بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الأسرة الثقافية
التحفة العراقية في الاعمال القلبية
فصل فى محبة الله والإخلاص له


وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ونحو ذلك كلها مأمور بها في حق الخاصة والعامة لا يكون تركها محمودا في حال واحد وإن ارتقى مقامه وأما الحزن فلم يأمر الله به ولا رسوله بل قد نهى عنه في مواضع وإن تعلق أمر الدين به كقوله تعالى ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) آل عمران، وقوله ( ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ) النحل، وقوله ( إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) التوبة، وقوله ( ولا يحزنك قولهم ) يونس، وقوله( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد، وأمثال ذلك كثيرة.
وذلك أنه لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة ولا فائدة فيه ومالا فائدة فيه لا يأمر الله به نعم لا يأثم صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم كما يحزن على المصائب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا حزن القلب ولكن يؤاخذ على هذا ويرحم "، وأشار بيده إلى لسانه، وقال " تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضى الرب "، ومنه قوله تعالى ( فتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ) يوسف، وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه ويكون محمودا من تلك الجهة لا من جهة الحزن كالحزين على مصيبة في دينه وعلى مصائب المسلمين عموما فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر وتوابع ذلك ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة منهى عنها وإلا كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه من جهة الحزن وأما إن أفضى إلىضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله ورسوله به كان مذموما عليه من تلك الجهة وإن كان محمودا من جهة أخرى.
وأما المحبة لله والتوكل والإخلاص له ونحو ذلك فهذه كلها خير محض وهي حسنة محبوبة في حق كل النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ومن قال إن هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط في ذلك إن أراد خروج الخاصة عنها فإن هذه لا يخرج عنها مؤمن قط وإنما يخرج عنها كافر ومنافق وقد تكلم بعضهم بكلام بينا غلطه فيه وأنه تقصير في تحقيق هذه المقامات من مدة وليس هذا موضعه ولكن هذه المقامات ينقسم الناس فيها إلى خصوص وعموم فللخاصة خاصها وللعامة عامها مثال ذلك أن هؤلاء قالوا إن التوكل مناضلة عن النفس في طلب القوت والخاص لا يناضل عن نفسه وقالوا المتوكل يطلب بتوكله أمرا من الأمور والعارف يشهد الأمور بفروغه منها فلا يطلب شيئا فيقال أما الأول فإن التوكل أعم من التوكل في مصالح الدنيا فإن المتوكل يتوكل على الله في صلاح قلبه ودينه وحفظ لسانه وإرادته وهذا أهم الأمور إليه ولهذا يناجي ربه في كل صلاة بقوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) كما في قوله ( فاعبده وتوكل عليه ) هود، وقوله ( عليه توكلت وإليه أنيب ) هود والشورى، فهو قد جمع بين العبادة والتوكل في عدة مواضع لأن هذين يجمعان الدين كله ولهذا قال من قال من السلف إن الله جمع الكتب المنزلة في القرآن وجمع علم القرآن في المفصل وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وهاتان الكلمتان الجامعتان اللتان للرب والعبد كما في الحديث الصحيح الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " يقول الله سبحانه قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله حمدني عبدي يقول العبد الرحمن الرحيم يقول الله أثني على عبدي يقول العبد مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل يقول العبد اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين يقول الله فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل "، فالرب سبحانه له نصف الثناء والخير والعبد له نصف الدعاء والطلب وهاتان جامعتان ما للرب سبحانه وما للعبد، فإياك نعبد للرب وإياك نستعين للعبد وفي الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه قال كنت رديفا للنبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال " يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد قلت الله ورسوله اعلم قال حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به "،
والعبادة هي الغاية التي خلق الله لها العباد من جهة أمر الله ومحبته ورضاه كما قال تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات، وبها أرسل الرسل وأنزل الكتب وهي اسم يجمع كمال الذل ونهايته وكمال الحب لله ونهايته فالحب الخلي عن ذل والذل الخلي عن حب لا يكون عبادة وإنما العبادة ما يجمع كمال الأمرين ولهذا كانت العبادة لا تصلح إلا لله وهي وإن كانت منفعتها للعبد والله غني عنها فهي له من جهة محبته لها ورضاه بها ولهذا كان الله أشد فرحا بتوبة العبد من الفاقد لراحلته عليها طعامه وشرابه في ارض دوية ملهكة إذا نام آيسا منها ثم استيقظ فوجدها فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته وهذا يتعلق به أمور جليلة قد بسطناها وشرحناها في غير هذا الموضع والتوكل والاستعانة للعبد لأنه هو الوسيلة والطريق الذي ينال به مقصوده ومطلوبه من العبادة فالاستعانة كالدعاء والمسألة وقد روى الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يقول