروا عليه قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فعلم كثير منهم أنه يقتلهم، فلما انتهى سعد إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: قوموا إلى سيدكم، أو قال: خيركم، فقاموا إليه وأنزلوه وقالوا: يا أبا عمرو أحسن إلى مواليك فقد رد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحكم فيهم إليك. فقال سعد: عليكم عهد الله وميثاقه، إن الحكم فيهم إلي ؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى الناحية الأخرى التي فيها النبي، صلى الله عليه وسلم، وغض بصره عن رسول الله إجلالاً وقال: وعلى من ههنا العهد أيضاً ؟ فقالوا: نعم. وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: نعم. قال: فإني أحكم أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية والنساء وتقسم الأموال، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.
    ثم استنزلوا فحبسوا في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار. ثم خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم فيها، وفيهم حيي بن أخطب وكعب بن أسد سيدهم، وكانوا ستمائة أو سبعمائة، وقيل: ما بين سبعمائة وثمانمائة، وأتي بحيي بن أخطب وهو مكتوف، فلما رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكن من يخذل الله يخذل. ثم قال للناس: إنه لا بأس بأمر الله، كتابٌ وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل. فأجلس وضربت عنقه. ولم تقتل منهم إلا امرأة واحدة قتلت بحدث أحدثته، وقتلت أرفة بنت عارضة منهم.
    وأسلم منهم ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد.
    ثم قسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أموالهم، فكان للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل ممن ليس له فرس سهم، وكانت الخيل ستة وثلاثين فرساً، وأخرج منها الخمس، وكان أول فيء وقع فيه السهمان والخمس. واصطفى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لنفسه ريحانة بنت عمرو بنخنافة من بني قريظة، فأراد أن يتزوجها فقالت: اتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك. فلما انقضى أمر قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ واستجاب الله دعاءه، وكان في خيمته التي في المسد، فحضره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر، وقالت عائشة: سمعت بكاء أبي بكر وعمر عليه وأنا في حجرتي، وأما النبي، صلى الله عليه وسلم، فكان لا يبكي على أحد، كان إذا اشتد وجده أخذ بلحيته.
    وكان فتح قريظة في ذي القعدة وصدر ذي الحجة، وقتل من المسلمين في الخندق ستة نفر، وفي قريظة ثلاثة نفر.
    ● [ ودخلت سنة ست من الهجرة ] ●
    ذكر غزوة بني لحيان

    في جمادى الأولى منها خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع، خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرةً، وأغذ السير حتى نزل على غران منازل بني لحيان، وهي بين أمج وعسفان، فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، فلما أخطأه ما أراد منهم خرج في مائتي راكب حتى نزل بعسفان تخويفاً لأهل مكة، وأرسل فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم ثم عاد قافلاً.
    غران بفتح الغين المعجمة، وفتح الراء، وبعد الألف نون. وأمج بفتح الهمزة، والميم، وآخره جيم.
    ● [ ذكر غزوة ذي قرد ] ●

    ثم قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة فلم يقم إلا أياماً قلائل حتى أغار عيينة بن حصن الفزاري في خيل غطفان على لقاح النبي، وأول من نذر بهم سلمة بن الأكوع الأسلمي؛ هكذا ذكرها أبو جعفر بعد غزوة بني لحيان عن ابن إسحاق، والرواية الصحيحة عن سلمة: أنها كانت بعد مقدمة المدينة منصرفاً من الحديبية، وبين الوقعتين تفاوت.
    قال سلمة بن الأكوع: أقبلنا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة بعد صلح الحديبية، فبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بظهره مع رباح غلامه وخرجت معه بفرس طلحة بن عبيد الله، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن ابن عيينة بن حصن الفزاري قد أغار على ظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستاقه أجمع وقتل راعيه، قلت: يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة وأخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن المشركين قد أغاروا على سرحه؛ ثم استقبلت الأكمة فناديت ثلاثة أصوات: يا صباحاه ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز وأقول:
    خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضّع
    قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا خرج إلي فارس قعدت في اصل شجرة فرميته فعقرت به، وإذا دخلوا في مضايق الجبل رميتهم بالحجارة من فوقهم، فما زلت كذلك حتى ما تركت من ظهر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعيراً إلا جعلته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه وألقوا أكثر من ثلاثين رمحاً وثلاثين بردة يستخفون بها، لا يلقون شيئاً إلا جعلت عليه أمارة، أي علامة، حتى يعرفه أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى إذا انتهوا إلى متضايق من ثنية أتاهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ممداً، فقعدوا يتضحون، فلما رآني قال: ما هذا ؟ قالوا: لقينا منه البرح وقد استنفذ كلما بأيدينا، فما برحت مكاني حتى أبصرت فوارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتخللون الشجر، أولهم الأخرم الأسدي واسمه محرز بن نضلة من أسد بن خزيمة وعلى أثره أبو قتادة وعلى أثرهما المقداد بن عمرو الكندي، فأخذت بعنان الأخرم وقلت: احذر القوم لا يقتطعوك حتى تلحق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، فقال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عيينة، فعقر الأخرم بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم، ولحق أبو تقادة فارس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعبد الرحمن فطعنه، فانطلقوا هاربين، قال سلمة: فوالذي كرم وجه محمد لأتبعنهم أعدو على رجلي حتى ما أرى من أصحاب محمد ولا غبارهم شيئاً.
    وعدلوا قبل غروب الشمس إلى غار فيه ماء يقال له ذو قرد يشربون منه وهم عطاش، فنظروا إلي أعدو في آثارهم فحليتهم فما ذاقوا منه قطرة، قال: واشتدوا في ثنية ذي أبهر فأرشق بعضهم بسهم فيقع في نغض كتفه، فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع. وإذا فرسان على الثنية فجئت بهما أقودهما إلى النبي، صلى الله عليه وسلم.
