عُمرة القضاء والسرايا التى بعدها

    شاطر
    avatar
    الإدارة
    Admin

    عدد المساهمات : 1076
    تاريخ التسجيل : 29/04/2014

    عُمرة القضاء والسرايا التى بعدها

    مُساهمة من طرف الإدارة في الثلاثاء مايو 09, 2017 4:32 pm

    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم
    وسراياه
    عُمرة القضية
    عُمرة القضاء

    ثم عمرة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، القضية في ذي القعدة سنة سبع من مهاجره. قالوا: لما دخل هلال ذي القعدة أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يعتمروا قضاءً لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية، وأن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم أحد إلا رجال استشهدوا منهم بخيبر ورجال ماتوا. وخرج مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قوم من المسلمين عماراً فكانوا في عمرة القضية ألفين، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري وساق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ستين بدنةً وجعل على هديه ناجية بن جندب الأسلمي، وحمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، السلاح البيض والدروع والرماح وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذي الحليفة قدم الخيل أمامه عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح واستعمل عليه بشير ابن سعد، وأحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من باب المسجد ولبى والمسلمون معه يلبون، ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران فوجد بها نفراً من قريش فسألوه فقال: هذا رسول اله، صلى الله عليه وسلم، يصبح هذا المنزل غداً إن شاء الله؛ فأتوا قريشاً فأخبروهم ففزعوا ونزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمر الظهران وقدم السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وخلف عليه أوس بن خولي الأنصاري في مائة رجل، وخرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال وخلوا مكة، فقدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الهدي أمامه فحبس بذي طوى، وخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على راحلته القصواء والمسلمون متوشحون السيوف محدقون برسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلبون فدخل من الثنية التي تطلعه على الحجون وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته، فلم يزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلبي حتى استلم الركن بمحجنه مضطجعاً بثوبه، وطاف على راحلته والمسلمون يطوفون معه قد اضطجعوا بثيابهم، وعبد الله بن رواحة يقول:
    خلّوا بني الكفّار عن سبيله ● خلّوا فكلّ الخير مع رسوله
    نحن ضـربناكم على تأويله ● كمـا ضــربناكم على تنزيله
    ضرباً يزيل الهام عن مقيله ● ويـذهل الخـليل عن خـليله
    يا رب إنّي مؤمن بقله
    فقال عمر: يا ابن رواحة إيهاً، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يا عمر إني أسمع، فأسكت عمر وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إيها يا ابن رواحة ! قال: قل لا إله إلا الله وحده نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده؛ قال فقالها ابن رواحة فقالها الناس كما قال. ثم طاف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدي عند المروة قال: هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر؛ فنحر عند المروة وحلق هناك وكذلك فعل المسلمون فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ناساً منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج فيقيموا على السلاح ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم ففعلوا، ثم دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الكعبة فلم يزل فيها إلى الظهر ثم أمر بلالاً فأذن على ظهر الكعبة وأقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة ثلاثاً وتزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، فلما كان عند ظهر من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب ابن عبد العزى فقالا: قد انقضى أجلك فاخرج عنا ! وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم ينزل بيتاً بل ضربت له قبة من أدم بالأبطح، فكان هناك حتى خرج منها وأمر أبا رافع فنادى بالرحيل وقال: لا يمسين بها أحد من المسلمين، وأخرج عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب من مكة وأم عمارة سلمى بنت عميس، وهي أم عبد الله بن شداد بن الهاد، فاختصم فيها علي وجعفر وزيد بن حارثة أيهم تكون عنده فقضى بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لجعفر من أجل أن خالتها عنده أسماء بنت عميس، وركب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى نزل سرف وتتام الناس إليه. وأقام أبو رافع بمكة حتى أمسى فحمل إليه ميمونة بنت الحارث فبنى عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسرف ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة.
    أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زياد وأخبرنا يحيى بن عباد، أخبرنا حماد بن سلمة جميعاً عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قدموا مكة يعني في القضية، فقال المشركون من قريش: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتكم حمى يثرب، قال: وقعدوا مما يلي الحجر فأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون قوتهم، وأن يمشوا ما بين الركنين.
    قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فلما رملوا قالت قريش: ما وهنتم.
    سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سليم
    ثم سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم في ذي الحجة سنة سبع من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلاً إلى بني سليم، فخرج إليهم وتقدمه عين لهم كان معه فحذرهم فجمعوا فأتاهم ابن أبي العوجاء، وهم معدون له، فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا، فتراموا بالنبل ساعة وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالاً شديداً حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبي العوجاء جريحاً مع القتلى ثم تحامل حتى بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان.
    سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد
    ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر، أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، أخبرنا محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد الله الجهني عن جندب بن مكيث الجهني قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، غالب بن عبد الله الليثي ثم أحد بني كلب بن عوف في سرية، فكتب فيهم وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد، وهم من بني ليث، قال: فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال: إنما جئت أريد الإسلام وإنما خرجت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قلنا: إن تكن مسلماً لم يضررك رباطنا يوماً وليلةً، وإن تكن على غير ذلك نستوثق منك. قال: فشددناه وثاقاً وخلفنا عليه رويجلاً منا أسود فقال: إن نازعك فاحتز رأسه، فسرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس فكمنا في ناحية الوادي وبعثني أصحابي ربيئةً لهم فخرجت حتى أتيت تلاً مشرفاً على الحاضر يطلعني عليهم حتى إذا أسندت عليهم فيه علوت على رأسه ثم اضطجعت عليه قال: فإني لأنظر إذ خرج رجل منهم من خباء له فقال لامرأته: إني أرى على هذا الجبل سواداً ما رأيته أول من يومي هذا فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب جرت منها شيئاً. قال: فنظرت فقالت: والله ما أفقد من أوعيتي شيئاً. قال: فناوليني قوسي ونبلي، فناولته قوسه وسهمين معها، فأرسل سهماً فوالله ما أخطأ بين عيني، قال: فانتزعته وثبت مكاني ثم أرسل آخر فوضعه في منكبي فانتزعته فوضعته وثبت مكاني، فقال لامرأته: والله لو كانت ربيئةً لقد تحركت بعد ! والله لقد خالطها سهماي لا أبا لك ! فإذا أصبحت فانظريهما لا تمضغهما الكلاب، قال: ثم دخل وراحت الماشية من إبلهم وأغنامهم، فلما احتلبوا وعطنوا واطمأنوا فناموا شننا عليهم الغارة واستقنا النعم. قال: فخرج صريخ القوم في قومهم فجاء ما لا قبل لنا به، فخرجنا بها نحدرها حتى مررنا بابن البرصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا، فأدركنا القوم حتى نظروا إلينا ما بيننا وبينهم إلا الوادي ونحن موجهون في ناحية الوادي إذ جاء الله بالوادي من حيث شاء يملأ جنبتيه ماء، والله ما رأينا يومئذ سحاباً ولا مطراً فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه فلقد رأيتهم وقوفاً ينظرون إلينا وقد أسندناها في المسيل، هكذا قال، وأما في رواية محمد بن عمر قال: أسندناها في المشلل نحدرها وفتناهم فوتاً لا يقدرون فيه على طلبنا، قال: فما أنسى قول راجز من المسلمين وهو يقول:
    أبى أبو القاسم أن تعزّبي ● في خضلٍ نباته مغلولب
    صفرٍ أعاليه كلون المذهب
    وزاد محمد بن عمر في روايته:
    وذاك قول صادقٍ لم يكذب
    قال: فكانوا بضعة عشر رجلاً، قال عبد الوارث: وحدثني هذا الحرف رجل عن محمد بن إسحاق أنه حدثه رجل من أسلم أنه كان شعارهم يومئذ: أمت أمت.
    سرية غالب بن عبد الله الليثي أيضاً إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك
    ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه قال: هيأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الزبير بن العوام وقال: سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم. وهيأ مع مائتي رجل وعقد له لواءً، فقدم غالب بن عبد الله الليثي من الكديد من سرية قد ظفره الله عليهم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للزبير: اجلس ! وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل، وخرج أسامة بن زيد فيها حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير وخرج معه علبة بن زيد فيها فأصابوا منهم نعماً وقتلوا منهم قتلى.
    أخبرنا محمد بن عمر، حدثني أفلح بن سعيد عن بشير بن محمد بن عبد الله بن زيد قال: خرج مع غالب في هذه السرية عقبة بن عمرو أبو مسعود وكعب بن عجرة وأسامة بن زيد الحارثي.
    أخبرنا محمد بن عمر، حدثني شبل بن العلاء بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن حويصة عن أبيه قال: بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في سرية مع غالب بن عبد الله إلى بني مرة فأغرنا عليهم مع الصبح وقد أوعز إلينا، أمرنا ألا نفترق وواخى بيننا فقال: لا تعصوني فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني وإنكم متى ما تعصوني فإنكم تعصون نبيكم، قال: فآخى بيني وبين أبي سعيد الخدري، قال: فأصبنا القوم.
    سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسي
    ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسي في شهر ربيع الأول سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن عمر بن الحكم قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلاً إلى جمع من هوازن بالسي ناحية ركبة من وراء المعدن، وهي من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم، وكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم وهم غارون، فأصابوا نعماً كثيراً وشاءً واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة واقتسموا الغنيمة، وكانت سهامهم خمسة عشر بعيراً وعدلوا البعير بعشر من الغنم، وغابت السرية خمس عشرة ليلةً.
    سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح
    ثم سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح، وهي من وراء وادي القرى، في شهر ربيع الأول سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    أخبرنا محمد بن عمر، حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كعب بن عمير الغفاري في خمس عشر رجلاً حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشأم فوجدوا جمعً من جمعهم كثير، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر فشق ذلك عليه وهم بالبعث إليهم فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم.