الله يا ابن آدم إنما هي اربع واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقي، فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا وأما التي هي لك فعملك أجازيك به أحوج ما تكون إليه وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلى الاجابة وأما التي بينك وبين خلقي فأت للناس ما تحب أن يأتوا إليك ". وكون هذا لله وهذا للعبد هو اعتبار تعلق المحبة والرضاء ابتداء فإن العبد ابتداء يحب ويريد ما يراه ملائما له والله تعالى يحب ويرضى ما هو الغاية المقصودة في رضاه وحبه الوسيلة تبعا لذلك وإلا فكل مأمور به فمنفعته عائدة على العبد وكل ذلك يحبه الله ويرضاه وعلى هذا فالذي ظن أن التوكل من المقامات العامة ظن أن التوكل لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا وهو غلط بل التوكل في الأمور الدينية أعظم وأيضا التوكل في الأمور الدينية التي لا تتم الواجبات والمستحبات إلا بها والزاهد فيها زاهد فيما يحبه الله ويأمر به ويرضاه والزهد المشروع هو ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله كما أن الورع المشروع هو ترك ما قد يضر في الدار الآخرة وهو ترك المحرمات والشبهات التي لا يستلزم تركها ترك ما فعله أرجح منها كالواجبات فأما ما ينفع في الدار الآخرة بنفسه أو على ما ينفع في الدار الآخرة فالزهد فيه ليس من الدين بل صاحبه داخل في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) المائدة، كما أن الاشتغال بفضول المباحات هو ضد الزهد المشروع فإن اشتغل بها عن واجب او بفعل محرم كان عاصيا وإلا كان منقوصا عن درجة المقربين إلى درجة المقتصدين وأيضا فالتوكل هو محبوب لله مرضى مأمور به دائما وما كان محبوبا لله مرضيا مأمورا به دائما لا يكون من فعل المقتصدين دون المقربين فهذه ثلاثة أجوبة عن قولهم المتوكل لا يطلب حظوظه وأما قولهم الأمور قد فرغ منها فهذا نظير ما قاله بعضهم في الدعاء أنه لا حاجة إليه لأن المطلوب إن كان مقدرا فلا حاجة إليه وإن لم يكن مقدرا لم ينفع وهذا القول من أفسد الأقوال شرعا وعقلا وكذلك قول من قال التوكل والدعاء لا يجلب به منفعة ولا يدفع به مضرة وإنما هو عبادة محضة وإن حقيقة التوكل بمنزلة حقيقة التفويض المحض وهذا وإن كان قاله طائفة من المشايخ فهو غلط أيضا وكذلك قول من قال الدعاء إنما هو عبادة محضة فهذه الأقوال وما أشبهها يجمعها أصل واحد وهو أن هؤلاء ظنوا أن كون الأمور مقدرة مقضية يمنع أن يتوقف على أسباب مقدرة أيضا تكون من العبد ولم يعلموا أن الله سبحانه يقدر الأمور ويقضيها بالأسباب التي جعلها معلقة بها من أفعال العباد وغير أفعالهم ولهذا كان طور قولهم يوجب تعطيل العمال بالكلية وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا مرات فأجاب عنه كما أخرجاه في الصحيحين عن عمران بن حصين قال " قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم أهل الجنة من أهل النار قال نعم قالوا ففيم العمل قال كل ميسر لما خلق له "، وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال: " كنا في جنازة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ومعه مخصرة فجعل ينكت بالمخصرة في الأرض ثم رفع رأسه وقال: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من النار أو الجنة إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة قال: فقال رجل من القوم يا نبي الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل فمن كان من أهل السعادة ليكونن إلى السعادة ومن كان من أهل الشقاوة ليكونن إلى الشقاوة قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون للسعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون للشقاوة ثم قال نبي الله صلى الله عليه وسلم ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) الليل،"، أخرجه الجماعة في الصحاح والسنن والمسانيد، وروى الترمذي " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقى نتقيها أترد من قدر الله شيئا فقال: هي من قدر الله "، وقد جاء هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث فبين صلى الله عله وسلم أن تقدم العلم والكتاب بالسعيد والشقي لا ينافي أن تكون سعادة هذا بالأعمال الصالحة وشقاوة هذا بالأعمال السيئة فإنه سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه وكذلك يكتبها فهو يعلم أن السعيد يسعد بالأعمال الصالحة والشقي يشقى بالأعمال السيئة فمن كان سعيدا ييسر للأعمال الصالحة والشقي يشقى بالأعمال السيئة فمن كان للأعمال السيئة التي تقتضي الشقاوة كلاهما ميسر لما خلق له وهو ما يصير إليه من مشيئة الله العامة الكونية التي ذكرها الله سبحانه في كتابه في قوله تعالى ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) هود، وأما ما خلقوا له من محبة الله ورضاه وهو إرادته الدينية وأمره بموجباتها فذلك مذكور في قوله ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات،
والله سبحانه قد بين في كتابه في كل واحدة من الكلمات والأمر والإرادة والإذن والكتاب والحكم والقضاء والتحريم ونحو ذلك مما هو ديني موافقته لمحبة الله ورضاه وأمره الشرعي وما هو كوني موافقته لمشيئته الكونية مثال ذلك:
● أنه قال في الأمر الديني ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي ) النحل، وقال تعالى ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) النساء، ونحو ذلك.