    ولحقني عمي عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وصليت وشربت ثم جئت إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو على الماء الذي أجليتهم عنه بذي قرد، وإذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد أخذ تلك الإبل التي استنقذت من العدو وكل رمح وكل بردة، وإذا بلال قد نحر لهم ناقة من الإبل وه يشوي منها، فقلت: يا رسول الله خلني أنتخب مائة رجل فلا يبقى منه عين تطرف. فضحك وقال: إنهم ليقرون بأرض غطفان. فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزوراً، فلما كشطوا عنها جلدها رأوا غباراً فقالوا: أتيتم، فخرجوا هاربين.
    فلما أصبحنا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: خير فرساننا أبو قتادة، وخير رجالنا سلمة بن الأكوع، ثم أعطاني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سهم الفارس وسهم الراجل، ثم أردفني وراءه على العضباء. فبينما نحن نسير، وكان رجل من الأنصار لا يسبق شداً، فقال: ألا من مسابق ؟ مراراً، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إيذن لي فلأسابق الرجل. قال: إن شئت. قال: فطفرت وربطت شرفاً أو شرفين فألحقه فقلت: سبقتك والله ! فسبقته إلى المدينة، فلم نمكث بها إلا ثلاثاً حتى خرجنا إلى خيبر.
    وفي هذه الغزوة نودي: يا خيل الله اركبي، ولم يكن يقال قبلها.
    قرد بفتح القاف والراء.
    ● [ ذكر غزوة بني المصطلق من خزاعة ] ●

    ذكرت هذه الغزوة بعد غزوة ذي قرد، وكانت في شعبان من السنة سنة ست، وكان بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن بني المصطلق تجمعوا له، وكان قائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما سمع بهم خرج إليهم فلقيهم بماء لهم يقال له المريسيع بنحية قديد، فاقتتلوا، فانهزم المشركون وقتل من قتل منهم وأصيب رجل من المسلمين من بني ليث بن بكر اسمه هشام بن صبابة أخو مقيس بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت بسهم وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ، وأصاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سبايا كثيرة فقسمها في المسلمين، وفيهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبته عن نفسها، فأتت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاستعانته في كتابتها، فقال لها: هل لك في خير من ذلك ؟ قالت: وما هو يا رسول الله ؟ قال: أقضي كتابتك وأتزوجك. قالت: نعم يا رسول الله. ففعل، وسمع الناس الخبر فقالوا: أصهار رسول الله؛ فأعتقوا أكثر من مائة بيت من أهل بني المصطلق، فما كانت امرأة أعظم بركة على قومها منها.
    وبينما الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بني غفار يقال له جهجاه، فازدحم هو وسنان الجهني، حليف بني عوف من الخزرج، على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار ! وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين ! فغضبت عبد الله بن أبي بن سلول، وعند رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم، غلام حديث السن. فقال: أقد فعلوها ! قد كاثرونا في بلادنا ! أما والله (لَئِنْ رَجَعْنَا إلى المَدِينَة لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ مِنْهَا الأذَلَّ) المنافقون: 8 ! ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم ! أحللتموهم ببلادكم وقاسمتموهم أموالكم ! والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم.
    فسمع ذلك زيد، فمشى به إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وذلك عند فراغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من غزوه، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله مر به عباد بن بشر فليقتله. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كيف إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ! ولكن أذن بالرحيل. فارتحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها ليقطع ما الناس فيه.
    فلقيه أسيد بن حضير فسلم عليه وقال: يا رسول الله لقد رحت في ساعة لم تكن تروح فيها. فقال: أوما بلغك ما قال عبد الله بن أبي ؟ قال: وماذا ؟ قال: زعم إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال أسيد: فأنت والله تخرجه إن شئت فإنك العزيز وهو الذليل، ثم قال: يا رسول الله ارفق به فوالله لقد من الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكاً.
    وسمع عبد الله بن أبي زيداً أعلم النبي، صلى الله عليه وسلم، قوله فمشى إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به. وكان عبد الله في قومه شريفاً، فقالوا: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أخطأ، وأنزل الله: (إذَا جَاءكَ المُنَافِقُونَ) المنافقون: 1؛ تصديقاً لزيد، فلما نزلت أخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأذن زيد وقال: هذا الذي أوفى الله بأذنه.
    وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ما كان من أمر أبيه النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله بلغني أنك تريد قتل أبي، فإن كنت فاعلاً فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، وأخشى أن تأمر غيري بقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. فكان بعد ذلك إذا أحدث حدثاً عاتبه قومه وعنفوه وتوعدوه، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك عنهم: كيف ترى ذلك يا عمر ؟ أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. فقال عمر: أمر رسول الله أعظم بركة من أمري.
    وفيها قدم مقيس بن صبابة مسلماً فيما يظهر، فقال: يا رسول الله جئت مسلماً وجئت أطلب دية أخي، وكان قتل خطأً؛ فأمر له بدية أخيه هشام بن صبابة، وقد تقدم ذكر قتله آنفاً، فأقام عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ثم خرج إلى مكة مرتداً فقال:
    شفى النفس أن قد بات في القاع مسنداً ... تضرّج ثوبيه دماء الأخادع
    وكانت هموم النّفس من قبل قتله ... تلمّ فتحميني وطاء المضاجع
    حللت به نذري وأدركت ثؤرتي ... وكنت إلى الأصنام أوّل راجع
    مقيس بكسر الميم، وسكون القاف، وفتح الياء تحتها نقطتان. وصبابة بصاد مهملة، وببائين موحدتين بينهما ألف. وأسيد بهمزة مضمومة. وحضير بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد.