    سرية مؤتة
    ويقال غزوة مؤتة

    ثم سرية مؤتة، وهي بأدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق، في جمادى الأولى سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل ابن عمرو الغساني فقتله ولم يقتل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، رسول غيره، فاشتد ذلك عليه وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف، وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلاً فيجعلوه عليهم. وعقد لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لواءً أبيض ودفعه غل زيد بن حارثة وأوصاهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم، وخرج مشيعاً لهم حتى بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم. فلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين ! فقال ابن رواحة عند ذلك:
    لكنّني أسأل الرّحمن مغفرةً ... وضربةً ذات فرغٍ تقذف الزّبدا
    قال: فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام فيهم شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف وقدم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون معان من أرض الشأم وبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام. فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنخبره الخبر، فشجعهم عبد الله بن رواحة عن المضي، فمضوا إلى مؤتة ووافاهم المشركون فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، فالتقى المسلمون والمشركون فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل، وقاتل المسلمون معه على صفوفهم، حتى قتل طعناً بالرماح رحمه الله، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها فكانت أول فرس عرقبت في الإسلام وقاتل حتى قتل، رضي الله عنه، ضربه رجل من الروم فقطعه بنصفين، فوجد في أحد نصفيه بضعة وثلاثون جرحاً ووجد فيما قيل من بدن جعفر اثنتان وسبعون ضربةً بسيف وطعنةً برمح، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل رحمه الله، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فأخذ اللواء وانكشف الناس فكانت الهزيمة، فتبعهم المشركون فقتل من قتل من المسلمين ورفعت الأرض لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى نظر إلى معترك القوم. فلما أخذ خالد بن الوليد اللواء قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: الآن حمي الوطيس ! فلما سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين تلقوهم بالجرف، فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب ويقولون: يا فرار ! أفررتم في سبيل الله ؟ فيقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ليسوا بفرار ولكنهم كرار إن شاء الله! أخبرنا بكر بن عبد الرحمن قاضي الكوفة، أخبرنا عيسى بن المختار عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سالم بن أبي الجعد عن أبي اليسر عن أبي عامر قال: بعثني رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الشأم، فلما رجعت مررت على أصحابي وهم يقاتلون المشركين بمؤتة، قلت والله لا أبرح اليوم حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمرهم، فأخذ اللواء جعفر بن أبي طالب ولبس السلاح، وقال غيره: أخذ زيد اللواء وكان رأس القوم ثم حمل جعفر حتى إذا هم أن يخالط العدو رجع فوحش بالسلاح ثم حمل على العدو وطاعن حتى قتل، ثم أخذ اللواء زيد بن حارثة وطاعن حتى قتل، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وطاعن حتى قتل، ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى لم أر اثنين جميعاً، ثم أخذ اللواء رجل من الأنصار ثم سعى به حتى إذا كان أمام الناس ركزه ثم قال: إلي أيها الناس ! فاجتمع إليه الناس حتى إذا كثروا مشى باللواء إلى خالد بن الوليد فقال له خالد: لا آخذه منك أنت أحق به؛ فقال الأنصاري: والله ما أخذته إلا لك ! فأخذ خالد اللواء ثم حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاؤوا وقال: فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فشق ذلك عليه فصلى الظهر ثم دخل، وكان إذا صلى الظهر قام فركع ركعتين ثم أقبل بوجهه على القوم فشق ذلك على الناس، ثم صلى العصر ففعل مثل ذلك، ثم صلى المغرب ففعل مثل ذلك، ثم صلى العتمة ففعل مثل ذلك، حتى إذا كان صلاة الصبح دخل المسجد ثم تبسم، وكان تلك الساعة لا يقوم إليه إنسان من ناحية المسجد حتى يصلي الغداة، فقال له القوم حين تبسم: يا نبي الله بأنفسنا أنت ! ما يعلم إلا الله ما كان بنا من الوجد منذ رأينا منك الذي رأينا ! قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كان الذي رأيتم مني أنه أحزنني قتل أصحابي حتى رأيتهم في الجنة إخواناً على سرر متقابلين ورأيت في بعضهم إعراضاً كأنه كره السيف ورأيت جعفراً ملكاً ذا جناحين مضرجاً بالدماء مصبوغ القوادم.
    سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل
    ثم سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل وهي وراء وادي القرى وبينها وبين المدينة عشرة أيام، وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    قالوا: بلغ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن جمعاً من قضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فدعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عمرو بن العاص فعقد له لواءً أبيض وجعل معه رايةً سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم ثلاثون فرساً، وأمره أن يستعين بمن يمر به من بلي وعذارة وبلقين، فسار الليل وكمن النهار فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعاً كثيراً فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يستمده فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين وعقد له لواءً وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر، وأمره أن يحلق بعمرو وأن يكونا جميعاً ولا يختلفا، فلحق بعمرو فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو: إنما قدمت علي مدداً وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة وكان عمرو يصلي بالناس وسار حتى وطىء بلاد بلي ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عذرة وبلقين، ولقي في آخر ذلك جمعاً فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرقوا، ثم قفل وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريداً إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم.
    سرية الخبط أميرها أبو عبيدة بن الجراح
    ثم سرية الخبط أميرها أبو عبيدة بن الجراح وكانت في رجب سنة ثمان من مهاجر رسول الله،
    صلى الله عليه وسلم.
    قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطاب، إلى حي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم في الطريق جوع شديد فأكلوا الخبط وابتاع قيس بن سعد جزراً ونحرها لهم، وألقى لهم البحر حوتاً عظيماً فأكلوا منه وانصرفوا ولم يلقوا كيداً.
    سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة
    ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة، وهي أرض محارب بنجد، في شعبان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا قتادة ومعه خمسة عشر رجلاً إلى غطفان وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار فهجم على حاضر منهم عظيم فأحاط بهم فصرخ رجل منهم: يا خضرة ! وقاتل منهم رجال فقتلوا من أشرف لهم واستاقوا النعم، فكانت الإبل مائتي بعير والغنم ألفي شاة وسبوا سبياً كثيراً، وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخمس فعزلوه وقسموا ما بقي على أهل السرية فأصاب كل رجل منهم اثنا عشر بعيراً فعدل البعير بعشر من الغنم، وصارت في سهم أبي قتادة جارية وضيئة فاستوهبها منه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوهبها له، فوهبها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لمحميةً ابن جزء، وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة.
    سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضم
    ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى بطن إضم في أول شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
    قالوا: لما هم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بغزوة أهل مكة بعث أبا قتادة بن ربعي في ثمانية نفر سريةً إلى بطن إضم، وهي فيما بين ذي خشب وذي المروة، وبينها وبين المدينة ثلاثة برد، ليظن ظان أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، توجه إلى تلك الناحية ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان في السرية محلم بن جثامة الليثي، فمر عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم بتحية الإسلام فأمسك عنه القوم وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله وسلبه بعيره ومتاعه ووطب لبن كان معه؛ فلما لحقوا بالنبي، صلى الله عليه وسلم، نزل فيهم القرآن: ( يّا أيّهَا الّذينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُوا وَلا تَقُولوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمُ السّلامَ لَسْتَ مُؤمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَوةِ الدّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ) إلى آخر الآية فمضوا ولم يلحقوا جمعاً فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خشب فبلغهم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قد توجه إلى مكة فأخذوا على بيبن حتى لقوا النبي، صلى الله عليه وسلم، بالسقيا.


    كتاب غزوات الرسول وسراياه
    المؤلف : ابن سعد
    منتدى ميراث الرسول . البوابة



      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 2:57 pm