● وقال في الكوني ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) يس، وكذلك قوله ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ) الإسراء، على أحد الأقوال في هذه الآية،
● وقال في الارادة الدينية ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) البقرة، وقوله تعالى ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ) النساء، وقوله ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) المائدة،
● وقال في الكونية ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) البقرة، وقال ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ) الأنعام، وقال نوح عليه السلام ( ولا ينفعكم نصحي إن اردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ) هود، وقال ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) يس،
● وقال في الإذن الديني ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبأذن الله ) الحشر.
● وقال في الكوني ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) البقرة.
● وقال في القضاء الديني ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) الإسراء، أي أمر.
وقال في الكوني ( فقضاهن سبع سماوات في يومين ) فصلت.
● وقال في الحكم الديني فى أول المائدة ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد )، وقال ( ذلكم حكم الله يحكم بينكم ) الممتحنة.
● وقال في الكوني عن ابن يعقوب ( فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ) يوسف، وقال ( قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ) الأنبياء،
● وقال في التحريم الديني ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) المائدة، وقال ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ) النساء، الآية.
● وقال في الكوني ( فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ) المائدة.
● وقال في الكلمات الدينية ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) البقرة.
● وقال في الكونية ( وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ) الأعراف، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم المستفيض عنه من وجوه في الصحاح والسنن والمسانيد أنه كان يقول " أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر " ومن المعلوم أن هذا هو الكوني الذي لا يخرج منه شيء عن مشيئته وتكوينه، وأما الكلمات الدينية فقد خالفها الكفار بمعصيته.
والمقصود هنا أنه صلى الله عليه وسلم بين أن العواقب التي خلق لها الناس سعادة وشقاوة ييسرون لها بالأعمال التي يصيرون بها إلى ذلك كما أن سائر المخلوقات كذلك فهو سبحانه خلق الولد وسائر الحيوان في الأرحام بما يقدره من اجتماع الأبوين على النكاح واجتماع الماءين في الرحم فلو قال الإنسان أنا أتوكل ولا أطأ زوجتي فإن كان قد قضى لي بولد وإلا لم يوجد ولا حاجة إلى وطء كان أحمق بخلاف ما إذا وطئ وعزل الماء فإن عزل الماء لا يمنع انعقاد الولد إذا شاء الله إذ قد يخرج بغير اختياره وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا سرايا من العرب فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل فسألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " ما عليكم ألا تفعلوا فإن الله قد كتب ما هو خالق إلى يوم القيامة "، وفي صحيح مسلم عن جابر إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن لي جارية هي خادمتنا وسانيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها وهذا مع ان الله سبحانه قادر على ما قد فعله من خلق الإنسان من غير أبوين كما خلق آدم ومن خلقه من أب فقط كما خلق حواء من ضلع آدم القصير ومن خلقه من أم فقط كما خلق المسيح بن مريم عليه السلام لكن خلق ذلك بأسباب أخرى غير معتادة وهذا الموضع وإن كان إنما يجحده الزنادقة المعطلون للشرائع فقد وقع في كثير من وكثير من المشايخ المعظمين يسترسل أحدهم مع القدر غير محقق لما أمر به ونهى عنه ويجعل ذلك من باب التفويض والتوكل ويجري مع الحقيقة القدرية ويحسب أن قول القائل ينبغي للعبد أن يكون مع الله كالميت بين يدي الناس يتضمن ترك العمل بالأمر