    بص وطل
    بص وطل
    Admin

    عدد المساهمات : 1633
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    من بداية السنة الرابعة إلى ختام السنة السادسة Empty من حديث الأفك إلى ختام السنة السادسة

    مُساهمة من طرف بص وطل في الثلاثاء أبريل 09, 2019 4:39 pm

    ● [ حديث الإفك ] ●

    وكان حديث الإفك في غزوة المصطلق: لما رجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان ببعض الطريق قال أهل الإفك ما قالوا، وكان من حديثه ما روي عن عائشة، قالت: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه فخرج سهمي فخرج بي معه، وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يتفكهن باللحم، وكنت إذا وصل بعيري جلست في هودجي ثم يأتي القوم الذين يرحلون بعيري فيحملون الهودج وأنا فيه فيضعونه على ظهر البعير ثم يأخذون برأس البعير ويسيرون. قالت: فلما قفل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من سفره ذلك، وكان قريباً من المدينة، بات بمنزلٍ بعض الليل ثم ارتحل هو والناس، وكنت قد خرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقدٌ لي من جزع ظفار انسل من عنقي ولا أدري، فلما رجعت التمست العقد فلم أجده، وأخذ الناس بالرحيل، فرجعت إلى المكان الذي كنت فيه ألتمسه فوجدته، وجاء القوم الذين يرحلون بعيري فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه، فاحتملوه على عادتهم وانطلقوا، ورجعت إلى المعسكر وما فيه داعٍ ولا مجيب، فتلففت بجلبابي واضطجعت مكاني وعرفت أنهم يرجعون إلي إذا افتقدوني.
    قالت: فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي، وكان تخلف عن العسكر لحاجته، فلم يبت مع الناس، فلما رأى سوادي أقبل حتى وقف علي فعرفني، وكان رآني قبل أن يضرب الحجاب، فلما رآني استرجع وقال: ما خلفك ؟ قالت: فما كلمته، ثم قرب البعير وقال: اركبي. فركبت وأخذ برأس البعير مسرعاً.
    فلما نزل الناس واطمأنوا طلع الرجل يقودني، فقال أهل الإفك ما قالوا، فارتعج العسكر ولم أعلم بشيء من ذلك، ثم قدمنا المدينة فاشتكيت شكوى شديدة، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإلى أبوي ولا يذكران لي منه شيئاً، إلا أني أنكرت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعض لطفه، فكان إذا دخل علي وأمي تمرضني قال: كيف تيكم ؟ لا يزيد على ذلك، فوجدت في نفسي مما رأيت من جفائه، فاستأذنته في الانتقال إلى أمي لتمرضني، فأذن لي، وانتقلت ولا أعلم بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة.
    قالت: وكنا قوماً عرباً لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف نعافها ونكرهها، إنما كان النساء يخرجن كل ليلة، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ابنة أبي رهم بن المطلب، وكانت أمها خالة أبي بكر الصديق، قالت: فوالله إنها لتمشي إذ عثرت في مرطها فقالت: تعس مسطحٌ. قالت: قلت: لعمر الله بئس ما قلت لرجل من المهاجرين قد شهد بدراً ! قالت: أوما بلغك الخبر ؟ قلت: وما الخبر ؟ فأخبرتني بالذي كان. قالت: فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي فرجعت فما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي، وقلت لأمي: تحدث الناس بما تحدثوا ولا تذكرين لي من ذلك شيئاً ؟ قالت: أي بنية خفضي عليك، فوالله قل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها. قالت: وقد قام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الناس فخطبهم ولا أعلم بذلك، ثم قال: أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهن غير الحق، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت عليه إلا خيراً وما دخل بيتاً من بيوتي إلا معي.
    وكان كبر عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج، مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن زينب أختها كانت عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضارني لأختها، فلما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تلك المقالة قال أسيد بن حضير: يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك. فقال سعد بن عبادة: والله ما قلت هذه المقالة إلا وقد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد: كذبت ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. وتثاور الناس حتى كاد يكون بينهم شر، ونزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى خيراً وأما علي فقال: إن النساء لكثير وسل الخادم تصدقك، فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بريرة يسألها، فقام إليها علي فضربها ضرباً شديداً وهو يقول: اصدقي رسول الله. فقالت: والله ما أعلم إلا خيراً، وما كنت أعيب عليها إلا أنها كانت تنام عن عجينها فيأتي الداجن فيأكله.
    ثم دخل علي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعندي أبواي وامرأة من الأنصار وأنا أبكي وهي تبكي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس، فإن كنت قارفت سوءاً فتوبي إلى الله.
    قالت: فوالله لقد تقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئاً، وانتظرت أبوي أن يجيباه، فلم يفعلا، فقلت: ألا تجيبانه ؟ فقالا: والله ما ندري بماذا نجيبه ! وما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على أبي بكر تلك الأيام. فلما استعجبا بكيت ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبداً، والله لئن أقررت - والله يعلم إني منه بريئة - لتصدقني، ولئن أنكرت لا تصدقني. ثم التمست اسم يعقوب فلم أجده فقلت: ولكني أقول كما قال أبو يوسف: (فَصَبْرٌ جَميلٌ وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلى مَا تَصِفُونَ) يوسف: 18، ولشأني كأني أصغر في نفسي أن ينزل الله في قرآناً يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رؤيا يكذب الله بها عني.
    قالت: فوالله ما برح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من مجلسه حتى جاءه الوحي، فسجي بثوبه، فأما أنا فوالله ما فزعت ولا باليت، وقد عرفت أني بريئة وأن الله ظالمي، وأما أبواي فما سري عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقاً من أن يحقق الله ما قال الناس. قالت: ثم سري عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإنه ليتحدر عنه مثل الجمان، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك. فقلت: بحمد الله ! ثم خرج إلى الناس فخطبهم وذكر لهم ما أنزل الله في من القرآن، ثم أمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدهم، وحلف أبو بكر لا ينفق على مسطح أبداً، فأنزل الله: (وَلا يَأتَلِ أُولُو الفَضْلِ منْكُمْ) الآية النور: 22؛ فقال أبو بكر: إني أحب أن يغفر الله لي؛ ورجع إلى مسطح نفقته. ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف فضربه، ثم قال:
    تلقّ ذباب السّيف عنّي فإنّني ... غلامٌ إذا هوجيت لست بشاعر
    فوثب ثابت بن قيس بن شماس فجمع يديه إلى عنقه وانطلق به إلى الحارث ابن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا ؟ فقال: ضرب حسان وما أراه إلا قتله. فقال عبد الله: هل علم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بشيء مما صنعت ؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل، فأطلقه، فذكر ذلك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعا حسان وصفوان بن المعطل، فقال صفوان: هجاني يا رسول الله وآذاني فضربته. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لحسان: أحسن يا حسان. قال: هي لك يا رسول الله، فأعطاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عوضاً منها بيرحاء، وهي قصربني حديلة، بالحاء المهملة؛ وأعطاه شيرين، أمة قبطية، وهي أخت مارية أم إبراهيم ابن رسول الله، فولدت له ابنه عبد الرحمن، وكان صفوان حصوراً لا يأتي النساء، ثم قتل بعد ذلك شهيداً.
    مسطح بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وبالطاء والحاء المهملتين.
    ● [ ذكر عمرة الحديبية ] ●

    في هذه السنة خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، معتمراً في ذي القعدة لا يريد حرباً ومع جماعة من المهاجرين والأنصار ومن تبعه من الأعراب ألف وأربعمائة، وقيل: ألف وخمسمائة، وقيل: ثلاثمائة، وساق الهدي معه سبعين بدنه ليعلم الناس أنه إنما جاء زائراً للبيت. فلما بلغ عسفان لقيه بسر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فاجتمعوا بذي طوىً يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبداً، وقد قدموا خالد بن الوليد إلى كراع الغميم.
    وقيل: إن خالداً كان مع النبي، صلى الله عليه وسلم، مسلماً، وإنه أرسله، فلقي عكرمة بن أبي جهل فهزمه؛ والأول أصح.
    ولما بلغه بسر ما فعلت قريش قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب ! ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله دخلوا في الإسلام وافرين، والله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة.
    ثم خرج على غير الطريق التي هم بها وسلك ذات اليمين حتى سلك ثنية المرار على مهبط الحديبية، فبركت به ناقته، فقال الناس: خلأت. فقال: ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس: انزلوا. فقالوا: ما بالوادي ماء. فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه، فجاش الماء بالري حتى ضرب الناس عنه بعطن، وكان اسم الذي أخذ السهم ناجية بن عمير سائق بدن النبي، صلى الله عليه وسلم.
    فبينما هم كذلك أتاهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه خزاعة، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من تهامة، فقال: تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا أعداد مياه الحديبية وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: إنا لم نأتي لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن شاءت قريش ماددناهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي.
    فانطلق بديل إلى قريش فأعلمهم ما قال النبي، صلى الله عليه وسلم، فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: إن هذا الرجل عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، دعوني آته. فقالوا: ائته. فأتاه وكلمه، فقال له: يا محمد جمعت أوشاب لناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم، إنها قريش خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أنك لا تدخلها عليهم عنوةً أبداً، وايم الله بكأني بهؤلاء قد تكشفوا عنك غداً. فقال أبو بكر: امصص بظر اللات ! أنحن ننكشف عنه ؟ قال: من هذا يا محمد ؟ قال النبي، صلى الله عليه وسلم: هذا ابن أبي قحافة. فقال: أما والله لولا يد لك عندي لكافأتك بها. ثم جعل يتناول لحية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يكلمه والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الحديد، فجعل يقرع يده إذا تناولها ويقول له: اكفف يدك قبل أن لا تصل إليك. فقال عروة: من هذا ؟ قال النبي، صلى الله عليه وسلم: هذا ابن أخيك المغيرة. فقال: أي غدر ! وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس ؟ وكان المغيرة قد قتل ثلاثة عشر رجلاً من بني مالك وهرب، فتهايج الحيان بن و مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة، فودى عروة للمقتولين ثلاث عشرة ديةً وأصلح ذلك الأمر.
    وطال الكلام بينهما، فقال له النبي؛ صلى الله عليه وسلم، نحو مقالته لبديل، فقال له عروة: يا محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك ؟ وجعل يرمق أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، فوالله لا يتنخم النبي نخامةً إلا وقعت في كف أحدهم فدلك بها وجهه وجلده وإن أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له.
    فرجع عروة إلى أصحابه وقال: أي قوم قد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي فوالله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمدٍ محمداً ! وحدثهم ما رأى وما قال النبي، صلى الله عليه وسلم.
    فقال رجل من كنانة اسمه الحليس بن علقمة، وهو سيد الأحابيش: دعوني آته. فقالوا: ائته فلما رآه النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوا الهدي في وجهه فلما رأى الهدي رجع إلى قريش ولم يصل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا قوم قد رأيت ما لا يحل صده، الهدي في قلائده. فقالوا: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك. فقال: والله ما على هذا حالفناكم أن تصدوا عن البيت من جاء معظماً له، والذي نفسي بيده لتخلن بين محمد وبين البيت أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. قال: فقالوا: مه ! كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا.
    فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: افعل. فلما أشرف على النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه: هذا رجل فاجر، فجعل يكلم النبي، صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، فلما جاء قال النبي: سهل أمركم.
    وقال ابن إسحاق: إن قريشاً إنما بعثت سهيلاً بعد رسالة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع عثمان بن عفان، قال: لما رجع عروة بن مسعود إلى قريش بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خراش بن أمية الخزاعي إلى قريش على جمل له يقال له الثعلب ليبلغ عنه، فعقروا به جمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش وخلوا سبيله حتى أتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمر ليرسله إلى مكة، فقال: ليس بمكة من بني عدي من يمنعني، وقد علمت قريش عداوتي لها وأخافها على نفسي فأرسل عثمان فهو أعز بها مني. فدعا عثمان فأرسله ليبلغ عنه، فانطلق، فلقيه أبان ابن سعيد بن العاص فأجاره، فأتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا لعثمان حين فرغ من أداء الرسالة: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به النبي، صلى الله عليه وسلم. فاحتبسته قريش عندها، فبلغ النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قد قتل، فقال: لا نبرح حتى نناجز القوم.
    ثم دعا الناس إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة، وهي سمرة، لم يتخلف منهم أحد إلا الجد بن قيس، وكان أول من بايعه رجل من بني أسد يقال له أبو سنان. ثم أتى الخبر أن عثمان لم يقتل.
    ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا عامر بن لؤي إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ليصالحه على أن يرجع عنهم عامه ذلك، فأقبل سهيل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وأطال معه الكلام وتراجعا، ثم جرى بينهم الصلح، فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علي بن أبي طالب، فقال: اكتب باسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو - فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال لعلي: امح رسول الله. فقال: لا أمحوك أبداً. فأخذه رسول الله، صلى الله عليه وسلمن وليس يحسن يكتب فكتب موضع رسول الله: محمد بن عبد الله، وقال لعلي: لتبلين بمثلها - اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين وأنه من أتى منهم رسول الله بغير إذن وليه رده إليهم ومن جاء قريشاً ممن مع رسول الله لم يردوه عليه، ومن أحب أن يدخل في عهد رسول الله دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل، فدخلت خزاعة في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وأن يرجع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عنهم عامة ذلك، فإذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثاً وسلاح الراكب السيوف في القرب.
    فبينا النبي، صلى الله عليه وسلم، يكتب الكتاب إذ جاء أبو جندل ابن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان أصحاب النبي لا يشكون في افتح لرؤيا رآها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. فلما رأى سهيل ابنه أبا جندل أخذه وقال: يا محمد قد تمت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت، وأخذه ليرده إلى قريش، فصاح أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين ليفتنوني عن ديني ! فزاد الناس شراً إلى ما بهم، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد أعطينا القوم عهودنا على ذلك فلا نغدر بهم. قال: فوثب عمر بن الخطاب يمشي مع أبي جندل ويقول له: اصبر واحتسب فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب ! وأدنى قائم السيف منه رجاء أن يأخذه فيضرب به أباه، قال: فبخل الرجل بأبيه.
    وشهد على الصلح جماعة من المسلمين فيهم أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، وجماعة من المشركين.
    فلما فرغ النبي، صلى الله عليه وسلم، من قضيته قال: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فما قام أحد حتى قال ذلك مراراً، فلما لم يقم أحد منهم دخل على أم سلمة فذكر لها ذلك، فقالت: يا نبي الله اخرج ولا تكلم أحداً منهم حتى تنحر بدنك وتحلق شعرك، ففعل، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وحلقوا حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً. فما فتح في الإسلام قبله فتح كان أعظم منه، حيث أمن الناس كلهم فدخل في الإسلام تينك السنتين مثل ما دخل فيه قبل ذلك وأكثر.
    فلما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة جاءه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية الثقفي، وهو مسلم، وكان ممن حبس بمكة، فكتب فيه الأزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق وبعثا فيه رجلاً من بني عامر بن لؤي ومعه مولى لهم، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قد علمت أنا قد أعطينا هؤلاء القوم عهداً ولا يصلح الغدر في ديننا. فانطلق معهما إلى ذي الحليفة فجلسوا، وأخذ أبو بصير سيف أحدهما فقتله به وخرج المولى سريعاً إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره بقتل صاحبه، ثم أقبل أبو بصير فقال: يا رسول الله قد وفت ذمتك وأنجاني الله منهم. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ويل امه مسعر حرب لو كان له رجال ! فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج أبو بصير حتى نزل بناحية ذي المروة على ساحل البحر على طريق قريش إلى الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة ذلك فخرجوا إلى أبي بصير، منهم أبو جندل، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلاً، فضيقوا على قريش يعترضون العير تكون لهم، فأرسلت قريش إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، يناشدونه الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، فآواهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    وفيها نزلت سورة الفتح، وهاجر إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نسوة مؤمنات فيهن أم كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط، فجاء أخواها عمارة والوليد يطلبانها، فأنزل الله: (فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُن إلى الكُفّارِ) الممتحنة: 10 الآية؛ فلم يرسل امرأة مؤمنة إلى مكة، وأنزل الله: (وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ)؛ فطلق عمر بن الخطاب امرأتين له، إحداهما قريبة بنت أبي أمية، والثانية أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعي، وهما مشركتان، فتزوج أم كلثوم أبو جهم بن حذيفة ابن غانم.
    بسر بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة، وآخره راء. بصير بالباء الموحدة المفتوحة، والصاد المهملة المكسورة، والياء الساكنة تحتها نقطتان، وآخره راء أيضاً. وأسيد بفتح الهمزة، وكسر السين. وجارية بالجيم، وآخره راء أيضاً. والحليس بضم الحاء المهملة، وفتح اللام، وبعده ياء تحتها نقطتان، وآخره سين مهملة.