والنهي حتى يترك ما أمر به ويفعل ما نهى عنه وحتى يضعف عنده النور والفرقان والذي يفرق به بين ما أمر الله به وأحبه وأرضاه وبين ما نهى عنه وأبغضه وسخطه فيسوى بين ما فرق الله بينه قال تعالى ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) الجاثية، وقال تعالى ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون ) القلم، وقال تعالى ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) ص، وقال تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) الزمر، وقال تعالى ( وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الاحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور ) وأمثال ذلك، حتى يفضي الأمر بغلاتهم إلى عدم التمييز بين الأمر بالمأمور النبوي الإلهي الفرقاني الشرعي الذي دل عليه الكتاب والسنة وبين ما يكون في الوجوه من الأحوال التي تجري على أيدي الكفار والفجار فيشهدون وجه الجمع من جهة الجمع بقضاء الله وقدره وربوبيته وإرادته العامة وأنه داخل في ملكه ولا يشهدون وجه الفرق الذي فرق الله به بين أوليائه وأعدائه والأبرار والفجار والمؤمنين والكافرين وأهل الطاعة الذين أطاعوا أمره الديني وأهل المعصية الذين عصوا هذا الأمر ويشهدون في ذلك بكلمات مجملة نقلت عن بعض الأشياخ أو ببعض غلطات بعضهم وهذا أصل عظيم من اعظم ما يجب الاعتناء به على أهل طريق الله السالكين سبيل إرادة الدين يريدون وجهه فإنه قد دخل بسبب إهمال ذلك على طوائف منهم من الكفر والفسوق والعصيان مالا يعلمه إلا الله حتى يصيروا معاونين على البغي والعدوان للمسلطين في الارض من أهل الظلم والعلو الذين يتوجهون بقلوبهم في معاونة من يهوونه من أهل العلو في الأرض والفساد ظانين أنهم إذا كانت لهم احوال أثروا بها في ذلك من أولياء الله فإن القلوب لها من التأثير أعظم مما للأبدان لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها صالحا وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا فالأحوال يكون تأثيرها محبوبا لله تارة ومكروها لله أخرى وقد تكلم الفقهاء على وجوب القود على من يقتل بغيره في الباطن حيث يجب القود في ذلك ويستشهدون ببواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم بكشف لهم أو بتأثير يوافق إرادته هو كرامة من الله له ولا يعلمون أنه في الحقيقة إهانة وأن الكرامة لزوم الاستقامة وأن الله لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) يونس، فإن كانوا موافقين له فيما أوجبه عليهم فهم من المقتصدين وإن كانوا موافقين فيما أوجبه وأحبه فهم من المقربين مع أن كل واجب محبوب وليس كل محبوب واجبا وأما ما يبتلى الله به عبده من الشر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه بل قد يسعد بها أقوام إذا أطاعوه في ذلك وقد يشقى بها قوم إذا عصوه في ذلك قال الله تعالى ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا ) الفجر، ولهذا كان الناس في هذه الأمور على ثلاثة اقسام قسم ترتفع درجاتهم بخرق العادة إذا استعملوها في الطاعة وقوم يتعرضون بها لعذاب الله إذا استعملوها في معصية الله كبلعام وغيره وقوم تكون في حقهم بمنزلة المباحات والقسم الأول هم المؤمنون حقا المتبعون لنبيهم سيد ولد آدم الذي إنما كانت خوارقه لحجة يقيم بها دين الله أو لحاجة يستعين بها على طاعة الله ولكثرة اللغط في هذا الأصل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاسترسال مع القدر بدون الحرص على فعل المأمور الذي ينفع العبد فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان "، وفي سنن أبي داود " أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى على أحدهما فقال المقضي عليه حسبي الله ونعم الوكيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل "، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن أن يحرص على ما ينفعه وأن يستعين بالله وهذا مطابق لقوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وقوله ( فاعبده وتوكل عليه ) هود، فإن الحرص على ما ينفع العبد هو طاعة الله وعبادته إذ النافع له هو طاعة الله ولا شيء أنفع له من ذلك وكل ما يستعان به على الطاعة فهو