    وفيها كانت عدة من سرايا وغزوات: منها سرية عكاشة بن محصن أربعين رجلاً إلى الغمر، فنذر بهم القوم فهربوا، فسعت الطلائع فوجدوا مائتي بعير فأخذوها إلى المدينة، وكانت في ربيع الآخر.
    ومنها سرية محمد بن مسلمة، أرسله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عشرة فوارس في ربيع الأول إلى بني ثعلبة بن سعد، فكمن القوم له حتى نام هو وأصحابه وظهروا عليهم، فقتل أصحابه ونجا هو وحده جريحاً.
    ومنها سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في ربيع الآخر في أربعين رجلاً، فهرب أهله منهم وأصابوا نعماً ورجلاً واحداً أسلم فتركه رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    ومنها سرية زيد بن حارثة بالجموم، فأصاب امرأة من مزينة اسمها حليمة، فدلتهم على محلة من حال بني سليم، فأصابوا نعماً وشاء وأسرى فيهم زوجها، فأطلقها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وزوجها معها.
    ومنها سرية زيد أيضاً إلى العيص في جمادى الأولى، وفيها أخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع، واستجار بزينب بنت النبي، صلى الله عليه وسلم، فأجارته. وقد تقدم ذكره في غزوة بدر.
    ومنها سرية زيد أيضاً إلى الطرف في جمادى الآخرة إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلاً، فهربوا منه، وأصاب من نعمهم عشرين بعيراً.
    ومنها سرية زيد بن حارثة إلى حسمى في جمادى الآخرة.
    وسببها أن رفاعة بن زيد الجذامي ثم الضبي قدم على النبي، صلى الله عليه وسلم، في هدنة الحديبية وأهدى لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، غلاماً وأسلم فحسن إسلامه، وكتب له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتاباً إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا، ثم ساروا إلى حرة الرجلاء.
    ثم إن دحية بن خليفة الكلبي أقبل من اشام من عند قيصر، حتى إذا كان بأرض جذام أغار عليه الهنيد بن عوص بن الهنيد الضليعيان، وهو بطن من جذام، فأخذا كل شيء معه، فبلغ ذلك نفراً من بني الضبيب قوم رفاعة ممن كان أسلم، فنفروا إلى الهنيد وابنه، فلقوهما واقتتلوا، فظفر بنو الضبيب واستنقذوا كل شيء أخذ من دحية وردوه عليه، فخرج دحية حتى قدم على النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبره وطلب منه دم الهنيد وابنه عوص، فأرسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إليهم زيد بن حارثة في جيش، فأغاروا بالفضافض وجمعوا ما وجدوا من مال وقتلوا الهنيد وابنه.
    فلما سمع بذلك بنو الضبيب رهط رفاعة بن زيد سار بعضهم إلى زيد بن حارثة فقالوا: إنا قوم مسلمون. فقال زيد: فاقرأوا أم الكتاب، فقرأها حسان بن ملة. فقال زيد: نادوا في الجيش: إن الله حرم علينا ما أخذ من طريق القوم التي جاؤوا منها، وأراد أن يسلم إليهم سباياهم، فأخبره بعض أصحابه عنهم بما أوجب أن يحتاط، فتوقف في تسليم السبايا وقال: هم في حكم الله، ونهى الجيش أن يهبطوا واديهم.
    وعاد أولئك الركب الجذاميون إلى رفاعة بن زيد وهو بكراع ربة لم يشعر بشيء من أمرهم، فقال له بعضهم: إنك لجالسٌ تحلب المعزى ونساء جذام أسارى قد غرهن كتابك الذي جئت به. فسار رفاعة والقوم معه إلى المدينة وعرض كتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: كيف أصنع بالقتلى ؟ فقالوا: لنا من كان حياً ومن قتل فهو تحت أقدامنا، يعنون تركوا الطلب به. فأجابهم إلى ذلك وأرسل معهم علي بن أبي طالب إلى زيد بن حارثة فرد على القوم مالهم حتى كانوا ينتزعون ليد المرأة تحت الرجل، وأطلق الأسارى.
    ربة بالراء والباء الموحدة. والضبيب بضم الضاد المعجمة، تصغير ضب - وقيل: هو بفتح الضاد، وكسر الباء، وآخره نون - نسبة إلى ضبيبة.
    ومنها سرية زيد أيضاً إلى وادي القرى في رجب.
    ومنها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في شعبان، فأسلموا، فتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ رئيسهم، وهي أم أبي سلمة.
    ومنها سرية علي بن أبي طالب إلى فدك في شعبان في مائة رجل، وذلك أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بلغه أن حياً من بني سعد قد تجمعوا له يريدون أن يمدوا أهل خيبر، فسار إليهم علي فأصاب عيناً لهم، فأخبره أنه سار إلى أهل خيبر يعرض عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر.
    ومنها سرية زيد بن حارثة إلى أم فرقة في رمضان، وكانت عجوزاً كبيرة، فلقي زيد بن فزارة بوادي القرى فأصيب أصحابه وارتث زيد من بين القتلى فنذر أن لا يمس ماء من جنابة حتى يغزو فزارة، فبعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إليهم، فلقيهم بوادي القرى فأصاب منهم وقتل وأسر أم قرفة، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، عجوز كبيرة، وبنتاً لها، فربط أم قرفة بين بعيرين فشقاها نصفين، وقدم على النبي، صلى الله عليه وسلم، بابنتها، وكانت لسلمة بن الأكوع، فأخذها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، منه هبةً وأرسلها إلى حرب بن أبي وهب فولدت له عبد الله بن حرب.