طاعة وإن كان من جنس المباح قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لسعد " إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى اللقمة تضعها في في امرأتك "، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يلوم على العجز الذي هو ضد الكيس وهو التفريط فيما يؤمر بفعله فإن ذلك ينافي القدرة المقارنة للفعل وإن كان لا ينافي القدرة المقدمة التي هي مناط الأمر والنهي فإن الاستطاعة التي توجب الفعل وتكون مقارنة له لا تصلح إلا لمقدورها كما ذكرها في قوله ( ما كانوا يستطيعون السمع ) هود، وقوله ( وكانوا لا يستطعيون سمعا ) الكهف،
وأما الاستطاعة التي يتعلق بها الأمر والنهي فتلك قد يقترن بها الفعل وقد لا يقترن كما في قوله ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) آل عمران، وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر " أن صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك "، فهذا الموضع قد انقسم الناس فيه على أربعة أقسام:
● قوم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة والطاعة شاهدين لألوهيته سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه ولا ينظروا إلى جانب القضاء والقدر والتوكل والاستعانة وهو حال كثير من المتفقهة المتعبدة فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله وشعائره يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان والاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه والدعاء له هي التي تقوى العبد وتيسر عليه الأمور ولهذا قال بعض السلف من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، وفي الصحيحين عن عبد الله ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صفته في التوراة " إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويغفر ولن أقبضه حتى اقيم به الملة العوجاء فأفتح بك أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا "، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ولهذا روى أن حملة العرش إنما اطاقوا حمل العرش بقولهم لا حول ولا قوة إلا بالله، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها كنز من كنوز الجنة، قال تعالى ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) الطلاق، وقال تعالى ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) إلى قوله ( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) آل عمران، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس في قوله ( وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) قالها إبراهيم الخليل حين ألقى في النار وقالها محمد حين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم.
● وقسم ثان يشهدون ربوبية الحق وافتقارهم إليه ويستعينون بها على أهوائهم وأذواقهم غير ناظرين إلى حقيقة امره ونهيه ورضاه وغضبه ومحبته وهذا حال كثير من المتفقرة والمتصوفة ولهذا كثيرا ما يعملون على الأحوال التي يتصرفون بها في الوجود لا يقصدون ما يرضي الرب ويحبه وكثيرا ما يغلطون فيظنون أن معصيته هي مرضاته فيعودون إلى تعطيل الأمر والنهي ويسمهون هذا حقيقة ويظنون أن هذه الحقيقة الأمرية الدينية هي التي تحوي مرضاة الرب ومحبته وأمره ونهيه ظاهرا وباطنا وهؤلاء كثيرا ما يسلبون أحوالهم وقد يعودون إلى نوع من المعاصي والفسوق بل كثير منهم يرتد عن الاسلام لأن العاقبة للتقوى ومن لم يقف عند أمر الله ونهيه فليس من المتقين فهم يقعون في بعض ما وقع المشركون فيه تارة من بدعة يظنونها شرعة وتارة في الاحتجاج بالقدر على الأمر والله تعالى لما ذكر ما ذم به المشركين في سورة الأنعام ذكر ما ابتدعوه في الدين وجعلوه شرعة كما قال تعالى ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ) الأعراف، وقد ذمهم على أن حرموا ما لم يحرمه الله وأن شرعوا ما لم يشرعه الله وذكر احتجاجهم بالقدر في قوله ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) الأنعام، ونظيرها في النحل ويس والزخرف وهؤلاء يكون فيهم شبهة في هذا وهذا.
● وأما القسم الثالث وهو من أعرض عن عبادة الله واستعانته به فهؤلاء شر الأقسام.
● والقسم الرابع هو القسم المحمود وهو حال الذين حققوا ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وقوله ( فاعبده وتوكل عليه ) هود، فاستعانوا به على طاعته وشهدوا أنه إلههم الذي لا يجوز أن يعبدوا إلا إياه وطاعة رسوله وأنه ربهم الذي ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع وأنه ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ) فاطر، ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ) يونس، ( قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ) الزمر،
ولهذا قال طائفة من العلماء الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع وإنما التوكل المأمور به ما يجتمع فيه مقتضي التوحيد والعقل والشرع فقد بين أن من ظن التوكل من مقامات عامة اهل الطريق فقد غلط غلطا شديدا وإن كان من أعيان المشايخ كصاحب علل المقامات وهو من أجل المشايخ وأخذ ذلك عنه صاحب محاسن المجالس وأظهر ضعف حجته فمن قال ذلك قال إن المطلوب به حظ العامة فقط وظنه أنه لا فائدة له في تحصيل المقصود وهذه حال من جعل الدعاء كذلك وذلك بمنزلة من جعل الأعمال المأمور بها كذلك كمن اشتغل بالتوكل عما يجب عليه من الأسباب التي هي عبادة الله وطاعة مأمور بها فإن غلط هذا من ترك الأسباب المأمور بها التي هي داخلة في قوله ( فاعبده وتوكل عليه ) هود، كغلط الأول في ترك التوكل المأمور به الذي هو داخل في قوله ( فاعبده وتوكل عليه ) لكن يقال من كان توكله على الله ودعاؤه له هو في حصول مباحات فهو من العامة وإن كان في حصول مستحبات وواجبات فهو من الخاصة، كما أن من دعاه وتوكل عليه في حصول محرمات فهو ظالم لنفسه ومن أعرض عن التوكل فهو عاص لله ورسوله بل خارج عن حقيقة الإيمان فكيف يكون هذا المقام للخاصة قال الله تعالى ( وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) يونس، وقال تعالى ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) آل عمران، وقال ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) إبراهيم، وقال تعالى ( قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ) إلى قوله ( قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون ) الزمر، وقد ذكر الله هذه الكلمة حسبي الله في جلب المنفعة تارة وفي دفع المضرة أخرى فالأولى قوله ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله ) التوبة ، الآية والثانية قوله ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) آل عمران، وفي قوله ( وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله ) الأنفال، وقوله ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله ) التوبة، الآية، يتضمن الأمر بالرضا والتوكل والرضا والتوكل يكتنفان المقدور فالتوكل قبل وقوعه والرضاء بعد وقوعه ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الصلاة " اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسالك خشيتك في الغيب والشهادة وأسالك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسالك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع اللهم إني أسألك الرضاء بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين "، رواه احمد والنسائي من حديث عمار بن ياسر.
وأما ما يكون قبل القضاء فهو عزم على الرضا لا حقيقة للرضا ولهذا كان طائفة من المشايخ يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء فإذا وقع انفسحت عزائمهم كما يقع نحو ذلك في الصبر وغيره كما قال تعالى ( ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) آل عمران، وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) الصف، نزلت هذه الاية لما قالوا لو علمنا أي الأعمال احب إلى الله لعملناه فأنزل الله آية الجهاد فكرهه من كرهه ولهذا كره للمرء أن يتعرض للبلاء بأن يوجب على نفسه مالا يوجبه الشارع عليه بالعهد والنذر ونحو ذلك أو يطلب ولاية أو يقدم على بلد فيه طاعون كما ثبت في الصحيحين من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل وثبت عنه في الصحيحين أنه قال لعبد الرحمن بن سمرة " لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك "، وثبت عنه في الصحيحين أنه قال في الطاعون " إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه و إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها "، وثبت في الصحيحين أنه قال " لا تتمنوا لقاء العدو وأسالوا الله العافية ولكن إذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف "، وأمثال ذلك مما يقتضي أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى فيما يوجب عليه أشياء فيبخل بالوفاء كما يفعل كثير ممن يعاهد الله عهودا على أمور وغالب هؤلاء يبتلون بنقض العهود وينبغي أن الإنسان إذا ابتلى فعليه أن يصبر ويثبت ولا يكل حتى يكون من الرجال الموفين القائمين بالواجبات ولا بد في جميع ذلك من الصبر ولهذا كان الصبر واجبا باتفاق المسلمين على أداء الواجبات وترك المحظورات ويدخل في ذلك الصبر على المصائب عن أن يخرج والصبر عن ابتاع أهواء النفس فيما نهى الله عنه وقد ذكر الله الصبر في كتابه في اكثر من تسعين موضعا وقرنه بالصلاة في قوله ( استعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) البقرة، وقوله ( استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ) البقرة، وقوله ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ) إلى قوله ( واصبر فإن الله لايضيع اجر المحسنين ) هود، وقوله ( فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) طه، وقوله ( فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ) غافر، الآية،
وجعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين بقوله ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) السجدة، فإن الدين كله علم بالحق وعمل به فالعمل به لا بد فيه من الصبر بل وطلب علمه يحتاج إلى الصبر كما قال معاذ بن جبل علكيم بالعلم فإن طلبه لله عبادة ومعرفته خشية والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ومذاكرته تسبيح به يعرف الله ويعبد به يمجد ويوحد يرفع الله بالعلم أقوما يجعلهم للناس قادة وأئمة يهتدون بهم وينتهون إلى رأيهم فجعل البحث عن العلم من الجهاد ولا بد في الجهاد من الصبر ولهذا قال تعالى ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) والعصر، وقال تعالى ( واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ) ص، فالعلم النافع هو أصل الهدى والعمل بالحق هو الرشاد وضد الأول هو الضلال وضد الثاني هو الغي والضلال العمل بغير علم والغي اتباع الهوى قال تعالى ( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى ) النجم، فلا ينال الهدى إلا بالعلم ولا ينال الرشاد إلا بالصبر، ولهذا قال علي رضى الله عنه: ألا إن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا انقطع الرأس بان الجسد ثم رفع صوته فقال ألا لا إيمان لمن لا صبر له.