    وأما سلمة بن الأكوع فإنه جعل أمير هذه السرية أبا بكر، فروي عنه أنه قال: أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علينا أبا بكر، فغزونا ناساً من بني فزارة، فشننا عليهم الغارة صلاة الصبح، فأخذت منهم جماعة وسقتهم إلى أبي بكر وفيها امرأة من بني فزارة معها بنت لها من أحسن العرب، فنفلني أبو بكر بنتها، فقدمت المدينة فلقيت النبي، صلى الله عليه وسلم، بالسوق فقال لي: يا أبا سلمة لله أبوك هب لي المرأة. فقلت: والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوباً. فسكت ثم عاد من الغد فوهبتها له، فبعث بها إلى مكة ففادى بها أسارى من المسلمين.
    ومنها سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين الذين قتلوا راعي النبي، صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الإبل في شوال. وبعثه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عشرين فارساً.
    وفيها تزوج عمر بن الخطاب جميلة بنت ثابت بن أبي الأفلح أخت عاصم، فولدت له عاصماً، فطلقها وتزوجها بعده يزيد بن جارية فولدت له عبد الرحمن بن يزيد، فهو أخو عاصم لأمه.
    جارية بالجيم وبعد الراء ياء تحتها نقطتان.
    وفيها أجدب الناس جدباً شديداً فاستسقى رسول الله بالناس في رمضان.
    ● [ ذكر مكاتبة رسول الله ] ●
    صلى الله عليه وسلم الملوك

    وفيها بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الرسل إلى كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم، وأرسل حاطب بن بلتعة إلى المقوقس بمصر، وأرسل شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، وأرسل دحية إلى قيصر، وأرسل سليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي، وبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى، وأرسل عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، وأرسل العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى أخي عبد القيس، وقيل: إن إرساله كان سنة ثمان، والله أعلم.
    فأما المقوقس فإنه قبل كتاب النبي، صلى الله عليه وسلم، وأهدى إليه أربع جوار، منهن مارية أم إبراهيم ابن رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    وأما قيصر، وهو هرقل، فإنه قبل كتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجعله بين فخذيه وخاصرته، وكتب إلى رجل برومية كان يقرأ الكتب يخبره شأنه، فكتب إليه صاحب رومية: إنه النبي الذي كنا ننتظره لا شك فيه فاتبعه وصدقه. فجمع هرقل بطارقة الروم في الدسكرة وغلقت أبوابها ثم اطلع عليهم من علية وخافهم على نفسه وقال لهم: قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه، وإنه والله النبي الذي نجده في كتابنا، فهلم فلنتبعه ونصدقه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا. فنخروا نخرة رجل واحد ثم ابتدروا الأبواب ليخرجوا، فقال: ردوهم علي، وخافهم على نفسه وقال لهم: إنما قلت لكم ما قلت لأنظر كيف صلابتكم في دينكم، وقد رأيت منكم ما سرني، فسجدوا له، وانطلق وقال لدحية: إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسلٌ ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لا تبعته، فاذهب إلى ضغاطر الأسقف الأعظم في الروم واذكر له أمر صاحبك وانظر ما يقول لك.
    فجاء دحية وأخبره بما جاء به من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له ضغاطر: والله إن صاحبك نبي مرسل نعرفه بصفته ونجده في كتابنا. ثم أخذ عصاه وخرج على الروم وهم في الكنيسة فقال: يا معشر الروم قد جاءنا كتاب من أحمد يدعونا إلى الله، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. قال: فوثبوا عليه فقتلوه.
    فرجع دحية إلى هرقل وأخبره الخبر. قال: قد قلت إنا نخافهم على أنفسنا. وقال قيصر للروم: هلموا نعطيه الجزية، فأبوا، فقال: نعطيه أرض سورية، وهي الشام، ونصالحه، فأبوا، واستدعى هرقل أبا سفيان، وكان بالشام تاجراً، إلى الشام في الهدنة، فحضر عنده ومعه جماعة من قريش أجلسهم هرقل خلفه وقال: إني سائله فإن كذب فكذبوه. فقال أبو سفيان: لولا أن يؤثر عني الكذب لكذبت، فسأله عن النبي، قال: فصغرت له شأنه، فلم يلتفت إلى قولي وقال: كيف نسبه فيكم ؟ قلت: هو أوسطنا نسباً. هل كان من أهل بيته من يقول مثل قوله ؟ قلت: لا. قال: فهل له فيكم ملك سلبتموه إياه ؟ قلت: لا. قال: فمن اتبعه منكم ؟ قلت: الضعفاء والمساكين والأحداث. قال: فهل يحبه من يتبعه ويلزمه أو يقليه ويفارقه ؟ قلت: ما تبعه رجل ففارقه. قال: فكيف الحرب بينكم وبينه ؟ قلت: سجال يدال عينا وندال عليه. قال: هل يغدر ؟ قال: فلم أجد شيئاً أغمز به غيرها، قلت: لا، ونحن منه في هدنة، ولا نأمن غدره. قال: فما التفت إليها.
    قال أبو سفيان: فقال لي هرقل: سألتك عن نسبه فزعمت أنه من أوسط الناس وكذلك الأنبياء، وسألتك هل قال أحد من أهل بيته مثل قوله فهو متشبه به فزعمت أن لا وسألتك هل سلبتموه ملكه فجاء بهذا لتردوا عليه ملكه، فزعمت أن لا، وسألتك عن أتباعه فزعمت أنهم الضعفاء والمساكين، وكذلك أتباع الرسل، وسألتك عمن يتبعه أيحبه أم يفارقه فزعمت أنهم يحبونه ولا يفارقونه، وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلباً فتخرج منه، وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا، ولئن صدقتني ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين، ولوددت أني عنده فأغسل قدميه. انطلق لشأنك.