وأما الرضا فقد تنازع العلماء والمشايخ من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في الرضاء بالقضاء هل هو واجب أو مستحب على قولين: فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين وعلى الثاني يكون من أعمال المقربين قال عمر بن عبد العزيز الرضاء عزيز ولكنه معول المؤمن، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عباس " إن استطعت أن تعمل لله بالرضا مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا "، ولهذا لم يجيء في القرآن إلا مدح الراضين لا إيجاب ذلك وهذا في الرضا فيما يفعله الرب بعبده من المصائب كالمرض والفقر والزلزال كما قال تعالى ( والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) البقرة، وقال ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلولوا ) البقرة، فالبأساء في الأموال والضراء في الأبدان والزلزال في القلوب، وأما الرضا بما أمر الله به فأصله واجب وهو من الايمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث " ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا "، وهو من توابع المحبة كما سنذكره إن شاء الله تعالى، وقال ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) النساء، وقال تعالى ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله روسوله وقالوا حسبنا الله ) التوبة، الآية وقال تعالى ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ) محمد، وقال ( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ) التوبة،
ومن النوع الأول ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما قسم الله له ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله وسخطه بما يقسم الله له "،
وأما الرضا بالمنهيات من الكفر والفسوق والعصيان فأكثر العلماء يقولون لا يشرع الرضا بها إذ هي كما لا تشرع محبتها فإن الله سبحانه لا يرضاها ولا يحبها وإن كان قدرها وقضاها كما قال سبحانه ( والله لا يحب الفساد ) البقرة، وقال تعالى ( ولا يرضى لعباده الكفر ) الزمر، بل يسخطه كما قال تعالى ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ) محمد،
وقالت طائفة ترضى من جهة كونها مضافة إلى الله خلقا وتسخط من جهة كونها مضافة إلى العبد فعلا وكسبا وهذا لا ينافي الذي قبله بل هما يعودان إلى أصل واحد وهو سبحانه قدر الأشياء لحكمة فهي لاعتبار تلك الحكمة محبوبة مرضية وقد تكون في نفسها مكروهة ومسخوطة إذ الشيء الواحد يجتمع فيه وصفان يحب من أحدهما ويكره من الآخر كما في الحديث الصحيح ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه.
وأما من قال بالرضا بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله لا بالمقضي الذي هو مفعلوه فهو خروج منه عن مقصود الكلام فإن الكلام ليس بالرضاء فيما يقوم بذات الرب تعالى من صفاته وأفعاله وإنما الكلام في الرضاء بمفعولاته والكلام فيما يتعلق بهذا قد بيناه في غير هذا الموضع و الرضاء وإن كان من أعمال القلوب فكماله هو الحمد حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضاء ولهذا جاء في الكتاب والسنة حمد الله على كل حال وذلك يتضمن بمقضياته وفي الحديث " أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله في السراء والضراء " وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه كان إذا أتاه الأمر يسره قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه الأمر الذي يسؤوه قال الحمد لله على كل حال "، وفي مسند الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قبض ولد العبد يقول الله لملائكته أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول ماذا قال فيقولون حمدك واسترجعك فيقول ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد "، ونبينا صلى الله عليه وسلم هو صاحب لواء الحمد وأمته هم الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء والرضا والحمد على الضراء يوجبه شاهدان:
أحدهما علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك مستحق له لنفسه فإنه احسن كل شيء خلقه وأتقن كل شيء وهو العليم الحكيم الخبير الرحيم.