    قال: فخرجت وأنا أضرب إحدى يدي بالأخرى وأقول: أي عباد الله لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، أصبح ملوك الروم يهابونه في سلطانهم.
    قال: وقدم عليه دحية بكتاب النبي: صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتّبع الهدى، أسلمْ تسلمْ، وأسلمْ يؤتِك الله أجرك مرّتين، وإن تولّيت فإن إثم الأكّارين عليك).
    وأما الحارث بن أبي شمر الغساني فأتاه كتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع شجاع بن وهب، فلما قرأه قال: أنا سائر إليه، فلما بلغ قوله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: باد ملكه.
    وأما النجاشي فإنه لما جاءه كتاب النبي، صلى الله عليه وسلم، آمن به واتبعه وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب وأرسل إليه ابنه في ستين من الحبشة فغرقوا في البحر، وأرسل إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت مهاجرة بالحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، فتنصر وتوفي بالحبشة، فخطبها النجاشي إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأجابت، وزوجها، وأصدقها النجاشي أربعمائة دينار، فلما سمع أبو سفيان تزويج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أم حبيبة قال: ذاك الفحل لا يقدع أنفه.
    وأما كسرى فجاءه كتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع عبد الله بن حذافة فمزق الكتاب، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: مزق ملكه. وكان كتابه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد رسول الله إلى كرسى عظيم فارس، سلام على من اتّبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وإنّي أدعوك بدعاء الله، وإنّي رسول الله إلى النّاس كافّة لأُنذر (مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحقَّ القَوْلُ عَلى الكافرين) يس: 70، فأسلمْ تسلمْ، وإن تولّيت فإنّ إثم المجوس عليك).
    فلما قرأه شقه، قال: يكتب إلي بهذا وهو عبدي ! ثم كتب إلى باذان، وهو باليمن: أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به. فبعث باذان بابويه، وكان كاتباً حاسباً، ورجلاً آخر من الفرس يقال له خرخسره، وكتب معهما يأمره بالمسير معها إلى كسرى، وتقدم بابويه أن يأتيه بخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وسمعت قريش بذلك ففرحوا وقالوا: أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك، كفيتم الرجل. فخرجا حتى قدما على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما وقال: ويلكما من أمركما بهذا ؟ قالا: ربنا، يعنيان الملك. فقال: لكن ربي أمرني أن أعفي لحيتي وأقص شاربي، فأعلماه بما قدما له وقالا: إن فعلت كتب باذان فيك إلى كسرى، وإن أبيت فهو يهلكك ويهلك قومك. فقال لهما رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ارجعا حتى تأتياني غداً. وأتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الخبر من السماء: إن الله قط سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله، فدعاهما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخبرهما بقتل كسرى وقال لهما: إن ديني وسلطاني سيبلغ ملك كسرى وينتهي منتهى الخف والحافر، وأمرهما أن يقولا لباذان: أسلم، فإن أسلم أقره على ما تحت يده وأملكه على قومه. ثم أعطى خرخسره منطقة ذهب وفضة أهداها له بعض الملوك.
    وخرجا فقدما على باذان وأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا كلام ملك وإني لأراه نبياً، ولننظرن فإن كان ما قال حقاً فإنه لنبي مرسل، وإن لم يكن فنرى فيه رأينا. فلم يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه يخبره بقتل كسرى وأنه قتله غضباً للفرس لما استحل من قتل أشرافهم، ويأمره بأخذ الطاعة له باليمن وبالكف عن النبي، صلى الله عليه وسلم. فلما أتاه كتاب شيرويه أسلم وأسلم معه أبناء من فارس. وكانت حمير تسمى خرخسره صاحب المعجزة، والمعجزة بلغة حمير المنطقة.
    وأما هوذة بن علي فكان ملك اليمامة، فلما أتاه سليط بن عمرو يدعوه إلى الإسلام، وكان نصرانياً، أرسل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وفداً فيهم مجاعة بن مرارة والرجال بن عنفوة يقول له: إن جعل الأمر له من بعده أسلم وسار إليه نصره، وإلا قصد حربه. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا ولا كرامة، اللهم اكفنيه ! فمات بعد قليل.
    وأما مجاعة والرجال فأسلما، وأقام الرجال عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى قرأ سورة البقرة وغيرها وتفقه وعاد إلى اليمامة فارتد وشهد أن رسول الله أشرك مسيلمة معه، فكانت فتنته أشد من فتنة مسيلمة.
    مجاعة بضم الميم وتشديد الجيم. والرجال بالجيم المشددة، وقيل بالحاء المهملة المشددة. وعنفوة بضم العين، وسكون النون، وضم الفاء، وفتح الواو.
    وأما المنذر بن ساوى، والي البحرين، فلما أتاه العلاء بن الحضرمي يدعوه ومن معه بالبحرين إلى الإسلام أو الجزية، وكانت ولاية البحرين للفرس، فأسلم المنذر بن ساوى وأسلم جميع العرب بالبحرين.
    فأما أهل البلاد من اليهود والنصارى والمجوس فإنهم صالحوا العلاء والمنذر على الجزية من كل حالم دينار، ولم يكن بالبحرين قتال إنما بعضهم أسلم وبعضهم صالح.
    وولي الحج في هذه السنة المشركون.
    وفي هذه السنة ماتت أم رومان، وهي أم عائشة زوجة النبي، صلى الله عليه وسلم.

    من بداية السنة الرابعة إلى ختام السنة السادسة Fasel10

    مختصر الكامل في التاريخ لابن الأثير
    منتدى نافذة ثقافية - البوابة
    من بداية السنة الرابعة إلى ختام السنة السادسة E110


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أكتوبر 24, 2019 4:00 am