والثاني علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه كما روى مسلم في صحيحه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ليس ذلك إلا للمؤمن إن اصبته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له "، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على السراء فهو خير له قال تعالى ( إن في ذلك لايات لكل صبار شكور ) وذكرها في أربعة مواضع من كتابة، فى سور إبراهيم ولقمان وسبأ والشورى،
فأما من لا يصبر على البلاء ولا يشكر على الرخاء فلا يلزم أن يكون القضاء خيرا له ولهذا أجبت من أورد على هذا بما يقضى على المؤمن من المعاصي بجوابين:
أحدهما أن هذا إنما يتناول ما اصاب العبد لا ما فعله العبد كما في قوله ( ما أصابك من حسنة فمن الله ) أي من سراء ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) أي من ضراء وكقوله ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ) الأعراف، أي بالسراء والضراء كما قال ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) الأنبياء، وقال ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا ) آل عمران، بها يراد بها المسار والمضار ويراد بها الطاعات والمعاصي،
والجواب الثاني أن هذا في حق المؤمن الصبار الشكور والذنوب تنقص الإيمان فإذا تاب العبد أحبه الله وقد ترتفع درجته بالتوبة، قال بعض السلف كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة فمن قضى له بالتوبة كان كما قال سعيد ابن جبير إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون نصب عينة ويعجب بها ويعمل السيئة فتكون نصب عينة فيستغفر الله ويتوب إليه منها وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الأعمال بالخواتيم "،
والمؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبته تندفع عنه بعشرة أسباب أن يتوب فيتوب الله عليه فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له أو يستغفر فيغفر له أو يعمل حسنات تمحوها فإن الحسنات يذهبن السيئات أو يدعو له إخوانه المؤمنون ويشفعون له حيا وميتا أو يهدون له من ثواب أعمالهم لينفعه الله به أو يشفع فيه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أو يبتليه الله في الدنيا بمصائب تكفر عنه أو يبتليه في البرزخ والصعقة فيكفر بها عنه أو يبتليه في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه أو يرحمه أرحم الراحمين فمن أخطأته هذه العشرة فلا يلومن إلا نفسه كما قال تعالى فيما يروى عنه رسوله " يا عبادي إنما هي أعمالكم احصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه "، فإن كان المؤمن يعلم أن القضاء خير إذا كان صابرا شكورا وكان قد استخار الله، وعلم أن من سعادة ابن آدم استخارته لله ورضاه بما قسم له كان قد رضى بما هو خير له وفي الحديث الصحيح عن علي قال إن الله يقضي بالقضاء فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط ففي هذا الحديث الرضا والاستخارة فالرضا بعد القضاء والاستخارة قبل القضاء وهذا اكمل من الرضا والصبر فلهذا ذكر في ذاك الرضا وفي هذا الصبر ثم إذا كان القضاء مع الصبر خيرا له فكيف مع الرضا ولهذا جاء في الحديث المصاب من حرم الثواب فالأثر الذي رواه الشافعي في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات سمعوا قائلا يقول يا آل بيت رسول الله إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب ولهذا لم نؤمر بالحزن المنافي للرضا قط مع أنه لا فائدة فيه فقد يكون مضرة لكنه يعفى عنه إذا لم يقترن به ما يكرهه الله لكن البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب وذلك لا ينافي الرضا يخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه وبهذا تعرف معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لما بكى على الميت وقال: " إن هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء "، وأن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت وأن الفضيل بن عياض لما مات ابنه على فضحك وقال رأيت أن الله قضى فأحببت أن أرضى بما قضى الله به حاله حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع وأما رحمة الميت مع الرضا بالقضاء وحمد الله كحال النبي صلى الله عليه وسلم فهذا أكمل، قال تعالى ( ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) البلد، فذكر سبحانه التواصي بالصبر والرحمة، والناس أربعة اقسام منهم من يكون فيه صبر بقسوة ومنهم من يكون فيه رحمة بجزع ومنهم من يكون فيه القسوة والجزع والمؤمن المحمود الذي يصبر على ما يصيبه ويرحم الناس.
وقد فطن طائفة من المصنفين في هذا الباب أن الرضا عن الله من توابع المحبة له وهذا إنما يتوجه على المأخذ الأول وهو الرضا عنه لاستحقاقه ذلك بنفسه مع قطع العبد النظر عن حظه بخلاف المأخذ الثاني وهو الرضا لعلمه بأن المقضي خير له ثم إن المحبة متعلقة به والرضا متعلق بقضائه لكن قد يقال في تقرير ما قال هذا المصنف ونحوه إن المحبة لله نوعان محبة له نفسه ومحبة لما منهم من الاحسان وكذلك الحمد له نوعان حمد لله على ما يستحقه بنفسه وحمد على إحسانه لعبده فالنوعان للرضا كالنوعين للمحبة وأما الرضا به وبدينه وبرسوله فذلك من حظ المحبة ولهذا ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا "، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ انقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار "، وهذا مما يبين من الكلام على المحبة.


أمراض القلوب . تأليف : ابن تيمية
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم